Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 23
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438

    في ذكرى نورة .. أوراق قصصية ..




    " ليست هذه دعوة للمشاركة في الأحزان ..

    الحزن لا تجوز مشاركته مع أحد ..

    إنما هذه دعوة لتأمل علاقة إنسانية بين قلبين

    أحدهما أكبر من الآخر بسبعين عاماً .. !! "



    صبح الحكاية ..


    قبل خمسة و عشرين عاماً كانت الحكاية على وشك أن تولد ، كان الحدث الذي سيربطني بنورة وشيك الحدوث لكنه لم يحدث بعد .. في ذلك العام قدمت مع والدي و والدتي و أختين أكبر مني إلى الجوف بعدما أمضينا سنواتنا الأولى في مدينة الدمام ، بطبيعة الحال لم تكن الذكريات عن تلك الفترة كثيرة أو هامة فبالكاد أتذكر وجه الخادمة السيلانية التي كانت تعمل لدينا و أسمها " خديجة " إضافة إلى وجه ابن جيراننا " نايف " الذي كان يشبه خديجة إلى حد بعيد ، و كنت أكرهه كثيراً و لا أحب مخالطته .. و على أي حال لا أشعر اليوم بأن هناك أي رابط بيني و بين الدمام و أهلها .. لقد كانت كريهة على أي حال ..
    عندما قدمنا إلى سكاكا كانت أقل مما هي عليه اليوم بكثير ، كان الكثير من بيوت الطين القديمة بخير لم يقض عليها الناس بعد .. و كانت بساتين النخيل و الحمضيات و العنب ما تزال حية كثيفة الشجر وافرة الخضرة في الأحياء القديمة و كانت العجائز ترعاها و تربي فيها بعض الدجاج و بعض الماعز ، كما كان الناس يربون الحمام فوق سطوح منازلهم و يتبارى الشباب فيما بينهم بتربية بعض الأنواع المستوردة من العراق أو الشام أو غيرها و يتباهون بذلك كثيرا ، لقد كانوا بسطاء طيبين كالحمام تماما .. كانت تلك البيئة البسيطة ميدانا واسعا للاستكشاف في نظر طفل لم يتجاوز السادسة من عمره ، كانت " الحوطة " - التي لا تتجاوز مساحتها مساحة ملعب لكرة القدم – شيئا عظيما و غامضاً في عيني و اكبر بكثير من مدينة الدمام التي قدمت منها ، لدرجة أني كنت أعتقد أنه يسكن في آخرها كائنات مخيفة و وحوش بأشكال و ألوان لم يرها البشر بعد ، و كنت أخاف من الذهاب إلى الأطراف دائما لهذا السبب و أكتفي باللعب قريباً من باب المنزل مع بقية الصبية ..
    المنزل بدوره كان مجتمعا كاملاً بحد ذاته ، كان فيه جدي و جدتي و جميعا أعمامي و زوجاتهم و أولادهم أيضا ..
    و في يوم الأربعاء من كل أسبوع تأتي عماتي إلينا و معهن أولادهن فيمتلئ المنزل بالبهجة و الحياة و يضج بشقاوة الأطفال من الظهر و حتى منتصف الليل .. كان الأربعاء بالنسبة لنا عيدا لكنه بالنسبة لجدي و جدتي
    كابوس و ابتلاء عظيم لا يستطيعون أمامه إلا الصبر و الاحتساب و كيل الشتائم للأطفال الأشقياء ..
    كان ذلك في منزلنا .. أما في منزل نورة فقط كان الوضع مختلفاً تماماً ، فقد كان هناك " حوطة " تسكنها الوحوش أيضاً و كان هناك أغنام و دجاج ، لكن لم يكن ثمة أطفال على مدار الأسبوع .. و الشهر .. و العام ، كانت نورة – بسبب قلة التعود - قليلة الصبر على أدنى ممارسة طفولية نقوم بها و بخاصة عندما تتعلق ببستانها الذي تمضي في رعايته وقتا طويلا .. حتى إني لا أستطيع أن أحصي كم مرة رأيتها تأخذ قيلولتها تحت شجرة المشمش الكبيرة بعدما أنهكها التعب من سقي الأشجار و إصلاح قنوات الري الترابية الممتدة إلى كافة أنحاء البستان ، و لا أتذكر كم مرة يفتقدها أولادها في المنزل فيبحثون عنها فيجدونها بصحبة إبريق الشاي لوحدها في جلسة صفاء تحت ظلال كروم العنب فيأتون و يتحلقون من حولها ليحدثوها و تحدثهم حتى تعود للمنزل .. كانت حياة نورة شيئاً آخر .. كانت حياتي فيما بعد ..




    " لم يبد ذلك اليوم مختلفا على الإطلاق ..

    كل ما رأيته كان عودا من الرمان تحركه بيدها ..

    لوهلة .. اعتقدت بأنها قلقة !! "


    ولادة الحدث ( 1 ) ..
    في منتصف شهر رمضان .. قبيل طلوع الفجر من يوم خميس عادي كنت في سيارة والدي الكابريس الرمادية اللون ، مع أخوين و ثلاث أخوات و والدتي .. كان أخي الأصغر ذا الستة أشهر ملفوفاً ببطانية سميكة في حجر والدتي و كنا متجهين إلى منزل أخوالي لأن والدي و والدتي سوف يتجهان بصحبة خالي الأصغر إلى مكة المكرمة لأداء العمرة .. مازلت أتذكر جيداً وجه خالي عند ركوبه للسيارة ، كان نعساناً لكنه سعيد للغاية ، بينما كنت أنا أبكي و أحاول الإفلات من قبضة خالي الآخر لأذهب معهم لكن بلا جدوى ، فيئست و سحبت نفسي إلى الداخل منكسر القلب و كارها لكل شيء ..
    عندما دخلت المنزل رأيتها هناك جالسة في مكانها المفضل في الصالة التي تصل ما بين الفناء الشرقي المطل على الشارع و الفناء الغربي الذي يوصل إلى بستانها ، كانت تستمتع بتيار الهواء البارد الذي ينبعث من بين أشجار الحمضيات و المشمش محملا برطوبة الصباح الباكر .. كانت هادئة جداً كما هي دائما .. و رأيت في يدها عصا صغيرة من أغصان الرمان تنكت بها في الأرض و هي خافضة لرأسها ، بدا لي أنها قلقة ..
    اقتربت منها أنا و إخوتي للسلام عليها و كنا خائفين بعض الشيء ، قبلنا رأسها واحد تلو الآخر ثم جلسنا على مقربة منها بينما لم تزد هي على أن قالت بهدوء كبير : " حيالله هالعيال " ..
    و دعوني أتحدث أكثر عن نورة .. لم تكن شخصيتها من النوع الذي يسهل لفت نظره ، و لم تكن تحب الثرثرة و التحدث في أخبار الناس و أفعالهم و شؤونهم ، و تفضل بدلاً من ذلك الإنفراد و احتساء شاي الأعشاب الذي تعده بنفسها .. أو رعاية بستانها و التأمل في أشجاره .. لقد كانت نورة امرأة نادرة جدا و قوية جدا ، تملك ملامحاً صارمة و صوتاً عميقاً خفيض النغمة .. لا تستعمله إلا بقدر الحاجة ، مما أسبغ عليها شيئا من الهيبة عند الكبار ، و رعباً كبيرا عند الصغار ، لذلك كنت أتحاشى الاقتراب منها أو العبث بالأشياء التي تخصها على خلاف أخي الذي كان يصغرني فقد كان قوي القلب و شقياً لا يبالي بعواقب الأمور ، و لا يتورع عن فعل أي شيء مهما كانت النتائج .. و كثيرا ما كان يتعرض لعقابها لقاء ما يسببه من أضرار بأشيائها ..
    كانت نورة قليلة التعبير عن مشاعرها تجاهنا أو تجاه أي احد مع أنها تحمل داخلها روحا طاهرة و قلباً رحيماً ، و من النادر أن أراها مظهرة لحزنها أو حبها أو فرحها ، كل ما هنالك تعابير بسيطة جدا من الابتسام أو العبوس أو غير ذلك .. هذه فقط هي كل مظاهر الشعور الإنساني لديها ، اللهم إلا حالات نادرة جدا من الضحك المكتوم بحياء شديد أو دموع تدافعها بكل ما أوتيت من قوة .. و إذا كنت سأختصر وصفي لها سأقول : إنها امرأة قوية جداً لا تشبه صفاتها صفات النساء ..







    " سقط عود الرمان من يدها ..

    لقد حدث الأمر فعلاً ..

    و كانت الفاجعة أكبر من كل التوقعات "



    ولادة الحدث ( 2 ) ..
    عندما دخلت مع إخوتي إلى منزل أخوالي ، توجه والداي و خالي الأصغر جنوباً سالكين طريق السفر المؤدي إلى المدينة المنورة ، و بينما كانت نورة تقلب غصن الرمان في يدها كان مؤشر السرعة في سيارة والدي يزداد تدريجياً شوقاً للوصول إلى بلد المصطفى في اقرب فرصة ممكنة ..

    الوقت يمر ببطء عندما يسافر المرء بالسيارة .. لذلك يبدأ الملل بالتسرب إلى نفوس المسافرين شيئاً فشيئا ..



    كانت سلمى جالسة هناك في المقعد الأمامي تجاهد عينيها المتعبتين لمواصلة القراءة في مصحفها الصغير الذي اعتادت أن تصحبه معها إلى حيث تذهب ، كانت ترتل بعض الآيات .. و كان صوتها جميلاً و صادقاً تمازجه روحانية الصوم و تدينها البسيط النقي .. كان والدي يقود السيارة بينما قرر خالي الأصغر النوم لاختصار المسألة و القضاء على حالة الملل التي استولت عليه ، و بعد قليل من التصبر استسلم الجميع مثله و قرروا التوقف و أخذ قسط من الراحة حتى المساء ثم يواصلون السير إلى وجهتهم .. و هكذا كانت الأمور تجري برخاء حتى حل المساء ..



    عندما هبط الظلام على السيارة الرمادية أخذ لونها الضعيف يذوب في ظلمة المساء ، لم يكن هناك داخل السيارة شيء غير ترتيل سلمى للقرآن و أنين المركبة التي أنهكها طول الطريق و الصمت العميق .. لكن ذلك كان على وشك الانتهاء سريعاً ..في بيت نورة كان الظلام قد حل أيضاً و بدأت حالة من السكون تهيمن على المكان ، في ذلك الوقت لم تكن نورة على طبيعتها ، كانت تحرك غصن الرمان بتوتر و أحيانا تلقيه من يدها .. ثم تعود لتمسك به و تحركه مرة أخرى ، و بين كل لحظة و لحظة تلتفت إلى خالتي و تسألها بهدوء : " جميلة .. ما اتصلت سلمى ؟ " كان من عادة الناس في ذلك الوقت الاتصال عندما يصلون إلى البلد الذي سافروا إليه ، و عندما يتأخر أحدهم بالاتصال يقلق عليه أهله .. فكيف إذا كان المسافر هو سلمى التي تمنحها نورة مكانة خاصة في قلبها ..



    إن سلمى لم تكن إلا امتدادا لروح نورة و صورة مصغرة عنها ، كانت متدينة بالفطرة تحب قراءة القرآن أكثر من أي شيء آخر ، و لديها ذات الجدية و العزم الذي ورثته عن والدتها .. و كانت نورة ترى فيها شبابها و تسعد كثيرا عندما تجد نفسها تراقب ماضيها من خلال سلمى ، لقد كانت سلمى ريحانة نورة و زهرة حياتها ..



    هناك في الفضاء الفسيح ما بين محافظة تيماء و المدينة المنورة كان الحدث الأشد رعبا ينتظر على قارعة الطريق ، و بينما كان السكون يخيم على السيارة الرمادية إذ دوى صوت انفجار مرعب ، و بدأت السيارة تتأرجح مثل فرس جموح ، و بدأ والدي و والدتي يقاتلان قتيلا مريرا للتشبث بخيوط الحياة بينما كان خالي نائما لا يعلم عن الفاجعة التي توشك أن تحدث .. عندما انفجر إطار السيارة كان الطريق في منسوب مرتفع عن الأرض بأمتار ، فانحرفت السيارة عن مسارها و طارت في الهواء ثم هبطت بعنف على جانبها الأيمن الذي ركبت فيه سلمى .. في هذه اللحظة سقط غصن الرمان من يد نورة و شعرت بالتواء شديد في قلبها .. لقد أدركت بفطرة الأم أن هناك مصيبة حدثت ..



    على جانب الطريق السريع نهض خالي الأصغر و هو لا يكاد يصدق عينيه ، كان أول مشهد رآه قبة ضخمة من الغبار تغطي المكان ، و رأى شقيقته هناك في السيارة المنقلبة و قد خرج نصف جسمها من النافذة و النصف الآخر تحت المركبة .. و إلى بضعة أمتار رأى زوجها منكفئا على وجهه ..



    قفز خالي من مكانه و ركض إلى شقيقته فوجدها تنزف بشدة من ساقها فأصيب بالذعر ، و هرول مباشرة إلى الطريق يصرخ مستغيثا بالمارّة و هو يبكي .. كان - و هو يبحث عن مسعف - تائها بين سؤالات مريرة يخاف من إجاباتها : " هل ستموت أختي الآن ؟ " ..




    كانت عيناها مفتوحتين ، و كان الناس من حولها ..

    و في لحظة غفلة من الجميع .. قررت الرحيل للأبد "



    كسوف في فصل الشتاء ..



    في ضحى الجمعة دخل كئيباً إلى المنزل و نظر إلي مع إخوتي فرآنا مستلقين أمام التلفاز نتابع الرسوم المتحركة ، كانت نورة جالسة بالقرب منا و كان الجو هادئاً .. اتجه إلى نورة و قبّل رأسها ثم جلس إلى جوارها و لم يقل شيئا ، كان يقاوم تلك الغصة في حلقة و يشعر بحزن عظيم لكنه يحاول تمالك نفسه ليوصل تلك الرسالة العاجلة ..
    لاحظت نورة أن لدى ابنها ما يريد قوله ، و أدركت بان ما لديه لا يمكن أن يقال في حضورنا ، كان الأرجح لديها أنه حدث لوالدينا مكروه .. لم يكن هناك احتمالات أخرى فقالت قبل أن يبوح لها بأي شيء : " لا إله إلا الله .. يالله أنك تلطف .. يالله انك تلطف " ثم خرجت بسرعة من الغرفة و تبعها ..
    في مدينة تبوك كان قسم الطوارئ في حالة فوضى ، كانت هناك حالتين في مرحلة الخطر .. رجل و امرأة يصاحبها شاب مراهق و رجل من البادية قام بإسعافهما .. كان الرجل و زوجته غائبين عن الوعي تماما ، و بدا أن حالة المرأة – سلمى – أشد خطورة فقد خسرت أكثر دمائها نتيجة لنزف ساقها التي بترت تقريباً إضافة إلى إصابتها بضربات قوية في الرأس .. لقد كانت كالزهرة المحترقة تظهر على وجهها ملامح الموت بكل تفاصيلها ..
    كان خالي الأصغر يركض خلف سرير - سلمى - من قسم إلى قسم من دون أن يشعر بنفسه ، كانت تحركه عاطفة الحب الكبير لأخته ، و كان كل ما يتمناه من الله : أن تبقى سلمى على قيد الحياة ، لا يريد شيئا أكثر من ذلك .. فلما وصل إلى غرفة العمليات أوقفه الحارس و طلب منه الانتظار في الخارج ..



    على طرف مدينة سكاكا شوهدت سيارة جيب سوداء تسير بسرعة البرق خارجة من المدينة ، كانت السيارة تحاول أن تكسر قيود الوقت و تصل في أسرع ما يمكنها إلى هدفها ، كان محمد هو الذي يقود السيارة مسافرا لوحده .. كان في صدره بحر من الحزن ، و كان يكتم البكاء و يشد على أسنانه بكل ما أوتي من قوة بينما يخفق قلبه و ترتعد يديه .. لم يكن في مخيلته إلا هاجسا مرعباً هو أن سلمى سترحل ..


    بعد عدة ساعات ، و مع مغيب الشمس .. فتحت أبواب غرفة العمليات و كان أول من خرج منها الطبيب المشرف على العملية ، كان وجهه محايداً يخلو من أي تعبير .. نظر إليه خالي الأصغر و حاول التكهن بنتيجة العملية لكنه فشل .. و هنا تاه مرة أخرى في تساؤلاته المخيفة عن أخته ، لكنه قرر أن يحسم الأمر فنهض و توجه للطبيب و سأله بلهجة حازمة : " إن سلمى بخير .. أليس كذلك يا دكتور ؟ " .. نظر إليه الطبيب بشفقة و رحمة كبيرين لأنه كان صغيراً و قد لا يحتمل ما سيقوله له .. لكنه قرر أن يخبره بأن : " سلمى مازالت على قيد الحياة " .. كان هذا الجواب عائماً لكنه كاف لتهدئة خالي الأصغر فهو لا يريد الآن أكثر من بقائها على قيد الحياة في هذا الوقت ..
    و صل محمد إلى المركز الطبي و توجه مباشرة إلى موظف الاستقبال ليسأله عن الجهة التي أرسلوا إليها سلمى ، فأفاده بأنها قد خرجت قبل دقائق من غرفة العمليات و تم وضعها في قسم العناية الفائقة ، فانطلق إلى هناك على الفور و حاول الدخول للاطمئنان على شقيقته لكن الحراس منعوه من ذلك .. و أفادوه بأنه لن يتمكن من رؤيتها حتى الغد على اقرب تقدير ، و بينما هو متجه إلى خارج قسم العناية الفائقة قابل خالي الأصغر – الذي هو شقيقه – فانهار أمامه و اخذ يبكي بمرارة فقد كان مشهد أخيه الصغير الذي سلمه الله من حادث مرعب و تعرض لسلسلة من المصائب على صغر سنه كافيا لإذابة الحديد ، كان المشهد قاتلاً بكل ما للكلمة من معنى ..



    في اليوم التالي ذهب محمد و شقيقه الأصغر إلى المستشفى و توجها مباشرة إلى قسم العناية الفائقة و بعد جدال طويل وافق الطبيب على أن يدخلا لرؤية سلمى ..


    في منزل نورة لم نكن نشعر بأي شيء ، فقد استيقظت و إخوتي في الصباح الباكر و تناولنا إفطارنا و خرجنا للعب أمام المنزل .. بينما كانت نورة تجلس في الصالة تترقب و تنتظر الأخبار بالكثير من التصبر و القوة ..


    لما فتح باب الغرفة في قسم العناية الفائقة اندفعت روائح مواد التعقيم إلى أنف محمد و قد بدت له مشابهة لرائحة الموت فأحس برهبة الموقف و هو يخطو متجها إلى سرير سلمى الذي أسدلت عليه الستائر الزرقاء .. اقترب قليلا و امسك بطرف الستارة و سحبها بهدوء و وقف مباشرة أمام سلمى ..


    بدت سلمى مثل شمس كاسفة .. كانت الأجهزة الطبية تحاصرها من كل جانب بينما تغرق في غيبوبة عميقة ، بدا وجهها الملائكي من خلف أجهزة التنفس الصناعي متورماً مليئا بالجروح و قد تغيرت بشرته البيضاء إلى لون قريب من الأزرق .. و كانت الغرفة هادئة لا يشوب هدوءا إلا أصوات خافتة لأجهزة نبض القلب ..
    هنالك جلس محمد و أسند رأسه إلى سرير سلمى و بدأت دموعه تتهطل و شقيقه الأصغر يمسك بيده و يشد عليها بين الفينة و الفينة ..
    لم يطل مكوث محمد و شقيقه في الغرفة ، فلم يسمح له الأطباء بالبقاء أكثر .. فنهض و امسك بيد سلمى و رفعها قليلاً و طبع قبلته على ظاهر كفها ثم أنزلها ببطء و خرج نحو الباب ..



    أمضت سلمى في غيبوبتها مدة طويلة .. و محمد و إخوته يترددون عليها ما بين مدينة سكاكا و تبوك حتى جاء ذلك اليوم الذي فتحت فيه سلمى عينيها .. لم تكن استيقظت من الغيبوبة لكن عينيها فتحت لأول مرة منذ دخولها المستشفى ، كانت جراح وجهها قد التأمت و كانت ملامحها قد عادت لحالتها الطبيعية و بدت كأنها مستيقظة .. أصبح وجهها في ذلك اليوم مشرقا كما هو دائما إلا أنها نائمة بعمق .. و بقيت على هذه الحالة تبعث الأمل و الدفء في قلوب إخوتها من حولها بضعة أيام ..
    في إحدى الليالي المظلمة .. و بعد خروج كافة الزوار .. هدأت المستشفى .. و عم المكان الصمت العميق ..
    في تلك اللحظة المناسبة .. رحلت سلمى بصمت و سكون إلى رحمة الله ..



    يتبع لا حقا ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438


    " كان ذلك اليوم مميزا ..
    لقد شهد كتابة فصل جديد .. أصبحت فيه ابنا لها "





    العهد الجديد ..

    كان يوم سبت عصيب على الجميع باستثنائي أنا و إخوتي ، فعندما وصل خبر وفاة والدتي تكتم أخوالي على الخبر و استطاعوا إخفاءه عنا .. و كانت نورة عندما تقابلنا تتصرف و كأن شيئا لم يحدث و تؤجل البكاء حتى تخلوا بنفسها ، لم يدرك احد منا مالذي يجري إلا أختي الكبرى التي دخلت غرفة جدتي على حين غرة فرأت خالتي و قد أسندت ظهرها إلى الحائط و جمعت ركبتيها إلى صدرها وهي تبكي بمرارة و تشهق بشكل متتابع .. كان الصوت مرتفعا فتسمرت أختي هناك و لم تستطع الحراك ..
    و هكذا هي الأمور دائما عندما ترى إنساناً في حالة ضعف يذرف الدموع منطويا على ذاته ، إنه ليس أمامك إلا التوقف خارج الزمان و المكان بلا حراك .. لا يمكنك إلا أن تصمت إجلالا لطقوس الحزن و تبدي الاحترام العظيم .. و هكذا كان حتى شعرت أختي بتلك اليد التي تمسك بيدها الصغيرة و تربت على رأسها بحنان فالتفتت لترى وجه نورة و عليه علامات الحزن بادية .. أجلستها نورة في حجرها و أخذت تصلح شعرها و ترتب ملابسها لمدة من الزمن .. ثم همست في أذنها بصوتها العميق الهادئ : " ريم يا بنيّتي .. أمك سافرت للجنّة ، الحمد لله " ..
    هناك في البعيد كانت سيارة الجيب السوداء في طريقها إلى سكاكا قافلة من تبوك ، لقد كان فيها عندما ذهبت عقاب – شقيق سلمى الأكبر - و محمد ، و فيها و هي عائدة الآن : عقاب و محمد و سلمى .. كان الأخوين تائهين بينما ترقد أختهما المحبوبة خلفهما ملفوفة بأكفانها البيضاء .. لم يستطع أحدهما التحدث إلى الآخر و لم يكن هناك ما يقطعان به الطريق إلا الصمت الرهيب ..


    في أخوالي : عندما سمعت أختي الكبرى كلام نورة لم تستوعبه في المرة الأولى ، لكن نورة أبقتها في حجرها و شرحت لها باختصار حقيقة الأمر ، فما كان من الطفلة الصغيرة إلا أن التفتت لتتشبث بثياب نورة و تدفن رأسها في صدرها و تبكي بنبرة الأطفال البريئة .. كان هذا العناق الحميم بين ريم و نورة صورة لا يكررها تاريخ الحزن الإنساني مرة أخرى .. و لأول مرة منذ سنين طويلة تنهمر دموع نورة بغزارة أمام شخص آخر ..


    في الأيام اللاحقة لاحظت أن أختي الكبرى لم تعد تمرح أو تلهو كما كانت تفعل من قبل ، بدا لي أنها أصبحت امرأة فجأة ، فقد هجرت منذ ذلك اليوم المكان الذي نلعب فيه و أصبحت تميل للجلوس في المنزل أكثر و لم أكن اعرف ما هو السبب ..
    بالنسبة لي .. كان كل ما أعرفه عن والدتي هو أنها ذهبت في سفر و أنها سوف تعود في يوم من الأيام ، و أن والدي قد عاد قبلها لأنه كان مستعجلاً قليلاً .. كنت مقتنعا بهذا مدة من الزمن .. حتى جاءت اللحظة الأليمة ..


    بعد مرور عامين على وفاة والدتي كنت قد سجلت في المدرسة و تجاوزت الصف الأول الابتدائي و الثاني ، و كذلك بقية إخوتي تقدموا في السن عامين .. أخي الأصغر على أعتاب السنة الثالثة من عمره ..


    في أحد الأيام خرجت بصحبة والدي إلى السوق ، ثم توقفنا عند أحد المحلات التجارية التي يملكها صديق له .. دخلنا المحل و توجه والدي إلى مكتب صديقه و جلس هناك بينما بدأت أتجول في المحل و أتأمل محتوياته ..
    مر بعض الوقت و أنا أتجول في المحل فأصبت بالممل .. فتوجهت إلى والدي لأستعجله في الذهاب و هناك كنت على موعد مع الصاعقة .. لقد كان والدي يتحدث إلى صديقه – من دون أن يشعر بوجودي- عن تفاصيل الحادث الذي تعرض له مع والدتي و يصف له مدى صعوبة حالة والدتي التي كانت عليها ، ثم أخبره عن ظروف وفاتها ، و عند هذه اللحظة تحديدا تجمدت في مكاني و فقدت الشعور بما يدور حولي .. فلم أكن مستعداً لشيء بحجم هذه الصدمة .. انتبه والدي متأخراً بعدما أشار له صديقه و أشعره بوجودي ، فقام على الفور من مقعده و اتجه نحوي بسرعة .. لم يكن يعرف مالذي يجب فعله بالضبط فقد كنت واجما و باردا كالصنم .. لم أبك و لم أتكلم و لم أتحدث إليه عندما سألني إن كنت بخير ..
    أمسك والدي بيدي و خرج بي من المحل .. أركبني السيارة و ذهب بي إلى السوبر ماركت و اشترى لي كميات كبيرة من الحلوى و أعطاني بعض النقود لكن ذلك لم يجد نفعا .. و عندما وصلنا إلى منزل أخوالي نزلت أجر خلفي كيس الحلوى الممتلئ و دخلت به عليهم .. كانت نورة جالسة في الصالة و أحد إخوتي أمامها و هي تحاول إجباره على ابتلاع ملعقة من الطعام ، فلما رأتني علمت بان هناك خطب ما .. فوضعت الملعقة من يدها و طلبت من أخي الذهاب ، نادتني : " حمّود .. تعال و أنا أمك علمني وش شفت بالسوق اليوم " ..
    لم أستطع الصبر أكثر فقلت لها و أنا أرتعد : " جدتي .. صحيح أمي ماتت ؟؟ "
    كان السؤال مباغتاً فسألتني بحيرة : " من اللي قال لك هالكلام ؟ "
    فأخبرتها بما جرى .. فلم تعلق بحرف واحد .. لكن الغضب كان واضحا على وجهها من أجلي ..
    في ذلك اليوم بدأ بيني و بين نورة عهد جديد .. لقد أصبحت ابنا جديداً لها ..







    " هدأت المصائب فجأة .. و ابتسمت الحياة للجميع من جديد..
    و كانت تلك فرصة لالتقاط الأنفاس .. "



    ما قبل الحدث الآخر ..
    لما توفيت والدتي قررت نورة أن تعوضنا بكل ما يمكنها .. لم تكن صحتها على ما يرام و كانت كبيرة في السن إلا أنها تملك تلك القوة النادرة على الصمود ..
    كانت تحبنا جميعنا – أنا و أخوتي – و تعطف علينا ..
    لكنها تنظر إليّ - على وجه الخصوص - نظرة أخرى ..


    في الأعوام التالية مرت الأيام بشيء من الصعوبة لكنها على أي حال لم بتلك القسوة التي تلت وفاة والدتي ، كنت و إخوتي في تلك الفترة نتنقل مابين منزل والدي – الذي تزوج سريعاً – و منزل نورة .. كنا نعيش في منزلنا وسط الزحام حيث كان مليئاً بأعمامي و عماتي و أولادهم و والدي و زوجته و إخوتي غير الأشقاء الذين أتوا لاحقا ، هناك لم يكن أحد مستعدا ليضيف مصيبتنا إلى مصائبه الخاصة و لم يكن أحد متفرغا لرعايتنا و الاهتمام بنا ، لكنهم - على أي حال - يعاملوننا بشكل عادي بلا تسلط و لا قسوة .. على خلاف نورة التي قررت أن تعيش مصيبتنا بالنيابة عنا و نذرت نفسها لمحو آثار الكارثة من قلوبنا ، لقد أصبحت نورة أمنا الأخرى بالنيابة عن سلمى ابنتها .. و أصبحنا نحن أولادها بالتأكيد ..


    كنت أشعر بما تشعر به نورة تجاهي من دون أن أبذل جهدا في ذلك ، و لاحظت أني أفهمها - بفطرتي - بكل سهولة .. لقد شعرت بأني قريب منها .. و أننا متشابهون جدا .. فبدأت أتصرف لاحقا على وفق ذلك .. أصبحت أتواجد إلى جوارها و أحاول التخفيف عنها فيما تعانيه من رعاية أشقائي ، و كنت أتعمد الجلوس عندها عندما تكون لوحدها و اخترع لها الحكايات لكي أسليها .. و كانت تفهم جيدا مالذي أحاول فعله .. و تحبه أيضاً .. و مع الوقت نمت بيننا علاقة خاصة جدا ..


    مضت علي أعوام و انأ تحت جناح نورة أنعم بالأمان حيث أكبر رويدا رويدا و تشتد قوتي ، كان لديها أسلوبها الخاص في التعامل معي .. كانت تربيني و تروضني لأصبح شيئا ذا قيمة ، إنه ذلك شيء يشبه أن يجد أحدهم مهراً صغيرا ضعيفا فيقوم برعايته و تربيته حتى يصبح جوادا جامحا قوياً ، ثم يروضه بعد ذلك و يدربه ..


    كانت نورة – في القديم – تخلو بنفسها و تبتعد عن الناس .. لكنها لم تعد كذلك فيما بعد ، لقد أصبحت تجلسني معها و تحدثني كثيرا عن الصواب و الخطأ .. عن القوة .. عن الرحمة .. عن شقيقاتي .. كانت تريدني أن أكون ملاذا آمنا فيما بعد لإخوتي و أخواتي ، كانت تريد أن تمنحني قوتها و عزمها و بعد نظرها .. و كنت مستعدا لذلك ، و على مدى السنوات اللاحقة تعلمت في مدرسة نورة كل ما أحتاجه للعيش في هذا الزمن الصعب ، و كان أهم شيء تعلمته أن لا ادع الحياة تسحقني و أن أتولى شؤوني بنفسي و لا أنتظر شيئا من الآخرين ، علمتني نورة أن أغرد خارج سرب بما يروق لي من الألحان و لا أبالي ..


    لقد مضت سنوات طفولتي - البائسة – و أنا خائف من كل شيء في هذا الوجود الموحش إلا من نورة ، و كنت طوال فترة صباي و شبابي أثق بها لوحدها ، و اتجه لها عندما تستحكم علي المصائب .. و كانت هي الوحيدة التي أجعلها ترى ضعفي و عجزي ..


    كانت نورة سعيدة و هي تراني أنمو و اكبر أمام عينيها و أنا أحمل طباعها و أتصف بصفاتها ، كنت متفوقا في دراستي .. و عنيدا .. و ميالا للعزلة .. و الاهتمام بشؤون إخوتي .. و كنت أخصص لها في الأسبوع يوم الخميس لوحدها ، فأصحبها إلى المزرعة بعد شروق الشمس مباشرة و أتناول معها الفطور هناك ، و فيما عدا ذلك لا يمر يومين إلا و قد أتيتها و مكثت عندها ساعة أو ساعتين . كانت صحبتي لنورة تسير بلا منغصات حتى خيم عليها حدث لم يكن في حسبان أحد ..






    " و مرة أخرى يعود الخطر المحدق للتجول في حياة نورة ..
    و كما هي عادته .. لا يختار إلا أحب الناس إلى قلبها .. "



    وقوع الحدث الآخر ..

    كانت سلمى أكبر بنات نورة .. و لما توفيت تركت خلفها ثلاثة أولاد و ثلاث بنات ، كان أصغرهم ما يزال رضيعاً .. كان ذلك الحدث صدمة كبرى بالكاد استطاعت نورة تحملها و الصبر عليها .. إلى أن جاء من عالم الغيب ذلك الحدث الذي زلزل حياتها و لون أيامها بلون الحداد الطويل ..
    في الجنوب .. في محافظة رنية كان عقاب – ابن نورة الأكبر - رئيسا للشؤون البلدية و القروية ، ذهب إلى هناك - في ترقية حصل عليها حديثا - بلا تردد ، فلم تكن المسافات و التضاريس في يوم من الأيام عائقا أمام طموحه .. فهو مقاتل عنيد يجيد صنع النجاح بالطرق الصعبة ..
    كان عقاب ساعد والده القوي في صغره .. فلما كبر أصبح هو الظل الظليل لكل عائلته ، فقد رعى إخوته و والدته نورة و قدم لهم الشيء الكثير في ذلك الزمن الذي كان يصعب فيه العيش ، و كان بسبب ذلك محبوبا و محترما من الجميع .. و كانت نورة تشعر بالفخر كلما نظرت إليه فهو شهادة حية على أنها أم حقيقية تعرف كيف تربي الرجال الذين يمكن الاعتماد عليهم ..
    لما ذهب عقاب إلى رنية صحب زوجته و أطفاله الستة .. ثلاثة أولاد و ثلاث بنات .. تماما مثل سلمى ، و هناك كان يمكث أغلب السنة ثم يعود إلى مدينة سكاكا في أيام الإجازات السنوية .. كان يسلك طريق البر بسيارته مصطحبا معه عائلته ..
    في ذلك العام خرجت سيارة جيب Grand Cherokee بيضاء حديثة الطراز من محافظة رنية ، كان فيها عقاب و زوجته و أبناءه الستة .. كان ابنه الأصغر " خالد " ما يزال رضيعاً في حجر والدته ..
    كان الجو داخل السيارة عائليا أنيساً .. كانت الزوجة تؤانس زوجها بحديثها العذب و تحاول أن تدفع عنه هجمات الملل الناتجة من أعباء القيادة و طول الطريق ، و كان الصغار في الخلف يغنون و يلعبون مع بعضهم البعض .. و في سرعة البرق تغير كل شيء ، في أقل من ثانية انحرفت السيارة عن طريقها و انقلبت .. و في لحظة خاطفة تناثر الأطفال على قارعة الطريق و أصيبت والدتهم .. بينما فقدت نورة ثاني أكبر أولادها إلى الأبد ..
    في صباح أحد الأيام الصيفية المملة ، فوجئت و أنا متجه إلى منزل نورة بحشد من الناس و حركة غير مألوفة .. رأيت محمد – شقيق عقاب - يسير قاطعا ساحة المنزل و هو في حالة مزرية .. كان يرتدي شماغه من دون عقال و كان منظره محزنا للغاية .. ثم دخلت إلى المنزل و كان أول ما رأيت " أحمد " شقيق عقاب الآخر جالساً في الصالة واضعاً طرف شماغه على فمه و كانت عينيه محمرة جدا و هو صامت لا يتحدث ، لم استطع سؤاله عن شيء فقد كنت خائفاً من أي جواب قد يأتي .. ثم اتجهت مباشرة إلى غرفة نورة .. و هناك كان لي موعد مع واحد من أكثر المشاهد ألما في حياتي ..
    كانت سطوة الحزن أعظم مما يمكن لنورة احتماله في ذلك اليوم ، و كانت وفاة ابنها الأكبر موتا لكل معاني التفاؤل و الأمل في حياتها .. رأيت نورة شاحبة الوجه محطمة النفس - قد اجتمع عليها الكبر و ضعف الصحة - و هي تذرف دموع الوداع المر لثمرة فؤادها ، كنت أقرأ تعابير وجهها فأرى فجيعتها بابنها الذي رعته و حافظت عليه في الزمن القاسي .. فلما كبر و اكتمل و بلغ أشده حصده منجل القدر و هو في غربته و حال بينها و بينه إلى الأبد .. لم يمنحها – على الأقل – فرصة وداع بين أم و ولدها ..
    و هناك تصاغرت و أحسست أني أتلاشى في صورة الألم .. تقدمت بضع خطوات نحوها و قبلت رأسها بهدوء و لم اقل شيئا .. ثم انصرفت ، كنت أدرك جيدا بأن الكلمات في ذلك الوقت لن تكون ذات قيمة ، لن يحمل العزاء أي معنى ..
    سافر عقاب على أثر سلمى إلى رحمة أرحم الراحمين .. و ترك كل منهما ثلاثة أولاد و ثلاث بنات ..
    لقد أصبح هم نورة اكبر من ذي قبل .. أصبحت نورة اليوم تقلق على مستقبل اثنا عشر حفيدا من أحفادها ..و مازالت تقاتل جيش البلاء بالكثير من الإيمان ..






    هناك .. في عمق المأساة .. كانت حياة نورة تتجه نحو الأفول ..
    كان الدفء يتلاشى مع الغياب .. و كان الحدث الثالث يقرع الباب " ..



    شمس أيلول ..

    بعد سنوات قليلة من رحيل سلمى و عقاب ، كانت كلمة الله في زوجها و أبو أولادها قد وقعت .. توفي جدي – رحمه الله – بهدوء .. عن عمر تجاوز المائة عام ، أمضى منها سنين صباه تلميذا للشيخ فيصل المبارك يتعلم منه القرآن في وقت لم يكن للعلم قيمة و كان رغيف الخبر هو جوهر الحياة الأهم .. و بعدما حفظ أجزاء من كتاب الله أصبح إماما للمسلمين أكثر من سبعين عاما ..


    كان جدي يتمتع بكامل صحته و عقله على يوم وفاته ، و لم ينقطع عن إمامة المسجد إلا في مرض موته ، في تلك الليلة – و بحضور عدد من الشهود – كان غائباً عن الوعي يرقد على السرير الأبيض ، كان الوقت قريبا من الفجر .. في لحظة ما بدأ يتحرك و يحاول إزالة جهاز التنفس عن فمه ، كان لديه أمر مهم للغاية يريد أن يقوله ، الوقت ضيق للغاية .. و في لحظات حضر الطبيب و التف الممرضون من حول السرير ، و قاموا بنزع جهاز التنفس عن وجهه ، فرفع سبابته و قال بصوته المبحوح : لا إله إلا الله .. ثم ذهب هو الأخر إلى رحمة أرحم الراحمين .. و ودعت نورة ثالث شخص من أهل بيتها صابرة محتسبة ..


    كانت نورة في ذلك الوقت في عقد الثمانين من عمرها ، لقد تغيرت كثيرا عما كانت عليه .. كانت في خريف عمرها لا تشعر بدفء الحياة .. و كنت أنا في بداية عقدي الثاني شاباً مليئا بالهمة و الطموح و قد تخرجت حديثا من الجامعة بتقدير مرتفع و لدي في ذهني الكثير من المشاريع ..


    لم تعد نورة تميل للعزلة كما كانت ، و لم تعد تحمل في يدها غصن الرمان .. و تركت رعاية بستانها ، و لم تعد مكترثة لما يفعله الأطفال .. كان كل شيء في حياتها رماديا لا يحمل أي إثارة لها و لا يسترعي انتباهها .. لكنها حافظت على شيء واحد .. على حبها العميق لأولاد سلمى و أولاد عقاب حتى بعدما كبروا و أصبحوا جميعا في سن الشباب .. كانت تفرح و تبتسم لها الحياة عندما تشاهدني داخلا عليها شابا معتدل القوام ، متعلما .. لا أدخن .. و لا أعبث .. و فوق ذلك كلها أحبها حبا شديداً كما كنت أفعل يوم كنت صبيا صغيراً بلا أم .. و أكثر ..


    كانت أيام نورة هادئة .. و كانت أيامي صاخبة .. لقد كنت أمر في مراحل حرجة للغاية في تأسيس مستقبلي المهني ، و كنت أمر بضائقة مالية في تجهيز مكتبي للمحاماة ، فلم أكن موظفا و لم يكن لدي أي مصدر دخل .. و ذات يوم دخلت على نورة في زيارة معتادة لها ، كنت اشعر ببعض الضيق بسبب حاجتي للمال .. لاحظت نورة ذلك و سألتني بنبرة الأم الحانية : " عسى ما شر يا وليدي .. وش مكدر خاطرك ؟ " .. فأخبرتها بالموضوع فابتسمت و قالت : " بس ؟ " و هي تشير بيدها .. ثم قامت بصعوبة إلى غرفتها و عادت إلي و في يدها مبلغا كبيرا من المال .. كان أكثر بكثير مما أحتاج ، فالقته في حجري و قالت لي : " ليه ما قلت لي من أول و أنا أمك ؟ .. ليه ساكت ؟ " .. هكذا بكل بساطة قامت نورة بفتح الباب المغلق بيني و بين مستقبلي و هي تبتسم ، كان هذا قطرة صغيرة في بحر أفضالها ، لكني أتذكره دائما لأني مازلت أعيش آثاره حتى اليوم .. و إلا فإن حياتي بكاملها ليست إلا كشكولا صغيرا كتبت فيه نورة حكاية جميلة للعطاء .. و في الجزء القادم ستقرؤون الفصل الأخير من الحكاية ..

    يتبع لآخر مرة ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438


    " عندما قرروا الذهاب .. أخذوا معهم أغصان الرمان و رائحة المشمش ..
    تركوني في المدينة وحدي .. أتمتم بدعاء أيوب : إني مسني الضر و أنت أرحم الراحمين "


    صقيع في فؤاد الشمس ..



    عندما أوشكت على استخراج الوثائق الرسمية لمزاولة مهنة المحاماة كان المكتب يمر بمراحل التجهيز الأخيرة ، كنت أشعر بالحماسة تنبض بقوة في عروقي.. و كانت الحياة باسمة أمامي ، و في المستقبل القريب سأعتمد على نفسي و أشق طريقي بيدي مستغنياً عن الناس ..


    في ذلك الوقت كانت نورة قد قاربت التسعين من عمرها .. بعدما أمضت منها عشرين عاما في رعايتي و تربيتي ، و اليوم تنتظر أن ترى ثمرة جهودها خلال تلك المدة الطويلة .. كان الوقت يداهمها و بلغ منها الكبر مبلغه و صحتها لم تعد كما كانت ، و هي لا تشتاق – في هذا الوقت الحرج - لشيء كما تشتاق لرؤيتي ناجحا في عملي و متزوجا و مكتفيا بنفسي ..


    أصبحت نورة من زوار المستشفيات الدائمين .. لقد بات من المعتاد أن يتم تنويمها فيها بين الفينة و الفينة .. و صرنا نزورها في المستشفى بعدد المرات التي نزورها في المنزل تقريباً .. كانت نورة كالفرس العجوز التي أمضت حياتها تحقق الانتصارات في مضمار السباق ، و اليوم بالكاد تقوى على السير ..
    كانت تلك الأيام تنقضي مابين تجهيزاتي للعمل و منزل جدتي .. فإذا لم أكن متواجدا عندها فأنا قطعا في مكتبي أشرف على اللمسات الأخيرة قبل الافتتاح ، هكذا كانت الأيام تسير ..


    في ذلك المساء اتصل علي خالي الأصغر ، و أفادني – على النحو المعتاد – بأن نورة قد أودعت المستشفى بسبب وعكة صحية عارضة و أعطاني اسم القسم و رقم الغرفة لكي أتمكن من زيارتها هناك .. صليت العشاء ثم توجهت إلى المستشفى ، فلما وصلت إلى هناك أخذت الطريق إلى قسم العناية القلبية ثم إلى رقم الغرفة المطلوب .. و هناك قابلت خالتي و إحدى أخواتي و نورة .. كانت نورة متعبة بعض الشيء لكن لم يبد الأمر مخيفا أبداً .. كما أن نتائج الفحص الأولى كانت عادية إلى حد كبير ..


    اقتربت من نورة و قبلت جبينها و قلت لها الكلمة المعتادة : " ما شاء الله .. اللي يشوفك يقول بنت البارح " ، فابتسمت و هي محرجة ثم قالت لي : " حيا الله ولدي .. تعال بهذا " و أشارت إلى طرف سريرها الذي تجلس عليه أختي ، ثم قالت لها : " قومي عن أخوك خليه يقعد " ..
    كنت أحرص أكثر ما أحرص – عندما أزورها – على أن أجعلها تبتسم .. و كانت روحها خفيفة تستجيب لي بسرعة .. كانت تألفني كثيرا و آلفها كثيرا عندما نتبادل أطراف الحديث ..كانت الساعات تمر بسرعة و نحن نتحدث ولا نشعر بالوقت ..


    و هكذا .. مرت ثلاثة أيام و هي في المستشفى لم تخرج بعد ..


    في تلك الليلة الشاتية ، ذهبت إلى المستشفى في موعد الزيارة .. و توجهت إلى نورة فوجدتها قاعدة على سريرها و قد أسندت ظهرها إلى الحائط ، لم تكن مستلقية كما هي العادة .. كان وقت الزيارة على وشك الانتهاء و قد انصرفت خالتي و أخواتي قبل دقائق قليلة من دخولي ..
    رأيت نورة في تلك الليلة على حال مختلفة .. لقد كانت عيونها في تلك الليلة رمادية و وجهها متفتح مشرق .. و بدا لي أنها بخير .. فشعرت براحة و سعادة تسري في صدري ..


    كانت الغرفة هادئة جداً و باردة نوعا ما .. جلست على حافة السرير كما هي العادة و بعدما سألتها عن صحتها و ما هي تطورات حالتها قلت لها : " هاه .. ما تريدين أخلي الدكتور يكتب لك خروج على مسؤوليتي ؟ " فابتسمت بسخرية و قال : " ما هقيت أنه يطيعك .. قالوا له العيال قبلك بس ما طاعهم " .. فقلت لها : " ما عليك منه أنا أطلعك غصبن عن خشمه إذا خاطرك بالطلعة " فأشارت بيدها غير موافقة على هذه الفكرة ..
    في تلك اللحظة كان وقت الزيارة قد انتهى و بدأ الأطباء يخرجون الزوار من غرف المرضى .. فتحركت لأقوم ، و إذا بيدها تمسك بطرف ثوبي و هي تقول : " وش معجلك ؟ أقعد ونسني شوي هالليلة و أنا أمك .. " فجلست و قلت لها " بكرة إن شاء الله تطلعين على خير .. و الأيام معنا إن شاء الله " ثم قبلت رأسها و خرجت من الغرفة و أنا لا أشك في أنها ستخرج خلال يوم أو يومين كما هي العادة ..


    في آخر تلك الليلة الباردة و قبل الفجر أصبح قلب نورة متعبا جدا ، لم يعد قادرا على احتمال متاعب هذه الحياة أكثر .. لقد بات مرهقا جدا بعد هذا العمر الطويل المليء بالتضحيات و الصبر من أجل أولاد سلمى و أولاد عقاب .. كانت نورة تحس بخيوط الحياة تنكمش من حولها .. كانت وحيدة في غرفتها بعدما أمضت سنوات عمرها أما للجميع .. لم يكن هناك أحد حولها في ظلام الغرفة حيث تكشفت أمام عينيها حجب الغيب ، عندما فتحت نافذة من الضوء إلى العالم الآخر حيث ذهب أولادها و زوجها .. رفعت نورة جناحيها و طارت بخفة من تلك النافذة ثم أوصدتها خلفها إلى الأبد .. تاركة جسدها الذي أتعبته الأيام مستلقيا على سرير أبيض بارد ..
    في فجر اليوم التالي أخذت هاتفي المحمول نوبة من الجنون .. أصبح يرن بلا توقف حتى أفزعني من نومي ، كان المتصل خالي الأصغر .. رددت بسرعة عليه ..
    - السلام عليكم ..
    لم يبد صوته على ما يرام .. كان مكتوما بعض الشيء و هادئا أكثر من المعتاد ..
    - و عليكم السلام .. خير إن شاء الله ..
    - جدتك نورة تطلبك السموحة تعال لبيتنا الحين لا تتأخر ..
    أغلق الخط و بدأت أشعر بذلك الألم في حلقي ، كانت غصة الحزن في طريقها للخروج .. و هنا على سريري وضعت رأسي تحت وسادتي و بدأت أبكي كالطفل و أهذي بكلام لا مناسبة له ، لم أستطع القيام من مكاني .. كنت خائفاً .. لقد أصبح الكون فجأة موحشاً و باردا كما كان في طفولتي .. ها قد ماتت أمي مرة أخرى .. أمي نورة .. لقد عادت إلى مخيلتي أيام صباي التعيسة و أحسست بالضياع من جديد ..


    بعد ما يقارب الساعة نهضت من سريري و خيوط النور بدأت تسطع في الأفق .. ذهبت إلى غرفة أختي الصغرى و أيقظتها و قلت لها كلمتين فقط : " جدتي .. ماتت " و خرجت أركض إلى سيارتي ..


    بصعوبة بالغة اهتديت إلى منزل نورة ، فقد أصابتني صدمة من الذهول لم أستطع معها التركيز في أي شيء .. و لما دخلت المنزل وجدت هناك أكثر ما تصدق عليه كلمة " مأتم " .. كانت سطوة الألم ممزوجة بالصمت المطبق ، كانت العيون حمراء .. و الوجوه شاحبة .. كان وداع نورة أكبر مما أستطيع وصفه ..
    و هناك أمسك بيدي خالي و عانقني و عزاني بوفاة والدته .. التي هي جدتي و أمي أيضا و قال لي : " مأجور إن شاء الله .. أصبر و أنا خالك " .. لكني لم أستطع الصبر فأخذت أبكي على كتفه و أنا انتفض .. أكمل حديثه " صلاة الجنازة الظهر إن شاء الله .. و جدتك أوصت أنك تصلي عليها " و هنا كانت لي حكاية مع الحدث الأعظم في حياتي ..


    في الجامع احشد الناس و كنت في الصف الأول خلف الإمام .. فلما صلينا الفريضة التفت الإمام إلي و أشار لي بالتوجه إلى الجهة التي يصلى فيها على الأموات .. فقمت و وقفت أمام مكبر الصوت .. فإذا بهم يأتون و نورة فوق أكتافهم .. وضعوها أمامي مباشرة مسجاة في لفائفها البيضاء .. فلما رأيتهما أخذتني مشاعر الرحمة و الحزن و أخذت أنتحب مرة أخرى ..
    بالكاد خرجت من فمي تكبيرة الإحرام .. " الله أكبر " .. سمعها الناس مرتعشة ضعيفة ..
    ثم توالت التكبيرات الثلاث التالية مصحوبة بالبكاء المسموع .. لقد نسيت نفسي في تلك اللحظات .. بدا لي أن الكون كله يبكي معي .. فلما انتهت الصلاة أدرت ظهري فإذا بأحد الإخوة يعانقي و يهمس في أذني بكلمات التعزية و التسلية .. لكني لم أكن أسمعه ..
    ذهبت خلف الجنازة .. و وقفت على شفير القبر .. و أودعت فيه روحي التي كنت أعيش بها .. ثم رفعت يدي بأصدق دعوة دعوتها في حياتي : " اللهم إن نورة قد ذهبت إليك .. اللهم ارحمها كما كانت ترحمنا و نحن أطفال بلا أم و لا حول و لا قوة .. اللهم عوضها بسنين الشقاء و العذاب التي قضتها في رعايتنا خلودا في جنات النعيم .. اللهم أسبغ عليها لطفك و حنانك و رحمتك .. آمين " .. ثم خرجت من المقبرة و لم أجلس للعزاء في بيت أخوالي .. و إنما جلست أسبوعا في غرفتي لا أكاد أذوق الطعام أو أهنأ بالنوم ..


    مرت أعوام منذ رحيل نورة ثم أصابني ما يصيب بني آدم من العزاء و السلوى .. ثم تزوجت و بدأت عملي و نجحت فيه .. و بدأت جمرة الحزن تهدأ في قلبي .. و ذات يوم زارتني نورة لمرة أخيرة في منامي ..
    رأيتها في المنام في ريعان شبابها مشرقة الوجه ، ثم قالت لي بضع كلمات لم تزل تتردد في قلبي ، لقد قالت لي " لك شهرين ما دعيت ليي و أنا أمك .. ليش نسيتني ؟ " .. فقمت فزعاً من النوم و انتابتني موجة من البكاء لأني كنت بالفعل نسيتها تلك المدة و قصرت في الدعاء لها .. فلما رأتني زوجتي خافت هي الأخرى أن تكون مصيبة حدثت و بادرت بالسؤال .. فقلت لها : " جدتي نورة .. زعلانة عليّ " .. ثم قمت و خرجت ..


    بعد سنتين .. رزقني الله بعد ولدي الأول بابنتي نورة ، و بعد ذلك بأشهر رزقت أختي ببنتها سلمى .. و هكذا عادت تلك الأسماء إلى حياتنا واقعا من جديد ..
    و بعد كل تلك السنين التي مرت على رحيلهما لم تزل ذكراهما زهرة ندية في صدري تمتد جذورها إلى الروح التي تشتاق إلى ذلك اليوم الذي يجتمع فيه الشمل من جديد .. في مكان لا يسكنه الحزن ..




    أ . هـ
    حمدان

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    حتى بعد وفاتهم .. تبقى حياتهم ممتدة فينا ..

    رائع..

    شكراً لك.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المكان
    ضاحية العزلة
    الردود
    1,106
    ـ

    " نورة "ما أجملها من جدة .

    تذكرت لوهلة شخصية اورسولا لرائعة جابرييل غارسيا مائة عام من العزلة .
    لقد أبدعت وقرأتها بنفس قرائي واحد , لم أمِل حتى أخر نقطة .

    .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة wroood عرض المشاركة
    حتى بعد وفاتهم .. تبقى حياتهم ممتدة فينا ..

    رائع..

    شكراً لك.
    إنهم يتركون لنا بعضهم .. كي نستطيع العيش ..
    أهلا بك ورود .. سعيد بك ,,

    دعواتي ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة بافاريا همنغواي عرض المشاركة
    ـ

    " نورة "ما أجملها من جدة .

    تذكرت لوهلة شخصية اورسولا لرائعة جابرييل غارسيا مائة عام من العزلة .
    لقد أبدعت وقرأتها بنفس قرائي واحد , لم أمِل حتى أخر نقطة .

    .
    أهلا بك با فاريا ..
    أنا سعيد لأنك وجدت شيئا من الجمال هنا ..
    هذا يعني لي الكثير .. لك شكري .. و .. صادق دعائي ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    جميلة هي نورة وتلك التفاصيل التي خلفتها في داخلك
    فليرحمها الله وليحفظ لك نوارتك الصغيرة

    شكراً لك أخي الفاضل .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المكان
    المنفى
    الردود
    93

    ليتكَ تعلم أي حزن بعثته ، وأي أشجان أثرتها ..

    كتابه باحساس صادق بكُل كلمة ، لاول مره أجد نص بكل حرف يكتب أحساساً ، يرينا وجوه .. ويخلق أشياءْ بالنفس لا تُنسى ..

    لكَ كُل الاحترام والتقدير والاعجاب بهذا القلم المرهف ..

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة بلا ذاكره عرض المشاركة
    جميلة هي نورة وتلك التفاصيل التي خلفتها في داخلك
    فليرحمها الله وليحفظ لك نوارتك الصغيرة

    شكراً لك أخي الفاضل .
    أهلا بك ( بلا ذاكرة ) ..
    سعيد بك و على دعائك : آمين ..
    و لك أعطر التحايا ..

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة أنثى اليمامة عرض المشاركة

    ليتكَ تعلم أي حزن بعثته ، وأي أشجان أثرتها ..

    كتابه باحساس صادق بكُل كلمة ، لاول مره أجد نص بكل حرف يكتب أحساساً ، يرينا وجوه .. ويخلق أشياءْ بالنفس لا تُنسى ..

    لكَ كُل الاحترام والتقدير والاعجاب بهذا القلم المرهف ..
    أهلا بك أنثى اليمامة ..
    سعيد بك .. و حسبي أن قلت في مطلع الحديث
    بأن الحكاية ليست مشاركة في الأحزان .. لكن الكثير من الأصجقاء أبو إلا أن يأخذوا نصيبهم ..
    يقال بأن الحزن يعدي .. و الله أعلم ..
    لك أعطر التحايا و أصدق الدعوات ..


    .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    راحله ونظري الى جنات الخلد..تعسا للدنيا
    الردود
    53
    شكرا .....بكيت هنااااااااااااااا كثيرا
    تذكرت عمتي رحمها الله ...رائحة البنج والعناية الفائقة ليست بمستغربة علي
    فقد عشت انا ايضا بين الاجهزة في غربة مخيفة .............لكنني نجوت او بمعنى اصح لم يحن وقت وداااعي الى الان...............ربي رحمااااااااااااااااااااااك

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حورية المسك عرض المشاركة
    شكرا .....بكيت هنااااااااااااااا كثيرا
    تذكرت عمتي رحمها الله ...رائحة البنج والعناية الفائقة ليست بمستغربة علي
    فقد عشت انا ايضا بين الاجهزة في غربة مخيفة .............لكنني نجوت او بمعنى اصح لم يحن وقت وداااعي الى الان...............ربي رحمااااااااااااااااااااااك
    أهلا بك حورية ..
    البكاء مفيد للقلب .. للروح ..
    ليتني أستطيع البكاء مثلك ..
    ثم : حمدا لله أن سلمك وعافاك ..


    دعواتي ..

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    وطن بائس,
    الردود
    862
    رحلة طيبة وممتعة وجميلة وطويلة تلك التي قضيتها بين مواضيعك وصفحات مدوّنتك أخي حمدان..
    ويعلم الله أنها كانت نافعة على شكل مبهج..
    أتمنى أنك حقاً تدرك وجه الجمال في كتاباتك ووجه النفع في تكرار مثلها على أسماعنا مراراً وخصوصاً تلك التي تكسوها مسحة إسلاميّة جميلة وتنبع من خصوصيتنا المجتمعية ..


    أحب أن أقول لك شكراً جزيلاً على هذه "الأوراق القصّصية", وإن سمحتَ لي أن أتطفّل وأقول لك أن فيها أمرين جميلين جداً بنظري:
    أولاً.. أنك استخدمت عامل الزمن لصالحك بشكل ملاحظ.. مثل قولك الذي أوردته ببساطة بعد رحيل البطلة التي تمحورت حولها القصة وسكنت روح البطل!!:
    مرت أعوام منذ رحيل نورة ثم أصابني ما يصيب بني آدم من العزاء و السلوى

    وهذا أمر يختصر طبيعة حياتنا.. ويذكر القارئ بفضل الصبر وأثر الزمن في شفاء الجروج حيث أن الحياة الدنيا لا تستحق أصلاً التحسّر الطويل على ما فات منها.. الجميل هنا أنك تجابه الأدب المستورد والعربي المقلّد للثقافات المستوردة.. حين يتفضّل الكاتب بكتابة فصلٍ في روايته -20- صفحة أو يزيد.. يمسك فيها الكاتب بخواطر البطل المكتئب ويسهب في توصيفها وتفصيلها, ويجتر مأساته في ليلةٍ واحدة وهو يتقلّب في اليأس والقنوط واسوداد الروح ومفردات "ثقافة الانتحار".. حتى ينتهي الكاتب أخيراً وقد اطمأنّ قلبه لأنه قد بذل مجهوداً واسعاً في إزعاج البشريّة.. وقد ضمن أنه لن ينتحر البطل وحسب.. بل سيقدم القراء جميعهم على الانتحار قانعين!!

    وثانياً: أنك رغم أنك سخِرت من جنس النساء مازحاً في مدونتك مراتٍ عدة.. ولكنك والشهادة لله أنزلتَ المرأة منزلة طيّبة جداً في كتاباتك..
    تقول:
    كانت تفرح و تبتسم لها الحياة عندما تشاهدني داخلا عليها شابا معتدل القوام ، متعلما .. لا أدخن .. و لا أعبث .. و فوق ذلك كلها أحبها حبا شديداً كما كنت أفعل يوم كنت صبيا صغيراً بلا أم .. و أكثر ..

    قيمة التربية فقدت قيمتها في نظر الناس والمجتمع وقبل ذلك في معتقدات الأمّ.. مع أنه من غير المعقول أن تفني أمّ ما حياتها في تربية أبنائها ومن ثم ترحل عن هذه الدنيا وهي تعتقد أنها "لم تنجز" شيئاً يُذكَر.. ومع فقدان القيمة يفقد الإتقان والاهتمام ويفقد الشيء كله تدريجياً..


    المهم..
    يعلم الله أن هنالك الكثير ليقال.. ولكن من الأفضل أن يكون المخلوق ضيف خفيف الظلّ

    كان الله معك يا "أحد الــــــ....." وهداك الله لما يحبّ !

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    .


    النص الذي يعلق في رأسك لأيام لا تعد , نص يجب احترامه ..
    حمدان للحق نص رائع لأنه صادق بطريقة مؤلمة .
    وأشياء لم أذكرها وهي تستحق أن تذكر , فإن يرد الله لي عودة في وقت أوسع عدت , غير أني ما أحببت تجاوز نصك دون امتنان وإن قل .
    شكرا لأنك تشاركنا نفسك .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    يد الله
    الردود
    3,225
    ياإلهي
    كم أن هذه الحكاية جميلة ومؤثرة
    كان أهم شيء تعلمته أن لا ادع الحياة تسحقني و أن أتولى شؤوني بنفسي و لا أنتظر شيئا من الآخرين
    ماأعظم نورة .
    أشكرك حقا ، لجمال القصة وحساسيتها التي تلمس المشاعر بصدق
    و لتسلسلها الذي لا يتطرق إليه الملل
    ولاعادتها شهية القراءة التي فارقتني منذ زمن .

  17. #17
    ::

    يا صباح الروائع

    ::
    ___________________________________________

    من كانَ غريبًا لمرةٍ واحدة في وطنه.. سيظل غريبًا إلى الأبد.!
    صراحة:



  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    4,712
    هذا المندس ماذا عليه أن يقترف أكثر حتى تصلبوه في جذوع المشهد ؟!
    لا بد من صلبه
    وإن اقتضى الأمر تقطيع يديه ورجليه من خلاف فلا بأس ليكون عبرة للذين يكتبون أشياء جميلة

    جميل ، وأكثر يا حامد
    فشكرا لك
    بــــــــح

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شغف المعاندة! عرض المشاركة
    رحلة طيبة وممتعة وجميلة وطويلة تلك التي قضيتها بين مواضيعك وصفحات مدوّنتك أخي حمدان..
    ويعلم الله أنها كانت نافعة على شكل مبهج..
    أتمنى أنك حقاً تدرك وجه الجمال في كتاباتك ووجه النفع في تكرار مثلها على أسماعنا مراراً وخصوصاً تلك التي تكسوها مسحة إسلاميّة جميلة وتنبع من خصوصيتنا المجتمعية ..


    أحب أن أقول لك شكراً جزيلاً على هذه "الأوراق القصّصية", وإن سمحتَ لي أن أتطفّل وأقول لك أن فيها أمرين جميلين جداً بنظري:
    أولاً.. أنك استخدمت عامل الزمن لصالحك بشكل ملاحظ.. مثل قولك الذي أوردته ببساطة بعد رحيل البطلة التي تمحورت حولها القصة وسكنت روح البطل!!:

    وهذا أمر يختصر طبيعة حياتنا.. ويذكر القارئ بفضل الصبر وأثر الزمن في شفاء الجروج حيث أن الحياة الدنيا لا تستحق أصلاً التحسّر الطويل على ما فات منها.. الجميل هنا أنك تجابه الأدب المستورد والعربي المقلّد للثقافات المستوردة.. حين يتفضّل الكاتب بكتابة فصلٍ في روايته -20- صفحة أو يزيد.. يمسك فيها الكاتب بخواطر البطل المكتئب ويسهب في توصيفها وتفصيلها, ويجتر مأساته في ليلةٍ واحدة وهو يتقلّب في اليأس والقنوط واسوداد الروح ومفردات "ثقافة الانتحار".. حتى ينتهي الكاتب أخيراً وقد اطمأنّ قلبه لأنه قد بذل مجهوداً واسعاً في إزعاج البشريّة.. وقد ضمن أنه لن ينتحر البطل وحسب.. بل سيقدم القراء جميعهم على الانتحار قانعين!!

    وثانياً: أنك رغم أنك سخِرت من جنس النساء مازحاً في مدونتك مراتٍ عدة.. ولكنك والشهادة لله أنزلتَ المرأة منزلة طيّبة جداً في كتاباتك..
    تقول:

    قيمة التربية فقدت قيمتها في نظر الناس والمجتمع وقبل ذلك في معتقدات الأمّ.. مع أنه من غير المعقول أن تفني أمّ ما حياتها في تربية أبنائها ومن ثم ترحل عن هذه الدنيا وهي تعتقد أنها "لم تنجز" شيئاً يُذكَر.. ومع فقدان القيمة يفقد الإتقان والاهتمام ويفقد الشيء كله تدريجياً..


    المهم..
    يعلم الله أن هنالك الكثير ليقال.. ولكن من الأفضل أن يكون المخلوق ضيف خفيف الظلّ

    كان الله معك يا "أحد الــــــ....." وهداك الله لما يحبّ !


    أهلا بك شغف .. لا مطمع للإنسان في أكثر مما تفضلت به أعلاه ..
    صدقيني .. إني قد تمعنت جيدا كل سطر .. كل كلمة .. لقد كان انطباعك أكثر مما أمّلته
    و ههذا يعجلني ممتنا لك ..
    غير أنه : تبقى النساء - حمانا الله - هن العدو الإستراتيجي الذي يعيق حكمنا للعالم

    لك دعواتي ..

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    صفوف الأعداء
    الردود
    438
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة غدير الحربي عرض المشاركة
    .


    النص الذي يعلق في رأسك لأيام لا تعد , نص يجب احترامه ..
    حمدان للحق نص رائع لأنه صادق بطريقة مؤلمة .
    وأشياء لم أذكرها وهي تستحق أن تذكر , فإن يرد الله لي عودة في وقت أوسع عدت , غير أني ما أحببت تجاوز نصك دون امتنان وإن قل .
    شكرا لأنك تشاركنا نفسك .
    أهلا بك غدير ..
    عندما تكون الحكاية أكثر من نص يكون التلقي أكثر من سماع ..
    أنا سعيد لأن ثمة ما تسلسلل إلى رأسك .. هذا بحد ذاته نصر في المعركة الأزلية
    بين الكاتب و القارئ ..
    العفو .. و لك التحايا ..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •