Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1

    نقد وجهة نظر الغائب في القصص التي تجعل رسول الله شخصية أدبية

    نقد وجهة نظر الغائب في القصص التي تجعل رسول الله شخصية أدبية (الجزء الأول)

    (1)
    هل يصبح الأديب باحثا؟
    نعم.
    متى؟
    عندما يرغب في كتابة قصة تاريخية.
    كيف؟
    يقضي زمنا في الإعداد لعمله الروائي بجمع المادة التي سيصنع منها عمله الأدبي من مظانها المعلومة لأهل العلم.
    كيف؟
    إذا كان عمله الأدبي سيتناول قائدا عسكريا جمع الكتب التي ألفتها هذه الشخصية إن وجدت، أو المذكرات التي تركتها إن وجدت، ثم يبدأ رحلة استطلاع واسعة يحاور فيها من اتصل بهذه الشخصية، ثم يحاور المتخصصين؛ لأنه سيستخدم مصطلحات فنية متخصصة، و...إلخ.
    وتضاف إلى هذه المصادر الشخصية نفسها إذا كانت حية، فيحاورها.
    ويظل هكذا حتى يشعر أن مادته قد اكتملت.
    لماذا؟
    حتى تضيق المساحات المتروكة في عمله، فتقل المواقف الأدبية التي يخترعها ليكمل بها تلك المساحات المتروكة في المادة.
    (2)
    وكلما سمت الشخصية وارتقت زاد خطر عمله وزاد جهده البحثي الإعدادي قبل بدء عمله الأدبي الذي يرتب فيه الأحداث ويرسم الشخصيات ويحكم البناء الفني ويحدد حبكته و... إلخ.
    لماذا؟
    هل يطالب الأديب أن يكتب تاريخا؟ أم هل يطالب بإنتاج الأدب؟
    أرى أن الأدب لا يصادم التاريخ.
    كيف؟
    إن الأديب يلجأ إلى التاريخ لأسباب عديدة؛ منها أنه أحب تلك الشخصية، ومنها استخدام تلك الشخصية رمزا لشيء معاصر له فيسقطه عليه، ومنها ... إلخ.
    وهو في كل ذلك ينتظم عمله من مادة علميه تحتوي معلومات وبنية أدبية تعيد تشكيل هذه المادة العلمية، وليس من حقه أن يدخل عنصرا زائدا في المعلومات وإن كان هناك أدباء ونقاد يرون أن الأديب حر في اختراع ما يراه خادما لرؤيته الأدبية.
    (3)
    السابق في القصص التاريخي الذي يتناول الشخصيات التاريخية غير المقدسة، فماذا لو حاول أديب أن يتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وماذا لو حاول أديب أن يتحدث عن أمهات المؤمنين؟ وماذا لو صنع عملا جمع فيه بين الرسول صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة رضي الله عنها؟
    في عمل كهذا ماذا يجب على الأديب في إعداده؟ وماذا يجب عليه إذا بدأ في البناء الفني؟
    إذا كان أديبا ملتزما بالإسلام مستحضرا حرمة النبي صلى الله عليه وسلم سيكون الأمر مختلفا عما إذا كان الأديب غير ذلك؟
    كيف؟
    إذا كان ملتزما فستطول مرحلة الإعداد على النحو الآتي:
    1-يجمع الآيات القرآنية والأحاديث والآثار التي ستمثل مادة عمله من كل المظان من كتب الأحاديث والتفاسير والسيرة و... إلخ.
    2-يختار الأحاديث الصحيحة والحسنة إذا كان قادرا، وإلا لزمته الاستشارة العلمية الدائمة حتى ينتهي عمله من متخصص في علم الحديث أو أكثر من متخصص.
    3-يقرأ تفسير الآيات التي جمعها في أكثر من تفسير، ويقرأ شروح الأحاديث التي اختارها في أكثر من شرح.
    لماذا؟
    حتى يتشبع بالروح الإسلامية التي تجعله يتمثل ما يجب تمثله، حتى إذا اضطر إلى أن يصف أو يجري حوارا لم يبتعد عما يجب.
    4-بعد أن يطمئن إلى صحة مادته التي سيبني منها عمله، وبعد أن يطمئن إلى أن ما يجول بذهنه الأدبي أصبح ملائما- يبدأ بناء العمل الأدبي.
    5-يبدأ عمله الأدبي مراعيا عدم اختراع حوادث لم ترد، ومراعيا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الشخصية الرئيسة وإن غابت عن بعض الأحداث، ومراعيا ألا يجري حوارا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد وإنما يجريه للضرورة الأدبية فقط، و... إلخ.
    6-بعد أن يكتمل عمله الأدبي يراجعه مرة ومرة حتى يقيم بناءه الأدبي على ما يجب على المسلم تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاه أم المؤمنين.
    7-يبدأ رحلة استشارة شرعية وأدبية حتى يطمئن إلى أنه لم يتجاوز.
    (4)
    هذا ما يجب على من أراد أن يكتب قصة أدبية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، فهل فعل مؤلف قصة "السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها" ذلك؟
    تعالوا معا نستعرض الإجابة من سمات العمل الأدبي الذي جمع بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأمنا خديجة، وقررته وزارة التربية والتعليم بجمهورية مصر العربية على تلاميذ الصف السادس الابتدائي- لنرى كيف صنع الرجل؟
    (5)

    أولا- الفكرة

    كتب المؤلف الأستاذ أحمد محمد صقر على غلاف كتابه الأول "نموذج للمرأة المسلمة، السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها" وهذا هو الواقع الذي يعلمه الجميع، والذي يوهمنا أن الأستاذ أحمد صقر قصد الكتابة عن أمنا خديجة ليجلي سماتها للتأسي، فهل استمر عليه الأستاذ أحمد صقر؟
    لا.
    كيف؟
    كتب في التقديم ص ص 3-4 ما ينسف السابق.
    ماذا كتب؟
    كتب موضحا فلسفة عمله مختزلا السيدة خديجة أم المؤمنين في كونها امرأة عربية تقدم مثالا للمرأة العربية التي تعيش واقعا يعلمه الجميع من اغتراب في العرف والعادة والتفكير والأمل والطموح عنها.
    قال: "... فيسرنا أن نقدم نموذجا للمرأة العربية المسلمة".
    نراه هنا تراجع عن كون السيدة خديجة نموذجا للمرأة المسملة، فقيدها بالعربية مما جعلها تترك حيزا كبيرا مما كان لها في الغلاف.
    قال: "... ردا على من يظلمون الإسلام ويدعون أن المرأة العربية في ظل الإسلام لا تصلح إلا للبيت، وأن الإسلام يمنع المرأة من المشاركة في الحياة العامة والعمل".
    نراه يزداد تراجعا ويخلصها نموذجا للمرأة العربية بعد أن حذف وصف "المسلمة".
    أما قضية عمل المرأة فهي موضوع كامل ليس هذا مكان مناقشته، لكن يلزمنا أن نشير إلى أن إدارة أمنا خديجة أعمالها لم يكن كما تفعل سيدات المجتمع الآن.
    قال: "المرأة العاملة التي اقتحمت سوق العمل".
    وهنا ينقض ما سيحكيه هو من أحوال توضح أن العمل أقحم عليها نظرا إلى وفاة والدها وزوجها لا أنها هي التي اقتحمته؛ فهذه مغالطة.

    قال: "الأم التي أحسنت تربية بناتها وأهلتهن ليكن مثلها في تحمل المسئوليات ويشرفن وطنهن".
    زج بالوطن حيث لا مكان له؛ فإن السيدة خديجة لم يدر بخلدها وطن، إنما كان همها إسلام ودين ودعوة.
    وهل يتعارض الإسلام مع الوطن والوطنية؟
    هذه قضية ليس هذا مكانها، لكن الوطنية إذا انفردت صدمت الإسلام كما عايشنا ذلك بعد أن أثار الاستخراب المسمى استعمارا أمر الوطنيات والقوميات؛ مما جعل الوطن قبل الإسلام، ومما جعل المسلم يحارب المسلم تحت راية غير المسلم؛ لأن هذا من وطن وهذا من وطن.


  2. #2
    نقد وجهة نظر الغائب في القصص التي تجعل رسول الله شخصية أدبية (الجزء الآخر)

    ثانيا- البناء الفني ووسائله

    (6)
    بعد أن أوضح الكاتب هذه الفلسفة التي سيعمد إلى بثها خلال قصته، أو التي اختار السيدة خديجة لبثها؛ لأنها تمثل موضوعه الذي جعله يقدم السيدة خديجة؛ فهو لم يقصدها ليجلي سماتها فقط أما للمؤمنين، بل ليجلي سماتها التي تخدم فكرته وموضوعه.
    فعل ذلك على عكس ما ينبغي وعلى عكس ما فعله الأستاذ إبراهيم محمد الجمل في قصته "أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين" المقررة على الصف الأول الإعدادي.
    كيف؟
    لقد حدد الرجل فلسفة عمله في قوله في المقدمة ص3: "يسعدنا أن نقدم لكم قصة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ... وهدفنا من تقديم هذا الكتاب لكم يتمثل في:
    1- تعرف سيرة هذه المناضلة العظيمة وما قدمته لدينها وقومها.
    2- تعرف أسلوب حياة المسلمين في عصور الإسلام الأولى وما قدموه في سبيل المحافظة على الإسلام ورفع رايته.
    3- الاقتداء بهؤلاء العظماء في سلوكهم القويم".
    ثم أكد ذلك في الخلاصة ص45 حيث قال: "تختتم هذه القصة بالهدف الذي نسعى إليه وهو الأسوة والقدوة في سيرة أسماء في الكرم وقوة الإيمان والصبر والشجاعة والصمود؛ لتكون نبراسا لكل فتاة مؤمنة معتزة بربها ودينها ونفسها، والله الموفق".
    هذا ما ينبغي أن يكون هدفا من سير هؤلاء العظماء الذي ما كانوا إلا بالدين وللدين.
    وقد جاءت القصة وأحداثها وبناءها وفق هذا الهدف فخرجت متميزة عن تلك التي نحن بصددها، وقد يكون ذلك من المؤلف أو من المراجع الذي أعدها للدراسة الأستاذ مصطفى كامل مصطفى وقد يكون من المراجع الأستاذ أحمد حسن حمزة.
    لكن ما يهمنا أن هذا هو النموذج للفكرة التي تحدد معالم البناء الفني بوسائله.
    (7)
    أقول: بعد أن حدد فلسفة عمله حدد وجهة النظر الذي سيروي من خلالها الأحداث.
    فماذا كانت؟
    كانت وجهة نظر الغائب التي تجعل المؤلف هو المهيمن على كل عناصر قصته من شخصيات ورسمها ظاهرا وباطنا وحوارا ومناجاة وغير ذلك، وهذه خطرة زلقة.
    كيف؟
    إذا كانت مع شخصيات وهمية ينشئها المؤلف تكون الصعوبة في رسم الشخصية وتحديد سلوكها ولغتها بما يلائم ثقافتها، فإذا كانت تاريخية أضيفت صعوبة تمثل الشخصية الحقيقية، فإذا كانت شخصية مقدسة صار الأمر يتطلب الالتزام بالروايات الصحيحة.
    فهل التزم الأستاذ أحمد محمد صقر بذلك؟
    والجواب الذي يظهر من كلماته وسطوره هو: لا.
    كيف؟
    في المساحة التي يقولها المؤلف نيابة عن الشخصية وصفا نجده خرج عما ينبغي وسأضرب مثالين:
    ورد أولهما ص15 عند حديثه عن زواج السيدة خديجة الأول فنجده يخبرنا عنها قائلا: "ودخلت السيدة خديجة أبواب الحياة الجديدة كبيرة الأمل شديدة الطموح، لكنها مع ثقتها الشديدة بنفسها وحب زوجها لها وحديث الناس عن مستقبلها الباهر- كانت تحس بخوف شديد من الأيام، يحدثها قلبها بأنها تخفي بداخلها شيئا لا يعلمه غير علام الغيوب".
    انظر كيف سرد الرجل أنها كانت تحس بخوف ويحدثها قلبها أن الأيام تخفي شيئا غير جيد، من أين علم الرجل ذلك؟ وما قيمة هذا الحدث المخترع؟ ألصنع عنصر تشويق يكون الأمر كذلك؟
    وأما ثانيهما فقد ورد ص39 بعد أن حدثها خادمها ميسرة عما شهده في الرحلة من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "استقر كلام ميسرة في قلب السيدة خديجة، ولم تستطع أن تطرد صورته من عقلها".
    انظر الطريقة الفيملية التي تظهر فيها الممثلة وهي مشغولة ويطاردها شبح من تحب!
    (8)
    هذان مثالان عن المساحة التي يصف فيهما القاص شخصيات عمله، فإذا ذهبنا إلى الحوار الذي ينطق فيه رسول الله والسيدة خديجة وجدناه غير لائق لا سيما قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وتجعلك كلماته تستشعر أنك تستمع إلى شاب ممن تعرف، ولا يجعلك الأسلوب تستشعر أنك تسمع لأفصح العرب.
    وسأورد مثالا واحدا ورد ص40 عندما ذهبت نفيسة تحدثه بأمر السيدة خديجة:
    - وكيف أدفع هذه الوحشة يا نفيسة؟ إنني فقير لا أستطيع أن أحقق ما ترمين إليه من الزواج، وليست كل امرأة تصلح زوجا، وليس الزواج لعبة يا نفيسة كما يتخذه بعض الناس بل هو مهمة صعبة".
    انظر كيف يقول النبي: وليس الزواج لعبة!
    ومن أراد المزيد فليقرأ حوارات النبي مع السيدة خديجة ص 50 وص51، وغير ذلك من الحوارات.
    (9)
    فإذا تركنا الحوار ولغته ويممنا صوب الشخصيات وأهميتها وجدنا السيدة خديجة هي الشخصية الرئيسة في القصة سواء ظهرت في الأحداث أم لم تظهر، ووجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كذلك.
    (10)
    فإذا تركنا هذا وصوبنا شطر الأحداث وجدنا أحداثا سأتوقف بشأنها إلى حين مزيد بحث، فإن البحث الذي قمت به لم أصادفها فيه، لكنني سأذكر بعضها لعل أحدا يفيدني بشأنها شيئا.
    1- ص71: ودعت السيدة خديجة رضي الله عنها صاحباتها وجاراتها ... ثم كادت صدور بعضهن تنشق وخديجة تخبرهن برسالة زوجها".
    فلم أعثر على ما يؤيد ذلك خلال زمن الدعوة السرية.
    2- ص 82 عند حديثه عما بعد مجيء الوحي بعد انقطاعه زمنا: "وخرجت معه إلى الكعبة تصلي خلفه أمام الناس غير عابئة بالسخرية اللاذعة التي تنبعث من حولهما من كل مكان".
    3- ص89-ص90 بخصوص الوليمة التي أعدها الرسول صلى الله عليه وسلم لوجهاء مكة عندما أمر بالجهر والإنذار العام.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    الردود
    7
    الاستاذ فريد احسنت ايها الفذ..
    ولا شك بأن هناك من الأشخاص من لديه قلم جميل ولكن ذلك القلم لا ينفع إلا خارح اسوار الدين.

  4. #4
    بوركت وأكرمت، ووقيت السوء!

  5. #5

    هل يكون رسول الله شخصية ثانية في العمل الأدبي؟

    (1)
    يقال في أمثالنا: "البعيد عن العين بعيد عن القلب".
    والسؤال: هل ينطبق ذلك على الشخصيات الأدبية، بمعنى أن الشخصية التي تظهر في الأحداث هي العاملة المؤثرة فقط، وتلك التي تغيب عن الأحداث تكون غائبة؟
    والجواب في وضوح : لا.
    كيف؟
    إن هذا المثل ينطبق على غير المؤثرين في حياة المرء، أما المؤثرون فهم في حبة القلب غابوا أم حضروا، وُجدوا في المكان ذاته أم لا. فمثلا، الابن إذا غاب هل تمحى ذكراه من القلب؟ والصاحب إذا انتقل في المكان هل يذهب تأثيره؟ و... و... إلخ.
    وكنت أكتب في رسائلي إلى من كنت أراسلهم نهاية الرسائل "سلامي إلى من تحملهم داخلك، ويحملونك دواخلهم"؛ إيمانا مني بأن أثر المرء يستمر بغض الطرف عن وجود صاحبه واقعا أم لا.
    وهذا معنى محسوس واقعي مشاهد تستطيع استقراءه في حياتك وحياة من حولك، فهل ينتقل ذلك إلى واقع الأعمال الأدبية؟
    (2)
    إن الشخصيات في الأعمال الأدبية تماثل تلك في الحياة من انقسامها شخصيات رئيسة وأخرى ثانوية تابعة حسب قربها من الأحداث وتأثيرها فيها دفعا وتغييرا وتطويرا، وتكون الرئيسة محل اهتمام الأديب فيرسم جوانبها ويستجلي سماتها، وتنمو مع الأحداث و... و... إلخ، أما غير الرئيسة فلا يهتم بها الاهتمام نفسه.
    هذا مسلم، لكن السؤال هو: كيف تكون الشخصية الرئيسة شخصية رئيسة؟ أيكون ذلك بظهورها ذاتا في كل الأحداث؟ أم يكون بظهورها تأثيرا في الشخصيات التي تظهر في الأحداث؟
    والجواب يكون بهما معا، أو بأحدهما حسب اختيار الأديب وحسب زاوية رواية الأحداث؛ ففي وجهة نظر المتكلم يكون الشخصية الرئيسة حاضرة في كل الأحداث لأنها هي الراوية، وفي وجهة نظر الغائب قد يكون الحضور الشخصي في كل الأحداث أو معظمها وقد يكون الحضور التأثيري.
    وهل يكون ذلك مرتبطا بنوع أدبي أكثر من نوع آخر؟
    لا أظن ذلك.
    (3)
    السابق يتصل بالشخصيات العادية في مختلف أجناس الأدب، لكن هل يكون الأمر ينطبق على الأعمال الأدبية التي يكون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصية أدبية؟
    وجواب كل مسلم لا يكون إلا "لا" سواء أكان أديبا أم ناقدا أم قارئا؛ فالرسول لا يكون ثانيا في أي سياق يكون حاضرا فيه، بل يكون الشخصية الأولى سواء أكان في الحدث أم كان غائبا عن الحدث.
    لماذا؟
    لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مصدر القدوة والأسوة، يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: 31، 32]. وغير ذلك من الآيات.
    فلو كتب أديب عملا أدبيا جمع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره فلا ينبغي أن يكون الرسول في المرتبة الثانية.
    لماذا أقول ذلك مع وضوح هذا المعنى؟
    لأن هناك من كتب عن السيدة خديجة رضي الله عنها وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملا لم يحافظ على هذا الترتيب.
    كيف؟
    في قصة السيدة خديجة المقررة على الصف السادس الابتدائي يظهر ذلك جليا واضحا.
    كيف؟
    (4)
    (يتبع)




  6. #6
    (4)
    سأنقل مما قاله الأستاذ أحمد محمد صقر موقفين قبل الرسالة وموقفين بعد الرسالة:
    أولا- قبل الرسالة
    (أ)
    ص51 وص52 على طوله، ولن أعلق عليه ولن أشير إلى عدمية دليل كون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان من أساطين مكة:
    "قالت خديجة في جد:
    - ... فلك في مكة من العمل ما لا يدع وقتا للرحيل.
    فسألها محمد باسما:
    - أي عمل تعنين يا بنة العم؟
    قالت في رفق وحنان:
    - مكة كلها تتطلع إلى رأيك ومشورتك، ومكان الرياسة فيها يناديك، ويفتح ذراعيه لك، ورجال مكة سيفسحون لك؛ لتأخذ ذلك المكان الذي خلقت له.
    - سأفكر يا بنة العم، وإن كان الأوان لم يحن، فما زلنا في أول الطريق يا خديجة.
    ... وقد أفسح رجال مكة لمحمد مكانا بينهم، وأصبحوا يستشيرونه في أشد أمورهم تعقيدا ثقة بذكائه وحكمته وبعد نظره، ويجعلونه موطن أسرارهم ومستودع أماناتهم.
    إذا جلسوا للأمر العظيم دعوه، وإذا قاموا إلى مكرمة لم يفتهم رأيه، وكلما انفسح له مكان في وسط الرؤساء أحست خديجة بالعزة، وتمنت أن يفسح له مكان أرفع منه حتى يكون سيد مكة كلها".
    (ب)
    وسأنقل من ص56 مشهد ما بعد موت القاسم.
    يقول الأستاذ أحمد محمد صقر:
    "فانفلق قلب خديجة نصفين، ودارت بها الأرض، وتذكرت زوجها فتجلدت ليتجلد، وحبست دموعها في عينيها وقلبها يشتعل، لكنها رأت عينيه تدمعان فدمعت عيناها، وقالت وهي تنظر إليه في إشفاق:
    - قضاء الله يا محمد، ولا راد لما قضى الله! ما بخلنا بجهد ولا مال، وهل في كان في أيدينا أن نرد القاسم وقد اختاره ربه إلى جواره؟
    ثانيا- بعد الرسالة
    (أ)
    ورد ص107 زمن الحصار:
    "وزاد نشاط أبي جهل المشرف على الحصار، ولم يعد يهدأ أبدا، يدور صارخا مهددا، يقول بأعلى صوته محذرا:
    - سوف أفسد على خديجة كل تدبير! سوف أحكم حلقات هذا الحصار عليها قبل سواها، ولن يستطيع أحد من أقاربها أو أتباعها أن يخترق هذا الحصار".
    (ب)
    ثم أكد هذا المعنى ص 109 بعد ضبط أبي جهل حكيم بن حزام، فقال: "وأبو جهل يصرخ ويحاول التتخلص من قبضته، ويصيح في في رعدة قائلا:
    - خديجة! خديجة!
    - خديجة من وراء كل تدبير، سنقتل خديجة وآل خديجة!".
    (ج)
    ثم أكد ذلك على لسان أبي لهب ص117 وص118، ولن أورد النص لأنه يؤكد السابق.

  7. #7

    هل يكون رسول الله شخصية أدبية؟

    (1)
    يختزن الأديب معالم الأشخاص الذين يعايشهم ويحاورهم في حياته الواقعية، ويمتص ملامح النماذج الإنسانية التي يقرؤها للآخرين، ويحتوي أنماط البشر في الأعمال المرئية- ويوظف ذلك كله عند إنشاء نماذج أعماله الأدبية التي تحمل الأحداث التي تخدم القيم التي يريد إيصالها إلى القراء.
    تتعدد مصادر تكوين النماذج عند الأديب كما رأينا، لكنها عند التنفيذ تنقسم قسمين فقطحسب الاستقراء الأدبي وتمثل ما يجب.
    ما هما؟
    الشخصية الأدبية، والشخصية الواقعية.
    ما الفرق؟
    الشخصية الأدبية هي تلك الحالة التي يشكلها الأديب ويرسم لها مواقفها ويحدد لغتها وسلوكها، ويكون حر التصرف في وضع أبعادها وصفا للظاهر الجسدي وسردا للسمات النفسية والعقلية، وغير ذلك من وسائل تشخيصها للقارئ.
    وهي بذلك تكون طيعة له، وتكون من إنشائه- بغض النظر عن كونها من خياله فقط أم من خياله وواقعه معا.
    أما الشخصية الواقعية فهي شخصية لا يملك الأديب التصرف فيها، بل يخبر عنها.
    ما هي تلك الشخصية؟
    إنها الشخصية التاريخية، وليست سواء، بل تبدأ من الشخصيات المقدسة كالرسل، وتمر بالشخصيات التاريخية المشهورة عند العامة والخاصة التي تحددت معالمها كالصحابة وكثير من القادة، وتنتهي بالشخصيات التاريخية غير المشهورة عند العامة.
    لماذا؟
    لأن الأديب يلتزم النصوص التي وردت عنها، فيكون مخبرا لا منشئا- حتى لا يتعدى المقدس، ولا يصدم الحقائق ولا يصدم أذهان الناس.
    فهل يلتزم من يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؟ أم يجعله شخصية أدبية فيتصرف في الوصف أو الأحداث أو غير ذلك من الوسائل الفنية؟
    (2)
    في قصة "السيدة خديجة رضي الله عنها" المقررة على الصف السادس الابتدائي في جمهورية مصر العربية خرج الأستاذ أحمد محمد صقر المؤلف عن الشخصية الواقعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله شخصية أدبية في مواقف كثيرة من قصته.
    كيف؟
    كان ذلك بوسائل كثيرة على مختلف وسائل البناء الفني، سأجتزئ ببعضها بعد أن تناولت اللغة في المقال الأول من سلسلة مقالات نقدي هذا الكتاب المعنون بـ"نقد وجهة نظر الغائب في القصص التي تجعل رسول الله شخصية أدبية".
    كيف؟

    أ- الحوار

    سمح لنفسه أن يفصل فيما ورد مجملا، بغض النظر عن صحته أو لا.
    كيف؟
    في الحوار الذي دار بين نفيسة ورسول الله صلى الله وسلم وامتد من ص39 إلى ص42، نجده يتوسع في الحوار بينهما، وأورد هنا جزءا آخر من الحوار غير ما أوردته في مقالي الأول "نقد وجهة نظر الغائب في القصص التي تجعل رسول الله شخصية أدبية".
    يقول ص41 على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    فأسرع باسما:
    - يزيد المهر يا نفيسة! وأنت تعرفين مهور الأغنياء، وتعلمين أنه يثقل الأزواج ويعجز الكثيرين، وأين لي بمثله يا نفيسة؟
    وامتد الحوار!
    وهذه سمة تكاد تكون عامة في حوارات الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ب- اختلاق أحداث

    سمح لنفسه أن يدلس في الاستشهاد بالقرآن في غير وقته.
    كيف؟
    ص 86 وفي الحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة بعد وفاة ابنهما عبد الله، قال عن النبي: "وأقبل الرسول صلى الله عليه وسلم عليها يواسيها".
    ثم قال على لسانه: "ويقول لها بصوته الرقيق الحنون:
    - أراد الله بك الخير يا خديجة، لم يردك أن تكوني أما لبعض من خلقه فحسب، ولم يشأ أن تكوني أم القاسم أو عبد الله، بل اختار لك أن تكوني أما للمؤمنين جميعا. ألا يسرك هذا اللقب يا خديجة".
    يورد ذلك على لسان النبي قبل نزول قوله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6]؛ فسورة الأحزاب مدنية، وكان ذلك الحديث بدء الإسلام.
    هذا على ركاكة هذه التعزية لغة وواقعا؛ فقد صارت أما للقاسم وعبد الله؛ فقد ولدا وعاشا زمنا. ولو كانت هذه العبارة على لسان الكاتب بصياغة أخرى لارتفع الإشكال.

    ج- الوصف المعنوي

    الأديب يرسم شخصيات عمله الأدبي من خلال وسائل فنية كثيرة منها مواقفهم في الأزمات، ونجد الأستاذ أحمد محمد صقر قد جعل الرسول يائسا من إيمان قومه كلهم.
    كيف؟
    قال ص 90 وص91 معقبا على محاولة إعلان الدعوة تنفيذا لقوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]: "ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم على خديجة والحسرة بادية في محياه:
    - أرأيت يا خديجة؟ أرأيت هؤلاء القوم الغلاظ الأكباد؟ إنهم مصرون على الكفر، ولن يستجيبوا لهذا الدين أبدا؟ وكيف يستجيبون له وهم يرون أنهم أرفع من الناس؟ و...إلخ".
    نرى الأستاذ يستخدم "لن" و"أبدا"؛ مما يجعل رسول الله صلى الله يائسا قبل بذل المحاولات، وهذا يضاد الحديث الذي رد فيه رسول الله على ملك الجبال، والذي رواه البخاري (عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ؛ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
    ويؤكد هذا المعنى من خلال السيدة خديجة التي قال عنها في ردها على رسول الله في الموقف السابق ص91: "قالت خديجة باسمة في صوت هادئ رقيق:
    - لا تيئس يا رسول الله، فأنت تدعوهم إلى خيرهم ... إلخ".
    وكرر ذلك ص119 وص120 كما في نماذج المقال الثاني من مقالات نقدي هذا الكتاب المعنون بـ "هل يكون رسول الله شخصية ثانية في العمل الأدبي؟".

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •