Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 12 من 12
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المكان
    الأردن
    الردود
    106

    العصافير لا تركب الطائرات


    العصافير لا تركب الطائرات


    ما بين البسمة العابرة في مدينتي الرمثا والخبز المقيم في الرياض ألف وستمائة كيلو متر مني ، ما بين البسمة والخبز أحدثوا هوة سحيقة فنُصبنا جسورا فوقها تمر عليها قوافل أيامنا لا تحمل معنى أكثر من رغيف خبز ، يا لوجع الجسور حين يلعنها الخبز ! يا لوجع الجسور

    أنفقت كثيرا من أيام عمري كي لا يجف هذا الطريق ، أرويه أحيانا زحفا على أطراف قلبي ستة مرات في العام وأحيانا تزيد وأخرى تنقص فتنقصني ، أحيانا أسلم نفسي للسجن في حافلة تشبه تابوت مستطيل ، وأحيانا اقل احلق فيه بسيارتي ، ولكنني أبدا لم أداعب شعر الطريق بهواء طائرة ، منعتني عدة أسباب من اختصار هذا الطريق ولكن من المؤكد أنها ليست أسباب مادية جمعية فقيمة تذكرة الطائرة لا تزيد أبدا عن قيمة تذكرة الحافلة إذا أضفنا قيمة ما تنفقه وأنت تقطع الوقت ليقطعك الطريق ، ففي الحافلة لا بد من وجبتين من الطعام وكثير من المشتريات لا داعي لها سوى أن تحاول أن تستعجل جحافل الساعات الزاحفة نحوك ببطء حين تغمض عنها نصف عين لعلها تلسع وتمضي من غير أن تحس بلدغاتها !

    مجلات ملونة وجرائد سخيفة كضيف ثقيل تتمنى أن يرحل سريعا فتنظر من غير شعور منك إلى الساعة لتكتشف ان هذه المجلات جزء من عصابة قاطعي الطريق أو تشتري مكسرات تتحدى فيها أسنانك كي لا تتحدى الوقت فيكسرك ، وفي كل الحالات أنت مهمش مهشم ! وتتذكر دوما انك لم تحضر معك وسادة لنوم لن يأتي فتفرح بشعور انتظار الأستراحة القادمة فهو أهون من إنتظار نهاية الطريق الدائرية
    وبعد ساعات وساعات ينتهي وجع الانتظار وتشتري وسادة وأخرى صغيرة لتضعها في الفراغ ما بين ظهرك والمقعد ، تلك الفجوة التي تؤلمك أكثر من أي شيء آخر وحين تسمع صوت طائرة يسخر منك كما يسخر الأرنب من سلحفاة عجوز تحاول ان تعلل نفسك أنهم كانوا يقطعون أكباد الإبل أربعين يوما كاملة ليصلوا ما ستصل إليه في شمس ونصف على أقل تقدير وأحيانا تكتمل الشمس الثانية بالغياب ، ولكن تبقى فكرة أنهم يصلون ما ستصله في ساعتين مؤلمة وموجعة أكثر من الألم في أطراف أصابع أقدامك ويكاد يدفعك مجموع الألم في مجموع أشلاء جسمك إلى القسم أنك في المرة القادمة ستشتري طائرة خاصة !

    حاولت أكثر من مرة ان أنتظم في أسراب الطائرات ولم افلح ، ربما السبب في ذلك إنني لم اعرض نفسي للبيع لأصبح مسمارا في أحدى مكائن الشركات العملاقة في الرياض فتدخل كل أحلامي وشهواتي ، أشواقي واحتياجاتي في جدول أعمالهم فينظمها لي مدير أحمق يقرر عني متى يكون من حق أمي أن تراني ، مرة في السنة الشديدة المحل من سنابل العواطف ، سنة ثرية بأزهار البلاستك في شهر محدد الحضور ويوما يقيد فيه الغياب عن القهر تحت مسمى إجازة ، قلت لهم عدة مرات أنا لست للبيع حتى تنتظم العصافير في طوابير رواتبكم ورزقي لا يحدده إنسان غبي ، أريد أن أبقى كما أنا صياد مرن يحتاج إلى كل جوارحه لمطاردة رزقه ولا أريد ان أصبح خلف مقعد يحولني إلى موظف هزيل حجم كرشه أكبر من عقله ويوما بعد يوم تضمر كل حواسه وتتضخم أطراف أنامله ، أن الأشياء تموت إن لم نستعملها
    افتح بابي كل صباح واردد كلمات أبي : يا الله يا رزاق يا كريم ، لا أخاف من وظائفكم شيئا أكثر من هذا ، أخاف أن أخسر هذه الكلمات حين اعلم أن رزقي محدد بمجموع الراتب فأتوسل إلى المدير أكثر مما أتوسل إلى الله وأخافه أكثر ، مسكين من قال أننا تحررنا ، الوظيفة عبودية القرن العشرين ، أنا لست للبيع

    لكل شيء ثمن وثمن حرية العصافير أن لا تركب الطائرات لأنها لا تملك جدول أعمال سنوي تضبطه مع مواعيد رحلات الطائرات ، ولأن المطارات تملكها شركة عملاقة أخرى وتمشي ضمن جدول محدد لا بد أن تكون مسمارا ضمن شركة حددت أوقات إجازاتك للعشرين سنة القادمة مما يمنحك حق حجز تذكرة قبل سفرك بشهور والتمتع طوال تلك الشهور بسموم الانتظار والتوسل إلى أوراق التقويم الجاثمة على صدر مكتبك أن تخف عن صدرك ، ورقة ورقة ، مسكين يا أنت بكم اشتروك ؟ لا تكثر من الحزن فبطريقة أو بأخرى كلنا عبيد للحواسيب العملاقة ، يا من علموك الجمع والطرح ولقنوك أن كل النمل لا يُعادل حبة قمح ، لا تكثر من الحزن ، لن ينفذ فهو يباع بأبخس الأثمان على الأرصفة

    إن كان سفري في الحافلة يُسفرُ عن تغيبب يومين مني فالمسافر في الطائرة قد يطول سفره شهور في قاعات الحجز والانتظار ، العصافير تفقد أجنحتها حين تعتاد السفر بالطائرات ، أريد جناحي الصغير حرا لأسلمه للريح متى ما أشاء ، أنا صاحب هذه المشيئة ولن أبددها على مدرجات المطارات
    الطريق يشبه الطريق ، نفس المشهد لا يختلف فتضيف للطريق بعض الزينة من الامنيات ليت الطائرات مثل سيارات الأجرة تشير لها على قارعة الطريق !

    أجازتي يكتبها طفلي الصغير ذو الأربعة أعوام حين يغني لي بلهجته الحزينة : قلب وين وين غايب علي يومين ، لا تغيب أكثر حبيبي .. فأحمل ما جمعته من العابهم وامضي ، يبدو أن أحلام أطفالي أكثر بكثير من عشرين كيلو تحددها الطائرات لركابها ، أكره أن توزن أحلام الأطفال ، لا تزنها يا سيدي فترهقني إن أحلام أطفالي ثقيلة ، ياه ما أثقل أحلام الأطفال ! ، أثقلت كاهلي وكواهل الطائرات
    ما أثقل الأحلام ! نعم إنها تزيد عن المئة كيلو هذه المرة لا تلمني فهم ينظرون إلي بنصف عين وينظرون إلى ما احمله بعين ونصف ولعلي بهذه الهدايا أعوضهم عن غيابي وأقدم لهم رشوة مغرية ليسمحوا لي بالعودة مرة أخرى إلى حبيبتي الرياض فهم وحدهم من يوقع أذون المغادرة والانصراف لي ولا أحد سواهم ، لا يمكن للإنسان أن يبيع نفسه مرتين لشركاء متشاكسون فكيف امنح الشركة الضخمة شيئا أعطيته لأطفالي ولم اعد املك مني شيئا لأبيعه ، لست أدري من أنا وماذا تبقى لي سوى هذه الفسحة الضيقة من مقعد صلب في حافلة لا املك فيه قرار التوقف حتى إن اضطررت لقضاء حاجة يجب أن أتصبر خمسة ساعات أخرى وأمنع نفسي من الماء حتى يجف ريقي كي لا يزداد البلاء .. في المقعد الحجري من الباص أسافر ولكنني لا أدري فعلا إلى أين ، طال صبري ولا أدري إلى أين كل هذا العطش

    قلب وين وين غايب علي يومين ، لا تغيب أكثر حبيبي
    أمرك سيدي ولكن الطائرات لا تفهم هذا الرحيل الاضطراري وتفهمه الباصات جيدا وتفهم حاجتي إلى كل هذه الهدايا ، الباص يفهمني ولكنني لا افهمه ولا يفهمني ركابه الذين يحضرون معهم مائهم وفطائرهم كي لا يضطروا إلى إنفاق قرش لا داعي له حسب تعبيرهم ، قال لي أحدهم وهو يراني ابذر كل هذا المال في الطريق الطويل : من الأوفر لك أن تركب الطائرة فقلت له الأمر ليس توفيرا وإنما هو: قلب وين وين غايب علي يومين ، لا تغيب أكثر حبيبي
    من المؤكد انه لم يفهمني وإلا ما كان ضحك بجنون ولا أدري ما أصاب عيني فغرقت بماء مالح يسألني : متى سترحل إليك ؟
    حبيبتي مثلي لئيمة ولا تفكر بنفسها ولا بي
    "أوقفوا العالم أريد أن أنزل ! "

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    يد الله
    الردود
    3,225
    ماأبشع الحياة .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    معكم
    الردود
    54
    كنت معك في المقعد الذي خلفك تماماً .. اسمعك تأن من ألآم الظهر بأسباب هذا الكرسي القاسي !
    كنت طائراً حراً على متن حافلة على مدى يومين/ ساعتين ..
    معك , أنتظر محطات الوقوف .. واشتم-سراً- من أحضر الفطائر والحاجيات معه
    ولم يبذر امواله على بسكويت متاجر الطرقات السريعة المنتهي الصلاحية !
    وحتى اني شتمت الطائرات !؟



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    بيت أهلي
    الردود
    2,294
    بديع !

    كنت سأكتفي بكلمة بديع ولكن الساخر امرني أن اكتب الكثير لأن انص قصير جدا وعلى الناس أن يسمعونني .
    لذلك سأطنشه .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المكان
    مغترب
    الردود
    324
    البداية أدخلتني إلى أجواء القصة مباشرة ً ، وجعلتني أرى المسافة والجسور التي صنعتها كلماتك ، لكن التكرار هنا في " يا ولع الجسور " لم أحبذه .

    تكتب بصدق ٍ جلي ، والسرد بضمير المتكلم يحث القارىء على التعاطف مع الكاتب ، وبرأيي بأن اختيارك لهذا الضمير كان موفقاً .

    الدخول في تفاصيل الأوزان والمقارنة هنا يُمكن اسقاطه من النص دون إحداث خلل في بنية الحبكة السردية التي اعتمدتها وأتقنتها ..

    قصة تحكي معنى الغربة ، واخترت رحلة الباص لتعبر عنها ، وعن معاناة التواجد في مكانين ، القلب ومن يهواه في بلدٍ والجسد ينحُلُ في بلد ٍ أخرى ..

    قد خُضت هذه التجربة وهي لعمري مريرة ولكن ..
    بين عمان وجدة ..

    شكراً لك ..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    قد أتعبتني بشدة يا رمثاوي
    دقات قلبي زادت إلى النصف
    وخفت أن تفشي أسرارا أكثر.


    نص مذهل ومعتق بِقَدَر.
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المكان
    الأردن
    الردود
    106
    * صفاء الحياة .. شكرا لمرورك
    * نصيبك يصبيك .. لا تشتم الطائرات يا رفيقي فهي تشتمنا وحتى البسكويت ينهي صلاحيته تعاليا عنا وتدانيا لعصفور.. شكرا لك فقد كنت رفيق سفر جميل
    *رندا المكوية وأنا كنت سأكتفي بـ شكرا ، أحيانا تكون بعض القيود جميلة ، من لا قيد له عبد ولا بد ان يسمعنا بعض الناس .. شكرا لمرورك يا رائعة

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    بلاد الله ..الأردن
    الردود
    1,806
    التدوينات
    1
    ما بين البسمة العابرة في مدينتي الرمثا والخبز المقيم في الرياض ألف وستمائة كيلو متر مني
    كان ذكر ما هو ملونٌ بالأحمر كفيل بالاستحواذ علي ..: )

    قلم قوي اللغة
    جميل متمكن منساب السرد

    سعدتُ بقراءتك .. شكرا لك

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    الردود
    4
    نص مذهل ،،

    (ياه ما أثقل أحلام الأطفال ! )

    عبارتك هذه أثارت شجوني ،،

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المكان
    في صالون من أهوى
    الردود
    3,628
    يا الله!
    كدت أكتفي بنصك هذا اليوم !
    وإنه ليستحق
    شكرا لك

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المكان
    .
    الردود
    24
    والعالمُ من أمامي عابرٌ
    الروحُ في مصيدتِها
    بلوحِ زجاجٍ
    أبدَلْتُ حياتي
    والشمسَ التي لم تدُم طويلاً ..

    كلَّ ليلةٍ،
    لا أحملُ
    إلاَّ عينيَّ
    لأرى،
    لأتلمَّسَ في الظلامِ كائناتِهِ
    أشعلُ قلبي
    مصباحًا كفيفًا *


    شكراً أستاذ شاكر. نصّ جميل جداً .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    الى الروائع..
    تحية لك.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •