Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 14 من 14

الموضوع: قصص مترجمة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8

    قصص مترجمة

    حسناءُ أم نمر ؟
    قصة: فرانك ستوكتون.
    ترجمة: عمار الحامد.

    منذ عصورٍ خلت، يحكى أن ملكاً جبّاراً تجمعت في شخصه ملامح التقدمية والتخلف، فمن جهة، توسعت المملكة في ظله أيما اتساع وازدهرت أيما ازدهار، ومن جهة أخرى: اتصف بانقياده المطلق لنزواته خصوصاً في ما يتصل بشؤون الحكم.
    ومن جملة الأفكار المتخلفة التي سادت في عصره، فكرة الساحة العامة التي هي بمثابة المحكمة، هناك يؤتى بالمتهم ليقرر الحظ وحده ما إذا كان مذنباً أم لا. كانت تلك الساحة عبارة عن مستطيلٍ طويلٍ تحتل منصة الملك وبطانته أحد أطرافه، وعلى الطرف المقابل يوجد بابان متشابهان ومتجاوران، أما ما تبقى من جوانبه، فمخصصٌ لمن أراد الحضور من العامة.

    لقد اعتاد الناس الحضور إلى هذه الساحة ليشهدوا المحاكمات، حيث يجلس الملك على منصته، تعطى الإشارة، فيفتح الباب من تحت تلك المنصة، يخرج المتهم إلى الساحة وكل ما عليه فعله هو أن يفتح أحد البابين.
    فلو فتح الباب الأول، يخرج عليه نمر جائع هو الأشرس في المملكة، فيقطعه إرباً جزاءاً بما كسبت يداه. عندها يمتزج رنين الأجراس الحزين بعويل الباكيات ونواح النائحات اللائي يقتتن على مصائب الآخرين، ثم يجر الحزانى من ذويه أذيال الخيبة وهم مطأطئوا الرؤوس حسرةً على هذا الشيخ الوقور أو ذاك الشاب الوسيم.
    أما لو فتح الباب الآخر، فستخرج عليه إحدى حسناوات المملكة والتي أختيرت له خصيصاً، فيعقد قرانه عليها شاء أم أبى، ساعتها يفتح باب آخر من تحت منصة الملك ويخرج أحد الكهنة لمباركة الزواج، ثم تقرع أجراس الفرحة ليلتحق الكاهن والمغنون والراقصون والموسيقيون بموكب العرس المهيب، هنالك ترتفع أصوات الزغاريد وينثر الأطفال الزهور على إمتداد الطريق المؤدي إلى بيت العريس.
    ولكن من يدري، أي البابين الأول وأيهما الثاني؟ هذه باختصار سنة الثواب والعقاب التي سنها الملك لشعبه والتي لا يجب أن يقف كائناً من كان بوجه تطبيقها، ولما هذا الوقوف والمسألة غاية في النزاهة والمثالية، فللمتهمين أن يفتحوا ما شاؤوا من تلكم البابين دون أي تدخل، هذا فضلاً عن أن الشعب مقتنع بعدالة هذه المحاكمات على فرض أن صاحب الجلالة ترك الخيارات مفتوحةً أمام المتهمين.

    وأخيراً، شاءت الأقدار أن تقول كلمتها، فلقد وقعت ابنت الملك واسمها سارة بحب شاب ليس له مثيل في الشجاعة والجمال بيد أنه كان يعاب عليه أنه من عامة القوم. كان الملك يحب ابنته حتى أكثر من نفسه، ذلك أنها مرئاته التي يرى العالم من خلالها، لا بل هي ردة فعله التي تساويه في القوة وتوازيه في الإتجاه.
    ما إن سمع الملك بتلك العلاقة، حتى أمر بزج الشاب في السجن وحدد موعداً لمحاكمته التي أعد لها خير إعداد لتكون درساً لا يُنسى لكل من تُسَوِّل له نفسه التطاول على الأسرة الحاكمة، فالدولة دولة والمواطن مواطن، والحق أن الملك كان عاقداً العزم على إنزال أشد العقاب بذلك الشاب الذي تجرأ على القيام بتلك السابقة التي ما سبقه إليها من أحد حتى وإن فتح الباب الذي تختبئ خلفه الحسناء.
    ثم جاء اليوم الموعود وتجمع الناس من كل حدبٍ وصوب في الساحة التي ضاقت بالحاضرين، كيف لا والمحاكمة هذه المرة استثنائيةٌ وبامتياز. أخذ الجميع أماكنهم، أعطيت الإشارة، ففتح الباب المخصص للمتهمين وخرج الشاب إلى الساحة.

    كانت الملامح الملائكية ترتسم علاماتٍ فارقةً على وجه ذلك الشاب الطويل القامة البهي الطلعة لتأسر قلب كل من رأاه، فلا جرم أن تقع الأميرة في حبه، ثم كيف لا تقف الطير على رؤوس هاؤلاء الناظرين إليه وهو لا يحول بينه وبين الموت إلا بضع خطوات، فيال الله ويال هذا القدر المبرم اللا يرد.
    بمجرد خروجه إلى الساحة، إستدار صوب الملك وانحنى ليلقي عليه التحية، على أنه في تلك اللحظات الحرجة لم يكن ليلقي بالاً للملك ولا لشعبه طرّاً، كانت عيناه تمعنان النظر في سارة معرفةً منه بمقدار إهتمامها بهذه المحاكمة، فهي طرفٌ فيها بطريقةٍ أو بأخرى.

    ما من شكٍ في أن تكون الأميرة من القوة بمكان بحيث استطاعت أن تحافظ على رباطة جأشها وهدوء أعصابها لمثل هاكذا يوم، فبعد أن أطلقت من الألسن ما أطلقت بالذهب تارةً وبكيد النساء تارةً أخرى، احتفظت لنفسها بسر ما وراء البابين لا بل وحتى اسم الفتاة المختبئة خلف أحدهما.
    كانت تلك الفتاة إحدى جميلات المملكة مما جعلها محط كراهية الأميرة التي وجدت في شرف أصلها ووضاعت أصل غريمتها خير وعاءٍ لصب غيرتها، كما إن منظر تلك الوضيعة الأصل وهي تنافس ولية نعمتها على حبيبها أصبح هاجسها الذي تغفو عليه وتصحو.

    في لحظة توتر مصيرية، التقت عينا الشاب بعيني حبيبته التي لم تستطع مقاومة نظراته وهي تتوسلها أن تكشف عن السر ما وراء البابين بالقول: أيهما؟ كما لو أنه يصيح بأعلى صوته: افعلي شيءاً من أجلي، فليس ثمة وقت أمامي! إذ ذاك بدا على الأميرة الإضطراب كونها تعرف خلف أي باب تختبئ الحسناء وخلف أي باب يختبئ النمر، ناهيك عن أن حياة حبيبها مرهونة بإشارة من يدها.
    ودون أن يشعر بها أحد، رفعت يدها وأنزلتها بسرعةِ البرق، فانتصب الشاب واقفاً وتوجه إلى حيث أشارت. أرخى الرعبُ بظلالهِ على المكان، وحبس الجميع أنفاسهم، وتركزت الأنظار على ذلك السائر نحو مصيره بخطاً واثقة والذي ما إن وصل إلى الباب الأيمن حتى فتحه دون ما تردد.


    على هذه النقطة تحديداً تتمحور قصتنا، من عساه يخرج من وراء ذلك الباب: هل تكون الحسناء؟ أم تراه يكون النمر؟ في الحقيقة، إننا كل ما فكرنا بالإجابة، كل ما إزدادت المسألة صعوبةً وتعقيداً، إذ لا شك أنها تقتضي أن نسبر أغوار النفس البشرية المعقدة بطبيعتها، من أجل ذلك لا أجدني أدعوكم للإجابة عن السؤال التالي: ماذا ستفعلون لو كنتم مكان الأميرة؟ وإنما أسأل:
    إلى أي باب تتوقعونها أشارت وهي التي يحترق قلبها غيرةً وحزناً بعد أن قلبته على نار هادئة حسرةً على حبيبٍ فقدته إلى الأبد، حبيبٌ حسمت مصيره بنفسها، ولكن من يدري: هل طغت عاطفتها على قرارها ذاك، أم كان الحقد الذي تحمله تجاه غريمتها سيد الموقف؟ فأين قررت أن يقضي بقية عمره: أبين أحضان الحسناء، أم بين أنياب النمر؟

    ثم كم من ليلةٍ داهمها طيفه وهو يفتح باب النمر ليصبح بعدها ذلك المنظر كابوساً يصرف عنها نومها ويعكر عليها صفو يقظتها؟ ولكن... كم من ليلةٍ أخرى رأته باسم الوجه وهو يفتح باب الحسناء لتكز بعد ذلك على أسنانها غيضاً وتقطع شعرها ندماً وهي تراه يرتمي بين أحضان إمرأةٍ أخرى ترمقها بعينين أقرتهما الأقدار بحبيب وزوج لطالما تمنت أن يكون من نصيبها؟
    وكيف بها إذا رأته يزف لغيرها أمام عينيها، ثم يمسك بيد عروسه ليقطعا سويةً الطريق المفروش بالزهور في يوم أشبه ما يكون بالعيد، يومٌ لا صوت يعلو فيه على صوت الغناء الجماعي، يومٌ بهيجٌ لا مكان فيه للعزف المنفرد على آلة البكاء؟
    أفليس خيراً لها أن يموت مرةً واحدةً ثم تلحق به ولو بعد حين؟ ولكن... من أين ستأتي بقلبٍ يحتمل منظره وهو يقع فريسةً لذلك النمر؟ وأنى لها جَلَداً يجعلها تقوى على سماع صراخه ورؤية دمائه وهي تسيل شاهداً حياً على حبٍ مات على يدها شر ميتة؟

    كل ما أعرفه هو أنها إتخذت قرارها بعد طول تفكير وسابق قناعة، فلقد ساقت لنفسها كل الحجج والمبررات قبل أن تستجمع شتات عقلها وقلبها وترسل تلك الإشارة الخاطفة معرفةً منها بأنها مسؤولةٌ عن هذا القرار طال الزمان أم قصر.
    وإنني هنا لأنأى بنفسي عن التخمين للصعوبة التي أراها تكتنف هذه المعادلة، لذا فسوف أترك المجال مفتوحاً أمامكم لتجيبوا عن هذا السؤال: ما الذي كان يخبئه الباب الأيمن: أحسناءُ أم نمر؟

    تمت.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    نمر طبعاً..
    وإلا ستكون القصة محض خيال ورومانسية مالهم داعي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8
    عزيزي Ophelia
    شكرا على مرورك الكريم وإنني أعتز بتواجدي بينكم.

  4. #4
    نمر وبالثلاثة فهي ابنت أبيها وإلا ما قويَ قلبها على حضور المحاكمة
    ترجمة رائعة وكاتب مبدع وشكرا لك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8
    عزيزي أعماق البحار
    أشكر لك مرورك المميز وشكرا لأن مشاركتي الأولى نالت إعجابك

  6. #6
    كنت أتمنى أن أقول حسناء بالتأكيد، ولكن النفس البشرية وتعقيداتها تجعلني أشك، لأنه لا يوجد أرحم ولا أقسى من الإنسان للأسف.
    استمتعت جدا شكرا لك

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    وإذا خَفِيتُ على الغَبيّ فَعَاذِرٌ أنْ لا تَراني مُقْلَةٌ عَمْيَاءُ
    الردود
    1,619
    قصة جميلة , ولم لم تضع ابنة الملك نفسها بدلا من الفتاة
    الأخرى ؟ فيكون هناك نسبة أن ينجح في الاقتران بها , ام أن ذلك
    غير مسموح به لبنات الملوك ؟
    طيب , لو كانت تحبه فعلا , فستدله على باب الفتاة , ثم تسعى
    بطلاقه , أو تقتل الفتاة , أم أن بنات الملوك لا يستطعن ذلك ؟
    وكنت أتمنى من الكاتب أن يقول نمر ميت من الجوع , حتى يختار
    ذلك الطريق فينجو لأنه ميت ...
    ولكن اذا كان ولابد , فهو أي الشاب يعاكس رغبة الأميرة , فنحن
    نعرف أن النساء أمزجتهن متقلبة , أم أن الأميرات لسن من النساء ؟
    فصديق لي , صارح زوجته بإذا لا قدر الله وتزوجت أخرى عليك , ماذا
    أنت صانعة ؟ ماذا تفعلين ؟
    قالت : سآتي بقدر الضغط وهو ملآن ومن النار , وأرضخ رأسك به !!!
    ولم ينس ذلك فطلقها بعد أشهر , فهذا نوع خطير من النساء , كاللائي قطعن
    أزواجهن ووضعنهم في أكياس القمامة ,,,,
    فإن تبغني في حلقــة القوم تلقني..
    وان تلتمسني في الحوانيت تصطـد..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    قلبه
    الردود
    1,872
    اذا افترضنا ان حبهما كان صادقا
    فان الأميرة ستشير عليه بمكان الحسناء وسيخالف الشاب اختيارها ليفتح الباب الذي يختبئ خلفه النمر لان الحب يجعل المرء يفضل الموت على الاقتران بشخص غير الذي احبه

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8
    عزيزي أنا ناس
    ما من شك أننا جميعا نتمنى ذلك ولكنها النفس البشرية المعقدة التركيب التي بفعلها يصنف الإنسان في خانة أرأف المخلوقات تارة وأقساها تارة أخرى
    سرني أنها أمتعتك ولا تحرمني من هذه الإطلالة المميزة
    لك ودي

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8
    عزيزي أبو مختار
    هههههههههه يا ساتر من هذه السيدة جميلة هي رؤيتك الإخراجية لكن حسبنا ما جره علينا قلم الكاتب ولا مناص من التحرك في مربع التفكير الذي رسمه لنا هو ومترجمه البارع الذي أبدع في نقل القصة بكامل جوانبها الإنفعالية والوصفية بحيث يشعر القارئ أنه في جو الساحة ذلك اليوم.
    شكرا على المرور الأكثر من مميز ولا تحرمني من هذه الطلة الرائعة

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8
    عزيزتي حبيبة عراقي
    لا خلاف على أن الحب يجعل المرء يفضل الموت على الاقتران بشخص غير الذي احبه ثم لما لا نعكس الجملة ونقرأها هكذا: إن من العاشقين من لو خيرته بين أن يموت معشوقه أو أن يبتعد عنه ليحيى حياةً سعيدة لكان إختار الخيار الأول ذلك أن قلبه لم يمتلئ بالحب بقدر ما هو مملوؤ بالأنانية.
    سرني تواجدكِ

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8

    ضوء مثل الماء. الكاتب غابرييل غارسيا ماركيز. الترجمة صلاح علماني.

    ضوء مثل الماء
    بقلم غابرييل غارسيا ماركيز
    المترجم: صلاح علماني


    في عيد الميلاد، عاد الطفلان الى طلب زورق التجديف.
    قال الأب:
    حسن، سنشتريه حين نعود الى كارتاخينا.
    لكن توتو، في التاسعة من عمره، وجويل في السادسة، كانا أشد تصميماً مما اعتقده أبواهما. فقد قالا معاً:
    -لا. إننا نحتاجه الآن وهنا.
    قالت الأم: أولاً لا يوجد ماء للإبحار سوى الماء الذي ينزل من الدش.
    وقد كانت هي وزوجها على حق، ففي بيتهم في كارتاخينا دي اندياس يوجد فناء فيه رصيف على الخليج، ومكان يتسع ليختين كبيرين، أما هنا في مدريد فيعيشون محشورين في شقة في الطابق الخامس من المبنى رقم «47» في شارع باسيودي لاكاستيانا. ولكنهما في النهاية لم يستطيعا هو أو هي، أن يرفضا، لأنهما كانا قد وعدا الطفلين بزورق تجديف مع آلة سدس وبوصلة، فإذا فازا بإكليل الغار في السنة الثالثة ابتدائية، وقد فازا به. وهكذا اشترى الأب كل شيء، دون أن يخبر زوجته، وهي الأكثر معارضة لتحمل ديون من أجل الألعاب، كان زورقاً بديعاً من الألمونيوم، مزين بخط ذهبي عند حد الغطاس. وقد كشف الأب السر عند الغداء.
    ـ الزورق موجود في الكراج.
    المشكلة أنه لا يمكن الصعود به في المصعد أو على السلم، وفي الكراج لا يوجد مكان كاف. ومع ذلك، دعا الطفلان أصدقاءهما يوم السبت التالي للصعود بالزورق على السلم، وتمكنوا من حمله الى غرفة المستودع في البيت.
    قال لهم الأب: تهانينا.. ثم ماذا الآن؟
    قال الأطفال - الآن لا شيء كل ما كنا نريده هو حمل الزورق الى الغرفة، وها هو ذا هنا.
    يوم الاربعاء ليلاً، وكما في كل أربعاء، ذهب الأبوان الى السينما، أما الطفلان اللذان صاحبا وسيدا البيت، فقد أغلقا الأبواب والنوافذ، وكسرا أحد مصابيح الصالة المضاءة. فبدأ يتدفق تيار من الضوء الذهبي والبارد من المصباح المكسور، وتركاه يسيل الى أن بلغ ارتفاعه أربعة أشبار. عندئذ أقفلا التيار، وأخرجا الزورق وأبحرا بمتعة بين جزر البيت.
    وقد كانت هذه المغامرة الخرافية نتيجة طيش مني حين شاركت في ندوة حول شعر الأدوات المنزلية، فقد سألني توتو كيف يضاء النور بمجرد ضغط الزر، ولم تكن لدي الشجاعة للتفكير بالأمر مرتين حين أجبته:
    الضوء مثل الماء: يفتح أحدنا الصنبور، فيخرج.
    وهكذا واصلا الابحار كل أربعاء ليلاً، وتعلما استخدام آلة السدس والبوصلة، وحين كان الأبوان يرجعان من السينما يجداهما نائمين على اليابسة كملاكين. وبعد عدة شهور، كانا يتحرقان للمضي الى ما هو أبعد من ذلك، فطلبا أجهزة للصيد تحت الماء، مجموعة كاملة، أقنعة، أقدام زعنفية، أسطوانات أكسجين، وبنادق هواء مضغوط.
    قال الأب: أمر سيء. أن يكون لديكما في غرفة المستودع زورق تجديف لا يمكن استخدامه في شيء. ولكن الأسوأ من ذلك هو أن تطلبا حيازة أجهزة غوص.
    قال جويل: وإذا فزنا بالغار الذهبية في الفصل الأول من السنة؟
    فقالت الأم مذعورة - لا - لا شيء آخر.
    لامها الأب على عدم تساهلها.
    فقالت: المشكلة أن هذين الولدين لا يفوزان بقلامة ظفر لمجرد القيام بالواجب، أما من أجل نزواتهما فإنهما مستعدان للفوز حتى بكرسي المعلم.
    ولم يقل الأبوان في نهاية الأمر «نعم» ولم يقولا «لا». ولكن توتو وجويل اللذين كان ترتيبهما الأخير في السنوات السابقة، فازا في يوليو بالغارونيتين الذهبيتين وثناء المدير العلني. وفي ذلك المساء بالذات، ودون أن يطلبا، وجدا في غرفة نومهما أجهزة الغوص في علبتها الأصلية. وفي يوم الاربعاء التالي، بينما كان الأبوان يشاهدان «التانغو الأخير في باريس» ملأ الطفلان الشقة الى ارتفاع ذراعين، وغاصا مثل سمكتي قرش وديعتين تحت الأثاث والأسِرّة، وأخرجا من أعماق الضوء الأشياء التي كانا قد فقداها منذ سنوات في الظلام. وعند منح الجوائز النهائية، أختير الأخوان كتلميذين مثاليين في المدرسة، وقدمت لهما شهادات امتياز. وفي هذه المرة لم يطلبا شيئاً، لأن الأبوين سألاهما عما يريدانه، وقد كانا عاقلين لدرجة أنهما لم يرغبا إلا في إقامة حفلة في البيت لتكريم زملائهم في الصف.
    كان الأب متألقاً وهو يتحدث على انفراد مع زوجته.
    ـ هذا دليل على نضجهما.
    فقالت الأم:
    ـ الله يسمع منك.
    وفي يوم الاربعاء التالي وبينما الأبوان يشاهدان فيلم «معركة الجزائر» رأى الناس الذين كانوا يمرون في شارع كاستيانا شلالاً من الضوء يهوي من عمارة قديمة مختفية بين الأشجار، كان يخرج من الشرفات، ويتدفق بغزارة على واجهة المبنى، ويجري في الجادة العريضة في سيل ذهبي يضيء المدينة حتى غواداراما.
    حطم رجال الإطفاء الذين استدعوا على عجل باب الطابق الخامس.
    ووجدوا البيت طافحاً بالضوء حتى السقف. كانت الاريكة والمقاعد المغلفة بالجلد تطفو في الصالة على مستويات متعددة ما بين زجاجات البارد والبيانو بشرشفه الذي صنع من المانيلا، والذي كان يتحرك وسط الماء مثل سمكة مانتاريا ذهبية. وكانت الأدوات المنزلية في أوج شاعريتها، تطير بأجنحتها الخاصة في سماء المطبخ. وأدوات الجوقة الحربية التي كان الطفلان يستخدمانها للرقص، كانت تطفو على غير هدى بين الأسماك الملونة التي تحررت من الحوض الذي تحبسها فيه ماما. وكانت تلك الأسماك الملونة التي تحررت هي الوحيدة التي تطفو حية وسعيدة في المستنقع الفسيح المضيء. وفي الحمام كانت تطفو فراشي أسنان الجميع وواقيات منع الحمل المطاطية التي يستخدمها بابا. وأنابيب الكريمة وطقم أسنان ماما الاصطناعية. وكان تلفزيون الصالة يطفو مائلاً وهو لا يزال مفتوحاً يبث الحلقة الأخيرة من فيلم منتصف الليل المحظور على الأطفال.
    وفي نهاية الممر، كان الصغيران يطفوان بين ماءين.. توتو جالساً في مقدمة الزورق، متشبثاً بالمجدافين والقناع على وجهه، وهو يبحث عن فنار الميناء الى حيث سمح له الهواء الذي في الاسطوانة، وجويل يطفو في مؤخرة المركب وهو لا يزال يبحث بآلة السدس عن موقع نجم القطب. وكان يطفو في جميع أرجاء البيت رفاقهم في الصف السبعة والثلاثين وقد تخلدوا في لحظة تبولهم في أصيص الجرانيوم، وغنائهم النشيد المدرسي بكلمات محورة من سخرية المدير، أو تناولهم خفية كأس براندي من زجاجة بابا. ذلك أنهم كانوا قد فتحوا أنواراً كثيرة في وقت واحد جعلت البيت يطفح، وغرق جميع التلاميذ.. تلاميذ الصف الرابع الابتدائى في مدرسة سان خوليان في الطابق الخامس من المبنى «47» في باسيو دي كاستيانا في مدريد بأسبانيا المدينة البعيدة عن الأصياف الملتهبة والرياح المتجمدة، والتي لا بحر فيها ولا نهر، والتي لم يكن سكان يابستها يوماً من الأيام ماهرين في فنون الإبحار في الضو

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    8

    أدولف

    أدولـــــــف
    تأليف: د.هـ لورانس
    * القصة مترجمة من كتاب: SELECTED STORIES , LAWRANCE وعنوانها الأصلي "Adolf"

    عندما كنّا صغاراً، كان والدنا يعمل في الليل، أغلب الأحيان. ومرةً، في ربيع إحدى السنين، عاد إلى البيت مُتعباً وشاحب اللون، كعادته. كنّا في الطابق السفلي من البيت مانزال بثياب النوم، نستقبل الصباح بفرح وضجة. ربّما كان من المؤلم لأبي أن يرانا مسرورين، ونحن نستقبل الصباح الذي يأتي ليجد أبي في حالةٍ من التعب.
    لم يكن أبي يذهب للنوم في صباحات أيام الربيع المشرقة على الرغم من عمل ليل طويل، بل اعتاد أن يجلس معنا. وفي ذلك اليوم، بالذات، كان أبي فرحاً لأنّه عاد مشياً على قدميه بين الحقول. فهو يحبّ الصباح المشرق بعد ليل المنجم الطويل. كان يراقب العصافير المبتهجة، والأشجار الندية، ويحاول تقليد زقزقة العصافير، بما يماثل صوتها. وكان يردّد دائماً أنّه يتمنى أن يفهم لغة الطيور.
    في ذلك الصباح المشمس عاد والدي ليجدنا متحلقين حول الطاولة الكبيرة. كان يتثاقل في مشيته، ولقد أزعجتنا خطواته الثقيلة وهي تحدث ضجةً تعكّر هدوء الصباح، وتضع حدّاً لهرجنا الصباحي.
    ذهب إلى المطبخ، ثم عاد، بعد قليل. لم يتكلم أحدّ منّا بحضوره. لكننا شعرنا أنّه يريد أن يخبرنا شيئاً ما.
    - "أعطوني شيئاً ما لأحتسيه....!! قال لنا.
    وضعت أمي الشاي أمامه، على الفور، فصبها لنفسه في الفنجان. ولكنه بدلاً من أن يتناول فنجانه ويأخذ رشفةً كبيرةً منه، كعادته، مدّ يده إلى جيبه الكبير المنتفخ وأخرج منه شيئاً ما أسود وضعه على الطاولة بين الفناجين.
    كان ذلك الشيء الأسود أرنباً صغيراً!!
    جلس الأرنب بين الفناجين وأرغفة الخبز، جامداً، وكأنّه تمثال ليس أكثر....!!
    - "أرنب...؟؟!! من أعطاك إياه يا أبي؟!".
    ضحك وراح يخلع معطفه. بينما قفزنا جميعنا باتجاه الأرنب.
    "أهو حيّ... هل نحسّ ضربات قلبه..؟!".
    سحب والدي فنجانه ومطّ شفتيه من تحت شاربيه السوداوين وأخذ رشفةً كبيرة.
    - "من أين جئت به يا أبي؟؟! " سألناه.
    - " لقد التقطته...." قال وهو يمسح فمه ولحيته بيده.
    - "أين....؟!" عدنا نسأل ثانيةً.
    وجاء صوت أمي هادراً وبسرعة:
    - "إنّه أرنب بريّ متوحش!!"..
    " نعم . هو كذلك" أجاب أبي.
    - لماذا أحضرته إلى هنا... ما شأننا به؟!". صرخت أمي باحتجاج.
    - "نحن نريده... نحن نريده" صرخنا أنا وإخوتي.
    - "بالتأكيد أنتم تريدونه.....!!" قالت أمي وهي تهزّ رأسها.
    لكن صوتها تلاشى بسبب الضجة التي كنا نقوم بها فرحين بهذا المخلوق الصغير.
    في طريقه، بين الحقول، عائداً إلى البيت، وجد أبي الأرنب.
    وقربه كانت الأرنب -الأم- ميتةً مع ابنيها أما هذا الثالث فقد بقي حياً لوحده.
    - "لكن من قتل الأرانب يا أبي؟!" سألناه بدهشةٍ ممزوجةٍ بالحزن.
    - "لا أعرف. ربّما يكونوا قد تناولوا سُماً مع طعامهم فماتوا... عدا هذا الأرنب الصغير الذي وجدته في غيبوبة....".
    - " لماذا جلبته..... ربّما يسبب لنا متاعب...." عاد صوت أمي يهدر بغضب.
    لم يجب أبي بشيءٍ. لكن كنّا جميعنا غير موافقين على ما قالته أمي.
    - "كان من واجب أبي أن يحضره، فهو صغيرٌ ولا يستطيع أن يعيش معتمداً على نفسه.:.. وكان من المحتمل أن يموت لولا أبي...." قلنا لأمي بلهجة عتاب اعتراضاً على ما سمعناه منها.
    - "لكنه مع ذلك في طريقه إلى الموت.. عندها سيكون في البيت صراخ آخر"..ردّت أمي وهي تهزّ رأسها. فقد كانت تكره موت الحيوانات في البيت.
    غاصت قلوبنا بعد ما سمعناه من أمي عن احتمال موت الأرنب.
    - "أعتقد أنّه لن يموت" قال أبي مؤكداً.
    - "بل إنّه سيموت.. لقد حصل مثل هذا كثيراً، معنا، من قبل؟!"
    قالت أمي...
    - "الحيوانات لا تموت دائماً... بل تقاوم الموت وتنجح في دفعه أحياناً.. مثل الإنسان...." قال أبي بلهجةٍ غاضبةٍ.
    وهنا راحت أمي تذكره بالحيوانات التي أتى بها إلى البيت ولاقت حتفها... مما جعلنا -نحن الأولاد- نبكي كثيراً وتسيل دموعنا بغزارة بسبب ذلك.
    أجلسنا -نحن الأولاد- الأرنب الصغير على أرجلنا ووضعناه في أحضاننا. كان ساكِناً وعيناه مفتوحتين. جلبنا له الحليب الساخن، وقربناه من فمه، لكنه كان غير مبالٍ أبداً بما نفعله من أجله.
    وضعنا قطرات من الحليب على شفتي الأرنب، لكنه لم يتحرك، بل هزّ رأسه ليتخلص من تلك القطرات. بعضنا راح يبكي خوفاً على حياته.
    - "خذوه إلى الحقل.... ليس هنا مكانه...." قالت أمي بلهجةٍ آمرةٍ. لكنّ أمرها بقي دون تنفيذ.
    ذهبنا لنرتدي ملابسنا وكي نذهب للمدرسة، بينما بقي الأرنب جالساً. كان مثل غيمةٍ داكنةٍ صغيرة لا تتحرك من مكانها. رحنا نراقبه، وقد بدأت مشاعرنا تتلاشى شيئاً فشيئاً نحوه.
    ربما يكون من العبث أن نحب هذا المخلوق. هذا ما فكرنا به.
    ربّما لا يريد حبنا وعواطفنا. أيكون مخلوقاً متوحشاً؟! لقد أصبح أكثر صمتاً عندما اقتربنا منه ثانيةً.
    - "يجب ألاّ نحبّه..... يجب ألاّ نحبّه... قد لا يستحق حبنا؟!"..
    قلت لأشقائي.
    لففت الأرنب بثوبٍ صوفيٍ ووضعته في زاوية مظلمةٍ في غرفة الجلوس الباردة، ووضعت صحناً من الحليب أمامه. وعندما شاهدت أمي ما قمت به، أعلنت أنّها لن تدخل غرفة الجلوس مادام الأرنب فيها، وقالت:
    - "سوف لن أهتمّ بأفكاركم السخيفة....".
    عدنا من المدرسة بعد منتصف النهار، وتسللنا إلى الغرفة.
    كان الأرنب ساكناً، بدون أية حركة، وملفوفاً بثوب الصوف، كما تركناه، وكانت تلك مشكلتنا الكبيرة: "لماذا يبقى هكذا؟!"...
    وسألنا أمي بدهشة:
    - "لماذا لم يتناول الحليب يا أمي؟!"
    - "إنّه يفضل أن يعيش حياته الخاصة، بعيداً عن هنا. إنّه شيءٌ صغيرٌ تافه....!!"
    يفضل أن يعيش حياته الخاصة!! إنّها مشكلة!!...
    اقتربنا منه، ووضعنا أمامه بعض الأعشاب الطرية وقريباً من فمه، لكنّه لم يبدِ أيّ اهتمام. كانت عيناه تلمعان.
    ذهبنا لتناول الشاي. وعندما أدرنا ظهورنا له، قفز بضعة سنتيمترات خارج قطعة الصوف، وجلس ساكناً بدون غطاء.
    حلّ الظلام، انطلق والدي إلى عمله، أمّا الأرنب فقد بقي ساكناً، وبدت علائم اليأس على أشقائي. وهذا معناه أنّ سيلاً من الدموع سيحصل قبل النوم، حزناً على الأرنب وتعاطفاً مع حالته.
    تجمّع الغضب في عيني أمي.
    لففنا الأرنب، ثانيةً، بقطعة الصوف، بعدما نقلناه إلى الغرفة الأخرى، ووضعناه قرب موقد النار النحاسي. وهكذا فرّبما يتخيّل نفسه داخل حجره. وضعنا العديد من الصحون، أربعة أو خمسة، متناثرةٍ حوله، هنا وهناك، على الأرض.
    أينما يتحرك -إذا ما تحرّك- فسوف يكون الطعام قريباً منه.
    دخلت أمي الغرفة لتأخذ ما تريده منها ثم خرجت لتعلن أنّها لن تدخلها ثانيةً قبل رحيل هذا الشيء التافه الصغير.
    جاء صباح اليوم التالي بأنواره. نزلت إلى الطابق الأرضي كي أرى الأرنب. وعندما فتحت باب الغرفة سمعت حركةً ما.
    بعد ذلك شاهدت الأرنب يحدق بي، وقطرات الحليب على الأرض.
    كانت عيناه حمراوين. أخذ يحرك أنفه، وهو يحدّق بي.
    كان الأرنب بصحةٍ جيدة.
    - "أبي... الأرنب سوف يعيش.. لن يموت..."قلت.
    - "ذلك مايجب أن يحصل بالطبع...ردّ أبي وهو يبتسم كان لابدّ أن نطلق اسماً ما على الأرنب، فسميناه "أدولف" لم نستطع أن نحبّه كثيراً، لأنّه كان أرنباً برياً، غير ودود.
    بعد ذلك أصبح أليفاً وكان يمثل فرحاً حقيقياً بالنسبة لنا.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    المكان
    حيثما يكون الضوء ... خافت
    الردود
    719
    التدوينات
    7
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة بعض هدوء عرض المشاركة
    كل ما أعرفه هو أنها إتخذت قرارها بعد طول تفكير وسابق قناعة، فلقد ساقت لنفسها كل الحجج والمبررات قبل أن تستجمع شتات عقلها وقلبها وترسل تلك الإشارة الخاطفة معرفةً منها بأنها مسؤولةٌ عن هذا القرار طال الزمان أم قصر.
    وبينما الشاب يدير مقبض الباب الذي أشارت إليه أن يفتحه، أستجمعت شجاعتها وركضت من بين الجموع - في غفلة من الملك وحراسة - إلى داخل الساحة وأرتمت بين أحضان حبيبها ليكون مصيرهما واحد أمام النمر الذي خرج إليهما من ذلك الباب.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

وسوم الموضوع

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •