الإمام الغائب

منذ غاب "عاشور الناجي" في الحرافيش غيبته الكبرى، وتولى الفتونة بعده ابنه "شمس الدين" ثم سليمان بن شمس الدين، ولم أستطيع أن أمنع نفسي من استحضار ذكرى الإمام الغائب عند الشيعة وانتظارهم إياه ليبسط العدل، أو انتظار المهدي الذي سيملأ الدنيا عدلا كما ملئت ظلما عند السنة، وإن كان المهدي المنتظر عند أهل السنة لا يشهد انتظاره احتفاء واحتفالا كبيرين، كما هما لولي العصر وإمام الزمان عند الشيعة، لكنها على أي حال جزء أصيل في تكوين الثقافة الشعبية الإسلامية أيا كانت مدرستها.

زاد هذا الارتباط قوة اختيارُ نجيب محفوظ للمكان حارةً في "الحسين"، ثم أبياتا من ديوان حافظ جعلها أناشيد التكية، ووزعها على امتداد الملحمة الطويلة التي استغرقت عشر حكايات هي ما يقترب من عشرة أجيال كاملة.

عشرة أجيال !!

لا يصح العدد لو صح التوقع !!

ينبغي أن تكون الأجيال اثنا عشر جيلا .. هذا ما كنت سأفعله لو كتبت أنا الحرافيش ..

عدت أعدّ الأجيال التي مرت على سلالة عاشور، فكانت سبعة توقفت عند شمس الدين بن عزيز الذي توفي في الشهر الثامن من العمر، ثم تمت الأجيال الاثني عشر من ذرية زهيرة وزينات ونور الصباح حتى وصلت لعاشور الناجي الذي حمل الاسم والمعنى وجمع الحرافيش وفُتِح لهم باب التكية وخرج لهم منه نور وتوت وأناشيد.

الرقمين سبعة واثني عشر هم الأئمة عند الإسماعيليين الذين حكموا مصر من الشيعة، وعند الاثني عشرية الباقية إلى اليوم في إيران، وهما أكبر فرقتين شيعيتين وبينهما اختلاف يصل إلى العداوة أحيانا.

ما يهمني من هذه الفكرة دون الاستغراق في التأويل أمرين، الأول أن "نجيب محفوظ" بنى روايته على فكرة من خواص الثقافة الإسلامية الشعبية، وانتصر لها أيضا حين جعل العدل متحقق على يد عاشور الناجي الأخير، والثاني أنها جعلت زمان الرواية يتعدى القرون الثلاثة التي استغرقتها أحداثها، إلى قرون أبعد من ذلك بكثير.

وإذا كانت الملحمة قد اجتهدت في تجريد رحلة طويلة لفكرة ومعنى في عقل جماعة محدودة "متغيرة" هم أهل الحارة، فإنها بهذه الرمزية قد وسعت هذه الجماعة في الزمن "وخصصتها" في الحدود، ثم هي مع هذا التجريد تضع الإيمان مكونا راسخا في عقل هذه الجماعة، به تعرف الخير والشر وتقيس الأمور، حين تعتمد الوحي والإلهام والرؤيا (التي اختص بها الصالحون من آل الناجي) دليلا ومرشدا، وتعتمد أناشيد التكية ( التي هي أجزاء من ديوان حافظ شيرازي في العشق الإلهي) قبلة ومنارة تؤنس الساري من هذه السلالة.

بطريقة أخرى أقول إن بطل "الحرافيش" الذي سرنا نرصد تغيره وحركته مع الزمن لم يكن سوى "عقل الجماعة المؤمنة" ومعاني الأشياء فيه، وما يتأثر به هذا العقل من تفاصيل حياة الأشخاص الذين يملؤون فراغ الزمن بأعمارهم، وآمالهم، ورغباتهم.

* * *


كم مرة فنيت الحارة وتغير الناس فيها، كم جيل مر حتى خرج عاشور الأخير .. كم مرة فكر الناس فيما يفقدونه من أمان وعدل .. كم مرة ترحم الناس على عهد عاشور الناجي .. كم وكم .. الجواب كثير، بعدد الأجيال في الرواية على الحقيقة والرمز..

ثم ألم يكن بمقدور الناس اختصار هذا الزمن؟ ..

لعل هناك جوابا سهلا وجاهزا: "لو أنهم ثاروا مبكرين .. أو لو أنهم فعلوا وفعلوا" .. وأي جواب سهل وجاهز هو جواب ناقص بالضرورة .. لأن مثل هذا الجواب يسقط أهمية الزمن الذي هو أداة فاعلة في معادلات الحياة كلها.

الإنسان له عمر مقسوم بين حياته وحياة جماعته التي تحتويه، سواء تعمّد ذلك أو غفل عنه، رضي أو لم يرض فهو في النهاية موزع بين هذين، وبقدر ما يُفْرِغ من حياته "الصالحة" في عمر جماعته، يكون صلاح هذه الجماعة وفسادها.

عقل الجماعة في الرواية ليس هي عقل "العامة والحرافيش" وحدهم، ولا هو عقل "الفتوات" وحدهم، ولا "الخواص" أو "النبلاء" بل هي مجموع هؤلاء جميعا.

والقيمة التي تحركت إليها هذه الرحلة لم تكن الانتصار للعامة على الخاصة ولا للحرافيش على السادة، بل كانت الانتصار للعدل على كل هؤلاء: "إني أحب العدل أكثر مما أحب الحرافيش وأكثر مما أكره الأعيان".
ثم "عقل هذه الجماعة" ليس سوى نتاج تتابع الأجيال بعضها فوق بعض. فالأجيال التي اكتوت بالظلم في الملحمة كثيرة، وكل جيل لم يخل من محاولة أو محاولات لاستعادة العدل المفقود بصورة ما، لكنها كانت تبوء بالفشل لأسباب كثيرة .. تتراكم الأسباب، سبباً تلو سبب، وتتراكم التجارب، تجربةً تلو تجربة .. وترحل تلك الأجيال التي جربت والتي تربت والتي نقلت - بطبيعة الحال في عالم الأحياء - علامات الحياة التي دُمغت بها إلى جيل جديد فتِيّ مفكر، فهم الرسالة وأحسن قراءة سيرة "آل الناجي" كاملة .. فلم يخطئ أخطاءهم .. حتى تم على يديه ما لم يتم على يدي جده الأول وانفتح لهم باب التكية لتختم الرواية بعبارتها البديعة: " لا تحزن .. فقد ينفتح الباب يوماً للذين يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة."

* * *


حين نعرف معنى الأبيات التي اختارها محفوظ ليبدأ بها أناشيده نضع أيدينا على أولى خطوط التجريد التي رسمها لنـا .. تقول الأبيات:

اي فروغ ماه حسن از روي رخشان شما
ابـروي خـوبي از چـاه رنخـسـدان شما

وترجمتها: يا ضوء القمر الجميل من نورك كانت سمعة البئر الطيبة ..

یتبــع