Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 13 من 13
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53

    لا يوجد مكان مناسب للموت !

    [justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]

    قصة قصيرة ،
    خليل الشريف
    20 / 11/ 1431هـ
    أتمنى لكم قراءة ممتعة
    ............................

    - أيها المحترم ، هذه أوراقك ؛ يؤسفني أن اللجنة لم توافق على التماسك .

    دون أن يرد ، مد ذراعه ليستلم الأوراق ، بدا عليه الإرهاق ، لم يكن خبرا مزعجا مثل هذا ، سيزيد الأمر سوءا بالنسبة إليه . لقد بلغت الأحداث الحد الذي لم يعد معه وجود أمر سيء إضافي يشكل فارقا يذكر . إنها حالة أشبه ما تكون بذلك الشخص الذي يحكم عليه بالإعدام في قضية من القضايا ، وما تلبث أن تتدافع عليه قضايا أخرى يحكم عليه بسنوات إضافية من السجن . وهل هناك ما يمكن أن يضاف على حكم الإعدام ؟ وفي حالته ماذا يعني أن لا يوافق رؤسائه في العمل على التماسه العاشر ربما ؛ حتى يعود إلى وظيفته التي سرح منها قبل شهرين . ماذا يمكن أن يضيف هذا الحظ العاثر من ألم ، على شخص يقع تحت طائلة تهديد السجن من قبل الدائنين . وهو أيضا ؛ قد تعرض لخيانة زوجته التي عاش معها أكثر من عشر سنوات .. هناء الجميلة ، خاض معها قصة حب تكاد تكون أفلاطونية . يتكرر كل ليلة فحيح صوتها في أذنيه ، يظن أنه يتوهم . يشعر أنه يفقد التركيز . لم يعد يفرق بين الحقيقة والوهم . و حين يحل الليل ويطفئ الأنوار ، يتسلل ذلك الصوت من جديد إلى أذنيه ، ويسمع العهد الذي قطعته له في أول ليلة من زواجهما بصوتها الأنثوي الدافئ :" أقسم لك أنني سأكون هناءك الذي لا ينقطع . وحبك الذي لا يتغير " يتذكر كيف كانت ردة فعله على هذه العبارة بريئة وخجولة ، وأنه لم يكن قادرا على أن يتفوه بكلمة لشد ما كان مدهشا وسعيداً. هكذا يبدأ لحظاته الأولى في فراشه كل ليله بعد أن انفصل عن زوجته . لم يكن يحظى إلا بالقليل من الإغفاءة قبل أن يذهب إلى عمله متهالكا لا يستطيع انجاز أي شيء . أو يقرر الغياب فيبقى حبيس المنزل في دوامة من الإرهاق والتعب والحرمان من النوم . ازدادت حالته ترديا مع الوقت . فقد أصدقائه وأعزائه ، تراكمت موجات الاكتئاب على صدره . تحول إلى إنسان صامت باهت لا يقوى على أن ينظر في عيني أي إنسان . لم يرضى رؤسائه في العمل بأدائه الذي كان لا يتعدى الحضور الجسدي ليس إلا . يعلمون ما يتطلبه عمل منسق العلاقات العامة من نشاط وكاريزما ومهارات اتصال فعالة . تأكدوا أنه فقد هذا كله . قرروا بالإجماع على تسريحه دون تراجع !

    أخذ أوراقه من الموظف . مضى خارج المؤسسة . باغت عينيه ضوء الشمس المشع بقوة . ركب سيارته وبدأ القيادة . شعر بحيرة بالغة . لم يكن يعرف إلى أي مكان يفترض أن يذهب إليه الآن . فكر ماذا يعني له ذهابه إلى البيت في هذه الساعة ، يعني أنه سيرى ألعاب وملابس طفلته " لبنى " . لقد نثرها على الأرض قبل أن يخرج ، واستلقى وسطها وظل يذرف دموعه بلا صوت و لا نشيج . كان أقسى ما مر عليه ؛أن ابنته الصغيرة و الوحيدة ، فقدت قدرتها على الكلام بعد أن استمرت بالبكاء فترة طويلة حزنا على فراق أبويها . يعتقد أنها آثرت الصمت المطبق، إذ أنها لا تملك لغة كافية لتعبر عن معاناتها . وهل يمكن لأي لغة في العالم أن تعبر عن معاناة طفل حظي بالحياة مع أبويه ثم فقدها فجأة ! سأل نفسه وهو يشق طريق المدينة الرئيسي ؛ هل تحظى بالاهتمام الكافي عند من يقومون برعايتها ؟ هل يوبخونها على الأخطاء البسيطة التي طالما وقع فيها الأطفال ؟ هل يضمونها إلى صدورهم بالقدر الذي كان يمنحها عندما كانت ترمي نفسها بين ذراعيه ؟ وماذا عن المستقبل . كيف ستتفهم أنه اتخذ القرار الذي لم يكن له مفر منه حين تركها لتعيش في رعاية عمته المسنة ؟ إنه عاجز تماما عن الاهتمام بنفسه فضلا أن يمنح اهتمامه لمن حوله .

    تذكر أنه لم يأكل شيء منذ يومين . وبدأ يحس بصداع في رأسه وبوخز حاد في رقبته . انعطف به الطريق ثم استوقفته إشارة مرورية بضوئها الأحمر . انطلق إليه رجل مسن نحيل يتكئ على عصا خشبية مهترئة ، ويمشي بخطوات مهزوزة للغاية . أشار إليه المسن مستدرا شفقته أن يتصدق عليه بشيء من المال . تأمل المسن في برود . اعتذر منه بإشارة سريعة بإصبعه . لكنه ظل يراقبه باهتمام . هاله منظر التجاعيد التي تحفر وجهه وكأنها تضاريس وديان غائرة في العمق . لا حظ انحناءة ظهره . قواه الخائرة . كذلك كرامته المهدرة مع تقدم عمره . سأل نفسه كيف يتحمل هذا المسن الشمس الضاربة في ظهيرة كل يوم ؟ شعر بهول الشقاء الذي يعيشه هذا العجوز . كرر داخله " ألا يعرف الشقاء أن يفرق بين المسن والشاب ؟ " عصفت بداخله مشاعر رهيبة . اضطرب اضطرابا شديدا . قال بصوت بطيء مسموع " لماذا نتمسك بالحياة حين تدير ظهرها لنا ؟؟" . لم يدرك الضوضاء التي خلفها وقوفه والإشارة قد فرشت بضوئها الأخضر حق الطريق إليه . تعالت أصوات زمامير السيارات . أدار مقوده وتحرك . غير أن هذه اللحظة ولدت لديه قرارا مفاجئاً وحاسماً أن ينتحر !

    قال في نفسه " الانتحار لا يستحق جلسة مداولة . لا يعرف تراتبية بيروقراطية في اتخاذ القرار .. الانتحار وصفة مباشرة وسهلة لمن لا تعجبهم الحياة .. وهل يجب أن تعجب الحياة كل البشر؟؟ ليس لزاما طالما أن هناك أشقياء وسعداء "

    تحمس للفكرة بشكل حازم . عرف أنه حياته ضيقة وأن فرصه معدومة . وأنه لم يعد يمثل شيء مهما ًبين هذا الحشد الهائل من البشر . تذكر أوجه الدائنين المتورمة التي لا تعرف الرحمة ، نظر إلى أوراق التماسه المرفوضة . فازداد تصميما . ووسط هذا الحماس المفعم للانتحار والذي كان باديا في ازدياد سرعة السيارة شيئا ملحوظا . فاجأته فكرة مهمة تتعلق بالموضوع . كيف سينتحر ؟ ضعفت وتيرة حماسه شيئا يسيرا ً. استشعر أن العملية أعقد مما يتصور . أو بالأحرى شعر بجدية الفكرة بشكل أكبر . لكنه قال في نفسه بطريقة عاطفية " ربما ترغب أن تعيش لتواجه بؤساً أكثر ؛ كما هو حال ذلك المسن ؟"

    لمعت بذهنه أول فكرة للانتحار فتخيل نفسه يقف ويمسك بسكين حادة ثم يرفع يده بطريقة خاطفة تجاه رقبته وينحر نفسه ! . لكنه أدرك سريعا ؛ أن طريقة مثل هذه تحتاج إلى إرادة قوية جدا . وهل يتخلى عن الحياة شخص يمتلك إرادة قوية ؟

    قرر أن يضع شروطه للانتحار أولا ً . بعد ذلك يفكر في الطريقة التي تتناسب مع هذه الشروط . وجد من المهم أن لا يسبب انتحاره الأذى أو الألم لأي إنسان . وهو لا يرغب أن يشاهد الناس جثته ، وأن يطيلوا التأمل فيها . يخشى حد الهلع أن يصورها المتطفلين ثم تقع مثل هذه الصور في يد ابنته يوما ما. كما أنه لا يرغب أن يلفت نظر أي مخلوق لمغادرته للحياة . إنه لا ينتحر ليلفت أنظار الناس إلى مأساته . هذه الأفكار الطفولية التي يفعلها بعض المنتحرين لا تعنيه بشيء . بل يرى أنها قذرة ومنحطة . كيف يقرر إنسان أن يغادر الحياة لمجرد أنه يرغب بلفت أنظار الآخرين إليه ؟؟ إنه يقرر أن ينتحر ؛ لأنه لم يعد يحظى بشيء . لقد فقد جميع امتيازاته في الحياة . ولم يتبقى له غير الشقاء . وهو لا يجد نفسه قادرا على إكمال هذا المشوار المضني مع الألم والخواء . ويرى أن يختصر الطريق ليس إلا . هذا هدفه بكل وضوح وبساطه . قال في نفسه " يجب أن لا أثير الرعب في نفوس الناس بعد رؤيتي ميتاً ، أو يقرؤوا قصة انتحاري في جريدة ، لن أسمح أن تتعفن جثتي في مكان ما ثم تصدر لها رائحة كريهة، ويحل التشاؤم في أرجاء المكان " كان يود أن يموت دون أن تبقى له جثة . يرغب في طريقة تخفي روحه وجسده عن الحياة في وقت واحد . فكر لو ابتلعته الأرض . لو دفن نفسه حيا . لكن ؛ من يجرؤ على مساعدته في هذا ؟ ماذا عن ابتلاع سم ؟ و أين سيتم هذا ؟ في الشارع مثلا . . سينقله الناس إلى المستشفى حالما يرون أنه فاقد الوعي. وربما استطاعوا إنقاذ حياته هناك ! وماذا لو أغلق على نفسه في مكان ما وابتلعه ؛ من المحتمل جداً أن تتعفن الجثة وتنتفخ ؛ وكان هذا أكثر ما يثير مخاوفه. تسلل إليه شعور واهن . قال لنفسه وكأنه يحاسب نفسه " أنت تضع هذه الشروط متشبثا بالحياة . تحاول الفرار من الفكرة . تعمل على تعقيدها بينما هي أبسط فكره يمكن تطبيقها . أن تموت . من يملك أن يمنعك عن القيام بهذه المهمة ؟" انقطع حبل أفكاره . شعر بتوتر شديد . وعجز عن التفكير . تأمل المدينة الإسمنتية التي يعيش فيها .رأى كم هي غارقة في التلوث والصراع ، تسمرت عينيه في الطريق أمامه . قرر أن يخرج عن محيط المباني . أن يبتعد إلى الصحراء . للمكان الذي أحبه في أيامه الخوالي . الصحراء تشعره بالعزلة . ليست العزلة التي يحس معها أنه شخص منبوذ . على العكس . أن يهيم في الصحراء هذا يعني أنه يمارس عزلة راقية . عزلة ترتقي به عن صراع البشر وحياتهم المكتظة بالغش والتلوث . عزلة تسمو بالروح وتحقق له كبرياء عظيم , وكأنه الوحيد الذي يعيش على هذا الكوكب ! تجاوزت سيارته حدود المدينة . حلق بعينيه في ذلك الفضاء الرحب من حوله . الرمال السابحة في أرجاء الأرض . حدد وجهته للمكان الذي تعود أن يقضي فيه الليالي المقمرة . انزلقت السيارة بين الرمال الصفراء الخشنة . ثم غاصت في أعماق الصحراء .

    قال لنفسه وهو يمسح وجهه بكفه الأيسر " انه أجمل مكان يمكن أن ينهي الإنسان حياته عليه ، وسأكون بعيدا عن الأنظار " . تقدم بالسيارة في طريق مهدته السيارات التي تعهدت هذا الطريق . تعدى المنطقة التي اعتاد الجلوس فيها . فكر أن يتقدم أكثر . اتخذ طريقا منشقا آخر . وبعد أن سار ما يقارب النصف ساعة باتجاه الغرب بطأ من سرعته ثم توقف .

    كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرا . أطفأ المحرك وترجل في حركة ثقيلة من السيارة . أعجبه الهدوء الذي يخيم على المكان . صوت الرياح المنطلقة في الرحاب الواسعة . قال في نفسه " لو أن شيئا يشجع على الحياة . لكانت الصحراء " . لكنه دون أن يسمح لنفسه بالتفكير . وضع خطته بكل حسم للانتحار على النحو التالي ؛ سيضرم النار في إحدى العجلات . ثم سيجهز قطعة من القماش المبللة بقليل من البنزين . وبعد أن يثبتها بالقرب من الفتحة المخصصة لوقود السيارة . سيشعلها ويسارع للدخول في السيارة ، ويغلق الأبواب والزجاج عليه بإحكام . حينها سيشرط معصميه بسكينته الصغيرة . ثم يستسلم للموت بهدوء . ولعل جثته بعد ذلك تحترق وتتبخر في كنف الصحراء . ولكنها لن تكلف أحداً عناء دفنها تحت التراب . ولن تؤذي أي إنسان برائحتها المتعفنة أو شكلها المقزز. إنه لن يتبقى منها غير هيكل عظمي لا يحدد أية ملامح لهوية شخص . إنها فكرة محكمة .

    استجمع قواه . سحب نفسا عميقا . وشرع دون أن يسمح لومضة من التفكيرـ في سلامة ما هو ذاهب إليه ـ أن تخترق عقله . لقد صمم . نعم . ويجب أن يضع حدا لهذا التقهقر الذي لا يظن أنه سيتوقف . نفذ كل شيء بإحكام . وهاهو الآن يتمدد في المقاعد الخلفية لسيارته . وسكينته الصغيرة تنتظر إشارة كهربية من الدماغ لتنفذ أغرب أمر يصدره عقله إلى يده . أما الأدخنة السوداء فكانت تنبعث من العجلة اليسرى الأمامية بكثافة . وفي أي لحظة سيتفجر الوقود جراء قطعة القماش المشتعلة . فكر بأي معصم يبدأ تشريط عروقه . وقع اختياره على معصمه الأيسر . وبهدوء وخفه ؛ غرس حافة السكين ورسم خطاً رقيقا ً من الدماء .


    لم يكن قبل هذه اللحظة بالذات يتصور أن المشاعر يمكن أن تتداخل مع الأفكار، وتسحق كل الحصون المنيعة التي يحاول الإنسان أحيانا وضعها أمام سطوة الذات المتشبثة برأي ما ، لتنفيذ أمر ملح يجد أنه من المهم جدا تنفيذه . لقد كان يظن أنه قادر تماما على إيقاف أي فكرة يمكن أن تثنيه عن هذا الأمر الذي صار مقتنعا به أيما قناعة . لكنه وجد نفسه في تلك اللحظة التي تناثر الدم فيها على ذراعه الأيسر، وانتشر على المقاعد المخملية . وجد نفسه يواجه موجه عنيفة ساحقه من الأفكار والمشاعر . لقد مر شريط الحياة أمامه بأقصى سرعة يمكن أن يتخيلها إنسان !

    .. لحظات الطفولة العابرة ، الجميلة منها والمملة . الأجواء التي تثير في نفسه الفرح والخوف . الأوجه الكثيفة المتعاقبة على حياته . وجه معلمه الضخم في المرحلة الابتدائية . زميله في العمل الذي يسلم عليه كل صباح . جاره الطويل وهو يضع برميل الزبالة أمام الباب . صراخ أمه وهي تناديه للغداء ، أصابع جدته المتيبسة وهي تفرد العجين . ابتسامة والده العريضة حين يعود من السفر . جسد جده الممد على السرير قبل وفاته . شخير أخاه الذي يزداد بعد منتصف الليل . غرور الطفل الذي كان يضربه في المدرسة . المرة الأولى التي يرى فيها زوجته . الموسيقى المرحة التي تحب أن تقفز عليها طفلته . الكلمات المحفزة التي كان يتحمس حين يسمعها من رئيسه . الشارع المظلم كثيف الأشجار الذي يسير فيه إلى المسجد . انتصارات الفريق الذي كان يشجعه بحماس. تجربة الجنس الأولى . السرير الضخم الذي يقبع في غرفة نومه .. جلسات الصخب التي قضاها مع زملائه . رائحة النقود الجديدة عندما يتقاضى أجره الشهري . التصفيق الهائل في حفل التخرج من الجامعة . لحظات التسوق لتأثيث منزله. اجتماع الأسرة على الشاي بعد وجبة دسمة . صباح العيد المليء بالفرح . مساء العيد المليء بالإرهاق والغم . شاشة التلفزيون الضخمة في الصالون . الأخبار المزعجة كل يوم . أوجه زعماء الدول المتنفخة البليدة ، الحديقة المليئة بالنساء السمينات داخل الحي . زحام السيارات الشديد أثناء عودته من العمل . الأصيل الذي كان يحب رؤيته عند كل مساء . الليالي الباردة في الشتاء . كأس القهوة الذي يحب رائحته حين يبدأ العمل . الهم الذي يجثو على صدره عند نهاية الإجازة الصيفية ، الرحلات الجميلة التي تبقى ذكرياتها للأبد ... كل هذا وأكثر تفجر في داخله بشكل سريع ومباغت . وتدفقت المشاعر متعاقبة متتابعة كموجات بحر عصفت به ريح عاتية . انهمرت عينيه بالدموع . اكتظت نفسه برغبة الحياة . وجد أنه سينهي كل هذا التاريخ الشخصي لمسيرة حياته في لحظه . هذا الزمن المتعاقب . والأحداث المهولة التي مر بها . السعادة والشقاء . النعيم والجحيم . الحب والكراهية . الثنائيات التي لا تنتهي في حياة أي إنسان . هل يمكن أن تنتهي بهذه البساطة وفي لحظة عابرة غير محسوبة ؟ فكر كيف يناضل الناس ليبقوا أحياء . إنهم ببقائهم أحياء ً يبقون ملفات ضخمة من الذكريات والعلاقات والأحداث على سطح الزمن . وكل هذا ليزول . وتتناثر جميع الذكريات ولحظات العمر . وتضيع في ساحة الكون الفسيحة . بمجرد أن يغمض الإنسان غمضته الأخيرة . وكأن شيء لم يكن ! هكذا ينتهي كل شيء دون أن يفهم كيف ومتى ؟

    حرر الباب من الإغلاق . دفعه بقدمه بقوه . نزل وهو يجهش ببكاء مر . حمل نفسه راكضا عن السيارة . بعد ثواني معدودة دوى صوت انفجار سريع . واختفت السيارة وسط عاصفة من النيران .

    كانت الدماء ترسم على ثوبه الأبيض لوحة سريالية ملهمة . بدا لونه باهتا شاحبا يميل إلى الصفرة . كان لا يزال يبكي كبكاء الأطفال حين يتيهون عن أهاليهم في الأماكن العامة . مزق قطعة من ثوبه ولفها بشكل سريع على جرحه . جثا على ركبيته . توقف عن البكاء . تأمل السماء الصافية . السحب البيضاء الصغيرة . وهي تتجمع متجهة في سير وئيد عبر الفضاء الفسيح إلى وجهتها المحددة . حلق في الأفق طائر متوحش يشق العنان بجناحيه الطويلين . تبعه ببصره حتى اختفى عن حدود نظره . استنشق الهواء بقوة . عادت لنفسه الحياة . فزع من مكانه محاولا إطفاء النار التي تلتهم السيارة دون رأفة . بعد مرور أقل من ساعة كانت السيارة قد تفحمت تماما . وتبددت كل آماله في إنقاذها . كان يشعر بعطش شديد . وبأن قواه لم تعد قادرة على تحمل أي جهد إضافي . وفوق هذا العطش كان الجوع يلوي أمعائه .
    اقترب من السيارة المتفحمة . فكر لو أن أي آثارا للمياه التي تدور في المحرك يمكن أن تكتب له النجاة . لكنه أحس بالغباء الشديد لمرور هذه الفكرة برأسه . وبمجرد محاولته الاقتراب من السيارة شعر بوهج الحرارة الفظيع المنبثق من هيكلها . قال محدثا نفسه " لعل أحدا رأى الأدخنة أو سمع صوت الانفجار في طريقه إلي الآن " .. هام على وجه . تحسس طريق العودة . لكنه وجد نفسه بعد أن أظلم عليه الليل تائها وحيدا لا يستطيع أن يحدد موقعه من الطريق الرئيسية . شعر بالأسى وبحسرة عارمة . جلس في مكانه القرفصاء . وانتفض كمن أصيب بحمى شديدة . هاله منظر الصحراء المهيب . وأيقن بأن الليل فيها يكون طويلا غائرا في العتمة في مثل هذا الوقت من السنة . ألح عليه الشعور بالتبول . لكنه قاوم الفكرة . وتكور في مكانه وشرع يردد أدعيه وابتهالات وأذكارا يدعو فيها ربه ..

    بعد مرور أربعة أيام . تواجدت فرق البحث و الدفاع المدني والإسعاف في مكان الحدث . حيث وجدوا سيارة متفحمة . وجثة تبعد عنها بمسافة ثلاثة كيلو مترات . تحلق فوقها الغربان والطيور المتوحشة . بدا عليها الإنهاك التام . وقد تمزق جزء كبير منها جراء نهش السباع والهوام . وانتشرت رائحتها الكريهة في أرجاء المكان . كانت تلك جثة الإنسان الذي أراد أن يموت وأن يحيا في الوقت نفسه !
    [/justify]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    أستاذي..
    إنها من المرات القليلة التي أشكر فيها أحداً لأنني قرأت نصه..
    عادة يكون العكس، إذ أشكر من يقرأ نصي..
    أشكرك بكل أسباب الشكر التي تلاحقت في خاطري وأنا أقرأ قصتك وأحاول أن تكون سرعة انتباهي مع الأسلوب السريع الذي اتبعته..
    كانت قصة باختصار : نابغة.
    هناك أخطاء لغوية جمّة لكن لا يهم.
    بعض العبارات كانت تقريرية وهذا ربما قد يضعف حماسة القارئ لكن أيضا لا يهم.
    لا أحس بأن هناك خلل في ترتيب الأحداث، حتى المرور السريع على ذكره للأوراد في النهاية، قد يكون غريباً في منطقة فيها الوازع الديني مقدم على باقي الأفكار.. هذا غريب بعض الشيء.. لكن لاعليك، لا يهم.
    ماشاء الله خيالك خصب وقدرتك ذكية
    أحييك وأكرري شكري.
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53
    للتو ياعزيزي اسستشعرت أنه لا زال هناك أشخاص تقرأ بعناية . وتبحث عن النص الحقيقي وتهتم له أكثر من اهتمامها النص المزخرف ..

    تحياتي لك بعمق وجمال حضورك هنا

    دمت بطيب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    قلب الحدث
    الردود
    1,978
    قصّة جميلة بالفعل ، جميلة جدّا.
    الحياة فيها تبارز الموت ، و الموت في النهاية جزء الحياة الأخير..
    جميل بحقّ و إن كان مؤلم..
    شكرا لك..

    مــيّ


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    جميله شدتني للنهايه

    لا احب النهايات الحزينه فقد حزنت لاجله الميت الحي

    لم اتوقع ابدا سلسلة الاحداث اعجبني ان اي من الخيارات التي وضعتها انا لم تكن هي النهاية الصحيحه احب النهايات غير المتوقعه

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    أيها الكاتب الماهر..
    أقلقتني ثم أبهرتني ثم أجهدتني ثم أحزنتني ثم أرحتني.
    أقلقني لأني ظننت في البداية أني سأقرأ مقالاً أخر عن الانتحار.
    ثم أبهرتني بما كدست من أحداث وتجارب لهذا الشخص استطعت أن تمررها علينا في هذه السطور القليلة دون أن تشعرنا أننا نقرأ سيرة ذاتية. ولهذا فقد أجهدتني بإيقاع تتابع الأفكار والخواطر في ذهن هذا المسكين.
    وأحزنتني لما أوردت من مآس تعرض لها هذا الشخص وكأنك تعرض لنا أسوأ ما يخاف أن يمر به أحدنا في حياته فجعلته واقعياً حتى يكاد يكون محدقاً بنا على الرغم من هول مجرد التفكير فيه. فشعرت بحزن هذا الشخص وكأنني هو. ورغم النهاية المأساوية لكنك أرحتني لما لم تجعلها قصة انتحار عادية، رغم محاولة الانتحار. فقد غير شريط حياة الرجل الذي مررته أمامه في اللحظات الأخيرة طبيعة القصة تماماً.
    لسبب ما أشعر أن العبارة الخاتمة للقصة (الذي أراد أن يموت وأن يحيا في الوقت نفسه !) ليست على نفس مستوى بقية القصة.
    شكراً أخي الكاتب على ما كتبت.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    جميلٌ بالفعل ..
    تكتب بحميمية صادقة تجعلنا نقترب منك جداً ...
    النهاية ليست مأساويةً تماماً بالمناسبة .. احترمت جداً رغبة بطلك في أن يمارس الحياة في اللحظة الأخيرة .. و حتى بعد أن ابتلعته الصحراء و نهشت جثته الوحوش .. يكفيه فخراً أنّه حاول على الأقل ..

    بارك الله فيك ..
    و لا حرمنا قلمك ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الردود
    26
    تصاعد درامي ناجح وشيق وبراي بدا بالموت قبل أن يموت أوجاعه كانت أقص واعنف من الموت طرده من العمل وتفكك اسرته , لكن تصميمه على الانتحار بدا اقوى من الظريف هناك من يعيش بظروف أصعب
    عى جميع الاحوال كان يمكن ان يكتفي بالوان موته الحياتي . ويترك نهايته لتوقع الخاتمه كما يحلو لها .

    يقول الشاعر محمود درويش رحمه الله :على هذه الارض ما يسحق الحياة . اتمنى للكاتب المزيد من النجاح

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    لقد مررت بنفس التجربة ...تجربة الحياة والموت
    والاختيار بين الانتهاء من كل شئ أو البدء من جديد بكل شئ
    لا أعرف ربما ضعفي من قادني إلى الحياة
    وكنت أنتظر هذا من بطل قصتك
    شكرا لفسحة من المتعة مررنا بها هنا
    تقبل مروري
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53
    العزيزة مي /

    ممتن لرأيك وذوقك المميز .
    ود

    العزيز مشتاق لبحر يافا /
    تحية تليق بطيب كلماتك ياعزيزي ، أسعدني رأيك

    الفاضل طير زاجل ،
    شرا لك أيها العزيز على هذه الكلمات التي تعبر عن قراءتك الثاقبة . ولكم كان من المهم أن أجد رأيك حول العبارة الأخيرة التي توقعت أنها تعادل لحظة التنوير التي عادة ماتكون مهمة في نهاية القصة . لكنني بعد أن سمعت هذه الملاحظة أكثر من مرة فلا يسعني إلا أن أشكرك ، وبمثل هذه الملاحظات يمكنني أن أكون أفضل
    شكرا جزيلا ..

    العزيز ربيع ،
    كل الامتنان والتقدير لهذا التعليق الرائع ، والذي لمست فيه واقعية النص خصوصا فيما يتعلق بالنهاية . هي نهاية واقعية بعيدة عن المأساوية . وهي خلفت رجل طريح للواقع على الرغم من الرغبة العارمة التي تلبس به تجاه الحياة في اللحظة الأخيرة ..
    ممتن

    العزيز رناأتاسي
    شكرا لهذه اللفتة الجميلة . لعل النهعايات المفتوحة تدع للقارئ حرية أكبر في الفهم وفي المشاركة في تحديد مصير الشخصية . كل هذا وارد
    شكرا لك

    العزيزة رودميلا /
    ممتن لحضورك ولكماتك الخارجة من القلب ، في النهاية الحياة أقصر بكثير ، وبكثير جدا عن أن نحاول تقصيرها ( هي لحالها معجله !)
    تحياتي

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    كهوف كرهتها الخفافيش
    الردود
    56
    كان هنا .. كـ أسير عبثت به الجدران !

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    أسكن متاهات الحياة..
    الردود
    33
    قصة رائعة بما تحمله من معاني الحياة المميتة..
    فالحياة ذاتها تجري خلف الموت , الى أن تلقاه..
    الألم المتجسد في قصتك جعلني أعيد التفكير بأشياء كثيرة ..
    فحتماهنالك ماهو أهم..
    شكرا جزيلا لك أخي المتألق..
    قد نجعل من الغد أمنية وحلم ...
    فلا تغادر أمانينا الصمت , ولا تلد أحلامنا إلا الضياع ....

    (الدروب الشائكة ..ش.أ.ع.)

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    نسخة الى الروائع..
    وحياك.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •