(1)
هل تتصل العقيدةوالشريعة بالأدب؟
نعم.
كيف؟
إن الأدب يعالج الحياة وشئونها بشخصياته وأحداثه وبنائهالفني، والعقيدة تمثل الركائز التي ينبني عليها الفكر والسلوك، والشريعة تنظم خطوطالسير في الحياة.
ومن هنا تمثل العقيدة والشريعة لحمة موضوع الأدبوسداه.
كيف؟
إن تصرفات الشخصيةالأدبية وسلوكها وقولها وكل ما يتصل بها إما أن تنطلق من العقيدة الصحيحة وتتمشى معأحكام الشريعة، وإما لا.
فما موقف الأديبالمسلم الملتزم بالإسلام في بنائه الفني إذا رسم شخصياته مخالفة؟ وما موقفه إذارسمها موافقة؟
(2)
إذا رسمها موافقة فإنهلا يغيب عنه كلمات ربعي بن عامر في حواره الذي عبر فيه عن جوهر رسالة الإسلام معرستم الفارسي عندما أرسله سيدنا سعد بن أبي وقاص.
[قال لهرستم:
- ما جاء بكم؟
قالربعي:
- الله ابتعثنا؛ لنخرج مَنْ شاء مِنْ عبادة العباد إلىعبادة الله، ومِنْ ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدلالإسلام].
كيف؟
يحرص على أن تكون شخصياته في خوفها وحبها ورجائهاواستعانتها وطلب مددها و... إلخ متجهة إلى الله تعالى فقط؛ فهي لا تخاف إلا اللهولا ترجو إلا الله ولا تطلب العون إلا من الله ولا تنتظر المدد إلا من الله، و... إلخ مع بذل الأسباب الصحيحة المحققة للتوكل الصحيح.
يُظهر ذلك ويُبرزه منخلال المواقف الجزئية التي تُكوّن الموقف العام الذي هو الموضوع، فيعبِّد العبادلرب العباد لا لغيرهم من العباد الأغنياء أو الحكام أوغيرهما.
كيف؟
في مواقف النفع والضررنجد الأدب العلماني يواجه الخرافة بالعلم القادم من الغرب كما حدث في "قنديل أمهاشم" ليحيى حقي، وكما يحدث عند التزام الشباب في الأعمال الأدبية العلمانية فإنالمجتمع بأعرافه يضغط ويخوف ويكسب في النهاية وكأنهم يتمثلون قول قوم لوط: {وَمَاكَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْإِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82].
ومواقف النفع والضرهذه ينبني عليها الصراع في الأدب العلماني، لكنه هناك نفع دنيوي شهواني وضر دنيويلا صلة للعقيدة بهما ولا مدخل ولا إشارة إليهافيهما.
أما في الأدب الإسلامي فإن الأديب الملتزم بالإسلامسيبرز الإيمان وأثره في حياة الشخصية ومواقفها في صراعها مع الباطل الذي يضادالعقيدة الصحيحة والشريعة.
كيف؟
الحلاق الذي سيرفض حلق اللحية سيرفضه المجتمع وسيضغطعليه، وسيخوفه بالرزق وقلته أو انقطاعه. والحائك الذي لن يقبل حياكة ثوب لرجل فيهإسبال سيحدث معه ما حدث مع الحلاق. والطبيب الذي يشترط وجود محرم مع المريضة،والمهندس الذي سيجعل أسس معماره ستر نساء البيت، وضابط الشرطة أو الحربية الذيسيلتزم باللحية، والعامل الذي سيترك عمله في الفنادق التي تقدم الخمور وغيرها منالخبائث، والمسئول الذي سيرفض أمر رئيسه المخالف للشريعة، وصاحب المحل الذي لن يبيعالسجائر فيه وغيرها من المحرمات التي قبلها المجتمع، والموظف الذي سيرفض الهدايا،والمدرس الذي لن يسمح بالغش مهما كانت مزاعم الظروف الإنسانية، والمرأة التي ترفضوظيفة مغرية في عالم السياحة لحجابها الذي يرفضه العمل.
والأب الفقير الذي سيرفض تزويج ابنته من تارك الصلاةالغني أو ممن يعتنق فِكَرا إلحادية، والزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها المشهور أوالغني أو صاحب النفوذ لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة، والابن الذي يعصيوالديه إذا أمراه بمعصية الله ويبرهما فيما وراء ذلك، و... و... إلخ.
كلها شخصيات أدبية حية تحتوي بذور الصراع الحقيقيوالأدبي، وتحمل بذور البناء الفني المتميز.
لماذا؟
لأنها ستواجه من مجتمعها العلماني الذي يرى النفع فيوجود راتب ثابت مستقر ومكانة اجتماعية حتى لو كانت وهمية، وكل ما يهدد ذلك فهو ضررفادح لا يحتمل، ولا يهم معه مبدأ ولا حلال ولاعقيدة.
كيف سيأتي الحل؟
كلها شخصيات لن ينقذهاإلا عقيدة صحيحة تربطهم بربهم، وتجعل توكلهم توكلا صحيحا يبذل الأسباب ويسأل اللهعز وجل نجاحها وثمرتها، وتجعل صراعهم من أجل الحق لا من أجل الشهوات والشبهات كماينتشر في الأدب العلماني، وتقدم الحل الأدبيوالواقعي.
(3)
وإن الأديب المسلم الملتزم بالإسلام لنيرسم شخصياته مخالفة ابتداء؛ لأنه لا يغيب عنه قول الله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَاسَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوامَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّاللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]. ولا قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَافَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَالشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].
هذا مع ما لا ينشئه المرء فكيف بالأديب الذي ينشئ؟ فهلينشئ هو واقع يهزأ من دينه أو من شعائره؟
لكنه لو رسمها مخالفةفسيبرز العقيدة ويظهرها وكذلك الشريعة في ظل بناء فني حقيقي خال من الوعظ الخطابي،وسيجعل المتنحي الأدبي هو العرف العلماني المخالف والسائد الأدبي هو الموافقللعقيدة والشريعة.