Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 60
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    على كف عفريت
    الردود
    299

    ما الذي تنساهُ عند الرحيل ؟

    وُجْهَةُ نَظَرٍ !!

    دَخَلَت المقهى الكبير بُخطًى هادِئَة , سَحِبتْ كرسيًّا و جَلَسَتْ , طلَبَتْ من النادلِ كوبًا من القهوَة .. مدّ يدَهُ بقهوةٍ تُشْبِهُها كثيرًا .. داكِنَةٌ و مُرّةٌ و فوقَها رغوَة تبدو لذيذةٌ . المقهى متخمٌ بالرجالِ و النساء . النساءُ أصواتُهنَّ خفيضة , لا تكادُ تجاوزُ طاولاتهنَّ ؛ أما الرجال فأصواتُهم أعلى و أكثر صخبًا .
    مَرّ بجانِبِها رجلٌ بسيطٌ , نظرَ إليها , دقّق فيها , و رغمَ أميّتِهِ قرأ بلاغَةَ جسَدِها البضّ بطلاقَة . أعجبَهُ الإطنابُ في شعرِها الطويل , و الإيجازُ في حَجْمِ شفتَيْها , و المجازُ في نهديْها الخارجَيْنِ عن النّصَ . و قبْلَ أنْ يخرجَ تمنّى لو أنّه الكنزةُ التي ترتديهِا .
    مَرَّ بمحاذاتِها رجلٌ يعملُ في بَيْعِ العدساتِ . نظرَ إليْها , قرأها من الأعلى إلى الأسفل , افتُتِنَ بعيْنيْها النجلاوَيْنِ . و قبلَ أن يمضيَ في سبيلِه ؛ تمنّى لو أنّهُ كوبُ القهوةِ الذي تَسْكبُ في جوفهِ نظراتِها .
    مَرّ رجلٌ يتّجِرُ في المجوهراتِ , نظرَ إليْها و أعجَبَتْهُ حُليُّها , بَهرَتْهُ أضواءُ المقهى المنْعكسَةِ عليْها . و قبلَ أن يختفيَ حدّثَ نفسَهُ : " لو أنّني إسوارَةٌ حولَ معصَمِها الجميل "
    مَرّ رجلٌ يتأبَطُ كتابًا , نظرَ إليْها , تَفحّصَها فأغراهُ منْظرُها بكلّ تفاصيلِه , و قبلَ أنْ يشقَّ طريقه فكّرَ أنْ يأخذها مِن هذا المقهى الكئيبِ و يَضَعها في إحدى رواياتِهِ المُثيرَة .
    مَر رجلٌ يعملُ كمصوّرٍ فوتوغرافيّ , نَظر إليْها , نظرَ منْ جميعِ الزوايا , فتَنَتْهُ الصورة بتفاصيلها : الألوانُ , الزوايَة المُختارَة , الضوءُ السّاقطُ بشغفٍ على وجهها , حدّثَ نفسَه : " هذه فتاةُ غلافٍ بامتيازٍ "
    اندلقَ وقتٌ كثيرٌ , و مازالَ المقهى على حالِهِ , و مازالتْ تشربُ قهوتَها الداكنةُ و المُرّةُ , و رجالٌ كثيرونَ و مختلفون يمرّونَ بها , و كالعادَةِ يَنظرونَ إليْها , و ما منْ رجلٍ منْهم ينظرُ إلى الكرسيِّ الفارغِ الذي يُقابِلُها .



    هذا أنا
    المكانُ مليءٌ بالأرقام , تُطالِعُكَ الأرقامُ من كلِّ الجهاتِ , لا شيءَ هنا غيرَ أرقامٍ صمّاء . تشعرُ بالجفافِ و الحنْقِ . حتى ذلك الموظفُ الصغير المُختبئُ خلفَ زجاجَتِهِ المصقولَة ليسَ بوسعكَ أنْ تتحدّثَ مَعَهُ دونَ أنْ تأخذَ رقمًا منْ مكنَة الأرقامِ , ثمّ عليْكَ أنْ تنْتظرَ معَ أولئك الطيبينَ القابعينَ في مقاعِدهمِ و كأنّهم أوثقوا إليْها . تتأمّلُ المشْهدَ بتفاصيلِه فيقفِزُ سؤالٌ منْ رأسِكَ , ينْتصبُ أمامَك , يضعُ عينيه بعيْنيك , و يصرخُ في وجْهكَ الأبلَه : " منْ أنت ؟ "
    لا تُكلّفُ نفسَكَ عناءَ الإجابَة , بيدَ أنّ السؤالَ يُحْدِثُ دُويًّا هائلا في رأسِكَ الصغيرِ . تتناثرُ شظاياه الحادّة فتصيبُ إحداها جدارَ ذاكرتِكَ الهشّ . تُحدثُ الشظيّةُ شرخًا صغيرًا لا يفتأ يكبرُ بفعلِ التداعياتِ التي تَخرجُ مِنْه : ( في البَدءِ كُنْتَ رقمًا . كنْتم مئاتَ الملايينِ , تدافَعتم بقوّة و انطلقتم في شَهوةٍ عارمَة تَبْحثُونَ عَن الخَصْبِ و الحَياةِ , و تخبئون في أحجامكم المتناهية الصِّغر أحلامًا متورّمة . حدَثتْ مَجْزرَةٌ مليونيّة , ماتَ مئاتُ الملايينِ و بقيت أنت , كُنتَ الرقم الوحيد النّاجي منْ بينِ رُكامِ الأرقامِ الهالكة . أردتَ أنْ تخرجَ إلى الحياةِ لتشعرَ بالوجودِ ؛ غَيْرَ أنّكَ اصطدمْتَ بقانونٍ يقضيْ أنْ تمُرّ بتِسعَةِ أرقامٍ , أو سبعَةٍ على أقلّ تقدير .
    قفزتَ منْ رقمٍ إلى آخر حتى انزلَقتَ فالتقَفتْكَ المُمرّضةُ , و أحاطَتْ مِعصَمكَ الصّغيرَ برَقمٍ عريضٍ يُميّزكَ عَن المواليدِ الآخرينَ . في قِسْمِ المواليدِ كنْتم تشابَهونَ حدّ التطابُقِ , و لمْ تحملوا بعدُ أسماءً تُميّزكم .
    في البيتِ صُرتَ رقمَ أربعةٍ بينَ إخوتكَ . و في دائِرَةِ الأحوالِ المدنيّة وضعوا مُقابلَ اسمكَ رقمًا أطول مِنْهُ , تُعْرَفُ بِه بقيّةَ حياتِك , بوسْعكَ أنْ تُغيّر اسمك ؛ لكنْ ما منْ طريقَةٍ لتغييرِ رقمكَ إنْ لمْ يُعحبكَ . و لا شيءَ يَتمُّ في حياتِك و بعدَ مماتكَ بغيْرِ هذا الرقم . أيضًا أضافوكَ كرقمٍ جديدٍ إلى عددِ السكّان الذي لا يحتملُ مزيدًا من الأرقام .
    دخلتَ المدرسَة فأضافوكَ كرقمٍ آخر . كبُرتَ و كبرتْ معك أرقامُك : ( عمركَ , طولكَ , وزنك .. ) و كلّما ذهبْتَ إلى مكانٍ التصقتْ بكَ الأرقام . توتّرتْ علاقتكَ بها , و صرتَ تسمعُ : " أنتَ صفرٌ إلى اليسار " كلّما أرادَ أحدُهم أنْ يحطّ منْ قيمتك .
    أخطأ الموظف فوضعَ اسمكَ مقابلَ رقمِ أبيك المتوفى , و عندما أخبركَ أنّ رقمكَ يقول أنّك ميّتٌ لم تتعجبْ كثيرًا , تشعرُ بذلك .. فقط طلبتَ بعض الإيضاح ... أعلنَت الصحفُ عنْ رقمٍ شاغرٍ لإحدى الوظائف , تقدّمتَ فلمْ يقبل الرقمُ مواصفاتك . و كنتَ إذا استغرقتَ في النومِ تحلمُ بأرقامٍ صغيرَة تصعدُ سريرَك الخشبيّ و تأكلُ أطرافَه و أطرافَك ) ... ثمّة شاشةٌ رقميّةٌ مُعلّقةٌ على الحائط , تضيءُ الشاشَةُ برقمٍ جديدٍ ؛ فيخرجكَ الجالسُ إلى جواركَ من تداعياتِ ذاكرتكَ بلكزةٍ خفيفة , يُشيرُ إلى الرقمِ في الشاشة و يقول : " هذا أنت " تنظرُ إلى الرقمِ الذي تحملُه في ورقةٍ صغيرَةٍ , ثمّ تقول دونما فرحٍ : " نعم , هذا أنا "

    قصص قصيرة جدا :
    منطق
    وقفَ على نافذتي فسألته :
    كيفَ قطعتَ تلك الأميال بجناحٍ أبيض و آخرَ أسود ؟
    رفرفَ بهما و طار .
    حلّقَ عاليا حتى لم أعدْ أميّز بين اللونين !

    بيْت
    كلّ بيوتِ الحيّ يصدرُ
    منْها صراخٌ و أنين , إلا هذا البيت
    غارقٌ في بحرِ سكونِهِ
    دخلتُه خلسةً فوجدتهم يصرخون
    و رأيته يجلسُ على كرسيّه
    و تتدلّى من يده حبالهم الصوتيّة !!


    أثَر
    امتدّتْ أغصانُها إلى داره
    فتناولَ فأسًا و اقتلعها , ثم نظر خلفه
    فإذا بالظلّ يبقى و يَمتدّ .

    ما الذي تنساهُ عنْدَ الرحيلِ ؟
    أتخمنا بطونَ الحقائبِ حتى كادت تتقيأ
    أطلّ جدي وقال : " دائمًا ثمّة شيءٌ تنساهُ و لا تستطيعُ أخذهُ "
    أعدنا البحثَ و لم نجدْ شيئًا , و لمّا ركبنا السيارَة
    سألناهُ , فأشارَ بيدِه إلى آثارِ خطواتنا في باحَةِ البيت !


    ما وراءَ القيودِ !!
    فَكَّ قيودَه و أغلالَهُ
    هربَ منْ أسْرهِ .. قطعَ مسافَةً ثمّ
    تحسّسَ أقدامَه فلمْ يجدْها ؛ نظر إلى الخلف
    فلم يرَ خطواتِه , و رأى أقدامَه
    بجانبِ القيودِ و الأغلالِ !!

    اثنان !!
    ألقى المحاضَرَة فاصطخبَت القاعَة بالتصفيقِ الحار
    و عندما عاد إلى بيتهِ , أغلقَ الأبواب و النوافذ
    ثمّ جلسَ أمام المرآة و ألقى المحاضرة بنسختها الأصلية .

  2. #2
    ::

    جميل ، جميل ، جميل جدًا.


    بوركت يا علي.
    ___________________________________________

    من كانَ غريبًا لمرةٍ واحدة في وطنه.. سيظل غريبًا إلى الأبد.!
    صراحة:



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    يد الله
    الردود
    3,225
    بيْت
    ما الذي تنساهُ عنْدَ الرحيلِ ؟

    رائع
    أشعر برغبة في التصفيق



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المكان
    في صالون من أهوى
    الردود
    3,628
    هذا النص يستحق الشريط الذهبي بامتياز
    بوركت يا أنيق الحرف

  5. #5
    أستاذ !

  6. #6
    ياالله ..
    هذا النص أعاد إلي الرغبة بالقراءة بعد أن افتقدت متعتها لأشهر ،
    لله أنت ياعلي ..

    ،

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المكان
    مغترب
    الردود
    324
    أضم صوتي إلى المدان / الأمير نزار ..
    وسأرفع شعار .. المشهد مرة أخرى يريد تخليد هذا العمل
    شكراً يا علي عكور على مشاركتنا هذه النصوص البديعة ..

    تقديري ..
    في يدينا بقية من بلاد ٍ
    فاستريحوا كي لا تضيع البقية
    " تميم البرغوثي "

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الردود
    344
    ايها البخيل!
    أتعرف أنني أنتظر ما تكتب بشوق
    لماذا الشح وتحرمنا من هكذا ابداع
    دمت مبدعا
    وكما يقولون قليل دائم

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    الردود
    619
    ليكتب الأدباء مثل هذا او فليكسروا أقلامهم
    بوركت ...

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    فضاء
    الردود
    1,800
    هذا أنا
    ذكرتني بقصيدة الشاعر شحده البهبهاني في قصيدته حتى في علم الجينات

    التي يتحدث فيها انها من كثرة ارقامنا التي نحظى بها في ملفات الاستخبارات نصبح اكبر من احجامنا واهم اشخاص في العالم

    ما وراء القيود
    كبلت كلماتي

    ما الذي تنساه عند الرحيل
    طعنة في القلب ودمعة تحجرت فيه


    ثم انه كما قال الامير وعدي

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    اليمن
    الردود
    677


    مميزٌ ما هنا حقاً
    أشكرك لأنك تكتب

    أعجبتني هذهِ جداً :
    منطق
    وقفَ على نافذتي فسألته :
    كيفَ قطعتَ تلك الأميال بجناحٍ أبيض و آخرَ أسود ؟
    رفرفَ بهما و طار .
    حلّقَ عاليا حتى لم أعدْ أميّز بين اللونين !

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    الردود
    4
    جميل
    ماكتبت
    شكراً

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الردود
    41
    رائع الى مافوق الإبهار ,,ولكن اليأس لا يجوز ان يمتد أيضا الى الأدب فهو إحدى واحات الحياة ,
    ,قليلا من الرفق يا سادة

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المكان
    ما زلت في رحم أمي
    الردود
    9
    ما الذي تنساهُ عنْدَ الرحيلِ ؟
    أتخمنا بطونَ الحقائبِ حتى كادت تتقيأ
    أطلّ جدي وقال : " دائمًا ثمّة شيءٌ تنساهُ و لا تستطيعُ أخذهُ "
    أعدنا البحثَ و لم نجدْ شيئًا , و لمّا ركبنا السيارَة
    سألناهُ , فأشارَ بيدِه إلى آثارِ خطواتنا في باحَةِ البيت !


    مميز جداً هذا النص
    علي


  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    في المكان الذي يصبح فيه الحجرُ ثميناً كـَ..رصاصةْ
    الردود
    572
    جميل جدّاً ومميز


    أستغفــرُ الله العظيــــم

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المكان
    على حافة حلمْ..!
    الردود
    647
    يا ناسْ ، ورداً لـ عليْ ..

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الردود
    18
    أول ما خطر بالبال : " صادق هو فيما كتب هنا ،،
    سأسجل عبارة اعجاب قبل ان ارحل "

    - " ما الفائدة ؟ ألن تبدي في النهاية كـ #17 ليس إلا ؟"

    - " أرأيت ،،، هنا تكمن السخرية ! "

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    مهد الثورة السورية
    الردود
    73
    أخي علي : ليس هنالك أجمل مما كتبتَ ليس تعظيماً بل إنصافا !!

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المكان
    حيث تغرب الشمس
    الردود
    918
    علي عكور....

    أنت مبدع بحق

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    .. أيــــن !! .. ؟
    الردود
    8
    حزن باغثني ها هنا .. ..
    علي .. كم استنزفتي كلماتك ..

    جميل .. جميل جدا يا علي ..
    واصل .. و كن بخير

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •