Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 3 من 7 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 138
  1. #41
    .
    غمرتني السعادة حينما شاهدت هذه اليوميات محفوظة لدي على سطح المكتب ..
    عظيم انت ياهشام ..

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الردود
    344
    احببت ان اقول انني متابعة باستمتاع
    انتظر المزيد في شوق
    شكرا يا هشام

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المكان
    في بحبوحة
    الردود
    68
    أخي هشام

    هل يصحّ أن يُقال أن المرء طرب لقراءته مقالاً ثقافيا؟
    حسناً
    إنني وصلت إلى مرحلة ما بعد الطرب حتى.. هذا ولم أكمل البناء "المعرفيّ" بعد..


    جميل.. وجميل جداً
    وربما يقدّر الله لي العودة والإكمال فيكون في ذلك الخير لي..لكني أردت أن أتأكد أنني قلتُ لك: جزاك الله خيراً


    جزاك الله خيراً وألف خير يا هشام.. /يعني 1001 خير للراغبين في الجمع!

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة النشيد الوطني عرض المشاركة
    .
    غمرتني السعادة حينما شاهدت هذه اليوميات محفوظة لدي على سطح المكتب ..
    عظيم انت ياهشام ..
    أخي الفاضل, الحمد لله وحده, وأشكر لك قراءتك وحسن ثنائك.
    بارك الله فيك.
    أخوك هشام.

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة areej hammad عرض المشاركة
    احببت ان اقول انني متابعة باستمتاع
    انتظر المزيد في شوق
    شكرا يا هشام
    مرحبا بك, ولك جزيل الشكر.

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة بح! عرض المشاركة
    أخي هشام

    هل يصحّ أن يُقال أن المرء طرب لقراءته مقالاً ثقافيا؟
    حسناً
    إنني وصلت إلى مرحلة ما بعد الطرب حتى.. هذا ولم أكمل البناء "المعرفيّ" بعد..


    جميل.. وجميل جداً
    وربما يقدّر الله لي العودة والإكمال فيكون في ذلك الخير لي..لكني أردت أن أتأكد أنني قلتُ لك: جزاك الله خيراً


    جزاك الله خيراً وألف خير يا هشام.. /يعني 1001 خير للراغبين في الجمع!
    أخي الكريم,
    سررت بتعليقك, ولا أخفيك أني أنا أيضا أستمتع بنقض أسس البيت الإلحادي المتهالك.
    جزاك الله خيرا.

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    (25) كازينو الإلحاد

    لقي أبو الإلحاد صديقا له أثناء سفرة إلى العاصمة, فجلسا يتسامران في حانة (كل شيء على ما يرام) وسط المدينة. لم يكن قد رآه منذ سنوات طوال. عجب لتبدل حاله, إذ كانت علائم الثراء بادية عليه. كان يتكلم في ثقة ويمشي في خيلاء ولا يفتأ ينظر إلى ساعته الفاخرة ويقلب في يده هاتفه النقال الذي يفوق في سرعته وسعة ذاكرته حاسوب أبي الإلحاد بمراحل. وحين هم صاحبنا بالإنصراف هم أن يستفسره عن سر النعمة السابغة التي تبدو آثارها على محياه حين سأله فوزي: "لماذا لا تقضي الليلة معي؟ سنستمتع سويا وربما نكسب بعض المال؟" نظر إليه في استغراب, ولم يلبث أن وجد نفسه في مكان لم تطأه قدماه من قبل.

    كانت الألوان تنبعث من كل حدب وصوب, تمتزج بأصوات الألحان والضوضاء التي تلف المبنى, كانت أمارات البذخ والترف تبدو على هذا المكان وأهله. خيل إليه أن كل شيء حوله يعبق بريح المال والنعمة. قلب بصره في وجوه الحاضرين فرأى رجالا ونساء منكبين في لهوهم وقد أقبلوا على أصناف الآلات المبثوثة هنا وهناك. إنه عجيب عالم الكازينو. لأمر ما يستهوي اللون الأحمر الناس, إنه لون الدم واللحم ولون الشيوعية وهو اللون الغالب على هذا المكان. تساءل صاحبنا عن لون الإلحاد فترجح لديه أنه أسود قاتم. وقف خلف شيخ في السبعين يحمل في قبضته قطعا نقدية يلقمها آلة لا تشبع, كان يشخص ببصره مترقبا كلما ألقى قطعة, فتنبعث من الآلة أصوات صرير وأزيز ثم تشرع أشكال وصور في الدروان, سيارة حمراء, عمارات, حلي, كان يتوقع كل مرة أن تستقر تلك الدواليب الثلاثة الصماء على نفس الصورة لكي تلفظ الآلة أرطالا من القطع المعدنية الرنانة, لكن شيئا من ذلك لم يقع, نظر إليه أبو الإلحاد بمزيج من الشفقة والشماتة وهو يتخيله واقفا أمام هذه الآلة المخادعة منذ كان شابا غضا طري الإهاب, ترى كم مرة ابتسم الحظ في وجهه وأسمعه رنين الدراهم التي تنهمر كالمطر؟

    ظل يرقب حركة المكان في شرود, ويعجب من خضوع البشر للصور والخيالات في جريهم المحموم وراء الحظ العابس, ومن لزومهم لآلات اخترعوها لعلها تتبسم بين الفينة والأخرى في وجوههم. أحس بنفسه وقد غمرته أمواج من الأرقام والحروف والصور والرنات, تحيط به الكراسي الفارهة والشاشات العملاقة. ثم خطر له أن التصور الإلحادي للكون غير بعيد من واقع هذا المكان. إن التفسير المادي لنشأة الحياة بمحض الصدفة عبر تسلسل عشوائي عبثي, ثم تطورها عبر طفرات عمياء متراكمة يجعل الكون أشبه شيء بكازينو عملاق, لا تحكمه إرادة ولا قصد ولا هدف.

    في كازينو الكون الإلحادي تدور العجلة لتستقر كل مرة على نتيجة معينة, ثم تدور مرة أخرى, على هذا الوجه -زعموا- نشأ كل شيء, هكذا نشأت الغازات والسوائل والجمادات, هكذا تكونت النجوم والكواكب والمجرات, هكذا تكونت الجراثيم والحيوانات والحشرات, هكذا تكون الإنسان كي يطلع على هذا الكون العجيب ويعيه ويستكشفه ويعجب به, هكذا تكونت أجهزته الحيوية المعقدة, هكذا نشأت كرياته الحمراء والبيضاء, هكذا تكونت معلومات حمضه النووي الموسوعية. إنه كازينو لا يكافئ الفائز فيه بالجوائز المالية, بل يهبه الوجود والحياة والوعي. إن الإنسان في المذهب الإلحادي الدارويني ليس إلا فائزا محظوظا يدين للصدفة والإنتخاب المادي الطبيعي بكل ما ينعم به من وعي وفكر وإبداع. يجب على الإنسان الملحد أن يتواضع كثيرا, فليس له الفضل في شيء أبدا, إن هو إلا ذرة حقيرة في كازينو تدمن ذراته المادية المقامرة. إنها مقامرة كونية مادية عبثية مستمرة, لا تعرف حدودا ولا ضوابط, إلا ضابط الصدفة التراكمية. نظر أبو الإلحاد حوله وتساءل: "هل يعقل أن يكون الكون مجرد كازينو؟ لكن هذا الكازينو الأرضي لم ينشأ صدفة, ولم ينشأ بفعل مقامرة, بل إن أصغر عجلة فيه ثمرة دراسة وحساب وهندسة, فمن أين جاءت العجلة الكونية التي يفترض أنها بدأت يوما ما بالدوران؟ وكيف عرفت أنها حققت شيئا ذا بال حتى تتوقف عند نتيجة ما, ثم تراكم ما حصلته؟ هل تقوم الطبيعة بالتخمين كل مرة قبل أن تدير العجلة؟ إن في هذا الكازينو عمال صيانة وكهرباء ومراقبة ومحاسبة, فضلا عن الزبناء المقامرين, العابرين والمدمنين. إن ههنا عجلة ومن يديرونها, لكن الإلحاد يريد أن يوهمنا أن اللعبة واللاعب والملعب والقواعد والنظام والنتيجة والحساب كلها شيء واحد, وأن العجلة والدوران والمدير شيء واحد, وأنها جميعها ثمرة صدفة مقامرة..." أحس بيد تربت على كتفه, استدار فقال له فوزي: "تعال لترى كم هو سهل كسب المال, كم معك؟" أجاب مترددا: "معي ألفان وخمسمائة" كان قد حصل للتو على راتبه. مد فوزي يده, فما شعر أبو الإلحاد بنفسه إلا وهو يخرج من جيبه الظرف ويعطيه المال كاملا.

    جلس فوزي إلى الطاولة تغمره النشوة, وفي عينيه بريق الواثق من الفوز, وبدأ يقلب الأوراق ويعدها, وضعها على الطاولة ثم أدار العجلة, نظر إليها أبو الإلحاد تدور عيناه معها كأنه يستعطفها أن تقف منه موقفا يليق بالزمالة المادية الكونية. تسارع نبض قلبه وهو يرى أنه تحت رحمة قوانين مادية صارمة لا تحابي أحدا, تفكر في سرعة العجلة وقوة احتكاكها بالهواء, واحتمالات حصول الفوز. وحين بدأت سرعتها بالتباطؤ رآها تتجه نحو الأرقام الكبيرة: مائتا ألف, مائة ألف, خمسون ألفا..., كاد قلبه يخرج من صدره, ظلت العجلة تدور حتى توقفت أخيرا وحطت الرحال عند الرمز العجيب الذي يترجم للعدم: "صفر" كاد يغمى عليه, لقد فقد لتوه مرتب شهر كامل, من أين له الآن ثمن إيجار البيت؟ بل ماذا سيأكل؟ يا ويله من أم الإلحاد! كيف له أن يخبرها بأمر كهذا؟ التفت حوله غاضبا, هم أن يسأل فوزي أن يعيره بعض المال, لكنه لم يجد له أثرا, لقد اختفى كأن الأرض ابتلعته, خرج صاحبنا من الكازينو كئيبا كسيرا تتقاذفه الهموم وينظر إلى السماء تارة وإلى الأرض أخرى وهو يكاد يجزم أن الفكر الإلحادي أكبر مقامرة أقدم عليها في حياته, ويتمنى أن يخرج يوما من عالم كازينو الإلحاد كما خرج من هذا الكازينو الصغير قبل أن يخسر نفسه.

    هشام البوزيدي

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    (26) ألاعيب الحارات الإلحادية

    مرت سنة على طرد أبي الإلحاد من منتديات الزملاء اللادينيين والمتشككين والملحدين, سنة كاملة من الضياع والحيرة والتخبط والغضب. كانت وحدته أشد ما يغيظه بعدما افتقد الحضن الدافئ الذي كان يؤويه؟ طالما لاذ بتلك المستنقعات الفكرية الآسنة, من شواظ المجتمع المحافظ الذي يحيط به, وطالما التمس السلوى في مواضيع الزملاء التي تفيض عنادا وثقة في مذهب الإلحاد. سنة عجفاء كاملة مرت عليه فيها أزمات كادت تذهب بالبقية الباقية من عقله, وأتت عليه فيها ساعات ظن أنه قد شارف الجنون. هاهو يبحر بحاسوبه ميمما شطر أعتى منتديات "الجرب والجذام", لعله يسترجع ذكريات أيام خلت تعبق بريح الشك وزهومة الإلحاد.

    لكم كانت صدمته كبيرة حين وجد وكر الثعالب مهجورا كئيبا, كأن عناكب افتراضية نسجت شباكا رفيعة على أبوابه. راجع شريط المواضيع الجديدة فاكتشف أن آخر موضوع يستحق القراءة يرجع إلى شهور, وأن كل ما كتب بعدها بقبقة إلكترونية جوفاء. لقد كسدت سوق الزندقة الإلكترونية وتلاشت أسهم الهرطقة الإفتراضية كالهباء. ابتسم حين خطر له أن زملائه لم يكونوا أحسن حالا منه, يبدو أن الملحد كائن منبوذ سواء تحزب مع أضرابه أو اعتزلهم وخلا بنفسه. جلس يتفكر في أسباب هذه الحال البئيسة التي تخيم على الموقع. لا بد أن مرجع ذلك إلى طبيعة الإلحاد نفسه, فهو مذهب سلبي عدمي, لا يقوم إلا على النفي والإنكار, ولا يستمد وجوده إلا من نقد الإيمان وازدراء الأديان, فما أشبهه بالنار وما أشبه نفَسه العدواني بالحطب. لقد استنفذ الزملاء كل طاقتهم في تسفيه خصومهم وفي معارك الشتم والقذف والكلام البذيء, حتى إذا فرغوا من ذلك كله جلسوا كالأيتام ينظر بعضهم إلى بعض, فما تراهم يصنعون؟ لقد شتموا الخصوم وسخروا من معتقداتهم دهرا, ثم قعدوا بعد ذلك كله منبوذين في ناديهم, فانقلبوا على أنفسهم فأوسعوها شتما ولعنا. تصفح بعض المواضيع فألفاها ركيكة المبنى رخيصة المعنى. هذا يدعو إلى اغتنام العمر القصير في اقتناص كل متعة والغوص في لذائذ الحياة واهتبال كل فرصة في سبيل ذلك, وذاك يتشدق بذكائه ولباقته, ويفخر أن إلحاده انطلى على أقرب الناس إليه. يا له من حضيض مهين, لقد انحدر الزملاء إلى حياة النفاق. خطر لأبي الإلحاد أنه لم يخسر في النهاية شيئا يذكر بنفيه عن المجتمع الإلحادي الإفتراضي, لعلها كانت فرصة ثمينة ليجدد بحثه وليمحص أفكاره.

    طفق صاحبنا متأملا في حاله وحال زملاء أمسه, غارقا في أفكاره حين لمح في شريط المواضيع الجديدة عنوانا مثيرا تحيط به علامات التعجب: "!!! فكرة عبقرية لتنشيط المنتدى!!!" دخل مسرعا تسبقه آماله, فقرأ موضوع الزميل (طرطور), إنه يعرفه, هذا زميل ملحد من الدرجة الثالثة, إنه يعرفهم من توقيعاتهم, المثقف منهم يتخذ لنفسه توقيعا رنانا, يوحي بسعة الإطلاع وبالرغبة في الحوار ومعرفة أفكار الخصم. أما صاحبنا (طرطور) فقد اختار توقيعا يفضح ضحالة عقله ويشي بهزالة فكره: [ الفعل هو دليل عدم وجود الفاعل.فالفاعل هو بحد ذاته فعل.ومهما عدنا بالسببية للوراء فسوف نجد فعلا بدون فاعل، فلا بد أن نعترف أن الفعل لا يحتاج لفاعل، الفعل مفعول بدون فاعل.] قال يحدث نفسه: "يبدو أني تسرعت في استبشاري بالموضوع, وأي شيء يجيء من مثل هذا؟"

    بدأ الزميل يشرح لرفقاء "الجرب والجذام" فكرته العبقرية قائلا: " كما ترون فنحن في بطالة وفراغ قاتل, والمنتدى صار كالخربة, تنعق فيها غربان الحداثة, وتنقنق فيها ضفادع اللاأدرية وتعوي فيها ذئاب الإلحاد -طبعا أمزح معكم- باختصار أنتم ترون بأم أعينكم ما نحن فيه, وقد جئتكم باقتراح نحرك به مياه التنوير اللاديني الآسنة, ونوجه دفة السفينة الإلحادية وجهتها الحقيقية, لقد عزمت أن نهجم على أكبر مواقع الخصوم, وأن نغير عليهم بما يفحمهم, فلنجعل هذا الشريط ورشة إلكترونية لتهيئة الفكرة, أرى أن نسأل الزملاء أين توجد الأرض السابعة التي يزعمون, ونلزمهم بالإجابة العلمية وبالحجج الجيولوجية, فما رأيكم, ومن أين نبدأ؟ قرأ أبو الإلحاد هذا الجزء من الموضوع فأصيب بالإحباط, وأحس بأنه في رفقة شرذمة من المراهقين الأغمار, أو الكهول البطالين, أي شيء أصنع بك وبموضوعك يا طرطور؟ ظننتك وقعت على حجة علمية تشد من أزر الملة الإلحادية المتهالكة, ظننتك وقفت على الدليل الدامغ على صحة العقيدة الداروينية, ظننتك جئتنا بالبرهان الساطع على نظرية الأكوان المتوازية, حسبتك جئتنا بمقال عن خبايا الحضارة المريخية, فإذا بك تعود بنا إلى ألاعيب صبيان, وإلى لهو غلمان الحارة, تريدنا أن نلعب "الغميضة"؟ انتظر صاحبنا حتى اكتملت فصول المسرحية الإلحادية وانصرف الممثل المغرور ليفتتح فصلها الأول, فلحق به ودخل الموقع المسلم وهو لا يكاد يشك في أن زميله يوشك أن يقع على أم رأسه.

    بدأ أبو الإلحاد يتنقل بين المقالات, ويتأمل في الحوارات, فوجد لغة سائغة وكلاما سلسا. ثم نظر في ردود الملاحدة فألفى أكثرها مغرقا في التكلف, كان يقرأ الجملة ثم يعيدها لعله يظفر منها بشيء, فلا يزيده تكرار النظر فيها إلا حيرة, كأنها كتبت بالفارسية. هذا أحدهم سمى نفسه "كوبرنيكوس" سئل عن دليل إلحاده فتكلم بكلام لا يدرى بطنه من ظهره ولا رأسه من قدمه: "النظر العقلي المجرد في هذه المسألة الأنطولجية يفضي إلى ولوج مساحات من التساؤلات الفلسفية التي تستدعي معقولية وفكرا منطقيا يجتاح فضاءات مسكونة بالمجهول, وهذا معنى النسبية, وهذا جوهر خلافنا مع المتدينين الذين يصدرون عن فكر ينبني على إيمان ميتافيزيقي بالمطلق, السؤال هو كيف انبثق المعنى والغاية والنظام والتصميم والإبداع من اللامعنى واللاغاية واللانظام واللاإبداع, هذا السؤال في نظري لا يمكن الإجابة عنه بالرجوع بالبشرية إلى الماضي واستلهام الموروث الديني, بل بتصحيح أوضاع حركة التنوير اللاديني. إن الكون نسبي لا معنى له من دون حركة رصد, فالراصد والمرصود, والشاغل والمنشغل, والقابض والمقبوض, في النهاية شيء واحد, وهذه هي القبعة الفكرية للإلحاد في أعمق تجلياته, فكيف تريدونني أيها الزملاء أن أترك هذا الثراء الفكري والمعرفي بحذافيره لأعتنق معكم تصورا بسيطا للكون يهبك جوابا مباشرا عن كل هذه الأسئلة؟

    قرأ أبو الإلحاد كلام زميله مرارا, فهاله ولعه بالحشو وتكلف العبارات الجوفاء التي تستر من المعاني ما يحصل بأدنى مؤنة وأقل جهد. ثم ظهر موضوع الزميل الذي انبثق من ورشة عمليات منتدى "الجرب والجذام", كتب (طرطور) موضوعه وسرعان ما جاءته الردود تدعوه إلى مناقشة أصول الإعتقاد قبل النظر في الفروع, وتعده بجواب مسألته إن استطاع أن يبرهن على صواب مذهبه وأن يأتي بدليل إلحاده. حينها أخذت الحمية الزميل المتحمس فكتب مشاركة بعنوان:
    (أقصر دليل إلحادي)
    "البطاطا موجودة والدليل المادي هو دخولها في الحيز المكاني والزماني الذي تخضع له الظواهر المادية التي تسري عليها الأعراض. وأقرب تجليات البطاطا هي تفاعلها الباهر مع الزيت المغلي عند بلوغ ذروة فعل القلي. ودون الدخول في التداعيات الكيميائية لهذه العملية المعقدة, ودون الحديث عن المعاني المخيفة دينيا لوجود بطاطس معدلة جينيا, فإنني أنا (طرطور) أقول: "البطاطا موجودة خارج الفلاح, فهي مستقلة بوجودها, ففعل الفلح والبذر والسقي لا يقتضي وجود ذات فالحة متصفة بإرادة حرة فاعلة, نحن نرى أن البطاطا تنبت عند توافر حزمة من العوامل الطبيعية وتظافر عمليات تقودها قوانين مادية صارمة لا تترك مجالا لافتراض أسباب خارقة, فبوجود المطر والتربة والحرارة تنتعش البطاطا المالحة والحلوة وتزدهر. ولا يطعن في هذا أن تقوم بعد ذلك ذات عاقلة مريدة مفكرة باستنساخ هذه الميكانزمات الطبيعية وإعادة إنتاجها بصورة منظمة في إطار ترشيد الإنتاج الزراعي, فالأصل في الطبيعة أنها مستقلة بإرادتها كما بينته من مثال البطاطا. فالبطاطا لا تحتاج إلى فلاح كما أثبتت بالبرهان المنطقي الصارم الذي يؤيده الحس السليم والبطاطا جزء من العالم المادي, وقياسا عليه فإن العالم المادي يثبت مرة أخرى أنه مستقل بنفسه قائم بذاته.""
    قرأ أبو الإلحاد دليل البطاطا كأنه يقرأ نعي الإلحاد العربي الإنترنيتي, وشعر بالجوع فأطفأ الحاسوب وخرج يطلب شيئا يأكله.

    هشام البوزيدي

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    (27) اختراق الإلحاد

    مضت سنة كاملة على إلغاء اشتراك أبي الإلحاد من جميع منتديات "الجرب والجذام". سنة تعرض فيها لهزات فكرية زلزلت إلحاده. إنه يعيش في وسط معاد يسوده الدين والإيمان, فكيف يحرمه زملاؤه المتنورون من بصيص النور الذي تمثله منتدياتهم التنويرية في الفضاء الإلكتروني. الشياطين, لقد أرسلوا عنوان جهازه إلى جميع المنتديات الإلحادية, فلم يقبله بعدها أحد, فإلى من يلجأ إن صده حزب التنوير؟ حتى رسائل رفاقه الصعاليك انقطعت, كم يفتقد ركام اللغة المقذعة الذي ينهال عليه كلما فتح صندوق بريده الإلكتروني, لقد انتهى ذلك كله. إنه لم يعد يرغب في الحياة, لقد فكر بالفعل في الإنتحار, لكنه تردد, رغم أن من مذهبه أن المادة لا تعرف التردد, وتعلق بأمل ما, رغم أن مذهبه يغتال الأمل, وقاوم اليأس, رغم أن مذهبه يزرع اليأس, لكن السبب الأكبر لنكوصه عن إنهاء حياته البئيسة هو أنه انقلب لا أدريا وارتد متشككا, لقد تلوث إلحاده, وصار يخشى إن طالت محنته أن يعود كما كان مؤمنا ساذجا يصدق أن للحياة معنى عميقا.

    فتح بريده الإلكتروني وهو لا يتوقع إلا بعض رسائل الدعاية المزعجة, لكنه رأى اسما كبيرا, تسارع نبضه, ارتعشت أنامله وقرأ: "رسالة جديدة: المرسل, الدكتور زاجر المحموم." الموضوع: "كلمة السر الجديدة" لم يصدق عينيه, فتح الرسالة: فقرأ: زميلي العزيز شماس 13, هذه كلمة السر الجديدة: [خروف الفضاء] . ندعوك للقاء طارئ في القسم الخاص غدا على الساعة العاشرة مساء لأمر عاجل ومهم. هم أن يرسل رسالة شكر لولا أن قرأ: "هذه رسالة إدارية, نرجو عدم الرد." كان قلبه يرقص طربا لأن رفاقه لم ينسوه, لكنه استغرب أنهم غيروا معرفه, لكن كيف يختارون له اسما كهذا "شماس 13"؟ ربما أرادوا تأديبه بعد أن فهموا من مقالاته في "نقد الفكر الإلحادي" أنه بدأ يميل إلى التدين, ربما كان اللقاء مجلسا تأديبيا يتقرر بعده مصيره, فليكن, إنه يقبل أي شيء يمنحه حق العودة للمنتديات الإلحادية. لكن ألا يكفي المعرف الغريب للقيام بالمهمة التربوية حتى يضموا إليه كلمة سر من قاموس القرون الوسطى, شم رائحة غريبة تفوح من هذه الرسالة, رائحة أقبية مظلمة, نظر إلى معلومات الدخول الجديدة لأكبر منتديات "الجرب والجذام" فتخيل أنه حصل لتوه على "شيفرة دا فينشي" هذه "شيفرة أبي الإلحاد" جلس يكررها حتى يحفظها, تخيل شماسا يونانيا بلباسه الأسود الفضفاض يرعى ثلاث عشرة نعجة بيضاء في يوم مشمس, وتخيل خروفا وسيما يطير فوق القطيع. هكذا سترسخ المعلومات الثمينة في رأسه. تساءل: "لأي شيء حظي بشرف لقاء الدكتور زاجر شخصيا في الصالون الخاص التابع للمنتدى العتيد؟ أمر عقله أن يتوقف عن طرح الأسئلة و أن يصبر إلى الغد.

    جاءت الساعة الموعودة, لبس أبو الإلحاد أحسن ثيابه, ومشط شعره وتعطر وأعد فنجان قهوة ثم جلس إلى مكتبه. فتح الموقع العتيد الذي يعد طليعة منتديات "الجرب والجذام" وقاطرة التنوير اللاديني في الفضاء الرقمي العربي, وتوجه للقسم الخاص, أحس برعشة تسري في جسده من رأسه إلى أخمص قدميه, أدخل معلومات الدخول فوجد نفسه مع نخبة الإلحاد: الدكتور زاجر المحموم مدير الموقع والدكتور فراس العث والأستاذ جورج المهماز وغيرهم. كان دخان غريب يملأ الشاشة, ظن صاحبنا لوهلة أن خللا قد أصاب حاسوبه في أسوأ توقيت, فبدأ يحرك الشاشة لعل الصورة تتضح, ثم ما لبث أن قرأ في الشريط أسفل القسم الخاص أنه هذا نوع من البخور الإلكتروني تمت برمجته احتفاء بقرب قدوم الأب (رائيل الثاني). لم يكتب صاحبنا شيئا ريثما ينتهي الزملاء من دعاباتهم الظريفة. لكن شعورا ملحا ظل يراوده أن شيئا غريبا يحدث في موقع التنوير. بدأ الدكتور زاجر يشرح برنامج اللقاء فكتب: "أيها الإخوة, لقد اجتمعنا لنناقش سوية التوصيات الأبوية الحكيمة لأبينا الروحي المفدى (رائيل الثاني). ولا شك أنكم قرأتم رسالته السنية واستشكلتم إشاراتها الخفية, فلهذا اجتمعنا بكم يا أوتاد كنيسة الخلاص الكوني. فأدعوكم جميعا للإسهام في إثراء الحوار كي نعجل بقدوم سفينة الخلاص." نظر أبو الإلحاد إلى أسماء الحاضرين فوجدها مصدرة بنجمة سداسية يتوسطها صليب معقوف فزاد عجبه, وهم أن يسأل عن سر هذه الحفلة التنكرية العجيبة, لولا أنه آثر التريث حتى يستبين الأمر على حقيقته. كان الأستاذ جورج أول من علق على كلمة الدكتور الإفتتاحية, فشكره وقال: "يشرفنا جميعا أن نكون في خدمة الكائنات العلوية, فنحن ندين لها بالوجود, ويشرفنا أن نكون جنودا لبث رسالة أبينا الأول رائيل. لقد بلغنا أن الوفد الفضائي السامي قد أكمل إعداد السفينة الفضائية, وأن هذا إيذان بدنو انتهاء أمد الحياة الأرضية, فليس بيننا وبين الخلاص من الوشائج الترابية إلا قدوم الموكب الأنفس, لنستقل المركب المقدس. كذا قال الأب." أدخل أبو الإلحاد كلمة "رائيل" في محرك البحث فتعرف على الكنيسة الرائيلية ومعتقداتها الفضائية, ورموزها الغريبة, لكنه لم يفلح في تفسير النقاش الدائر في المنتدى الإلحادي. لا بد أن ثمة خطأ ما. هل اخترق أنصار الملة الفضائية موقع التنوير اللاديني؟ نعم, لا بد أنهم اخترقوا حساب مسيري الموقع, لكنهم أخطئوا بمراسلته. لكن كيف حصل ذلك؟ جلس أبو الإلحاد يعيد ترتيب أفكاره, ويحاول أن يتصور حقيقة ما يجري, حين خطر بباله فجأة أن إدارة الموقع الإلحادي تنتمي بالفعل إلى تلك الكنيسة العجيبة, لكنه طرد عنه هذا الخاطر الغريب. كيف يعقل أن يكون دعاة الإلحاد وأساطين التنوير مؤمنين بخرافة كهاته؟ وكيف يعقل أن يكون لهم أب روحي يهيئهم لمقدم الموكب الفضائي المخلص؟ كيف ساغ لهم إذن أن ينتقدوا دين المسلمين وأن يسفهوا معتقداتهم؟ لماذا لم ينتقدوا سواه من الأديان إلا لماما؟ هل يكون الإلحاد في الموقع العتيد قناعا يستر الحقيقة التي اكتشفها لتوه؟ لا بد أن استلامه للرسالة كان خطئا قاتلا فضح اللعبة الماكرة. أخفى وجهه بين كفيه برهة, ثم انتفض وحرك رأسه مستنكرا. نظر إلى الشاشة فوجد الجمع غائصا في ترانيم خاشعة تتغنى بقرب الخلاص من العلائق الترابية وتدعو الكائنات الفضائية وتسألها الفرج بتحقيق النبوءة الرائيلية. جاءته رسالة من الدكتور زاجر فتحها فإذا فيها: "عزيزي شماس 13, اختم لنا المجلس بتقرير النشاط الإستنساخي للسنة الماضية." جلس صاحبنا يتفكر في طريقة يستدرج فيها هذه الشرذمة من مخترقي مذهب الإلحاد كي يفصحوا أكثر عن خبيئة نفوسهم, ثم كتب: "لقد ضاع مني التقرير يا دكتور, معذرة" حينها فطن الجمع إلى أن بينهم من ليس منهم, فقد كان لهم رمز يفتتحون به كتاباتهم. وجد أبو الإلحاد نفسه خارج القسم الخاص في أسرع من لمح البصر. جلس يقلب وجوه الرأي ويتفكر أي شيء يصنع, فظهر له أن يكتب رسالة إلكترونية إلى إدارة المنتدى يستفسر فيها عن حقيقة الذي يجري.

    أرسل الرسالة ولبث بضع دقائق فجاءه الرد: "عزيزي أبا الإلحاد, يسرني أن أشكرك على الخدمة الجليلة التي أسديتها للموقع خاصة ولمذهب التنوير عامة. فقد كشفت بذكائك وفراستك أكبر عملية اختراق يتعرض لها الموقع منذ تأسيسه, وقد قام خبراؤنا في السلامة الإلكترونية بتدارك الوضع وبتخليص الموقع من قرصنة الشرذمة الدخيلة. وقد ارتأت الإدارة أن تكافئك على مساعدتك القيمة بإعادة تنشيط حسابك وبمنحك عضوية برونزية بامتيازات خاصة. توقيع الدكتور زاجر المحموم.

    قرأ أبو الإلحاد الرسالة مرات, ولم يتمالك نفسه من البكاء, تحدرت دموعه على خديه, كانت دموعا باردة. لقد عاد إلى حظيرة الإلحاد الإلكتروني من جديد بعد أن أنقذ الزملاء من اختراق الدخلاء, ملأ الفخر جوانب نفسه, وجلس يرتب في ذهنه الأسئلة والإشكالات التي سيطرحها على زملائه قريبا على صفحات أعتى مواقع "الجرب والجذام".

    هشام البوزيدي

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    (28) استعداد أهل الإلحاد لشهر المحنة والأصفاد

    مشى أبو الإلحاد إلى بيته غارقا في هلوساته كديدنه, حين تسللت رائحة نفاذة إلى خياشيمه. وسرعان ما بدأت تستثير فيه عوالم كامنة في أعماقه, رغم أنه استمر في شروده كأنه منفصل عن هذا العالم. تداعت مع ذلك الشذى ذكريات الطفولة الحالمة إلى عقله. ما أغرب أمر حاسة الشم. لقد نقلته فجأة في نفق عابر للسنين إلى أيام الصبا الأول. ربما كانت الخياشيم هي المنفذ الأمثل للسفر عبر الزمن. حملته الرائحة الزكية التي لم يتبينها بعد إلى مطبخ أمه حيث تجمعت الجارات لإعداد الحلوى لإستقبال مناسبة سعيدة. ها هو يعود من المدرسة جائعا, يلقي محفظته ويهرع مسرعا ليذوق حلوى بمذاق اللوز والسمسم وماء الورد, سال لعابه حين تمثلت حلوى رمضان مغموسة في العسل أمام عينه. فجأة انتبه من شروده وتسمر في مكانه كمن نزلت به مصيبة. قال يحدث نفسه: " حلوى رمضان؟ يا للهول, لقد عاد رمضان, كيف مرت سنة بهذه السرعة؟ عندها وصل إلى باب بائع الحلوى, وجده يصفها في الأطباق, تماما كما كانت أمه تصنع مع جاراتها. وقف هنيهة يهمّ أن يقول شيئا, فمد إليه البائع قطعة وقال: "ذق هذه" أخذها ووضعها في فمه, فشعر بها تذوب كأنها قطعة سكر, تذكر أيام رمضان, تذكر التمر والحلوى, وتذكر صبيان الحارة وحالهم في آخر ليلة من شعبان. رأى نفسه عبر جدار السنين يترقب مع أخيه وأصحابه الهلال في شوق, حتى إذا رأوه انصبوا كالسيل عبر الأزقة والحارات مبتهجين كل يسعى أن يكون أول من يبث البشرى: "رمضان, رمضان, رأينا الهلال, هلال رمضان."

    توقف لحظة عن التفكير وسأل نفسه: "أين اختفت تلك الفرحة العارمة؟ لماذا حافظ عليها الناس من حوله وضيعها هو؟" سأل البائع: "متى يحل رمضان؟" فأجابه: "الأسبوع المقبل إن شاء الله" طار صاحبنا من الفزع, ومشى كالسهم يريد اللحاق برفاق "الجرب والجذام" ليبثهم شكواه وليستشيرهم في ملمته. على الأقل صار له على الشبكة بيت يؤويه. كان يود أن يسألهم عن شيء أهم من هذا. إنه أمر مخجل أن يكون لرمضان كل هذا الأثر عليه بعد سنوات الإلحاد العجاف. لكنه يعلم أنه ليس وحده, إن جحافل التنوير اللاديني في ديار الإسلام لا تبغض زمانا قدر بغضها لشهر الصيام. دخل بيته وجلس إلى حاسوبه. افتتح موضوعه في قسم الإستشارات بأنامل مرتعشة. كتب العنوان: "أرشدوني, باغتني رمضان دونما استعداد فماذا أصنع؟" ثم استرسل يتتبع أفكاره ويبث إخوانه شكواه: "أيها الزملاء, لم أكد أنسى نكد رمضان الفائت حتى أطل علينا من جديد, جاءكم شهر الجوع والعطش, شهر ترفرف عليه رايات التعبد والصلوات والأذكار, جاءكم شهر يزحزحكم من قمة الإلحاد وكبريائه إلى حضيض النفاق وريائه, أيها الزملاء, لقد استخفيت العام الفائت بالطعام والشراب حتى استحييت, بل إن رمضان انقضى وبقيت أياما لا آكل إلا بعد أن أوصد الأبواب, وأجتهد ألا يسمع لي صوت فكنت أبلع الطعام ولا أكاد أمضغه. لقد أصابتني عقدة رمضان, وهاهو على الأبواب. فما العمل؟"

    مضت دقائق فانهالت الردود على صاحبنا, وشعر أنه نطق على لسان كثير من زملائه. كتب أحدهم: "أيها الزميل, هون عليك, أوصيك بالصبر فنحن في زمان غربة, واملإ الجيب باللوز والسكر, واختل بنفسك في الحمام بين الفينة والأخرى لتختلس لقيمات وجرعات تقيم أودك, حافظ على إلحادك واجتهد أن تبقى حيا, وإياك والدخان فإن الفتوى بتحليله للصائم لم تلق القبول الذي نتمناه بعد, وإن أمنت الأخطار فعليك بالتبغ الممضوع, واغسل فمك جيدا بالنهار قبل أن تبرز للناس, وتصنّع الإعياء, وأقل الكلام, وأظهر الترقب قبيل الغروب والفرح عند الإفطار, وإياك والمشوي والمقلي أول النهار, واقنع بما لا رائحة له حتى يدنو الليل, وإياك والأكل عند الشرفات والناس صيام, و لا تنس إسدال السُّتر, وأنعم بالقبو ملاذا للمتنور المنبوذ, فاجعله واحة تهرب إليها من شهر الجوع والأصفاد, وهيئ فيه ما لذ وطاب من زكي المطاعم وبارد الشراب."

    ثم عقب عليه زميل غاضب قائلا: "اخرس يا جبان, ألهذا القدر يرعبك رمضان؟ تأكل طعام نفسك وتستخفي من الناس؟ بئس هل التنوير أنتم, تطايرون كالفراش في الشبكة وتنزلقون إلى الأقبية والجحور كالجرذان, متى تبرزون للناس وأنتم على هذا الهوان؟ أما أنا فلا أستخفي ولا آكل إلا على مرأى من الناس." فأجابه ثالث: "يا فيلسوف, أنت في سيدني فممن تخاف؟ هل ستخاف أن تجرح مشاعر الكنغر الأسترالي؟ تعال هنا حيث سنغرق قريبا في بحار من الصائمين, ثم أرنا جراءتك"

    بدا أبو الإلحاد كالمستجير من الرمضاء بالنار, ولم يجد في أكثر الردود إلا بعض المسكنات, لكنها لم تهبه الجواب الشافي الذي يستأصل هذا الشعور الغريب الذي ينتابه. إنه يشعر بالإشمئزاز من رمضان الذي صوره له الإلحاد وأهله, ويكاد يشعر بالشوق والحنين إلى رمضان الذي نشأ على الفرح بمقدمه والإحتفاء بشعائره. يا ترى, هل هو الوحيد بين أقرانه من يشعر بأن الإلحاد يحجزه عن النظر إلى هذا الشهر بتجرد؟

    طفق صاحبنا يقلب البصر في الردود حتى وقع على جواب لأحد الزملاء نزل على رؤوس القوم كالصاعقة المحرقة, والغريب أنه أحد كبارهم. لم يدر كيف يصنف كلامه لكنه جمع أشتاتا من الأسئلة والهواجس التي تتنازعه فسلكها في نسق واحد. أحس أبو الإلحاد بعدها أنه يكاد يقترب من فهم سر الحاجز الذي يفصل في نفسه بين نكهة حلوى رمضان ولذة ذكرياته, وبين الرعب والضيق الذي كاد يغص به حين أدرك أن الشهر يكاد يطرق بابه. إنه خيط الإلحاد الذي يحيط بعنقه ويخنقه.

    كتب الزميل: "أيها المتنورون, يا من تسيرون وسط المؤمنين كأنكم مجذومون, تسترون إلحادكم كما يستر المؤمن عورته, وتنزوون في هذه المنتديات الكالحة ينظر بعضكم إلى بعض كأنكم من كوكب آخر. طبعا إنكم تعيشون وسط المسلمين, من يستمع إليكم يحسبكم ما اكتشفتم هذا إلا الساعة! أفيقوا من سكرتكم, إنكم أنتم أنفسكم لستم في أعين الناس حولكم سوى مسلمين, انظروا إلى أسمائكم الحقيقية, وتناسوا معرفاتكم الطنانة, أنت إبراهيم أحمد ولست سبينوزا, وأنت يا نيتشه العربي, أليس اسمك عبد الغفور سلامة؟ وأنت يا تروتسكي ألست عبد الرحمن سليمان؟ إني أعرفكم واحدا واحدا, دعونا نصارح بعضنا بعضا, إنكم حزب النفاق لا حزب التنوير. تخافون من رمضان؟ هل نسيتم حالكم قبل شهور, ألم تفرحوا بالكريسمس؟ ترى كم ملحدا أقعى ليلتها تحت الشجرة؟ قلتم هي فرصة للفرح وإنما هي تقاليد اجتماعية. عجبا لكم تفرحون لشيء لا وجود له على أرضكم ويكاد يصيبكم الجنون لموسم يفرح فيه آباؤكم وذووكم؟ أنتم فاشلون بكل المقاييس, خصوصا مقاييس التنوير الذي تتشدقون به. إن كان هذا الشهر بغيضا إليكم فلِم لمْ تستطيعوا أن تقنعوا من حولكم بما ترونه؟ تجلسون هنا في هذا العالم الوهمي تتباكون كالأطفال, كأن رمضان سيختفي بعدها من الوجود, أشعر بالتقزز من سلبيتكم القاتلة. أما لو سألتموني فإني أفرح لقدوم رمضان, إني أنغمس وسط الناس, وأستمتع بوقتي, ألا ترون أن زملائنا من شياطين الفن يؤدون عملا إيجابيا خلافا لكم, إنهم فرسان الفضائيات ومهندسو المسلسلات, إنهم يسلسلون الألوف المؤلفة في البيوت, ويغسلون أدمغتهم في مكر بالغ كما يصنعون طيلة الوقت خصوصا في رمضان, ربما يملك هؤلاء فرصة لقهر هذا الشهر الذي يخيفكم, أما أنتم فقد استمرأتم العويل والصياح. تخافون من الجوع والعطش؟ ومن ذا الذي حال بينكم وبين ما تشتهون؟ أم تريدون أن تأكلوا في الطرقات؟ ثم ماذا يكون بعدها؟ هل ستزحزحون بذلك شهرا من شهور السنة فيتبخر في الهواء؟ أف لكم, لستم سوى شرذمة من الأغمار. أنتم لا تشعرون بالخطر الحقيقي الذي يشكله رمضان, إنه يغربلكم غربلة ويهدم في أيام ما تبنونه في سنة, أين اختفى كثير من الزملاء؟ أين (القبطان التائه)؟ أين (المتشكك)؟ أين (سبيل الحقيقة)؟ ألم يختفوا قبيل رمضان الماضي؟ إنكم تشهدون نقصان أمركم كل ساعة, إن هذا الشهر شهر ارتداد الزملاء, إنه شهر نقصان الإلحاد, إنه موسم الحساب السنوي لكم أيها المهرجون, وقصارى همكم الطعام والشراب, ألا تمتد أبصاركم لترى العالم وراء بطونكم؟ ما زالت أمامكم فرص التخفي في بحر من عوام المسلمين, ستقضون الساعات في المقاهي في لعب الورق, ستمضون الليالي في التسكع في الطرقات, لكن ذلك لن يدوم لكم, إن مجتمعاتكم تمور بحركة دينية لا تكاد تهدأ, إن الحشود تنفض من حولكم وتعود رويدا رويدا إلى تدين يشمل سائر مناحي الحياة, وكلما جاء رمضان اشتد الخناق عليكم, ويوما ما -وأراه قريبا- ستقفون أفذاذا في العراء, حينها لن تهتموا كثيرا بغسل أفواهكم من بقايا الطعام الذي تلتهمونه خلسة من الناس, لأنهم سيسألونكم: "لماذا لا نراكم معنا في صف الصلاة؟" إلى ذلك الحين استمتعوا بغزواتكم الكلامية يا رفقاء (الجرب والجذام) وتنعموا بالحلوى فإني لا أرى فيكم لبيبا, وأبشركم أني سأراجع نفسي, فلم ينلني منكم إلا العنت ونقصان العقل, لذا أقر مرة أخرى أني أفرح برمضان, ومن يدري, ربما يهب حياتي معنى بعدما صارت كأنها صحراء يباب منذ عرفتكم, فسحقا لكم وليتني لم أعرف أحدكم يوما من دهري."

    قرأ أبو الإلحاد هذا الكلام اللاذع مرارا, وشعر أن الطفل فيه يحثه أن يفرح برمضان كما كان يصنع أيام براءته, ثم عاد فندم أنه كتب الموضوع ابتداء, لقد تعكر صفو المنتدى بهذا الجواب الذي نزلت حروفه على القوم كالحراب المسننة, إنه زميل آخر يتساقط أمام أعين أقرانه كما تتساقط أوراق الخريف, يبدو أن مغامرة الإلحاد قد انتهت لديه بهذه المشاركة. تمنى صاحبنا في قرارة نفسه لو كان صاحب تلك الكلمات القوية, لكنه يأبى أن يفرط بسهولة في مذهب التنوير, إنه سيجتهد أن يمر عليه رمضان بسلام, وسيزحف على الأرض كما صنع طوال تلك السنين, ويؤجل جواب الأسئلة الكبيرة إلى حين.

    هشام البوزيدي

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أيها الفضلاء,
    لقد تم الجزء الأول من هذه اليوميات, وأعدكم بالمزيد ما بقي أبو الإلحاد على حاله وأشكركم على حسن اهتمامكم.
    وهذا فهرست الحلقات الماضية:

    1 أبو الإلحاد الرقمي في أزمة
    2 أبو الإلحاد ورحلة البحث عن "معرف"
    3 أبو الإلحاد في زمن الصحوة
    4 السلفية الإلحادية
    5 نحو تنوير النحو
    6 تطهير العلم من الإيمان
    7 بين الإلحاد الافتراضي والأرضي
    8 صراع الأجيال: نسخة إلحادية
    9 موت الإلحاد
    10 تأملات داروينية
    11 الآلهة الإلحادية
    12 فصل لتعليم الإلحاد
    13 من سيربح الغليون؟
    14 مأساة الأبوة الإلحادية
    15 الإلحاد وإيقاف الزمن
    16 ملحدستان
    17 هل الإلحاد عسير الهضم؟
    18 الإنجاز في شفاء الملحد من عقدة الإعجاز
    19 أبو الإلحاد في بلاد العجائب
    20 أبو الإلحاد ولغز الأحافير
    21 أبو رقاقة العدمي
    22 من أدب الطفولة الإلحادية
    23 شرنقة الإلحاد
    24 هلوسات إلحادية
    25 كازينو الإلحاد
    26 ألاعيب الحارات الإلحادية
    27 اختراق الإلحاد
    28 استعداد أهل الإلحاد لشهر المحنة والأصفاد.

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    4,712
    ما شاء الله عليك يا هشام
    أخذ مني وقتاً طويلا ، فقد قرأته على مراحل ولكنه للامانة يستحق كل ثانية أنفقتها فيه
    دمت متألقا وللأرقى يا رب
    كن بخير

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    حفظك الله وسدد قلمك أستاذي الفاضل, شكرا لك, وكان يكفيك أن تقرأ بعض الفقرات, لكن ماذا أصنع؟ وجدت نفسي أغوص في أعماق هذه الشخصية العجيبة.

  14. #54
    جزاك الله خيرا هشام, نص ماتع, قرأت بدايته قبل أيام.
    أشكرك أولا ثم أتمم القراءة.
    أتمنى أن لا تبخل علينا بالمزيد.

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الردود
    8
    رائع ماخطته يدك أخي الكريم

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المكان
    مكان لا أملكه..
    الردود
    337
    رائع جدا ..لا أسكت الله لك صوتا يا هشام.

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    البنتاغون <<عجل الله فتحه
    الردود
    455
    ابتسامة من القلب
    بارك الله فيك ورزقك الله الجنة
    { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ }

  18. #58
    عمل عظيم جدًا يا هشام ..
    فشكرًا لك على كل هذا الجهد ..
    ومن الله ما تشاء

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ..
    جميل جداً وللمرة الألف ، بل أكثر ..
    وشكراً لك حتى ترضى .


    http://alsakher.com/vb2/showpost.php...9&postcount=51

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    خلف الوطن
    الردود
    729

    شكراً لك وجداً جداً
    هذه الصفحات المترعة بالروعة ستكون مادة دسمة رفيقة لي في الطائرة
    تمَّت طباعتها وتجميعها

 

 
الصفحة 3 من 7 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •