Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 13 من 13
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    176

    من ذكريات عنصر مخابرات ((سابق))

    (( تعود بي الذاكرة ))

    مع أن البهارات ضرورية في الروايات والذكريات والطبخ ، إلا أني سأستغني عنها هنا لأن المرحلة حساسة وتحتاج إلى مصداقية تامّة في كل شيء باستثناء التعامل مع النظام الوحشي في وطننا الجريح ما استطعنا إلى ذلك سبيلا .
    قدّر الله وسحبوني عالجيش ؛ وسحبوني هي التعبير المناسب لأني على علم مسبق بطبيعة خدمة ” العلم ” في وطني ، أي أني ذاهب غصباً وليس عن طيب خاطر ؛ كوني جبان أخشى مواجهة العدو الإسرائيلي الذي ينتظرني على الجبهة الملتهبة دائماً ، لكن حسن حظي ورحمة ربي ترأفا بي فوجدت نفسي على جبهة مدينة حلب التي تبعد عن جبهة العدو حوالي أربعمائة وخمسين كيلومتراً تقريباً ، فحمدت الله كثيراً وتأقلمت مع الجو وأمضيت عشرين يوماً في دورة الأغرار حتى جاء الأمر من فوق بفرزي مع كم رقيب مجنّد من أصل ألفين إلى دمشق ، فجمعنا العقيد إف 16 أمام مكتبه وألقى علينا خطبة عصماء واعتذر عن أي تقصير أو إساءة بدرت منهم وأعطانا أوراق الفرز وإجازة يومين ثم طلب منا أن لا ننساه ونتذكره بالخير ثم ودّعنا وتمنى لنا خدمة ” وطن ” سعيدة !

    في دمشق عرفت أن أبي رحمه الله تدخّل في الموضوع واتصل مع صديق له فقال له : بسيطة ، ستكون خدمته في دمشق ولن يكلفك الأمر أكثر من خمسين ألف ليرة .

    دفعهم أبي عن (( طيب )) خاطر لأنه يعلم أنه سيدفع أضعاف هذا المبلغ أجرة مواصلات بين المدن لزيارتي أو زيارتهم ، فضلاً عن معرفته التامة بابنه التنح الذي من الممكن أن يذهب إلى تدمر فيما لو أهين من ضابط أوصف ضابط “محترم ” وما أكثر المحترمين في جيشنا الباسل .

    التحقت بأحد فروع إدارة المخابرات ***** فاستقبلنا مساعد أول في باحة الفرع – وكان الوقت قبل المغرب بساعة تقريباً- أعطانا لمحة عن حياتنا الجديدة كعناصر مخابرات ثم بدأ ممارسة هوايته في تدريب – تعذيب – العناصر الجديدة ، فمن منبطحاً إلى متدحرجاً إلى تسلق الشجر إلى النزول في الحفر وهو يقول : أرانب . ونحن نقول : وحوش .

    خيّم الظلام وكنا قد تبهدلنا وتمزّقت ثيابنا وفطسنا من الجوع فأعطونا بطانيات ومخدات معفنة وعلبة مسبّحة معدنية – بدون مفتاح أو سكين- وربطة تشبه الخبز لكل أربع أرانب وسلموا كل ثمانية أرانب خيمة !
    كلو بيهون كرمال الوطن ولعيونك يا فلسطين نحن قادمون بعد أن نحرر الجولان واسكندرون .

    بدأنا دورة الصاعقة ، والحق يقال أن هذه الدورة تجعل من الطنط رجلاً يستطيع العيش بأقسى الظروف ، وخلال الدورة كنا نقترب من باحة فرع التحقيق فنصادف بعض المعتقلين أثناء جلبهم في ميكرو باص مطمشين ومكبلين ، وبالاحتكاك مع العناصر الأقدم عرفنا أن مجرد السؤال عما يجري تعتبر جريمة ، رغم ذلك كان الفضول يدفعنا للمجازفة بسؤال من نشعر أنه ثقة حتى عرفنا أن سجن هذا الفرع له ثلاثة أبواب متتالية على ممر واحد ، حراس الباب الخارجي لا يحتكون مع حراس الباب الأوسط وحراس الباب الداخلي وبالعكس ، أي لا يستطيع حارس الباب الخارجي الوصول للباب الأوسط ولا أحد يعلم أسماء أو تهمة المعتقلين إلا الضباط والمحققين وممنوع التحدث بتاتاً معهم !

    كانت الزنزانات تحت الأرض لها شبابيك صغيرة مستطيلة عليها شبك حديد فوق الأرض بارتفاع 15 سم تقريباً ، لا يعرف عدد الزنزانات إلا حراس الباب الداخلي ، وهؤلاء الحراس هم المسؤولين عن إخراج المعتقلين إلى الباحة عشر دقائق صباح كل يوم إلا المغضوب عليهم كثيراً . وأثناء تنفسهم ممنوع اقتراب جميع العناصر من هذه الباحة ، بالعربي لا يوجد ثقة حتى بعناصر المخابرات ، وما عرفناه عن ظروف هؤلاء المعتقلين أن المسموح لهم به فقط هو الصراخ أثناء التعذيب والأنين أوقات الفراغ !
    كان رئيس الفرع ” اجتماعياً حنوناً لطيفاً ” يشاركنا لعب كرة الطائرة صباح كل يوم تقريباً ويطعمينا بهدلة ويشرشحنا شرشحة بدون سبب بالاجتماع الصباحي الذي كان يحضره بالأسبوع مرة واحدة .
    ومن ضمن إرشاداته “ قدس الله سره ” أن لا فرق بين سني وعلوي ودرزي ومسيحي وأن الواسطة مرفوضة تماماً ومن يأتي له بواسطة سوف يلعن أبو شرفو !

    مع العلم أن مرافقته كانوا من طائفة واحدة فقط ، وصديقي أعفي من تكملة الدورة وذهب إلى بيته والمعلم الحنون كان واسطته ، وكان من ضمن مرافقته ” شكلياً فقط ” اثنان من أشهر الممثلين الآن ، فقد كانا يأتيان بالأسبوع مرتين تقريباً يدخلان إلى مكتبه يشربان القهوة ويغادران بسيارتهما دون الالتفات إلى الأرانب الملعون أبو سلافهم بالتدريب " التعذيب " ..

    انتهت الدورة بفضل الله بخير وسلام وجاء فرزي كما هو متفق عليه إلى فرع ” التنابل ” ، هذا الفرع أغلبيته واسطات ، وكل ماعليهم فعله هو النوم والنوم فقط ، كل يوم ثماني ساعات بالإضافة إلى أيام المناوبة ، وحتى هذه اللحظة لم أستطع معرفة سبب المناوبة ، مناوبة على ماذا لا أحد يعلم !

    في هذا الفرع شاهدت العجب العجاب بحكم زيارتي شبه اليومية لشخص ذو أهمية ما في الإدارة رغم أنه بدون رتبة ولا عمل !
    اكتشفت أن أصغر ضابط مخابرات يدب الرعب بقلب لواء من جيش أبو شحاطة ، بل كان عندما يصل عقيد أو مقدّم في المخابرات إلى المكان المذكور تجد الضباط الأعلى رتبة من الجيش النظامي يتبسمرون بأرضهم أو يتحاشون النظر بهذا الوحش القادم ، كما أن ملازم أو مساعد أو رقيب في المخابرات لديه سيارة بيجو 504خاصة مفروزة له من إدارته بينما ثلاثة عقداء يتناوبون على سيارة جيب أو فولكس فاكن واحدة !

    في هذا المكان يوجد طابقين تحت الأرض سجن خاص بالمخابرات وطابق أرضي لإدارة الفرع وبقية الأدوار للجيش النظامي ” أبو شحاطة ” وكنا نشعر بمأساة هؤلاء الضباط ، فهم مهمشين تماماً ولا قيمة لهم أبداً ، فهم ليسوا أكثر من تكملة عدد في هذا المبنى ولا يحق لهم التحرك في المكان إلا من الباب إلى المصعد وبالعكس فقط مهما كانت رتبتهم بينما تجد عنصر مخابرات مجند يصول ويجول في المكان .
    بعد مضي شهرين على هذه الحال كدت أنفجر رغم أن كل الإدارة تحسدنا على حظنا وواسطتنا لكني لم أستطع الصبر على النوم أكثر فطلبت من الواسطة نقلي إلى مكان فيه عمل ،حياة ،حركة ، أي شيء غير النوم فخيروني بين فرعين فاخترت الأسلم الذي ليس فيه مهمات لكنه الأخطر – مجازياً -على مستوى القطر من حيث الأهمية .

    التحقت بهذا الفرع فكان مكان عملي مجاور لمكاتب رئيس الفرع ومعاونه وضابطين آخرين . وبدأ المشوار ..

    كان رئيس الفرع في الأربعينات من عمره ، شخصيته قوية ، جذاب ، لا نسمع صوته إلا نادراً ، وإذا سمعنا صوته فهذا يعني أن أحداً أكل هوا ، و كان عناصر الفرع بجميع رتبهم ترتعد فرائصهم عند سماع اسمه ، ومن حسن حظي أن أول عمل قام به بعد قدومي إلى الفرع هو حفر حفرة 10×3 بعمق 3 أمتار في باحة الفرع فظننت أنه يصنع مسبحاً احتفالاً بقدومي ، لكن ظني خاب عندما رأيت ورشة حدادة تصنع أبواباً حديدية في داخله فسألت مساعد أول ممازحاً : لماذا يضعون للمسبح أبواب حديد ؟!
    ضحك وقال : قرد ولو ، هذا سجن ولك كرّ
    طبعاً هو كرّمني عندما قال لي كرّ لأننا بنظرهم حشرات !
    مضت الأيام وبدأت أعرف ماهية هذا الفرع ، فكل يوم كان يأتينا ضباطاً من الجيش يجلسون في غرفة الضيافة وممنوع على أي عنصر الاحتكاك بهم ، يصلون في الثامنة صباحاً ويغادرون عند الثانية ظهراً ثم يعودون في السادسة ويغادرون في التاسعة مساءً ، دوام كامل ككل عناصر الفرع ، لا يأكلون لا يشربون لا يتحدث معهم أحد ، وبعد عدة أيام يطلبهم أحد الضباط لمكتبه لمدد مختلفة بين ربع ساعة وساعتين ثم يغادرون إلى غير رجعة .
    كنت ألاحظ تعابير وجوه مختلفة ، فمنهم من يخرج ويتنفس الصعداء وكأنه ولد من جديد وعلى وجهه علامات الفرح ، ومنهم من يخرج يجرّ قدميه جرّاً وقد سُحب اللون من وجهه تماماً وكأنه ميّت خرج من ثلاجة في طريقه إلى القبر ! عرفت فيما بعد أن هؤلاء مرفوع فيهم تقارير فطلبوهم للاستجواب ، والغريب في الأمر والذل الحقيقي هو أن الضابط المتهم برتبة عميد والمحقق برتبة رائد ، وترى هذا العميد المسكين جالس في الغرفة وجهه أصفر وخفقان قلبه يمكنك سماعه عن بعد عشرة أمتار والثانية تمر عليه بسنة ويتمنى أن يحدّثه مجنّد أو يلقي عليه السلام ليكسر رعبه والصمت المفزع الذي يلف المكان!

    العناصرالموجودة في هذا الفرع متفرغة لدراسة وتلخيص التقارير والدراسات المرفوعة بحق الإنس والجن والشياطين ورفع المهم منها إلى الضابط المسؤول ومنه إلى رئيس الفرع لاتخاذ اللازم ، واللازم معروف للجميع طبعاً ولا يحتاج إلى شرح ، ومن مهامه الأساسية دراسة ملفات أعضاء مجلس الشعب المرشحين والمدراء العامين على مستوى القطر ، وكنت أشاهد الكثير من الزوار المهمين يأتون لشرب ” القهوة ” عند رئيس الفرع . وأهم وأجمل شخصية رأيتها هي زوجة رئيس الفرع ، فقد كانت في الثامنة عشرة من عمرها ممشوقة القد شقراء جذابة عيونها زرقاء ، يعني ملكة جمال حقيقية ، كانت تأتي أحياناً إلى الفرع قبل الغروب تجلس في الأرجوحة الكبيرة في حديقة الفرع المخصصة للزعيم ” رئيس الفرع ” وعيون العناصر تخرج من محاجرها أثناء مشيها كالغزال بالبنطلون الجينز ” الزرك ” الذي أقسمنا جميعاً أنها تلبسه بواسطة سكجا وفازلين ومساعدة جواريها ! لم نفهم سبب زياراتها المتكررة للفرع ، لكن لعلها للاطلاع على مسيرة العمل في دكان زوجها وتفقد عبيده ؟!

    المهم أننا كنّا نكحل عيوننا برؤيتها ونسأل الله أن تأتي كل يوم وتجلس في الأرجوحة مع المعلم لأن مزاجه يمسي بأحسن حال بوجودها .
    في صباح يوم من الأيام طلبونا للاجتماع في باحة الفرع فوجدنا بغلاً حقيقياً بانتظارنا ، تقدم المساعد أول وعرفنا عليه : الملازم أول البغل الاسترالي
    قدمنا له التحية فردّها بعنجهية وتقدّم منا وبدأ يمازحنا بالرفس واللكم واللبط حتى أن أكثرنا سقط على الأرض من قوة الرفسة لأننا واقفين باستعداد ، وأثناء رفسنا قال لنا أنه حاصل على الحزام الأسود في الكاراتيه ويريدنا أن نكون وحوشاً مثله وليس أرانب كما نحن الآن ..

    الحقيقة بعدما فعل بنا ما فعل تمنينا جميعاً بما فينا المساعد أول أن نبطحه أرضاً ونبول على رأسه حتى تختفي معالم وجهه جزاء هذه النفسية الحقيرة والعنجهية المقيتة ، لكننا تمنينا فيما بعد أننا لم نتمنى هذه الأمنية لأننا عرفنا أنه قريب مدير الإدارة وربما يصله خبر أمنيتنا هذه ونذهب في رحلة مجهولة النهاية في أحد الأقبية العفنة .
    ومن بطولات هذا البغل أنه في يوم من الأيام غازل بنت جيران الفرع بوقاحة وتبعها إلى مدخل عمارتهم فرآه أخوها فهجم عليه – وبالتأكيد لا يعرف من هو – وتشاجرا فضربه الملازم ضرباً مبرحاً فاجتمع عليه أهل الحارة فضربوه وعلّموا على وجهه واستولوا على مسدسه عندما شهره بوجههم فهرب بسيارته وتوعدهم فقالوا له : روح بلط البحر . الجماعة أكيد مدعومين ، لكن المساكين لا يعلمون أن الدعم لا قيمة له مع بروسلي قريب الرأس الكبير! وصل البغل الاسترالي إلى الفرع كالمجنون وجمع العناصر وتوجه بهم إلى حارة الإرهابيين الذين دافعوا عن بنت حارتهم فضربوا من ضربوا واعتقلوا منهم خمسة وأتوا بهم إلى الفرع فذلّهم إذلال لامثيل له وتشفى بهم وكأنهم اليهود الذين قتلوا محمد الدرة بحضن أبيه !
    بعد عدة ساعات جاء أمر من رئيس الفرع على الهاتف بإخلاء سبيلهم لأن والد البنت صديق ضابط كبير في المخابرات – حسبما فهمنا – فغضب البغل وحرد وغادر الفرع دون أن يطلق سراحهم ، فعاد مجدداً رئيس الفرع وأمر بإطلاق سراح الجميع ونقل أخو البنت إلى المستشفى لتجبير كسور في يده ورجله وإعادته إلى بيته واستعادة المسدس ..

    من حسنات رئيس الفرع أنه كان يرد الجميل بجميل أحسن منه ، وأثبت ذلك عملياً بتصرفه مع مساعد أول في الأربعينات من عمره ” محترم جداً ” كان قدّم الثانوية العامة حرّة وحصل عليها ودخل كلية الحقوق وتخرّج منها فقدّم له طلب تسريح ليزاول مهنة المحاماة فأتى الجواب بالرفض ، فعاود تقديم الطلب ، أيضاً جاء بالرفض مع التوبيخ والتهديد ، فتقدم بطلب إلى الإدارة وطلباً إلى وزير الدفاع وبعد انتظار ثلاثة أشهر جاء الطلب مع الموافقة ، فما كان من رئيس الفرع إلا أن زج المساعد أول في السجن خمسة وأربعين يوماً قبل إطلاق سراحه ليزاول مهنة المحاماة ويعيش حياته التي يتمنى .

    ومن مفارقات الأمن في وطننا الحبيب هو أسلوب أمن الرئاسة ، فمعلوم للجميع أن الحرس الجمهوري هو المسؤول عن حماية الرئيس ، وقلّة من الناس يعرفون أن بعض فروع المخابرات لها دور في الحماية ، لكن هذا الدور دور مهين بكل معنى الكلمة ، وبحكم أن أصدقائي في دورة الصاعقة كانت خدمتهم في فروع عدة فقد عرفت منهم أن من المهام المنوطة بهم هو تأمين طريق الرئيس قبل مروره ؛ على سبيل المثال طريق المطار من أوله إلى آخره تنتشر عناصر المخابرات في البساتين على طرفي الطريق قبل أربعة وعشرين ساعة بعمق مئة متر ، ثم يأتي الحرس الجمهوري قبل أربع ساعات من مرور الرئيس وينتشر على الطريق فتعود الأرانب إلى جحورها ” فروعها ” والأسود إلى عرينها !

    ومن أصدقائي من أمضى خدمته عامل نظافة أوبائع متجول أوبويجي أوحمّال في سوق الهال ، وكان الضابط المسؤول عنهم يسامحهم بما يحصلون عليه من مال أحياناً .

    لكن القصة التي فاتني أن أذكرها لكم – وهي الأخطر على حياتي آنذاك – أن العميد رئيس الفرع الذي أديت فيه شهرين من خدمتي (( نائماً )) طلب من والدي خدمة في ضيعته في جبال قريبة من طرطوس فأرسلني لأداء هذه الخدمة وأعطاني إجازة سبعة أيام ، وصلت مع بعض العناصر للضيعة بعد منتصف الليل وكنا قد خرجنا من دمشق صباحاً ومررنا بأكثر من مكان قبل التوجه إلى الضيعة ، وقد تمالكنا التعب الشديد فنمنا كالقتلى في منزل المعلم الجديد ، وحوالي الثامنة صباحاً أتى طفلان عمرهما لا يتجاوز العشر سنوات ، تقدما منا وقال كبيرهم : بيقلكوم بابا قوموا بقى .
    سألته : شو آل كمان حبيبي ؟
    قال : قال شو مفكرين حالهن بفندق ، يلعن بيهن ؟
    ابتسمت ابتسامة صفراء والغيظ يفتتني وقلت له : أممممم .. طيب حبيبي . يلا قايمين .

    ذهب الطفلان ونهض من معي من أرانب ليبدأوا عمل فقلت لهم أنا عائد إلى البيت ، حاولوا ثنيي عن قراري لكنما دون جدوى .
    خرجت من المنزل ومشيت في الطريق الوحيد الموجود في الضيعة ومررت من أمام سيارة المعلم فتلفتت يمنى ويسرى فلم أر أحداً فبصقت عليها وتابعت مسيري ، كان يوم جمعة ، الطريق خالي من البشر والدواب ، لكن صوتاً بشرياً جماعياً كان يهدر من مكان ليس ببعيد لفت انتباهي ، أصغيت قليلاً لأحدد مصدر الصوت فتبين لي أنه من غرفة صغيرة قريبة من الطريق فخمّنت أن يكون طقساً من طقوس العبادة ، تابعت مسيري بعجل خوف اكتشاف المعلم مغادرتي المكان ، كانت أذناي مثل صحون لاقطة تصغي وتلتقط أي حركة بانتظار سماع صوت هدير سيارة المعلم التي لم أشاهد غيرها في الضيعة !

    مشيت حوالي الثلاث ساعات في الجبال لم أر فيها إنسا ولا جان ، حتى رأيت من بعيد غرفة على طرف الطريق بقربها شيء يتحرك ، أسرعت من خطواتي للصول إلى هذه الغرفة فشاهدت فتاة تجلس القرفصاء وأمامها وعاء كبير فيه بعض الملابس ، ألقيت عليها التحية فردتها بوجهٍ بشوش يخالطه استغراب ، سألتها إن كانت هذه الغرفة دكاناً فقالت نعم هي دكان ، اشتريت شيئاً أقتات عليه وشربت الماء ومضيت مسرعاً تفادياً لأي سؤال ، تابعت مسيري إلى أن مرّت سيارة قديمة جداً فطلبت من سائقها الوقوف فتوقف وأقلني إلى الشيخ بدر- على ما أذكر- منطقة قريبة من طرطوس ، ركبت الحافلة وذهبت إلى طرطوس ومنها إلى اللاذقية لأكمل رحلة الاستجمام لمدة أسبوع ، المدة التي وهبني إياها المعلم .

    وصلت إلى اللاذقية واتصلت بأهلي أخبرتهم أني بطرطوس – للتمويه – وسأعود بعد أسبوع دون إبداء الأسباب .
    لأول مرّة أجد شواطئ اللاذقية بهذا الجمال ، أمضيت أحلى أسبوع بحياتي – بصحبة صديق غالي أولاً – وثانياً هذا الوقت سرقته من عيون سيدي وتاج راس الوطن رئيس الفرع . انتهى الأسبوع وعدت إلى البيت لأجد القيامة قد قامت ، المعلم غضبان أشد الغضب وينتظر عودة هذا الكرّ – اللي ما استعبرو – ليترك ويفعل به !
    شو بدو ؟!
    أنا معي إجازة رسمية ، موقعة بحافرو الطاهر ومختومة من الديوان المعظّم !

    من ناحية أني ما تحيونت بهذا التصرف فلقد تحوينت وكتّرت ، وألله لا يعطي شيطاني عافية .

    طبعاً سمعت ما سمعته من أبي على فعلتي حتى ظننت أني أشركت بالله !!

    الحقيقة أن الشرك بالله آنذاك – وحتى هذه اللحظة – لا يعاقب عليها المعلّم ولا معلم المعلم ولا أكبر جحش منهم ، بل ربما تصبح من المقربين لديهم إذا أشركت وكثّرت ، والله شديد العقاب وغفورٌ رحيم لمن تاب واستغفر ، أما هؤلاء فنهايتك تكون شبه مؤكدة فيما لو أخطأت بحقهم !

    لذلك لم أذهب إلى الفرع يوم السبت حسب توجيهات أبي ريثما يجد حلّاً لهذه “الكارثة ” لأن استخفافي برئيس الفرع شهده العناصر الذين كانوا معي في الضيعة ، أي أن المعلم صار مسخرة بين العناصر ” شلوني معك ؟ ”
    من ناحية أني لم أخف وسقط قلبي من مكانه .. فوالله خفت كثيراً والدقيقة عشتها شهراً ، فكان أتعس يوم سبت بعمري نسيت فيه أحلى أسبوع قضيته على شاطئ اللاذقية .

    كان عقرب الثواني مشلولاً شلل شبه كلي ، فكان يجرّ نفسه بعناء شديد حتى بدا لي أنه متوقف !
    كنت أفكّر بمساحة زنزانتي وبرودة جدرانها وظلمتها ، وتخيّلت نفسي مشبوحاً على بساط الريح وصراخي يسمعه زملائي عناصرالفرع حتى رحت أفكر جدياً بالهرب إلى لبنان ، لكن سرعان ما قلت في نفسي ” لبنان تحت أنظارهم وسيطرتهم ! ” وبقيت على هذه الحال حتى جاء الفرج بصوت أبي على الهاتف يطمئني فيه ويؤنّبني مجدداً على فعلتي .

    ذهبت صباح الأحد إلى الفرع فاستدعاني مدير مكتب المعلم على الفور ، بهدلني عالناعم وأخبرني أني محروم من مغادرة الفرع حتى إشعارٍ آخر بأمر من المعلّم وقال لي : إذا سألك حدا من الشباب عن مغادرتك بيت المعلم قل لهم المعلم أرسلني في مهمة .

    حمدت الله كثيراً وعدت إلى سريري لمتابعة خدمة الوطن بممارسة النوم بمعنويات عالية .

    .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    وإذا خَفِيتُ على الغَبيّ فَعَاذِرٌ أنْ لا تَراني مُقْلَةٌ عَمْيَاءُ
    الردود
    1,670
    ينصر دينك يا مجاز ....
    أول مرة أقرأ مذكرات أشعر بأنها حقيقية , ولعلمك هي بهذه الطريقة
    وفاز باللذات الفاتك اللهج .
    ولو كنا في غير رمضان لألحيت عليك بتفاصيل أكثر في اللاذقية .
    ولكن ممكن تتابع فذلك ينعش الذاكرة .
    فإن تبغني في حلقــة القوم تلقني..
    وان تلتمسني في الحوانيت تصطـد..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المكان
    في سجن يحرسه سجناء ولصوص!
    الردود
    207
    مجاز
    أنت اذن من عناصر المخابرات إياهم!
    كنت اشك فيك وفي سعة كلامك..واننتقادك لنظام ومن ثم غيابك عن صفحة الثورة!َ
    يبدو انك الآن تحمل رتبة عالية لاشك قد تكون عقيداَ او رائداَ وربما وصلت الى لواء بما انك صاحب واسطة ومحسوبية..
    ذكريات جميلة مجاز:
    خدمة العلم في سوريا شاقة كما سمعنا وتجربتك في المخابرات كانت لنقاهة والرفاهية
    ماذكرتة عن هذا الجهاز يثبت أن في سوريا دولة داخل دولة وأنظمة متداااخلة ببعضها!
    عناصر المخابرات يستغلون موقعهم بكل بجاحة ووقاحة في سوريا وبشكل معلن للجميع!!
    ينهبون ويسرقون ويهددون ويشحطون آي مواطن إمة داعية عليه..
    قد لاتصدقني ولكني سأقول:
    أعرف رتبة عالية في هذا الجهاز قتل جارة لي بالحي الذي اسكنة بدمشق -البنت رحمة الله عليها- كانت عينها طويلة ومشهورة بالغزل والمعاكسة! كل يوم تجدها مع صديق!
    لسوء حظها صادقت هذا العنصر..
    ووقع الجحش بحبها واصبح يتردد عليها بشكل يومي..
    في يوم من الايام اكتشف انها تخونه مع شاب آخر..
    فمكان منه الى اخراج المسدس وإطلق النار عليها لتمكث بالمشفى ايام وتفارق الحياة !
    ووالله العظيم ان الضابط لازال يزاول حياتة المهنية بشكلها المعتاد..لليوم!!
    فيروي لي صديقي:
    ان الضابط هدد أسرتها الفقيرة والمعدمة بشحطهم وجررتهم اذا خرج الخبر..
    وسلم بهذة البساطة!



    أتمنى منك زيارتنا
    في الصفحة السورية الشقيقة
    فأنت قلم اول شي..
    مدعووووم..
    وتاااني شي..
    مهضووووم..
    و
    سلاااامات عليك..
    وعلى كل أهلنا السوريين من كل مايمارس بحقهم
    اليوم من بطش بربري وقمع وحشي..
    وبلغهم:
    أن نصر الله قريب,,

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الردود
    344
    احببت سردها
    جميلة يا مجاز
    وطويلة ايضا
    شكرا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    176
    أبو مختار
    والله إن رؤية الشعب السوري الثائر بجسارة بوجه الطاغية بشار لهو من أعظم الملذات .

    نصركم الله يا أهلنا في الدير
    شكراً لك .

    الأمير المشرد
    عناصر وضباط المخابرات مشغولين بقتل الأبرياء ، أما نحن فنقتل قلة الحيلة بمقال .
    قصصهم أكثر من أن تحصى وإجرامهم بحق الشعب لايوصف وربما لايصدق .
    الله معنا يا أمير .
    الصفحة السورية في أسلاك ؟
    إن كنت تقصدها فأنا أتابعها باستمرار والأحرار مو مقصرين مع بعض الأنذال .
    شكراً لك .

    أريج حمّاد
    شكراً لك .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    معتقل في مكان ما
    الردود
    3,124
    قرأت هذا منذ فترة على صفحة المندسة السورية.. فكرت بنقله هنا ولكنني رأيته نصا طويلا... شكرا لمشاركته هنا..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المكان
    في الرف الأعلى ..!
    الردود
    3
    مجاز ليتك لم توجز في نصك ( ولو كان طويل )

    لك تحيتي ولجميع أحرار سوريه ..

    أسأل الله النصر القريب العاجل ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في مدينة الفارابي
    الردود
    255
    أسبوع
    يالك من مغامر مجنون

    ..أحب هكذا مذكرات

    ..
    كن كما تحب
    ولك التحايا وارفات
    لــيــس ثـمـة مـوتـى غير أولئك الذين نواريهم في مقبرة الذاكرة...

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    176
    كعبلون

    لا شكر على واجب
    شكراً لك

    ساعي البريد

    وتحيتي لك ولكل الشرفاء
    شكراً لك

    زهرة الأدب

    لك جزيل الشكر

  10. #10
    حبكة قصصية ممتعة و" محبوكة " بشكل مميز

    واكثر ما يمتع فيها
    قربها للواقع

    شكرا لك مجاز

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    176
    رجل اللحظات الأخيرة

    شكراً جزيلاً لك

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المكان
    في صالون من أهوى
    الردود
    3,628
    حقا
    إن هذا الموضوع من أجمل ما قرأت منذ مدة
    مشوق جدا من حيث الأسلوب والدراما
    شكرا لك
    أمي ودفء عيوني بعض صورتها
    إذ لوَّحَـــــتْ لأبي في رحلةِ المَوْتِ

    عادت تقبِّلُ دمـعاتي بمحجرها
    تقول "لاهنتَ" بل أماه لا هنتِ

    حملتِ حزني وجنحُ الروح منكسرٌ
    والنزف منهـــمرٌ ... يا ليتني أنتِ

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    176
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الأمير نزار عرض المشاركة
    حقا
    إن هذا الموضوع من أجمل ما قرأت منذ مدة
    مشوق جدا من حيث الأسلوب والدراما
    شكرا لك
    لك جزيل الشكر أيها الأمير

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •