Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 20 من 20
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4

    Exclamation مقامة ثمن القمامة


    أيها الفضلاء, كتبت قبل اليوم مقامات, يرويها أبو النوادر السوسي, وأزف إليكم البشرى أنه قد اجتمع اليوم لأول مرة ببطله, فلكم جميعا أقدم: أبا حُميد رحّال بن المحجوب في أولى فجراته.

    مقامة ثمن القمامة


    حدثنا أبو النوادر السوسي قال:

    لقيني في مراكش صعلوك, يبزك في الخصام ويعلوك, ذو مكر ودهاء, وفخر وزُهاء, و لسان مهماز, وكلب يدعى هزهاز. لمحته من قريب, في زيه الغريب, فإذا هو قصير أسمر, أشعث أغبر, فقلت في نفسي:
    "ثوب رث, على رجل غث, لعله مخبول, أو مغرم متبول."

    ولما حاذاني تأملني مليّا, وتبينت حاله جليّا, فإذا هو مفتول العضل, في صوته صهَل, وبيده كراع ينهسه, وعند كلبه عظم ينهشه, فجاءني وسلم, ثم تنحنح وتكلم, وقال:
    "إني من أهل الفِراسة, ولو شئت لنلت الرئاسة, لكني آثرت الخمول, وتخففت من الحمول, فليس لي من دنياي, غير عقلي وعصاي, ورزقي على من يطعم الطير, ويقدر الشر والخير, ففيم ازدريتني إذ رأيتني, وحقَرتني وما عرفتني, أولم تساورك الظنون, فنسبتني للمس والجنون؟ ومابي غرام ولا هوى, فكل ما ترى بي من الطوى, وإن تشأ حدثتك وأطربتك, وأسعدتك وأغضبتك, وأبكيتك وأضحكتك, فأنا رحّال بن المحجوب, الفقير المجذوب."

    ولما فرغ من كلامه, وقد أقبل الليل بظلامه, قلت:
    "هلم إلى العشاء, واطلب ما تشاء."
    فألقى الكراع فالتقطه الجرو, وكان هزيلا أغبر الفرو, وبادر رحّال الفرصة وتغنّم, وتبعني يشدو ويترنّم:

    وطاوي ثلاث ضامر الكشح ممحل***بحمراء لم يشبع بها سائل فولا
    وذي نخوة فيه من الجود وفرة***يرى الجوع فيها من ذمامته غولا
    دعاني رجاء الأجر واختص بالندى***كحال الفتى الطائي بل ساد بَهلولا


    وإنما دعوته فرحا بلسانه الفصيح, ورأيته يتطلع إلى مطعم فسيح, فولجنا المكان سوية, ومشى مطرقا في روية, ولما جاء النادل سأله رحّال:
    "أي شيء عندكم؟"
    فأجابه كالسيل يتدفق, لا يحفل بسامعه ولا يترفق:
    "عندنا لحم وخضار, وسمك ومحار, وأصناف الطواجن, بالضأن والدواجن, وكسكس وسميد, و"برغل" وعصيد, وجوز ولوز, ومشوي و"محشي", وشطائر "بورغر", ودجاج غِرغر, وجبن ولبن, و"مخللات" ومقبلات, وسلطات بالأعشاب البرية, وأخرى بالطحالب البحرية , والحساء في الطناجر, وكل ما يطيب في الحناجر, وطبق اليوم محشي الباذنجان, بالطماطم واللحم والأجبان, وأجود فواكه الموسم, والبوظة بالعسل والسمسم, وحلوى تنسيك البلوى, بالبندق والفستق, وخبز خمير وشاي وعصير, وقهوة ذات رغوة, وكل ما كان مأكولا, وماء معدني وشراب الكولا..."

    فاختلج رحّال وتململ, وصوّت وولول, واحمر واصفر, وأشاح بوجهه وازورّ, فقلت: "ما لك وأي شيء أصابك؟" قال: "إني منذ ثلاث آكل من القمامة, حتى غدوت أخف من ثمامة, ثم جاء هذا الغلام الحسن الهندام, الفصيح اللسان, ذو الثنايا الحسان, فما زال يعدد أصول المآكل, ويفرع عليها المسائل, ويشقق لها الأسماء والألقاب, ويكشف عن مقاديرها النقاب, حتى تحيرت وتخيلت أني تخيرت فأكلت, فوالله ما أذكر مما قال شيئا إلا الباذنجان, ولا أرى إلا أن به مسا من الجان, فقلت: "هون عليك, وما عليك إلا أن تأمره, ومهما اشتهيت اليوم من شيء تره." فقال للنادل: "هات قصعة, تكفي تسعة, واملأها بتلك الأصناف حتى تغدو كالتلة, وهات من الخبز سلة, ومن الماء قِربة, ثم أسألك قُربة, إياك ثم إياك و الباذنجان, وحبذا من القهوة اليمنية فنجان", فنظر إليه النادل وهمهم, وحرك رأسه وغمغم, ثم ولّى وتركنا, فطفقت أتعجب أي شيطان دعوت, وتمنيت أن يكفني المال ورجوت, فرمقني في مكر تدور عيناه, وأستند بخده على يمناه, وقال: لعلك تحسبني أبا عبيد, وإنما أنا أبو حُميد, آليت ألا أقوم حتى أشبع, وألا تقوم حتى تدفع, فأبرر يميني فإني لا أطيق الصوم ولا الإطعام, ولا تؤاكلني فإنه أكمل للأجر والإكرام. فعجبت لتفننه في الإقناع, وفي خبث طويته تحت القناع.

    ثم أقبل النادل يجر عربة, ولاح لي جذلان يبدي طربه, جاء بقصعة تكفي الرهط, وتشبع الوهْط, فإذا فيها من كل حلو ومالح, وحار وبارد, عانق فيها السمك الدجاج, وسالت البوظة في مسالك ذات فجاج, وحفتها الخضار يشيعها المحار في وفد من فواكه البحر, ورشت من أعلاها باللوز والسكر والجوز والزعتر, فما كان من رحال إلا أن وضعها على الأرض, وبدأ يصول ويجول, ويلتقم ويلتهم, ويضرس ويهرس, ويمضغ ويسرط, ويتجشأ ويظرط, حتى تمعر وجهي وهممت أن أقوم, وتخيلته جنيا يقضم الزقوم, فشد ثوبي وأمسكني, وقال أنا أبو حُميد فأبرر يميني, فبقيت على مضض, وجلست على قضض, فمكث ساعة يفترس, ولا يلقي بالا للناس ولا يحترس, حتى بدا قعر القصعة أو كاد, وأمست كمثل ديار عاد, وقال: "ادفع الآن أيها الشهم", وقام يمشي كأنه السهم, ثم جاء النادل فطلب أربعمائة درهم, فراجعته وكان بيننا أخذ ورد, واستيقننت أن ليس من السداد بد, فدفعت ما معي إلى آخر فلس, وخرجت كأني دابة بلا حلس, فإذا رحال مستندا إلى عمود كهرباء, وقد غير هيئته كالحرباء, رأيته مع النادل يتضاحكان, بعد أن اقتسما الغنيمة ففهمت ما كان, لقد التهم الخبيث كل فُضلة في المطعم, إنه يأكل القمامة, أجل ما أصدق كلامه, لكنه كتمني أنه يقبض الثمن, فمن يدفع ثمن القمامة غيري؟ فمن؟
    هشام البوزيدي
    عُدّل الرد بواسطة هشام البوزيدي : 19-10-2011 في 09:15 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    مهد الثورة السورية
    الردود
    73
    أخي هشام أكاد أجزم أنك غلبت بديع الزمان الهمذاني .. رائع

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخي الكريم لؤي, شكر الله حسن ثنائك.
    أنا أجزم أني أعجبت بهذا الحنكليس الذي هو أمكر من إبليس, رحال بن المحجوب, لن يكون أبا الفتح الإسكندري, ولن أكون بديع الزمان الهمذاني, لكني سأتحفكم بما تجود به القريحة.
    بارك الله فيك.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الردود
    80
    إنها رائعة من الروائع, تستحق القراءة.
    جمعت بين قوة المبنى وجمالية المعنى.
    أخي هشام, انطلق إلى هناك, حيث لا
    مكان إلا للمبدعين, فإنهم مشتاقون.
    ليحذوا حذوك, كأنك سابقهم وهم سلف.
    دمت في حفظ الله ورعايته,,,

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المكان
    أزحت الهمزة وجلست على كرسيها
    الردود
    4
    من أين لك هذا ؟
    إن ماهاهنا لجميل، وسأكتفي بقول القليل
    دمت بود

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخوي الكريمين, هذا غيض من فيض أبي النوادر وأبي حُميد.
    فشكرا لثنائكما الجميل.

  7. #7
    تمنى بديع الزمان لو أنه عاش في هذا الزمان ليتعلم منك يا فنان
    شكرا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    شكرا لك أخي الكريم.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    مهد الثورة السورية
    الردود
    73
    لكني سأتحفكم بما تجود به القريحة.
    و نحن العرب نحسن الانتظار ..

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    ليس من الاعتراف بهذا الجمال بدّ
    شكراً هشام

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخي الغالي لؤي:
    أرجو أن انتظارك لم يطل طويلا.
    دمت بود.

    أخي الكريم حسين:
    وأنت شكرا لك على ثنائك الجميل.

  12. #12
    سعيد برؤية فن المقامات حياً يُرزق
    نص رائع من وزن مقامات الاولين

    بوركت يا هشام

  13. #13
    ما شاء اللهُ يا هِشام !
    مقامةٌ تستحق الإشادة ، فهي جمّة الإفادة
    ضمّنتها جزل الكلام ، و جنّبتها مَنطقَ العَوّام
    فغدتْ حسناءَ ترفلُ في السؤدد و التّرف ، كأنها فصيحةٌ من فصيحاتِ السلف

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخي الفاضل رجل اللحظات الأخيرة:
    بارك الله فيك وكل عام وأنتم بخير.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخي الكريم بقايا الأندلس:
    جزاك الله خيرا على حسن ثنائك وطيب خلقك.
    وكل عام وأنت بخير وإيمان وعافية.

  16. #16
    أكثر من رائعة
    بوركت و كل عام و انتم بخير

  17. #17
    مقامة بديعة تستحق الاحتفاء والتهنئة ،
    لكاتب مليء ما عرفنا عنه سوى رأس جبل الجليد ..
    ولإن طال به الزمن الساخري ليكون غرة الساخر ، ونشيد الحاضر والغائب ،
    وإنه لأهلًا بكل هذا الجمال الذي يستحق النظرة تلو النظرة

    أهنئك على هذه اللغة يا هشام

    وتحية

  18. #18
    مقامة جميلة بلغة أروع .سيمفونية بديعة تنساب بتناغم فريد ،تنسجم فيها اللغة والفكرة والاسلوب .

    شكرا حقا استمعت .

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    الردود
    903
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة هشام البوزيدي عرض المشاركة
    أنا أجزم أني أعجبت بهذا الحنكليس الذي هو أمكر من إبليس, رحال بن المحجوب
    ماحزرت !
    هـ الحنتريش اللي تتكلم عنه ثمنه في عكاظ سلة فواكه جرسون إبليس

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أساتذتي الفضلاء:
    عاشق المراجيح
    محمود محمد شاكر
    نوف العبد الرحمن
    إزميل


    بارك الله فيكم أن توقفتم عند مقامتي, وشكرا لكم أن شجعتم أخاكم على الاستمرار في هذا الفن الجميل.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •