Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1

    منارات الحكمة العربية : ابن تيمية المفترى به وعليه -د. يوسف زيدان

    من أسوأ ما تجده في الأبحاث التي توصف بالعلمية ودع عنك غثاء الأعمدة والزوايا أن تقرأ رأيًا لفلان في فلان من الناس أو مذهب من المذاهب ، يصل التواضع عليه و التسليم بصحته حدًا يشبه الآية المحكمة قطعية الثبوت قطعية الدلالة ،
    وتكمن الخطورة في أن فلانًا هذا ليس من رفاق عبده خال أو حليمة مظفر ، ولا يوزرًا من اليوازر واليوزرات بحيث يُقرأ كلامه في الصباح ويُنسى في المساء ، أو العكس ، وإنما هذا الفلان إمام لا تكاد تجد له حرفًا إلا ويتخلق لك رجلًا يركض برجله في قلبك وصدرك وعقلك ، وهذا الرجل لا يمنعه "الباند" في السجون من أن يمارس الهوى مع رفيق دربه ، ومؤنس وحدته ، القلم ..
    هذا الفلان مجنون ، وأعتذر عن هذه الكلمة لمن ساءته ، ولكنه في الحقيقة مجنون حبر وفكر وسيف وخيل وسوابق وأشياء كثيرة !
    هذا الفلان كتبوا عن جنونه حتى ملوا ، ولم يصلوا بعد لشيء منه ،
    وحتى بلغ الجنون بأحدهم أن لبرله !



    هذه المقالة يهمني فيها أنها تتقاطع في كثير منها مع عصرنا والعصر الذي عاشه ابن تيمية !
    ونتيجة المقالة لا تهمني في هذا المقام تحديدًا ، لأن النتيجة تحتاج استنادًا أقوى ،
    وإن كنتُ أتفق معه في طريقة الحل
    إن الطريقة العلمية الصحيحة في دراسة آراء العلماء ، وخصوصًا حين تكون تعديلًا وتجريحًا
    هي أن يُراعى سياق الرأي بجميع أبعاده ،
    ويدرس كل ما قال الرجل منذ أول حرف كتبه وحتى آخر حرف ،


    وإن رجلًا آتاه الله ملكة العقل ثم حرف الدال ثم ذهب بعد ذلك يعدل كل ما قاله طه حسين أو المسيري أو زكي نجيب محمود أو عبدالرحمن بدوي أو سيد قطب أو محمد عمارة ،
    دون دراسة علمية توثق الآراء وتستنطقها وتستشهد لها ، بعد "عملية مسح" كاملة شاملة ، للخروج برأي ..لهو من البناء على البناء في رمل الفراغ الفكري الذي تعيش فيه الأمة ،




    ______________

    15/ ٢/ ٢٠١٢
    ربما يستغرب البعض حين يرى اسم الإمام «ابن تيمية» عنواناً لإحدى مقالات «منارات الحكمة العربية» التى تُعنى باللوامع والشواهق الفكرية والعلمية فى تراثنا الممتد فينا من الماضى إلى المستقبل.. يستغربون ذلك، لظنهم بأن هذا الرجل الذى اشتهر بين معاصرينا بالتعصب والصرامة والتشدُّد الدينى، بل صار فى وهم الناس بمثابة الأب الروحى للجماعات الإسلامية المتطرفة، أو هو المعادل الموضوعى لما يسميه معاصرونا: الفكر الوهابى.. لكن هذه الظنون والأوهام، كما سنرى بعد قليل، هى مجرد خلطٍ وتخليط صارا مع كثرة الترديد كأنهما حقيقة.. (الوهمُ يُمسى بعد حينٍ حقيقاً، فيصير التيهُ للناس طريقاً).
    بدأت معرفتى بتراث «ابن تيمية» منذ أيام التلمذة، فقد زرت أيامها منـزل أستاذى الدكتور محمد على أبوريان، الواقع على ناصية شارع «لاجيتيه» الأنيق، بمنطقة الإبراهيمية بالإسكندرية (وهو الشارع الذى صار اليوم مرتعاً للمتعاركين ومعقلاً للخروج على القانون وساحةً للبلطجة).. وفى الشقة الفسيحة، العامرة جدرانها بالكتب، رأيت مجموعةً فاخرةً من المجلدات الكثيرة، عليها جميعاً عنوان (فتاوى ابن تيمية).
    ولما أعجبتنى فخامةُ الطبعة، وأدهشنى أنها مجلدات «فُتيا» فى بيت أستاذٍ للفلسفة، سألت د. «أبوريان» عن ذلك، فقال إنها هديةٌ من سفارة «السعودية» فقد طبعوا على نفقتهم هذه الموسوعة الضخمة من (الفتاوى) وهم يعطونها مجاناً لأهل الفكر والمشتغلين بالتخصصات الإسلامية، كى تزدان بها مكتباتهم الخاصة، ويرجعوا إليها عند اللزوم:
    ولماذا يفعلون ذلك يا دكتور؟
    لأنهم يرِّوجون لأفكار ابن تيمية فى مصر، نظراً لارتباطه بالفكر الوهابى السائد فى السعودية.
    عفواً يا أستاذنا، لكن ابن تيمية جاء قبل محمد بن عبدالوهاب بزمنٍ طويل، حوالى خمسمائة سنة، فكيف يرتبط به؟
    آل سعود حنابلة، وابن عبدالوهاب حنبلى، وابن تيمية حنبلى.. وطبيعى أن يُحيى الحنابلة تراث مشايخهم السابقين.
    لكن يا دكتور، عبد القادر الجيلانى كان حنبلياً أيضاً، وهم لا يهتمون فى السعودية بإحياء تراثه؟
    افهمْ يا بنى، الموضوع كله سياسة فى سياسة.
    بس يا أستاذنا، ما دخل السياسة فى المسألة السياسة تدخل فى كل شىء، حتى فيما يحصل بين الرجل وامرأته خلف الباب المغلق.
    ضحك الاثنان من زملائى الحاضرين على المثال الذى ضربه الأستاذ، ولم يفهما معنى كلامه (ولا فهمته أنا وقتها).. ثم مرت الأيامُ وظهرت مؤلفات ابن تيمية فى كل مكان بمصر، وعرف الجميع أنها «المرجع» للجماعات الإسلامية التى كانت تسمى فى الإعلام المصرى آنذاك (فى الثمانينيات) الجماعات المتطرفة، المعارضة سياسياً للنظام القائم وما يزعمه من حرصٍ على «مناخ الاستقرار» و«حقوق الفقراء» و«دولة القانون» وغير ذلك من الخرافات التى كانت الأغلبية الساكتة (الصامتة) ترضى بها، من باب أن السكوت علامة الرضا.. ولأن المعارضين للحكومة من الإسلاميين (المتعصبين) كانوا يحتفون بفقه الإمام ابن تيمية وفتاواه، ويجعلونها لهم شرعةً ومنهاجاً، فقد استقر فى وهم الناس أن ابن تيمية هو شعار التطرف وعنوان التعصُّب الدينى.
    وفى مطلع التسعينيات اضطررتُ للنظر فى تراث «ابن تيمية» تفصيلاً، وقد قادنى إلى ذلك ما كنتُ أقوم به من تحقيق ودراسة لأشعار (عفيف الدين التلمسانى) وقصائده الصوفية المفعمة بالمعانى الروحية والتألق البلاغى، فصار من الضرورى أن أنظر فيما قاله ابن تيمية عن «العفيف التلمسانى» من عبارات نارية، قادحة، من نوع قوله:
    وأما الفاجر التلمسانى، فهو أخبث القوم (= الصوفية) وأعمقهم فى الكفر. فإنه لا يفرِّق بين الوجود والثبوت كما يفرِّق ابن عربى، ولا يفرق بين المطلق والمعيَّن (= الله والعالم) كما يفرِّق الرومى، ولكن عنده ما ثمَّ غيرٌ ولا سوى (= الله) بوجهٍ من الوجوه، والعبد عنده يشهد السوى (= العالم) ما دام محجوباً، فإذا انكشف حجابه رأى أن ما ثمَّ غير. ولهذا كان يستحلُّ جميع المحرَّمات، حتى حكى عنه الثقاتُ أنه كان يقول: البنتُ والأمُّ والأجنبيةُ شىءٌ واحدٌ.. وكان يقول: القرآن كله شركٌ ليس فيه توحيد، وإنما التوحيدُ فى كلامنا! وكان يقول: أنا ما أمسكُ شريعةً واحدةً! وإذا أحسن القول، يقول: القرآنُ يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى.. وله ديوان شعرٍ جيد، لكنه مثل لحم خنـزير فى طبق صينى! وما رأيتُ فيهم (= الصوفية) مَنْ كفر هذا الكفر الذى ما كفره أحدٌ قَطُّ، مثل التلمسانى.. (ابن تيمية: مجموعة الرسائل والمسائل، المجلد الأول، ص ١٨٤).
    وقد دعتنى عبارات ابن تيمية المروِّعة هذه، إلى النظر فى طبيعة أفكار هذا الرجل (العنيف) الذى بدا لى من كلامه موفور الغضب، ميالاً لإزاحة المعارضين خارج دائرة الدين، حتى إنه لا يتورَّع عن تكرار كلمة (الكفر) وإيرادها مراراً فى عبارةٍ واحدة كتلك التى اختتم بها كلامه عن التلمسانى «ما رأيت مَنْ كفر هذا الكُفر الذى ما كَفره أحد..» فقادنى ذلك إلى قراءة كتبه، والكتب المؤلَّفة عنه، فرأيتُ فيها الكثير مما يثير الدهشة والتعجب. رأيتُ مثلاً ما يقوله الشيخ محمد أبوزهرة فى مقدمة كتابه عن ابن تيمية: «الإمام الجليل تقىُّ الدين بن تيمية صاحب المواقف المشهودة، دراسته هى دراسةٌ لجيل، وتعرُّفٌ لقبسٍ من النور أضاء فى دياجير الظلام، ونحن المصريين نهلنا من آرائه فى قوانين الزواج والوصية والوقف، وكثيرٌ مما اشتمل عليه القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ مأخوذٌ من آرائه، مقتبسٌ من اختياراته، وشروط الواقفين والوصايا اقتبست أحكامها فى قانون الوقف والوصية، من أقواله..».
    إذن، كانت مصر أسبق من السعودية فى الاهتمام بتراث ابن تيمية، ولم يقتصر هذا الاهتمام الأسبق زمناً على نشر مؤلفات ابن تيمية، بل تعدَّى ذلك إلى الاعتماد على رؤاه وفتاواه عند صياغة القوانين المصرية.. طيب، فما بال موقف ابن تيمية (العنيف) من الصوفية؟
    ظهر لى بعد طول بحث، أن العداء الشهير بين ابن تيمية والتصوف، هو عداءٌ دعائىٌّ تم الترويج له، اعتماداً على آراء محدَّدة فى أشخاص بأعينهم، مثلما رأينا فى عباراته السابقة ضد العفيف التلمسانى. لكن لابن تيمية من وراء ذلك كتابات فى التصوف!
    مثل رسالته اللطيفة التى عنوانها «الصوفية والفقراء» وفيها مدحٌ وفيرٌ للزهَّاد والصوفية المبكرين.. وله أيضاً كتابٌ بعنوان «شرح كلمات من فتوح الغيب» وفيه يفيض فى الإبانة عن المعانى العميقة الواردة فى كتاب (فتوح الغيب) للإمام الصوفى الكبير عبدالقادر الجيلانى، وهو من الصوفية المتأخرين زمناً، قريبى العهد نسبياً بزمان ابن تيمية (توفى الجيلانى سنة ٥٦١ هجرية، وتوفى ابن تيمية سنة ٧٢٨ هجرية).
    ثم رأيتُ لابن تيمية شهادة فى شيخ الصوفية الأكبر «ابن عربى» المتوفى سنة ٦٣٨ هجرية، نصُّها أن ابن عربى هو أقرب أهل التصوف إلى الإسلام الصحيح.. ثم رأيت عند تلميذ ابن تيمية «ابن قيم الجوزية» ميلاً إلى التصوف والروحانية التى لا تستقيم ولا تتفق مع عداء المعاصرين من أتباع ابن تيمية، للصوفية!
    الأمر إذن ملتبسٌ، ويحتاج إلى الإحاطة بالموقف الفكرى العام لابن تيمية، وهو الأمر الذى لا يمكن إدراكه من دون النظر فى تفاصيل حياة ابن تيمية، ومعاناته الطويلة.
    فى سنة ٦٦١ هجرية كان مولد ابن تيمية بناحيةٍ من نواحى العراق اسمها «حرَّان»، وهى بلدة قديمة اشتهرت بالاشتغال بالفلسفة والحكمة، من قبل ظهور الإسلام ومن بعد انتشاره.. وعندما بلغ ابن تيمية السابعة من عمره، أغار التتارُ مجدَّداً على العراق بغية احتلالها (بعد سنوات قليلة من اجتياحهم المروِّع لبغداد سنة ٦٥٦ هجرية) فاضطرت أسرة ابن تيمية إلى الفرار نحو الشام، والاستقرار فى دمشق التى لم تكن مستقرة. وبالطبع، رأى الطفل الويلات فى طريق الهروب الهجاجى إلى الشام، ثم رأى ويلات أفظع بعد استقراره بها. فما لبث الإمبراطور المغولى غازان (قازان) أن جاء بجيشه إلى الشام فهزم الجيش المصرى/ الشامى (= عسكر المنصور قلاوون) وصاروا بين يديه فلولاً هاربة إلى القاهرة، وتهيَّأ الإمبراطور المغولى المسلم لاقتحام دمشق.. وهنا، لا بد لنا من وقفة:
    كان قازان (غازان) هو رابع الملوك المغول (التتار) المسلمين، ومع ذلك فإن إسلامه وإسلام سابقيه لم يمنعه من تدمير ديار الإسلام فى العراق والشام (ومصر لو كان قد استطاع) وهو الأمر الذى يدعونا للتأمل فيما يعتقده البعض من أن هجوم القائد المغولى البشع «هولاكو» على بلاد المسلمين، إنما كان لأنه رجل (كافر) لا يؤمن بدين.. فلو صحَّ ذلك، فكيف سعى خلفاؤه بعدما صاروا مسلمين إلى ما كان يسعى إليه من احتلال بلاد الإسلام وعبورها فوق جثث المسلمين؟ وكيف اتسم الإمبراطور المغولى المتأخر زمناً عن هؤلاء «تيمور لنك» بكل هذا العنف ضد المسلمين، مع أنه كان أيضاً مسلماً، حتى كان جنده يصنعون له من رؤوس قتلاهم أهراماً عالية لتسعد عيناه بأشلاء ضحاياه! المسألة إذن لا علاقة لها بالدين، بل بالسلطة والسيطرة، بصرف النظر عن عقيدة الراغب فى السلطان. وبعبارة أدق، فإن الرغبة فى السلطة تعلو عادةً على كل اعتبارٍ آخر، دينى أو أخلاقى، ولا تتورَّع عن رفع (الدين) شعاراً، عندما يبدو ذلك ممهِّداً لامتلاك السلطة ووسيلةً لاستقرارها.
    المهم، أدى حصار التتار إلى فرار الناس مذعورين من دمشق، آملين فى أن يجدوا الأمان فى مصر والقاهرة. لكن ابن تيمية، وقد كان آنذاك فقيهاً معروفاً لم يهرب مثل كثيرين من علماء زمانه، بل قام بدور كبير فى تهدئة خواطر أهل دمشق فى غمرة «الانفلات الأمنى» الذى روَّع الناس هناك، خاصةً بعدما انسحبت القوات النظامية المملوكية (عسكر قلاوون) وانفلت المجرمون من السجون وعاثوا فى الأنحاء فساداً وترويعاً للمدنيين. ولم يستسلم ابن تيمية للواقع المضطرب فى دمشق، ودعا الأعيان إلى تشكيل جماعة تشبه ما نسميه اليوم (المجلس الرئاسى) لضبط الأمور فى دمشق ومفاوضة السلطان الغازى «غازان» أملاً فى إقناعه بعدم اقتحام العاصمة «دمشق» بعساكره.. وذهب ابن تيمية على رأس الوفد المفاوض، فوعده غازان (قازان) خيراً إذا ما سلَّم الناسُ أسلحتهم وأخرجوا المخبوء من أموالهم، ثم خدعه ودخل المدينة مثلما يفعل كثيرٌ من الغزاة والحاكمين.
    وفى سنة ٧٠٠ هجرية، جاء ابن تيمية إلى مصر، بعدما فشل فى الاجتماع مجدداً مع الغزاة لإقناعهم بالخروج من دمشق، وبعدما تسرَّبت أنباء عن نية السلطان المغولى اجتياح مصر. وفى القاهرة، راح ابن تيمية يحمِّس الناس ويدعوهم لقتال المغول، ويثير غيرة الأمراء والسلطان قلاوون للخروج إلى قتالهم.. ثم بلغه أن أهل دمشق سيهجرونها، فعاد إليهم ليزفَّ إليهم خبر استعداد قلاوون وجند مصر للخروج لملاقاة التتار، وصار هناك بمثابة ملكٍ غير متوَّج وسعى لتطبيق (الشريعة) وتنفيذ أحكام الله.
    وفى إطار حملة «التشويه» التى طالت آنذاك كثيرين، على النحو الذى نراه اليوم فى وسائل الإعلام، ثار اتهامٌ شنيعٌ ضد «ابن تيمية» يزعم فيه المرجفون أنه يراسل التتار سراً، وينسِّق معهم المواقف! وهو الادعاء الذى انهار حين التقى الجمعان (المماليك والتتار) واخترع دعاة الانهزام حجةً تقول إنه لا يجوز محاربة التتار لأنهم مسلمون! لكن ابن تيمية أفتى بأنهم قومٌ من جنس «الخوارج» واشترك بنفسه فى قتالهم، فترك القلم وحمل السيف وتقدَّم الصفوف فى موقعة «شقحب» التى جرت فى شهر رمضان سنة ٧٠٢ هجرية، وفيها انتصر أهل مصر والشام واندحر التتار بعد قتالٍ ضروس. وقد انكشفت لابن تيمية فى غمرة تلك الأحداث الجسام أمورٌ، منها أن «النصيرية» الذين نسميهم اليوم «العلويين» كانوا متواطئين مع الغزاة (المغول، الصليبيين) وكذلك فعل الغلاة من الشيعة على اختلاف مذاهبهم، فاشتدَّ هجوم ابن تيمية على (التشيع) وصبَّ جام فتاواه النارية، على كل مخالفٍ لمذهب السنة والجماعة.. وكذلك، رأى ابن تيمية أن الدراويش (الصوفية) يكتفون بالتبرك بالقبور وبالاستغاثة بالأولياء، من دون مجاهدة حَقَّة للغزاة. ومن هنا حمل حملةً شعواء على الشعوذة والدجل الذى كان يسود الأوساط الصوفية آنذاك.
    وهكذا كانت حياة ابن تيمية سلسلة من «المحن» والبلايا والأسفار المتتالية، طوعاً وكرهاً، لكن ذلك لم يمنعه عن الاشتغال بالعلم والمعرفة الدينية والفقهية، خاصةً فى الفترة التى أقام فيها بالإسكندرية (سنة ٧٠٩ هجرية)، ثم عكوفه على التدريس والفُتيا بالقاهرة، ثم عودته لاحقاً إلى الشام واعتقاله فى دمشق، وصدور الأوامر بمنعه من الكتابة بحجب الأوراق والأقلام عن زنزانته.. ومات ابن تيمية فى السجن سنة ٧٢٨ هجرية، بعد حياةٍ عامرة بالوقائع حافلة بالمؤلفات، بحيث يصعب عرضها فى مقالة كهذه محدودة المساحة.
    لكن السؤال هنا: ما هى «الحكمة» التى يمثلها ابن تيمية؟.. هى الحكمة (العلمية) المندرجة فى وقائع حياته، فلا يمكن فصل أفكاره عن الظروف الحياتية التى مرَّ بها. فابنُ تيمية ليس واحداً من هؤلاء الحكماء الذين توغَّلوا فى المعرفة (النظرية) أو أولئك الذين انعزلوا عن واقعهم. فالرجل لم يكن له مذهب «مشهور» وآخر «مستور» مثل عديد من حكماء العرب السابقين، ولم ينشغل بالقضايا منقطعة الصلة بالواقع، بل كانت أفكاره وفتاواه مثل جديلة مضفرة مع الأحداث الجارية فى زمانه، وكان هو لا ينفصل عنها.. وهذا يقود لسؤال آخر: لماذا اشتدَّ ابن تيمية فى هجومه على الشيعة، وعلى الصوفية؟
    كان ابنُ تيمية فيما أرى، يتخذ مواقف متشدِّدة ضد «الشيعة» لا التشيع ذاته، وضد المتصوِّفة المعاصرين له، وليس ضد التصوف نفسه. وقد صرَّح فى بعض كتبه باعتقاده بأن أولئك وهؤلاء، هم السبب فى فتنة التتار!.. فلا يمكن الفصل بين حياة هذا الرجل ورؤاه الفقهية، ولو عاش ابن تيمية فى زمنٍ آخر، لما كان قد كتب ما كتبه. ومن هنا، فإن الاستدعاء المعاصر لبعض الجوانب من المنظومة الفكرية لابن تيمية وإحياء مؤلفات بعينها من أعماله، إنما هو نوعٌ من المخايلة الكاذبة بهذا التراث الفقهى، وتوجيه غير برىء للفتاوى التى أطلقها الرجل وهو محكوم بأحوال زمانه. فلو عاش ابن تيمية اليوم، ورأى مثلاً نضال «إيران» لأمريكا، لكان قد انحاز من فوره للجانب المسلم، وكفَّ عن التنديد بالتشيع! ولو عاش فى مرحلة من تلك التى حمل فيها الصوفية لواء المقاومة للمحتل الأجنبى، مثلما جرى فى وقائع كثيرة (المهدى فى السودان ضد الإنجليز، السيد ماء العينين فى المغرب ضد الفرنسيين، عمر المختار فى ليبيا ضد الإيطاليين، الأمير عبدالقادر الجزائرى ضد المستعمرين) لكان ابن تيمية قد انخرط فى سلك هؤلاء، ولم يقدح فى الصوفية.
    إن ابن تيمية يمثل جانباً من «الحكمة» العربية الإسلامية التى يمكن وصفها بأنها حكمة الاستجابة لمتطلبات الواقع، واحتمال الأذى وحملات التشويه وتكرار الاعتداء عليه جسدياً بين فلول المماليك وبقايا الحكومات الساقطة (ضُرب ابن تيمية مراراً فى دمشق وفى القاهرة، لكن المصريين ثاروا من أجله فى المرة القاهرية) ومع عدم تقصيره فى تلك الاستجابة، لم يقصِّر فى الجهد العلمى الذى قدَّمه فى مؤلفات مبهرة، غير الفتاوى والأحكام الفقهية المؤقتة، وهو ما نراه فى أعمالٍ له لا يسمح المقام هنا بعرضها أو الإفاضة فى لمحاتها الذكية، بل العبقرية.. أعمالٍ من نوع: درء تعارض العقل والنقل، الرد على المنطقيين، اقتضاء الصراط المستقيم.
    وفى الأسبوع المقبل، سوف نتوقف عند منارة أخرى من منارات الحكمة العربية، يمثلها واحد من الصوفية الذين عاصروا ابن تيمية، وكانت بينهما صلةٌ سوف نبدأ بها مقالنا القادم عن حكيم الصوفية: ابن عطاء الله السكندرى.



    المصري اليوم
    http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328361&IssueID=2412&fb_source=message

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الردود
    193
    سرد جميل لتصور عقلاني ..
    كان الإستشهاد بمصادر أو الإشارة إليها على الأقل يعطي بعداً اعمق وصورة أنقى .. ، وإن كنت أرى أن يقاس الأمر _عند الإستشهاد بكلام السلف _ بوضعه في إطاره ، كالإطار العام المقصود من المقال أي مرتبطاً بتصور دقيق للظروف جميعها التي تحيط القائل بها من السلف وأظنه الإجتهاد ، ولعلّ سيدنا الفاروق رضي الله عنه وضع باب الإجتهاد قبلاً ، بل وأسس للمسلمين منهجاً للإستنباط الأحكام وهو أهل لذلك ..

    نقل موفق ، بوركت ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المكان
    مكان لا أملكه..
    الردود
    337
    ما نقل هنا وما كتب كلام خطير
    فهل تقول ان خلاف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع الشيعة والصوفية هو خلاف مع أشخاص
    فقط ؟!!!
    وهل تنفي أن خلافه معهم هو خلاف في المعتقد ؟
    اي لو تغيرت الظروف أو تغير الأشخاص فابن تيمية موافق لمعتقدات الشيعة والصوفية؟

    محمود شاكر أرجو توضيح مانقلته للكاتب هنا
    (كان ابنُ تيمية فيما أرى، يتخذ مواقف متشدِّدة ضد «الشيعة» لا التشيع ذاته، وضد المتصوِّفة المعاصرين له، وليس ضد التصوف نفسه)

    (فلو عاش ابن تيمية اليوم، ورأى مثلاً نضال «إيران» لأمريكا، لكان قد انحاز من فوره للجانب المسلم، وكفَّ عن التنديد بالتشيع! ولو عاش فى مرحلة من تلك التى حمل فيها الصوفية لواء المقاومة للمحتل الأجنبى، مثلما جرى فى وقائع كثيرة (المهدى فى السودان ضد الإنجليز، السيد ماء العينين فى المغرب ضد الفرنسيين، عمر المختار فى ليبيا ضد الإيطاليين، الأمير عبدالقادر الجزائرى ضد المستعمرين) لكان ابن تيمية قد انخرط فى سلك هؤلاء، ولم يقدح فى الصوفية.)


    كلام غير مقبول إطلاقا ...لأن الكاتب قد إختزل جهاد ابن تيمية الفكري في إختلاف لظروف الزمان والمكان فقط وأنه لاخلاف بينه وبين الشيعة أو الصوفية في المعتقد

    هذا تبسيط ساذج ولا أريد أن أقول سئ النية لتاريخ وفكر ابن تيمية ...ولا أدري على أي أساس وضع هذا المقال في صيد الشبكة!!

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المكان
    مكان لا أملكه..
    الردود
    337
    ربما لكي نفهم الكاتب د.يوسف زيدان أكثر نرجع إلى مؤلفاته الأخرى لكي يتضح لنا تخبطه الفكري بين الفلسفة والصوفية وعلم الكلام ...

    وأوضح مثال لها هو كتابه (اللاهوت العربي والتطرف الديني)

  5. #5
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لا يهم.. عرض المشاركة
    محمود شاكر أرجو توضيح مانقلته للكاتب هنا
    (كان ابنُ تيمية فيما أرى، يتخذ مواقف متشدِّدة ضد «الشيعة» لا التشيع ذاته، وضد المتصوِّفة المعاصرين له، وليس ضد التصوف نفسه)

    (فلو عاش ابن تيمية اليوم، ورأى مثلاً نضال «إيران» لأمريكا، لكان قد انحاز من فوره للجانب المسلم، وكفَّ عن التنديد بالتشيع! ولو عاش فى مرحلة من تلك التى حمل فيها الصوفية لواء المقاومة للمحتل الأجنبى، مثلما جرى فى وقائع كثيرة (المهدى فى السودان ضد الإنجليز، السيد ماء العينين فى المغرب ضد الفرنسيين، عمر المختار فى ليبيا ضد الإيطاليين، الأمير عبدالقادر الجزائرى ضد المستعمرين) لكان ابن تيمية قد انخرط فى سلك هؤلاء، ولم يقدح فى الصوفية.)


    كلام غير مقبول إطلاقا ...لأن الكاتب قد إختزل جهاد ابن تيمية الفكري في إختلاف لظروف الزمان والمكان فقط وأنه لاخلاف بينه وبين الشيعة أو الصوفية في المعتقد

    هذا تبسيط ساذج ولا أريد أن أقول سئ النية لتاريخ وفكر ابن تيمية ...ولا أدري على أي أساس وضع هذا المقال في صيد الشبكة!!

    لا أؤيد الكاتب فيما ذهب إليه من أن "تشدد ابن تيمية " مع الشيعة والمتصوفة أكثر منه مع التشيع والتصوف ،
    بمعنى أن السياق الشخصي بين من كتب عنهم ، زاد من حدة المواجهة بينهم ! ولم يقل أن لا خلاف في المعتقد بينهم ، وليس في دلالات اللغة ما تقول بقولك أبدًا ،
    بل يقصد أن السياقات التأريخية في الحكم على الاشخاص ينبغي أن تفحص ويُتحقق منها ،
    والفكرة جديرة بالدراسة والاهتمام ،
    وإن كنت أظنه أخطأ ،
    إلا أن مجرد الفكرة تستحق الطرح ،
    والتوصل من خلاله إلى تأييده منطقًا لإيران أجده خطأ أيضًا ،
    وجود بعض الزبد لا ينفي أحقية المقالة بعمومها في أن تكون هنا ،
    النتيجة التي توصل لها الكاتب من تهوين الخلاف الفكري وربطه بالاشخاص غير صحيح وغير علمي ، هذا ما أعتقده ، وما أظن مؤلفات ابن تيمية تطفح بضده ،
    الذي يهمني هو طريقة دراسة آراء العلماء من خلال جميع مؤلفاتهم ، وتتبع سياقاتها ودراستها ،
    لأن ما يؤكده في كتاب ، قد ينفيه في كتاب آخر ، ولا يشير لذلك بالضرورة ،
    أستطيع أن أقول لك أن أكثر ما يخص ابن تيمية على الشبكة عندي : كتبه ، مقالات عنه، بحوث ، حتى ممن ينسبهم البعض للعلمانية
    وأنا بأمانة مشغول هذه الأيام ولا أستطيع أن أتحقق من كل مقولة لابن تيمية بالرجوع لها في المرجع الأصل ، وإن وجدت كتبه عندي
    وكونك تفعل هذا فجزاك الله خيرًا ،
    إن أردت فحص مقولة له فاطلب أي كتاب له وسآتيك به ،
    كونك تجد أن المقالة لا تستحق الصيد هذا تقوله لمن نقلها وليس لي ،
    وتحية

  6. #6
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة تَمّام عرض المشاركة
    سرد جميل لتصور عقلاني ..
    كان الإستشهاد بمصادر أو الإشارة إليها على الأقل يعطي بعداً اعمق وصورة أنقى .. ، وإن كنت أرى أن يقاس الأمر _عند الإستشهاد بكلام السلف _ بوضعه في إطاره ، كالإطار العام المقصود من المقال أي مرتبطاً بتصور دقيق للظروف جميعها التي تحيط القائل بها من السلف وأظنه الإجتهاد ، ولعلّ سيدنا الفاروق رضي الله عنه وضع باب الإجتهاد قبلاً ، بل وأسس للمسلمين منهجاً للإستنباط الأحكام وهو أهل لذلك ..

    نقل موفق ، بوركت ..
    من عيوب المقالة قلة الاحتفال بالتوثيق ، وقلة الاستشهادات ، أتفق معك ،
    وفي النهاية تظل مقالة وإن طالت ، إلا إنه لا يمكن أن نعتبرها بحثًا لفحص المسافة الفكرية الحقيقية بين ابن تيمية والتشيع والتصوف ،
    وضع آراء الأقدمين على وجه الخصوص موضع حفاوة واهتمام من جميع السياقات الشخصية والتأريخية ، أمر مهم كما قلت
    وربط القضية بالاجتهاد منك لا أعلم سببه ؟
    الاجتهاد يختلف في تقديري عن التحقق من سياقات المقولات التأريخية ، وفحص صحة تعميمها في الفترات اللاحقة من عدمه ،
    وتحية

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الردود
    193
    طيب ..
    هناك حوادث تاريخية ، تكون مخالفة لما هو مألوف ، عند هذه الحوادث يجب أن يكون هناك رمز ثابت تلجأ إليه
    مثل الغريق وحاجته لما يخالف طبيعة كونه يسير على اليابسة ولا يسير على الماء فلا بد له من أداة يستعين بها وهذا مقرر معهود ، فلذلك أشرت للإجتهاد بأنه حاجة إنسانية و يبدر من أشخاص نلحظ أنهم مُجمع عليهم ويستحيل ( عقلاً ) أن يجتمع أولئك على خطأ وعليه فنتبع سَننهم ونحتذي بهم ، النقاشات حول فهم وفهم مخالف / مضاد ، فتقريرنا لحق الفهم ومن الأجدر به يشبه تقريرنا من الأذكى وهذا سهل المنال ، فينشأ الفكر الجمعي الذي يقرر وفق سنن معينة عبّر عنها المقال بفهم الظروف المحيطة بالمشّرع _ فيمن دون النبي صلى الله عليه وسلم _ وقدرتنا كذا على الإحاطة بتأثيرها فعلاً !

  8. #8
    لقد قلت في مستهل موضوعك:

    إن الطريقة العلمية الصحيحة في دراسة آراء العلماء ، وخصوصًا حين تكون تعديلًا وتجريحًا
    هي أن يُراعى سياق الرأي بجميع أبعاده ،
    ويدرس كل ما قال الرجل منذ أول حرف كتبه وحتى آخر حرف


    إلا أنني لا أرى شيئا مما ذكرت في مقالة صاحبك.
    فبعيدا عن النتيجة التي لا توافقه فيها, و بإلقاء نظرة حول أهداف نشرك لها:


    الذي يهمني هو طريقة دراسة آراء العلماء من خلال جميع مؤلفاتهم ، وتتبع سياقاتها ودراستها ،
    لأن ما يؤكده في كتاب ، قد ينفيه في كتاب آخر ، ولا يشير لذلك بالضرورة ،

    عذرا لم أبصر إلا لتا وعجنا, -في المقالة و ليس في كلامك-. فإن أحسنت الظن بالكاتب فهو إذن جاهل.
    و قولك أن ما يؤكده في كتاب قد ينفيه في كتاب آخر, فإن كنت تقصد كتب شيخ الإسلام فكلامك رد عليك.


    و بسم الله نبدأ:
    ظهر لى بعد طول بحث، أن العداء الشهير بين ابن تيمية والتصوف، هو عداءٌ دعائىٌّ تم الترويج له، اعتماداً على آراء محدَّدة فى أشخاص بأعينهم، مثلما رأينا فى عباراته السابقة ضد العفيف التلمسانى. لكن لابن تيمية من وراء ذلك كتابات فى التصوف!
    مثل رسالته اللطيفة التى عنوانها «الصوفية والفقراء» وفيها مدحٌ وفيرٌ للزهَّاد والصوفية المبكرين.. وله أيضاً كتابٌ بعنوان «شرح كلمات من فتوح الغيب» وفيه يفيض فى الإبانة عن المعانى العميقة الواردة فى كتاب (فتوح الغيب) للإمام الصوفى الكبير عبدالقادر الجيلانى، وهو من الصوفية المتأخرين زمناً، قريبى العهد نسبياً بزمان ابن تيمية (توفى الجيلانى سنة ٥٦١ هجرية، وتوفى ابن تيمية سنة ٧٢٨ هجرية).
    و الكاتب هنا لم يفرق بين مذاهب الصوفية, و اختزل عداء الشيخ ابن تيمية في الأشخاص و ليس في المذهب و كأنه واحد.
    الصوفية أنواع, و هي لغة مختلف في اشتقاقها, فقول بأنها مشتقة من الصوف كون الزهاد اشتهروا بتفضيلهم ارتداء ما خشن من الصوف تقشفا, و قول أن الصوفية تعني من ساروا على خطى أهل الصفة رضوان الله عليهم في تقشفهم و زهدهم, و غيرها من الأقوال... و في كل الأحوال فإن المتصوفة المبكرين كانوا أهل حديث و علم, قبل أن يظهر المتكلمة و المعتزلة و الفلاسفة الملحدون, و كلهم تحت مسمى الصوفية, إذن من غير المعقول أن يتساءل الكاتب هذا التساؤل العجيب عن سبب عداء ابن تيمية تارة و مدحه تارة في المتصوفة, بانيا استنتاجات ساذجة كما قال الأخ "لا يهم".
    و لكي لا يكون كلامي ملقى على عواهنه, أتيتكم بكلام شيخ الاسلام من كتابه الصفدية و قد فصل في أحوال المتصوفة:



    قال محمد بن إسحق ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه الحاكم أبو عبدالله النيسابوري وصاحبه الملقب بشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وغيرهما والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبدالرحمن السلمي في طبقات الصوفية وأبو القاسم القشيري في الرسالة كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبدالله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبو عبدالله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل الحديث وهم خيارهم وأعلامهم وتارة على اعتقاد صوفية وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة كهؤلاء الملاحدة ولهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد عقيدة مختصرة من إرشاد أبي المعالي بحججها الكلامية ثم عقيدة فلسفية كأنها مأخوذة من ابن سينا وأمثاله ثم أشار إلى اعتقاده الباطن الذي أفصح به في فصوص الحكم وهو وحدة الوجود فقال وأما عقيدة خلاصة الخاصة فتأتي مفرقة في الكتاب ولهذا كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يعكسون دين الإسلام فيجعلون أفضل الخلق المحقق عندهم وهو القائل بالوحدة وإذا وصل إلى هذا فلا يضره عندهم أن يكون يهوديا أو نصرانيا بل كان ابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام ويجعلون هذه طرقا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين.....

    أما قوله:

    ثم رأيتُ لابن تيمية شهادة فى شيخ الصوفية الأكبر «ابن عربى» المتوفى سنة ٦٣٨ هجرية، نصُّها أن ابن عربى هو أقرب أهل التصوف إلى الإسلام الصحيح.

    لم أرى فيه إلا انتصارا لهوى, خصوصا و قد قال أنه قرأ كتب ابن تيمية, فما قاله الشيخ في ابن عربي لم يقله مالك في الخمر, و لكنني أعذره فقد اعترف أنه "رأى" و لم يقرأ و لعله رأى هذا العجب في برنامج لشيخ مريد على قناة فضائية.
    و أما شهادة ابن تيمية في ابن عربي أنه أقرب أهل التصوف إلى الإسلام "دون إضافة لفظة صحيح" فهذا مقارنة بينه و بين عتاة الكفر من المتصوفة كالتلمساني الذي وفر علينا الكاتب عناء نقل كفرياته, و هنا نلاحظ تدليس الكاتب بإضافة لفظة "صحيح" و لعلها سقطت منه سهوا (ما علينا).

    و لقد رأى صاحبنا مجددا عند تلميذ ابن تيمية «ابن قيم الجوزية» ميلاً إلى التصوف والروحانية التى لا تستقيم ولا تتفق مع عداء المعاصرين من أتباع ابن تيمية، للصوفية! فلا أدري أين رأى هذه المرة و أحسبه رآها في أحلام اليقظة في لحظة تجلي روحانية, و ننصحه بأن لا يجتهد في تأويل رؤاه, و أن يقرأ قليلا لامية ابن القيم الجزوية في ذم شطحات الصوفية, و التي تغنى بها أكثر من مقرئ و يمكنه سماعها هنا إن كان لا يقرأ و يصر على الرؤية فقط:
    http://www.youtube.com/watch?v=456Oi3psK0U


    فأين بالله عليك العلمية هنا يا محمود محمد شاكر, و إني لأعجب كيف ساءك قول عائض القرني ثم نراك تحتفي بمقالة تسيء فيها لعلمية الشيخ و تختزل ذوده عن الإسلام من الشركيات بظروف سياسية, و نفسية.


    فلو عاش ابن تيمية اليوم، ورأى مثلاً نضال «إيران» لأمريكا، لكان قد انحاز من فوره للجانب المسلم، وكفَّ عن التنديد بالتشيع! ولو عاش فى مرحلة من تلك التى حمل فيها الصوفية لواء المقاومة للمحتل الأجنبى، مثلما جرى فى وقائع كثيرة (المهدى فى السودان ضد الإنجليز، السيد ماء العينين فى المغرب ضد الفرنسيين، عمر المختار فى ليبيا ضد الإيطاليين، الأمير عبدالقادر الجزائرى ضد المستعمرين) لكان ابن تيمية قد انخرط فى سلك هؤلاء، ولم يقدح فى الصوفية.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •