Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950

    الرئيس || محمد العدوي





    رواية " الرئيس " عمل فني كبير ، لكاتب وُلد كبيرا ، فيها عذوبة اللغة المحلقة ، وشعرية التأمل ، وجدية البحث ، وخصوبة الخيال ، فهي نتاج موهبة حقيقية ، فيها جرأة فكرية ، ونبل إنساني ، ومزج مقتدر بين ما كان وما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، في رحلة بديعة لتعقب السيرة الباهرة لابن سينا ، من القاهرة لطهران ، ومن زمن الكاتب لزمن المكتوب عنه ، ولم يكن الكاتب فيها هيابا أبدا برغم رقة عوده ورهافة مشاعره ، فاقتحم أفكارا إشكالية كبرى بطمأنينة قلب سليم . إنها الموهبة الأصيلة ، والحساسية العالية ، والجد الثقافي ، والإخلاص لجلال الحياة ، وهذه كلها " فيما أتصور " كيمياء " الكُتَّاب الشباب الذين يولدون كِبارا .
    محمد المخزنجي


    تصدر خلال هذا الشهر بإذن الله
    عن دار كليم للنشر والتوزيع



    [/center]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    لو حدا غيرك عمل موضوع من أربع جمل لكنت شتته
    ولو انك على الأقل أرسلت نسختي كان ممكن أتغاضى
    لكن ما يمنع نعطيك فرصة تانية وانت كريم ونحن نستاهل
    وعلى أي حال ألف مبروك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    مهو أنا تركت تقديم الكتاب لمشرفتنا العزيزة .. واكتفيت بالإعلان حتى يحدث ذلك ..

    وأنا ممكن أتدارك الأمر .. وأضع فصلا من الرواية حلا مناسبا .. بس بعد أيام كدة ..

    ملناش بركة الا المطابع .. بيتنا الذي نشأنا فيه

  4. #4
    مبارك أخي محمد ،
    وتحية

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950

    الفصل الأول

    صالة الدخول
    «وُرُود»


    ( بداية )
    14 يونيو 2011

    ندى نائمة على مقعدها، بين وسادةٍ صغيرة، وأرنبٍ من فرو أبيض. في کفي کفُها، يمنح نفسي رحابةً، تسعُ العالم الذي نحلق فوقه.



    جلست هي إلى جواري، وأمها الدكتورة «رضوى» ناحية الممر.

    في مطار القاهرة صباح اليوم كان لقاؤنا الأول.

    مسرعة، تعرفني الدكتورة بنفسها:

    - رضوى حسن، حدثتني غادة عنك كثيرا. معذرة لم أستطع أن أقابلك خلال الأيام الماضية، إجازتي في مصر كانت قصيرة. حتى غادة لم أقابلها إلا مرة واحدة، زارتني هي بعد وصولي بيومين.

    - لا مشكلة، يكفيني اهتمامكما هذا.

    - هذه ندى، ابنتي. سلمي على عمو يا ندى.

    تفرد ذراعها الصغيرة عاليا، وتعيدها خلف رأسها، قبل أن تنزل بها إلى يدي، لتسلم سلاما يزهر صداقةً تجعلها جالسة على فخذي، متعلقة بنافذة الطائرة خلال الرحلة، رغم تحذير المضيفات لنا أثناء الإقلاع والهبوط.

    - أمي تقول إن الطائرة عصفور كبير .. صحيح؟

    - نعم.

    - نحن في بطن العصفور؟

    - نعم..

    - وهذه النافذة هي عينه؟!

    - نعم..

    ألصقت وجهها بالزجاج، وبخار تنفسها متكاثف حول فمها.

    - لا أرى شيئا!

    مالت الطائرة إلى اليمين وهي تدور فانكشفت الأرض تحتنا من النافذة.

    قلت: «انظري هكذا ترى العصافير العالم».

    - ماذا ترى؟!

    على الأرض كانت المربعات الخضراء تتداخل مع حدود الصحراء الواسعة الممتدة إلى الأفق، تقطعها طرق مرسومة كأنها أخاديد شقت بسكين، نترك القطع الخضراء القليلة خلفنا، ونستشرف جهة الصحراء التي تملؤها تلال صغيرة لها ظلال سوداء واسعة مفروشة على الأرض.

    يظهر العالم مساحات ملونة من السماء.

    تعتدل الطائرة وتحل السماء الزرقاء مكان الأرض الملونة.

    أقول لندى:

    - ترى عالـمًا ملونًا وجميلًا.. الطيور لا ترى سيئات العالم.

    ليست هذه هي المرة الأولى التي تسافر فيها ندى، هكذا قضى عليها اختلاف الأجناس، فأبوها من بلد، وأمها من بلد، وولدت هي في بلد غير بلد أبيها وأمها.. وبين هذه البلاد الثلاثة ترحل في بطن عصفورها الكبير كل عام.

    في العراق على ضفة دجلة قبل أربع سنوات، بين التاريخ واللغة، ولدت أميرة صغيرة

    من أميرات الحكايات الفارسية. عينها عربية واسعة، وشعرها كردي ناعم، ووجهها مصري فيه سمرة، ولها لسان ينطق بلغات ثلاث متشابكة.

    لم تكفّ عن اللعب خلال ساعات انتظارنا في مطار دبي والتي أكملت الثمانية، تقف على سيْر المرور، ووجهها عكس اتجاه سيره، وتظل تحرك قدميها كأنها تمشي، وهي في مكانها لا تتحرك.

    تترك السيّر، وتجلس قليلا تطالع مجلة معها، ثم تعود تقفز بين الحقائب والمسافرين المنتظرين. تدفع عربة صغيرة ينام عليها طفل فتتنبه لها أمه وتتابعها قليلا مبتسمة حتى إذا ابتعدت قامت إليها تعيدها، تعود وفي وجهها امتثال وهدوء مفاجئ لا أصل له.

    حين ركبنا الطائرة من مطار دبي، كان مخزون طاقتها قد نفد، فنامت تاركة كفها في كفي.

    تابعت خط سير الرحلة على الشاشة الصغيرة أمامي، كنا نطير بعد منتصف الليل، ولم يكن يظهر من النافذة إلا مصابيح بعيدة متلألئة أحيانا، وسواد متصل لا نهاية له أحيانا أخرى. عبرنا مياه الخليج وأصبحنا نطير فوق سلسلة جبال عالية، ثم أرض سهلة، ثم عادت الجبال من جديد، لتدور الطائرة حولها، وتستعد للهبوط.

    في المطار، كنت أفتح عيني بجهد وأنا أبحث عن حقيبتي بين الحقائب المتتابعة على السير المتعرج کثعبان طويل.

    أدقّقُ النظر وأكرر مواصفاتها لنفسي، لأتأكد أنّي أترجم بصورة صحيحة ما أراه حولي، وأني قد استيقظت فعلا بعد هذه الرحلة التي استغرقت عشرين ساعة كان أكثرها انتظارا في مطار دبي.

    «زرقاء صغيرة عليها خطوط عشوائية غامقة، وذراعها مكسورة».

    تخونني عيني عن متابعة الحقائب الخارجة من البوابة الصغيرة، وتنشغل بتأمل المطار الفسيح والوجوه المنتظرة من حولي.

    وجوه متعبة من السفر، ومن السهر، ومن الانتظار، مثلي تماما. أميز منها وجهين رأيتهما في مطار القاهرة في الصباح، رجل في منتصف العمر، بيده نسخة إنجليزية من رواية ساحر الصحراء لباولو كويللو، كلما وقعت عيني عليه أجده منشغلا بالمطالعة فيها. وفتاة وجهها أوروبي، تغطي شعرها الأشقر، بغطاء منسدل على كتفيها، عرفت من جواز سفرها أنها بوسنية.

    لا شيء يبدو غريبا، كل ما حولي مألوف كأنني أعرفه من قبل، حتى الوجوه، وأشكال الحروف على لوحات الإرشاد.

    ربما هي المطارات المتشابهة في كل الدنيا. المسافرون والحقائب وموظفو الجوازات والعمالُ يحملونَ الأمتعة. تختلف اللافتات واللغات المكتوبة عليها، ويبقى المطار هو المطار. مكانٌ للفراق وللقاء.

    لرهبة الغريب النازل، ولفرحة المغترب العائد.

    مكان العبور، والدموع، واللامبالاة أيضا.

    تصدمني حقيبة كبيرة يسحبها رجل من السيْر إلى عربة حقائبه. يربّت علي كتفي وهو يبتسم معتذرا، فأجيبه بالعربية سريعا: لا بأس.

    ثم أتنبه إلى أنه لن يفهمني، فأكتفي بالابتسام وهو يدير عربته ويبتعد بها مسرعا، وأعود أنا إلى انتظار حقيبتي على السير من جديد.

    تأتي الحقيبة على مهل، أراها خارجة من البوابة الصغيرة، تتعثر بين الحقائب الكبيرة التي حولها، أبتسم لها حين تصل، وآخذها لأقف في الطابور الخارج من ساحة الجمارك.

    لا ضجيج، ولا نداءات، ولا شجار، لا شيء سوى أصوات الحقائب، ورنين الأختام، وتحيات قصيرة من رجال الجوازات.

    ينظر الموظف إلى حقيبتي، ويطالع جواز السفر، ويقول لي بالإنجليزية: مرحبا بك.

    نعبر البوابة إلى ساحة الوصول.

    عند البوابة كان طابور المنتظرين خلف السور الصغير، ممسكين بباقات ورد يلوحون بها لأقاربهم وعلى وجوههم ابتسامات فرحة منهكة من السهر.

    أقول للدكتورة رضوى:

    «في طهران يُستقبل العائدون من السفر ببقات الورود».

    كثيرة هي الورود المصفوفة في طابور المنتظرين، سأرى بعد خروجي من المطار بائعي الورد يعرضون باقاتهم على الداخلين، وسيظل الورد على امتداد الطريق حتى تخرج السيارة إلى طريق طهران.

    تضحك وتقول: «جئت تنوي السحر هنا. فتخيلته في باقة ورد على باب المطار. اصبر حتى يكشف لك النهار سحر هذه المدينة كاملا، لا تفسد المفاجأة بسحر صغير تسربه إلى نفسك».

    نجتاز بوابة مطار الإمام الخميني، ورائحة فجر المدينة النائمة تهب على وجهي. أملأ بها صدري، فأشعر ببهجة خفيفة تزيل آخر ما بقي لي من خوف الرحلة التي بدأتها بالأمس.

    هل تسافر إلى إيران؟!

    تقول أمي: ألم تجد مكانا آخر تذهب إليه؟

    - وماذا أفعل ولم يجد ابن سينا مكانا آخر ينهي فيه حياته، سوى إيران!

    أتابع السائقين على الرصيف المواجه للبوابة، سائقو الأجرة أيضا متشابهين كالمطارات، يعرفون كلمات كثيرة من لغات كثيرة، يقترحون أسماء فنادق بعينها، ويطلبون أجرا كبيرا، ويدعون عدم الفهم حين تجادلهم في الأجرة.

    - گنجیان فی شیراز، وسيصل غدا إلى طهران، تبيت أنت معنا الليلة، وتتعرف عليه غدا ثم نبحث أمر إقامتك.

    - أشكرك كثيرا، لدي حجز مسبق وأنا في القاهرة، ومعي اسم الفندق وعنوانه.

    ركبت هي سيارة أجرة، وبقيت أنا أتفرس وجوه السائقين، ربما لأنه كان يقف وحده إلى جوار سيارته ساكتا لا يتخطف الناس من البوابة ذهبت إليه. دار حول السيارة وفتح لي الباب، ووضع الحقيبة في المقعد الخلفي.

    بخليط اللغات أسأله عن اسمه.

    - عباس. وأنت؟

    - محمد.

    - مسلم؟

    ليس لإجابتي معنى بالتأكيد، وإن أجبته بلا، فلن يفهم المزاح في الإجابة.

    - الحمد لله.

    - ما بلدك؟

    - مصر.. اسمها بالعربية والفارسية واحد.

    يبتهج وجهه، وهو يقول: «مصر».. «مبارك».

    يضحك وهو يشير بيده شارحا أنه رحل.

    أبتسم له.

    - نعم.. مبارك رحل.

    - فندق عباسي جوود.. عرب كتير.. جوود.

    - أريد فندقا تكلفته ليست مرتفعة.

    يخرج هاتفه ويكتب عليه رقما، ويناوله لي..

    أفهم أنها أجرة فندق عباسي هذا، 140 دولارا..

    «لا كثير»!!

    نحاذي مسجدا كبيرا، فيشير إلى يمين السيارة:

    «حرم مطهر».. «مرقد خميني».

    في ضوء الفجر الوديع، تظهر قباب المسجد اللامعة، ومآذنه الفضية. مسجد كبير واسع، ولوحة كبيرة على الطريق مكتوب عليها بحروف عربية «السلام عليك يا روح الله». وصورة الإمام الخميني رافعًا يديه بالدعاء، في وجهه تقطيبة غضب.

    أردد بتلقائية دعاء المقابر:

    «السلام عليكم دار قوم مؤمنين... اللهم لا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم».

    يقطعني سؤال أمي من جديد:

    «إلى بلاد الشيعة يا محمد!! ألم يكن أمامك شخص آخر لتكتب عنه، سافر إلى تركيا، اكتب عن ابن حزم واذهب إليه في إسبانيا.. إيران يا محمد!! تذهب إلى الشيعة!!».

    أبتسم لها في خيالي، وأنا أقول: وأقرأ لهم دعاء المقابر الآن أيضا!

    أسأل السائق قطعًا للوقت:

    - جئتُ لأزور أصفهان.

    - أصفهان جميل.

    - كم المسافة إلى هناك.

    - هذا طريق أصفهان.. أمامنا طهران، وفي آخر الطريق خلفنا تكون أصفهان، خمس ساعات تقريبا. وبيننا وبينها مدينة قم.

    خلفي تكون أصفهان!!

    أنظر من زجاج السيارة وأنا أتمنى لو أخرق الحجب، فأراها.

    هل كنت أصدق حين كتبت منذ سنة على صفحتي في «فيس بوك»: «إلى أصفهان خذوني معكم»، أن تكون خلفي، ويكون بيني وبينها خمس ساعات بالسيارة!

    لمن كتبت هذه العبارة، فصدقها وأخذني معه.

    أصفهان التي لم تكن إلا حلما، لا أعرف من أين بدأ، لكنه حوّل حروف اسمها إلى نغم حلو كلما جرى على لساني. حلم أحببت معه الصاد والفاء والهاء والنون.

    ينبهني صوت خفقان الأعلام على جانبي الطريق، إلى أننا وصلنا إلى طهران.

    أعلام كثيرة على سوارٍ عالية، وأعلام متدلية من الجسور العابرة، وإلى اليسار يظهر برج آزادي شامخا مضاء في ظلمة المدينة.

    أعرفه من صوره المشهورة في نشرات الأخبار.

    يشير إليه السائق: هذا برج آزادي.

    آزادي هي الحرية بالكردية. علّمنا السوريون هذه الكلمة منذ أسابيع، حين سموا بها جمعة من جمع ثورتهم التي بدأت.

    نترك البرج سريعا، والسيارة تشق المدينة الصامتة.

    «ورأيت طهران أول مرة برداء الفجر...».

    الفجر يكسو المدن سكينة وهيْبة.

    وطهران التي تلبس الآن ردائي الفجر، السكينة والهيبة. تكمل لي أدوات السحر الذي جئت من أجله.

    صوت القرآن يأتي خافتا، تلاوة نقية للشيخ محمد صديق المنشاوي:

    «أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولو الألباب...».

    تنساب آيات سورة الرعد متتالية، وأنا أبحث عن المآذن في لوحة الفجر حولي فلا أجد الكثير منها.

    - الشيعة يا محمد !!

    - لقد كان هو أيضا شيعي!! ابن سينا، صديقي الذي قطعت لأجله هذه المسافات كان شيعيًّا. لم يخبرني بذلك حين أوحى إلي بلقائه في ذلك الحلم البعيد، لم يتحدث عن شيء.

    كطيف خفيف أول الليل، همس باسمه في روحي!



    من فضاء الحلم انفجرتْ نقطةٌ بيضاء، تناثرتْ خطوطًا متباعدة.

    كأشعة الشمس افترقن إلى مدى.

    وقبل أن تضيع الخطوط في البعدِ، انكسر كل اثنين متجاورين منها، ليلتقيا راسميْن رؤوس حراب صغيرة.

    ثم افترقا.

    ليلتقيا من جديد.

    وهكذا .. كلما تباعد خطّان، تلاقى في البعد خطّان.

    والنقاط المضيئة في آخر كل خط، تتحرك مسرعة، ترسم باللقاء والفراق نجوما مربعة، ومثمنة.

    تنكسرُ وتتلوى، على إيقاعِ نايٍ بعيد.

    .

    .

    تكتملُ دائرة الخطوطِ المتشابكة، وتُطْوَى.

    قبةً واسعةً.

    والنقاطُ المضيئةُ لا تقف.

    تُسارعُ في رسم الجدران والأعمدة التي تحملها.

    والناي البعيد يَرِقُّ لحنُه.

    تكتملُ التيجان والمقرنصات والأعمدة المصقولة.

    ويزيدُ مع الناي قانونٌ، وتكتسي الخطوطُ ألوانًا، وتصلُ النقاطُ إلى الأرض.

    إيوانٌ كبير.

    في وسطه بركةُ ماءٍ، يرنُّ صوتُه مع صوتِ النَّاي والقانون.

    وفي الصدر لوحةٌ كبيرةٌ، عليها آيةٌ من القرآن فيها «قُلْ كلٌّ يعْمَلُ على شَاكِلَتِه».

    ثلاثةُ جدرانٍ، والرابعُ مفتوحٌ على باحةٍ واسعةٍ تغسلها الشمس، في وسطها نافورة كبيرةٌ تصل إلى بركة الإيوان بنهرٍ من الرخام. وحولها أشجارٌ كثيفة وأزهار ملونة.

    تِيجانُ الأعمدةِ منقوش فيها جزء من آية:

    «كُنتم خيرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنّاس».

    تتكرر بتناظر في كل ناحية.

    يحزن الناي، ويخفت القانون والدُّف، وتُفتَح في آخِر الباحة بوابة كبيرة. في صدرها

    رفوفٌ عليها كتبٌ مجلدة، فيها سكينةُ الكتب، ودفءُ رائحةِ الورق..

    ويعود الوحي بلا صوت.

    خفيفٌ ينسابُ في نفسي بلا مركز واضح:

    «ابن سينا».

    لا أحد في القاعة. إلا طاولة كبيرة في المنتصف، من خشب منقوش، نفس النجوم المتشابكة. تصنع دوائر مكتوب في كل دائرة اسم، وتاريخ، بخط فارسي منمق.

    الأسماء تترا، والتواريخ تكبر ويجيء اسمه من جديد بين رقمين (370 – 432).

    وأمامه كتابٌ مفتوحٌ، في السطرِ الأول منه:

    «إن الإنسانَ يجهلُ أكثرَ مما يعرف، وغايةُ المعرفةِ إفادةٌ اليقين حتى يصل منه إلى مبدأ الوجود وعلله»..

    وعلى هامش الكتاب عنوانه:

    «النجاة».



    * * *



    تقفُ السيارة أمام فندق فاخر، يشير إليه السائق وهو يقول: فِرْدُوسِي. يكسر الفاء، ويسكن الراء ويضم الدال، وتكون الواو امتدادًا للدال المضمومة.

    سأحب هذه الطريقة في نطق اسمه كثيرا، وأكرره فرحا كلما أوقفت سيارة أجرة توصلني إلى الميدان.

    فِرْدُوسِي.

    اسم يليق بشاعر.

    لم يكن السائق قد فهم فيما يبدو رغبتي بفندق متوسط التكلفة، ولم أشأ أن أترك الفردوسي الذي جاءني مع انبلاج صبح طهران، فتركته يحمل حقيبتي إلى بهو الفندق، بعد أن تأكّد من وجود غرف متاحة.

    أعطيته الأجرة مطويّة، فوضعها في جيبه كما هي ولم ينظر فيها.

    شكرني وانصرف، وعدت أنا أملأ بطاقة الفندق، وكلُّ أمَلي فراشٌ ألقي عليه جسدي فأنام.

    خلف رجل الاستعلامات طاولة مستديرة عليها أعلام صغيرة لدول العالم، تشاغلت بالبحث عن علم مصر بينها وهو ينهي إجراءات حجز الغرفة. لم يكن العلم موجودا، ربما هو في الجهة الخلفية التي لا تظهر لي.

    سألته إن كان علم مصر موجودًا هنا، فابتسم وهو يهز رأسه نافيا.

    مدَّ لي يده ببطاقة الغرفة، وهو يشير إلى عاملٍ كان يقفُ ساكنًا منذ دخلت إلى الفندق، فيحمل الحقيبة ويشير إلى جهة المصعد.

    في انتظار المصعد كان الفردوسي ينظر إلينا من تمثاله الصغير عند السلم، جبينه مقطب وعلى وجهه إرهاق السنين، بيده اليمنى كتاب كبير، واليسرى مفرودة كأنما يهم بالمشي. وعند قدميه يجلس طفل صغير عاري الجسد، في عينيه رهبة، وشغف.



    * * *

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    نسخة للتحميل بصيغة PDF على صفحة الرواية في جود ريدز


    مدونتي



  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    غرفتي غالبًا!
    الردود
    2,092
    لسة ما صارت حفلة؟ :D

    # فليقل خيرًا أو ليصمت يا نفسي :D

    ثم إنه، مو بدري على النسخة الالكترونية؟ أحس مرة بدري، بس حلو
    _______


  8. #8
    أتفق مع نجاة ، "بدري" جداً أن تُرفع الرواية إلكترونياً ، ربّما سيُبخسها هذا شيئاً من حقها في التداول الورقي .
    قرأت ما أدرجته منها ، وللحق فهو رائع ، كمُجمل ما تكتبه . مبارك وجداً .

    سنقرأها إن شاء الله . شكراً .
    ..
    فالسّلامُ على ضَياعِك من دَمي .. سكتَ الكَلامْ *

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    السناء .. عن الرئيس

    لم يسبق لي أن كتب عن رواية قرأتها وهذا لا يعني أن ما قرأته كثير ..فالرواية في الغالب تمرر لك الفكرة محلاّة مجملة في شكل درامي يمر بسلسلة من الأحداث فتكون حاضر الذهن والعطافة معا ..ولعلي حين أبحث عن فكرة أحاول دائما تجنب العاطفة ..فلا أبحث عنها في رواية!

    ببساطة استفزاز العاطفة يستفز فينا روح قوية للإيمان أو للكفر بهذه الفكرة وهذا أمر خطير إلى حد ما ما لم تكون متسلحا بقوة الفكر والقدرة على الفصل بينه وبين عاطفتك ووجدانك .

    لعلي حين انتهيت من رواية الرئيس والتي شحنت وجداني وعاطفتي بعنف شعرت بانفعال كبير ..ولكنه ايجابي ..ليس من ضرورته أن أتخذ موقفا او أؤمن بشيء ما ولكن يملي علي بطريقة قسرية أن اتابع البحث علني أغلق تلك الآجابات المفتوحة والتي دلني فيها العدوي على اول الخيط ثم قال "تابعي بنفسك".

    العدوي في كل سطور روايته متأهب جدا للحركة ..انه في حراك دائم ..نشط جدا في تقليب الناس والفكرة في تقليب الأزمنة والأمكنة ..مدهش حين يأخذه الوصف لمكان ما أو لشعور ما تخلله _على اعتبار انه الراوي_ يجعلك تعيش معه تلك الحالة ببراعة ..أنظر إليه حين يصف مخارج الحروف ..كيف تلفظ وكيف تقرأ أو ترسم ..أنظر إليه حين يدق وصفه للآخرين سواء أضمر هذا الوصف وجعله حديث بينه وبين ذاته في إشارة إلى "وجوده" الحقيقي في الرواية أم جعلك انت تراه بطريقتك . أنظر إليه حين يتخطفك في الحوارات بين مختلف الشخصيات التي عرضها علينا من غادة هذه البداية الناضجة التي تطلبت أسئلة عميقة قوية تنتظر أن تدق الفأس حتى تستخرجها من صندوقها ..ولا يطرق الفأس إلا فكر شاب يأخذه بقوة ..

    غادة هذه التي تأتي كالبدايات كبيرة كالماضي متسفزة للبحث ..هذه التي تأتي من عمق بغداد من عمق الحقيقة "والماهية"

    غادة التي يسألها فلا تعطيه الإجابة ولكنها تدله كي يبحث وهو تتعبه روحه التواقة فيبدأ البحث بمعيتنا بقدر ما يستطيع ونقدر.

    " لقد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة،

    أقصد سياسيا. لم يهنأ العالم باستقرار لفرتة طويلة، لم يهنأ أبدا، وحتى

    أخلاقيا فالخمر وبيوت الغناء والجواري كانت شيئا ثابتا في هذا المجتمع..

    كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدّون، ومع ذلك قامت في حضرتهم

    نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلّمته إلى أوروبا

    في عرص النهضة" ..



    انها الأسئلة التي تبحث في الأساس والسبب لا في العوارض والنتائج .."



    «الخلافة ليست أن يحكم بلاد المسلمين جميعها رجل واحد. لم يعد

    هذا ممكنا، ولم يتحقق في الزمان إلا قليلا. الخلافةُ هي الحكم العادل ولو

    في بيت صغير. " يرد بنا العدوي ان نخرج من الصندوق من نمطية التفكير المتصلب من محاولاتنا المستميتة في فرض انموذج واحد قسرا يجب ان يتكرر بصرف النظر عن ابجديات العصر ومتطلباته المختلفة .

    إنه يأذخنا مع غادة هذه التي تبدو أكبر في ملامحها من عمرها ليصل أسوار القدس أو قريبا منها من جهة مصر الكنانة ..تلك الأرض الآمنة التي ستثور بعد قليل ثورة عز وحرية ..بغداد والقاهرة هاتان المدينتان اللتان تحملان ما تحملان من دلالات تاريخية عظيمة .. لنصل لمدينة نعجز عن ان نفسر هذه الهالة النورانية الحزينة ابدا والتي تحيطها منذ الأزل .."فلسطين"



    قالت غادة: سبحان من علّق القلوب بهذه الأرض. «ائتوه فصلوا

    فيه فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله



    - هذه الأرض أيضا لغز من ألغازنا التي لا أفهمها

    هكذا يخط عبارته الحمراء هذه ..القدس المدينة اللغز على مر العصور جميعا ..البوابة التي عبرت منها الأمم كافة ..أرض السلام والأنبياء والإرث العظيم ..!

    هكذا يبدأ روايته بتلك الأسئلة التي تجعلك تفكر في حقيقة الأشياء لا في هيئتها وشكلها ..الماهية !

    ثم يبدأ العدوي هذه الرحلة المطعمة بالحاضر والماضي بالتاريخ والمستقبل بالإرث والثقافة بالأدب والعلم بالجمال حيث يراه فهو أحق من يكتب عنه !

    يسافر بنا لبلد الرئيس صديقه يدخلنا عبر قاعات حياته المختلفة ..يبرع في ادخال الشخصيات وتبادلها بالحوار والنقاش والأفكار لا تمل ولا تضيع بل تفهم كل شخص ماذا اراد له ومنه ولك منه !

    انا لا اعرفه ولا أعرف الاشكالية التي تدور حوله ..لكني شعرت أنني اريد أن اعرف من الذي أورثنا كل هذا الجمال الذي كشفت عنه هذه الرواية ..انه في ذات الوقت يتطرق لتلك الأسئلة حول الملل والأديان والمذاهب تلك التي نخاف من أن نسألها أو نعرف عنها لكنه فعلا كما ذكرت المقدمة يطرحها بكل ثقة وقوة انه حين يطأ أرض طهران يعرف ماذا يريد ..وحين يجلس بين سكانها يعرف ماذا يريد ..انه لا يتردد البتة ..في شغف لحرية الطرح وجرأة السؤال والفكرة .

    في بحثه عن" ورد" الرئيس يلتقي بـ"ورده "!

    انه يحضرها من هناك من اقصى التاريخ ليعيش بها ما يشبه ما عاشه ابن سينا مع ورد ..ورد هذه الفاتنة التي لا يغطي وجهها اصباغ ولا ألوان هذه التي عاشت _كما وقع في قلبي_ ما عاشته شيرين بطريقة ما فشيرين ما هي الا جزء من ورد ..وهذا ما كان يجعلها دائما تلجأ لورد وترتاح لها وتشعر بانها تحتوي غضبها وجموحها وكل اسئلتها ..اليقين الذي كان في داخل ورد سحر شيرين تلك الجارية التي كانت ناقمة على هذا الدين ..ورد التي كانت مجوسية ..والتي أصبحت تعيش بروح الاسلام ..وتعشّقته أكثر حين التقت بالرئيس ..ورد هذه هي الرواية الأجمل لابن سينا ..هذا الفيلسوف الكبير.

    قبل أن يلملم اوراقه ويغادر طهران ويرمي بضع احجار في الماء الراكد في لقائه مع بوسنية عابرة تريد العمرة ..يحملك العدوى إلى أقصى أوج أحاديثه عن ابن سينا ..يبدأها بحوار مع امير الدولة في حديثه عن الرعية وكيف تبنى المدن يمرر لك بضع سنن لسياسة الرعية ..مرورا بطفولته التي تتفتق عبقرية ..انقاذ ورد له ..ثم فلسلفاته المستعلية عن سفاف الأمور ..فما أجمله حين يحدث ورد بروح الفيلسوف وروح العاشق معا .. وما أجمله حين يبتهل وقوفا او قعودا ..وكيف يتقن السؤال والدعاء ..

    هكذا هم العلماء ..العظماء ..وهكذا هي حياتهم ..

    اعترف بان الفضول انتابني كي اقرا اكثر عن ابن سينا اريد ان اعرفه اكثر لأربط تك الخيوط التي دلني عليها العدوي ..ولأحكم مسكها والعبور من خلالها إلى كل فكرة اثارتها الرواية في خيالي

    "الرئيس" رواية شابة في طرحها ورؤيتها في اسئلتها وتركيبتها شابة في تفاصيلها وحيوتها في مشاعرها ووجدانها شابّة بما يشبه هذا الربيع الدموي الصاخب الذي يعشيه العباد وتمر به البلاد ..شابة في املها وثقتها ان الغلبة لهذا الدين لحقيقته الأولى لفطرته النقية الصافية بعيدا عن كل أثر للبشر فيه جانب الصواب او لم يجانبه ولكنه لم يوافق خطوط زمانه .



    محمد العدوي أيها "الصديق " شكرا لك



    سناء ظبيان /قارئة


    مدونتي



  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    اذاً الرواية التالية لك ستكون من اسبانيا.. هل فعلا تتحقق أمنيات الفيس بوك يا محمد، فقد تمنيت مرة أن أزور فرنسا وأعدك أن أكتب حينها رواية عن تلك الرحلة.. يقولون لم لا يوجد إبداع أدبي وفني في عالمنا العربي! وهل وجدنا أولاً من يمول رحلات نجوب فيها العالم ولم نظهر إبداعنا في الحديث عنها؟ لماذا لا يحدث معي مثلا أن أجد كبطلة اليزابيث جيلبرت في "طعام صلاة حب" التي وجدت من يمول تجوالها لعام كامل في بلدان عجيبة مقابل أن تعود لتكتب لهم عن تجربتها؟أنت إنسان صادق جداً لهذا اشعر بالحيرة عندما أقرأ لك، ربما لو كان عنوان روايتك "خمس دقائق آثمة" مثلا لكنت أقدر على الكتابة عنها صفحات طويلة.. لكن ماذا أقول في رواية لم ينسى بطلها ترديد دعاء المقابر حين مر بإحداها.. أنا المعتادة على قراءة روايات تنبش فيها المقابر وينام أبطالها بين أشباحها ويكلمون الجماجم والهياكل العظمية فيها..طبعاً الرواية جميلة لكني لن أدعي أني فهمت كل الحوارات والنقاشات الدينية والمذهبية والسياسية والتاريخية التي دارت بين شخصيات الرواية بل وأعترف أني كنت أستعجل هذه الحوارات لأتابع وصفك للأماكن والأشخاص والحوارات العادية البسيطة والطريفة بين الشخصيات، بمعنى أني أحببت أكثر المقاطع التي نقلتنا فيها إلى تلك الأماكن لنشعر بجمال الطبيعة وهطول الشلال وألوان اللوحات الفنية.. كنت رسول جمال فعلا فشكراً لك..
    To be or not to be
    That is the question


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •