Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 15 من 15
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    قليلاً من الهدوء أيها العالم..

    كثيراً ما كانت أمي تخبرنا بقصة ولادتنا أنا وأخي الذي يكبرني بسنتين.. فقد ولدنا بين عامي 1980 و 1982. أطلق أخي أولى صرخاته في اللحظة التي كان فيها أبي يأكل "فلقة" في الفرع لأنه تجرأ وخرج للشارع بحثاً عن عمي في فترة منع تجول، أما أنا فقد ولدت بعد معاناة أمي الطويلة بانتظار والدي أن يقنع "الداية" بالخروج من بيتها والذهاب معه لاستقبال مولود جديد لم يدرك خطورة الخروج من رحم أمه في ذلك الوقت الحرج..


    أتذكر هذه الحكايات التي كنا نطلب من أمي أن تكرر قصها لنا فقد نحصل في كل مرة على تفاصيل جديدة، وأفكر بالحكايات التي سأرويها لابني إن أكرمه الله وكانت حكاية ولادته مجرد فلقة يأكلها والده أو محاولة إقناع الداية بالخروج من بيتها لاستقباله.. منذ بضعة أشهر فقط كنت أخطط لاختيار أفضل مشفى ليكون المكان الذي يستقبل أول صرخة لابني بإشراف أمهر الأطباء وضمن أفضل شروط الصحة والرفاهية بل إني حددت أنواع الحلوى والاحتفال الذي سيقام احتفاء به.. والآن آمل فقط أن أجد "داية" تقبل الخروج من بيتها دون أن تخشى أن يكون ذلك المولود المزعوم مجرد إرهابي سيكون إنقاذ حياته على حساب حياتها.. فحتى أطباء الأسنان ما عادوا يأمنون خلع أي ضرس دون تعرضهم لتهمة دعم الإرهابيين ومساعدتهم..


    لم تصل الحكاية حتى هذه اللحظة لنهايتها لأعرف نوع الحكاية التي سأقصها لابني، لكني أعرف تماماً أني في هذه اللحظة أتمنى لو كانت فترة الحمل عند البشر أطول من تسعة أشهر، ماذا لو كانت مثلاً كحمل الفيلة الذي يستمر أكثر من عشرين شهراً، رغم أني لست متأكدة بأن الأمور ستكون أفضل بعد عشرين شهر أو حتى ثلاثين.. ولكني على الأقل الآن عندما أسمع أصوات قصف بعيدة أو انفجار عبوة ناسفة أو تحليق طائرة مروحية أتحسس تلقائياً بطني وكأني أخشى أن يشعر بالذعر فأحاول طمأنته بأن الأمور ستكون على ما يرام وأنه ما يزال في مكان آمن وأن عليه ألا يستعجل الخروج لهذا العالم كما فعل ابن قريبتي التي أنجبت طفلها قبل موعده المحدد نتيجة لما تعرضت له من خوف ورعب قبل أن تنزح من بيتها الذي تعرض للقصف وهي تحاول الصمود للحظة الأخيرة وإقناع نفسها أن القصف لن يطال منطقتهم الخالية تماماً من أي كائنات سبق لها أن سمعت بكلمة حرية فضلاً عن المناداة بها..


    لم تكن هذه الأصوات التي كنت أخطط لإسماعها لجنيني، بل كنت أنوي أن أسمعه موسيقى هادئة وتسجيلات باللغات الأجنبية، فقد أثبتت الدراسات أن بمقدور الجنين أن يميز الأصوات وأن يتعلم اللغات أيضاً، كما أثبتت ملاحظتي أن ابني يحب المطالعة.. ففي المرات التي كنت أمارس فيها القراءة الصامتة كعادتي كان يمارس هو احتجاجاً يعبر عنه بطرقات خفيفة على جدار بيته لينبهني لوجوده هناك وأنه لا يحق لي الانفراد بالكتاب حتى وإن كان "كتابات غير ملتزمة" الذي قرأته تحت ضغط ترفيسه واحتجاجه، لهذا بدأت بتغيير عاداتي واحترام وجود هذا الكائن الجديد والقراءة بصوت مرتفع رغم صعوبة ذلك في بعض الأحيان.. فعندما تبدأ حفلة الصواريخ علي فقط أن أنصت لأحدد مكان اطلاقها وأتوقع نقطة سقوطها بالقرب من منزل ابني حيث سريره وألعابه..


    ربما سأحكي لابني كيف غادرت البيت الذي جهزت له فيه سريره منذ أن كان جنيناً عمره شهرين واخترت له أفضل زاوية في الغرفة بعد أن غيرت ترتيبها بالكامل من أجل سريره الصغير، ولكن لا بأس سأقنع نفسي بأن أسرّة الأطفال مجرد بدعة ورفاهية لا داعي لها وأنه يمكن للمولود البشري كغيره من الكائنات الحية أن ينام في أي زاوية دافئة آمنة هادئة ولن يحتج مطالباً بسرير خاص مزين بالألعاب.. كما أحاول بشكل مستمر أن أذكر نفسي أن كل الخسائر المادية لن تساوي شيئاً أمام الخسائر البشرية التي يتعرض لها بشر مثلي لديهم أطفال وأهل وأحبة ومجرد سرير صغير هو آخر همومهم الحالية.. بل إن المطالبة بسرير لصغيري يعد أمراً معيباً ووقحاً في زمن الموت والجوع والتشرد حيث الأطفال ينامون في المدارس والشوارع بانتظار أن تنفذ الذخائر والأسلحة من هذا العالم الذي لم يتوصل حتى الآن لمنطقة وسطى بين الصمت المطبق والصخب المدمر..


    ربما سأحكي له عن تلك الزيارة الخاطفة التي قمت بها لبيتنا عندما ذهبت لإحضار بعض الأغراض فلمحت في زاوية الغرفة السرير الصغير والألعاب المتناثرة حوله وطمئنت نفسي بأنني سأعود بعد أيام وستكون هذه الغرفة هي أول ما ستقع عيني طفلي عليها.. ثم أسرعت باتجاه مكتبتي ودون تفكير طويل تناولت منها ثلاثة كتب فقط واثقة أني لن أنهي قراءتها حتى أكون قد عدت للمنزل فلا داعي لحمل المزيد منها.. نظرة سريعة ألقيتها حولي، أعدت ترتيب الستارة وأعدت كرسياً لمكانه، فأكثر ما يزعجني هو الفوضى وخروج الأشياء عن مسارها الذي حددته له.. أحكمت إقفال الباب وغادرت المنزل موقنة من عودة قريبة..


    الآن لا يحز بنفسي شيء، لا السرير ولا الألعاب ولا حتى "النونية" التي اشتريتها له سراً وكانت على شكل كرسي مريح يصدر أصواتاً موسيقية ليشعر الطفل بالاسترخاء والحرية أثناء تعبيره عن موقفه تجاه هذا العالم، وأخفيتها في المنزل لئلا يسخر أحد مني عندما يعلم أني أحضرت "نونية" لطفل لن يستخدمها قبل عامين على الأقل.. ولا كل تلك الزوايا التي تخيلت طفلي يلعب فيها ويحاول تسلقها.. لن أحزن حتى لو تعرض بيتي للسرقة والنهب والتخريب لكن ما يؤرقني هو أن يعمدوا لإحراقه بعد سرقته كما حدث في بقية المناطق المنكوبة، لست خائفة على مكتبتي من السرقة، فليس هنالك لص عاقل سيكلف نفسه عناء حمل أوزان هائلة من الكتب التي لن يجد لها أية قيمة، لكني أخاف عليها من الحريق أو من قذيفة تحول كتبي لأشلاء ممزقة.. لماذا كان علي أن أقرأ منذ سنتين كتاب "كوابيس بيروت" ليبقى في مخيلتي ذلك المشهد الذي روت فيه غادة السمان حادث احتراق مكتبتها في بيروت بقذيفة جعلت رفوف الكتب تتطاير أمام عينيها ليتردد الآن هذا المشهد أمام عيني كل يوم وأتخيل رفوف مكتبتي محترقة.. كنت أعتقد أنها الشيء الوحيد القيم في حياتي الذي سأورثه لابني.. يعاتبني أخي عندما يجدني قلقة على هذه الممتلكات الدنيوية الزائلة ويحاول اقناعي أن علي أن أكون فخورة بأن منزلي من أوائل الأماكن المحررة ولأنني قررت ألا أتلفظ بعد اليوم بأي كلمات نابية لئلا يسمعها طفلي لهذا كنت أصمت رغم رغبة ملحة بأن ألعن جميع مشتقات كلمات الحرية والعدالة والمساواة وجميع الأصوات المؤيدة والمعارضة والصامتة والصاخبة والنابحة والزاعقة..


    كتبي فقط التي جمعتها خلال عشر سنوات تجعلني أشعر أني مهددة كل يوم بفقدان جزء مني وكأني أرسلت بابني لساحة المعركة وأني سأشيع أكثر من 500 شهيد فيما لو أصاب منزلي إحدى تلك القذائف المنهالة على ذلك الحي المتخم بسكانه وبيوته العشوائية التي تحتضن بعضها البعض ويتنفس ساكنيها نفس الهواء الذي استعمله جارهم.. وهو الحي الذي يختاره معظم المتزوجين حديثاً لبداية مشوار حياتهم وأحلامهم ضمن امكانياتهم المحدودة.. لماذا لم يذهبوا بصواريخهم لتلك المناطق التي يملك أصحابها بدل الشقة اثنتين، أم أن الدنيا تضيق فقط على أصحاب الأحلام المقتصرة على منزل عشوائي لا يزيد حجمه عن مساحة قبر بكثير.. اليوم تجولت في تلك المناطق التي تعيش حياتها الطبيعية وكأن القسم الآخر من المدينة لا يحترق ويحتضر.. شعرت بحقد طبقي كبير، حقدت حتى على تلك الحواجز الحجرية التي قطعوا بها الشوارع المؤدية لمنازل "الناس المهمة"، هل يعتقدون أنهم بذلك يحرسونهم من الموت؟


    منذ أيام طلبت من ابن أخي الصغير أن يسمح لي بأن أقص له أظافره لكنه رفض رفضاً قاطعاً وأنا أدري أنه يخشى أن أقص أصابعه لكنه احتج بأنه عادة يقص أظافره في منزله وسيقوم بهذا عندما يعود لمنزله فقط.. فكيف سأشرح لطفل عمره ثلاث سنوات بأن أظافره ستطول كثيراً لو صمم على الانتظار حتى يعود إلى منزله، بل أخشى أن يصبح لدينا ما يشبه حلم العودة الفلسطيني بعد أن جربنا شعور النزوح الجماعي..


    لا شيء يوجع القلب ويفرحه معاً في هذه الأوضاع أكثر من رؤية الأطفال يلعبون ويمرحون دون أن يدركوا ما يجري حولهم.. ربما هذا الشيء الوحيد الذي يجعلني أبتسم في كل مرة أشعر بمشاكسة طفلي وحركات أطرافه التي تزداد قوة يوماً بعد يوماً وأرغب بمجيئه بأسرع وقت حتى وإن كان العالم يحترق من حولنا.. فقليلاً من الصمت أيها العالم.. أريد أن أقرأ لطفلي..
    عُدّل الرد بواسطة Ophelia : 03-08-2012 في 04:51 AM
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    والآن تحت الاجتياح
    والقصف
    الله يحفظكم
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  3. #3
    لا شيء يوجع القلب ويفرحه معاً في هذه الأوضاع أكثر من رؤية الأطفال يلعبون ويمرحون دون أن يدركوا ما يجري حولهم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المكان
    حيث تغرب الشمس
    الردود
    918
    كان الله بعوننا وعونكم وعون الوطـــــن

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    نحن في المذياع أبطال
    وفي التابوت أطفال
    وفي البيت صور..
    ليتهم لم يكتبوا أسماءنا
    في الصفحة الأولى،
    فلن يولد حيٌّ من خبر..

    ***

    - "عميمه"
    - "نعم يا روح عمتك"
    - "ليه ما نروح على بيتنا بصلاح الدين؟"
    - "لأنه الجيش الحر عاملين حواجز وما يخلونا نمر"
    - "الجحش الحر؟"
    - "الجيش الحر حبيبي هيك تنقال "الجيييش"
    - "ايوااا"

    غريبة هي الحياة كيف تبدو جميلة ومبهجة عندما تضعك وسط دائرة من الدمار وترقب الموت، تصبح كل لحظة هدوء مسروقة جنة نعيم، تبتهج لعودة الكهرباء فتسرع لشحن الموبيل واللابتوب وتضع الماء في الثلاجة لتستمتع مرة أخرى بالماء البارد الذي لم تكن تلحظ قبل الآن كم هو منعش ولذيذ..

    لا أدري لم خطر ببالي تلك الليلة فيلم التيتانيك وسخرية الماغوط عندما قال أن الوطن العربي بأكمله يغرق والعرب مشغولون بالبكاء على غرق التيتانيك، ولم يلتف إليه أحد حينها وتابعوا بكاءهم على ذلك البطل الذي ضحى بحياته لينقذ حبيبته وكان بإمكانه بكل بساطة أن يتقاسم معها اللوح الخشبي وينجوا سوية دون افتعال تلك التراجيديا كلها بل وكان من الطبيعي أكثر أن يهتم كلّ بحياته، ففي لحظات الفزع والموت الحقيقية يكون الانسان مستعداً للتخلي حتى عن أبويه وليس فقط عن حبيبته التي تعرف عليها منذ 24 ساعة.. بل كان ذلك المشهد العابر للرجل والمرأة اللذين بقيا في سريرهما يحتضنان بعضهما مصران على الموت سوية دون أي محاولة للنجاة أكثر إقناعاً من مأساة البطلين الأساسيين، كان هذا المشهد هو بالتحديد ما خطر ببالي تلك الليلة عندما تظاهر أبي بمتابعة نومه المعتاد مصراً على عدم مغادرة المنزل حتى وإن سقطت قذيفة طائشة فوق رؤوسنا..

    لم أستطع النوم في تلك الليلة، عندما بدأت حفلة الهولووين مع أذان المغرب وقبل إنهاء دعاء الإفطار ووسط تنازع الصغار على أماكنهم حول المائدة، سقطت قذيفة واحدة على أعمدة الكهرباء ليحل الظلام بعدها على الحي بأكمله وتشتعل طوال الليل أصوات الرصاص والقنابل والقذائف ككلاب مسعورة.. في تلك الحالة يصبح النوم عملية تعذيب كتلك التي يمارسونها في أقبية السجون عندما يبقون السجين مستيقظاً لأيام لإنهاك أعصابه وإجباره على الاعتراف بأي شيء، فأي إغفاءة تعني أن تقفز فجأة بكامل حواسك وأعضاءك عندما تهز قذيفة ما حولك، لهذا كان الجلوس والتماسك أقل إنهاكاً من الاستسلام للتعب والنوم، لهذا بقيت جالسة محتضنة بطني المنتفخ الذي بدأت حركته تزداد قوة وتوتراً فقد أصبحت في الأسبوع الذي يبدأ فيه الجنين بالشعور باللمس والدغدغة ويستمتع بهما.. ورحنا معاً نعد القذائف ونتوقع مكان سقوطها، فقد كنت أسمع صوت القذيفة وهي تعلو السماء ثم أبدأ بالعد: واحد، اثنان، ثلاثة، ثم صوت انفجار.. في البداية اعتقدت أني بدأت أهلوس لقلة النوم ولكن عندما سألت من حولي أكدوا لي أيضاً أنهم سمعوا صوت مرور القذائف قبل انفجارها..

    يبكيك خوف الأطفال أكثر، وأسئلتهم ووعيهم المبكر عندما يجد ذلك الصغير جدته تتجول في أنحاء المنزل تتفقد جيرانها وتطل من الشرفة غير مصدقة أن القطع الحديدية الصغيرة التي تلتقطها من أرض بلكونتها هي حقاً رصاص وشظايا تتناثر حول منزلها، فيصيح منبهاً لها: "نانا ادخلي لجوا في صوت فتّاش".. في هذه الأيام الصغار والشبان أكثر تقبلاً وتفهماً لما يجري من الكبار اللذين ما زالوا حتى الآن في حالة من الصدمة غير مصدقين أن ما كانوا يشاهدونه عبر شاشة التلفاز ويعتبرونه بعيداً عنهم ويحاولون تكذيبه مراراً يحدث الآن أمامهم وفي أزقتهم الهادئة..

    رحت في تلك الساعات أتوقع اللحظة التي ستخترق فيها قذيفة إحدى جدران المنزل دون استئذان، لا بد حينها أننا سنجبر على الانسحاب والتخلي عن عناد الصمود الذي هو بالأساس ليس خياراً شجاعاً بقدر ما هو أمر مفروض، فالخروج للشارع في هذه الحالات ليس أرحم من الاحتماء في غرفة داخلية، لهذا بدأت أفكر بالأشياء التي لا بد أن أحملها معي وهل ستكون لدي فرصة لفعل ذلك أم سيحدث لي ما حدث لخالتي عندما لم تجد فرصة سوى للهرب بأبناءها ونسيت حتى إغلاق باب منزلها خلفها..

    تفقدت للمرة المليون حقيبة النجاة الجاهزة منذ مدة طويلة وبانتظار حملها فقط عندما تأتي ساعة الهروب، الهويات الشخصية وبعض الأوراق الثبوتية وأدوية الحمل وبعض النقود، فكرت هل أضع فرشاة أسناني أم أن منظر لاجئة هاربة سيبدو غريباً عندما تحمل فرشاة أسنان معها؟ أما الملابس فلم نعد نحتاج لأكثر مما نرتديه ونقوم بغسله وإعادة ارتداءه بعد أن كانت خزانتنا تغص بالملابس وما نلبث أن نملها فنجددها..

    قذيفة جديدة هزت أرجاء المنزل جعلتني أفكر جدياً بموضوع أهم من الملابس.. ماذا عن عصافيري؟ هل أحملها معي؟ لكني سأبدو أكثر حماقة وأنا أهرب مع قفص من عصافير العاشق والمعشوق ولم يعد هناك هذه الأيام مكان سوى للكراهية، إذا لا بد من فتح باب القفص لهما فعندما نهجر المنزل لن يجدا من يضع لهما الماء والطعام وسيموتان جوعاً وعطشاً وسأكون مسؤولة عن موتهما، لهذا فقد قمت في الأيام السابقة بتدريبهما جيداً على الطيران، أطلقهما يومياً في أرجاء الغرفة ليستعيدا رشاقة أجنحتهما رغم أني أعلم أن طيوراً ضعيفة وهشة كهذه لن تقوى على الحياة في تلك السماء التي أصبحت تمطر رصاصاً في عز الصيف، فحتى عصافيري كانت تصمت وتصغي عندما تسمع أصوات الرصاص ولا أظنها ستجرؤ على الخروج من قفصها حتى لو أبقيته مشرعاً لها.. أما تلك النباتات فقد نظرت إليها معتذرة بأني لن أتمكن من إنقاذها لو بقيت بلا ماء في الأيام المقبلة..

    اللابتوب هو الشيء الوحيد الذي لن أساوم على حمله إن سمح لي الوقت، فهو النافذة التي أطل من خلالها على أخواي وأطمئنهما عندما أفلح في التقاط التغطية، أننا ما زلنا على قيد الحياة وأن الحياة ما زالت جميلة وأن الصغيران حفظا صورة عمهما وصوتيهما واسم البلدين الذي يقيمان فيه وعما قريب سيكون لديهما لقب جديد هو "خالو".. وقد هددني هذا الخالو ذات مرة أنه سيستقل أول طائرة عائدة عندما أرفض أن أخبره بالتفصيل عن وضعنا اليومي أو لم أتبع تعليماته الوقائية كوضع الأشرطة اللاصقة على جميع شبابيك المنزل رغم سخرية والدي الذي لا يجد مبرراً لكل هذه الاحتياطات فهو مصر بأن القذائف قد تخترق أي منزل إلا منزله لسبب لا يدريه حتى هو..

    يتحدثون كثيراً هذه الأيام في النشرات الأخبارية عن كارثة إنسانية، ويبدو أنهم يعنون بها الجثث المرمية في الطرقات ولا تجد من يدفنها والأوساخ المتراكمة في الشوارع ويرفض موظفو البلدية جمعها وأسلاك الكهرباء المقطعة وأنابيب الماء المفجرة.. بينما في الطرف الآخر من المدينة رجل يبدو من أناقته الخمسينية أنه أمضى ربيع عمره في شوارع أوروبا النظيفة، يتسوق في السوبر ماركت قبل الافطار بساعات وينتقي أفضل أنواع المشروبات الرمضانية ليطفئ بها عطشه، ثم عندما يصل للمحاسب ويناوله هذا كيس النايلون الأسود ليضع فيه مشترياته يزبد ويرغي غاضباً مهدداً البائع بأنه لو كان في أوروبا لكان قاضاه وأدخله السجن لاستعماله هذه الأكياس التي تسبب السرطان..

    وكل يرى كارثته الإنسانية كما يحلو له.. بالنسبة لي لم أهتم يوماً لأي من التحذيرات الطبية سواء من التدخين أو القهوة أو أكياس النايلون أو الطعام الجاهز أو المجمد وربما لم أستوعب حتى الآن أبعاد الكارثة الانسانية التي يتحدثون عنها أكثر من انزعاجي من تكاثر الذباب وهجومه الشرس على أي بقعة طعام نسهو عنها.. ما شغلني أكثر هذه الأيام هو أن هناك كارثة انسانية أخرى لم تلحظها وكالات الأنباء بعد.. وهي كم الكراهية والحقد والخصام الذي كشفت عنه هذه الأزمة، فهل يمكن لأحد أن يصدق أن هناك وفي ظل هذه الظروف من يمكن أن يشمت بدمار بيت شخص ما، أو أن هناك من يدعو على آخر بأن تهطل فوق رأسه قذيفة تعاقبه على إغضابه الطرف الأول، أو من يفرح بتشتيت شمل أسرة ما، كل ذلك يحدث وبكل صراحة وتجرد حتى أني قبضت بالجرم المشهود على إحدى تلك المشاعر تتجول داخلي في لحظة من اللحظات.. كشفت هذه الأزمة عن كارثة إنسانية حقيقية منتشرة بين جميع الناس وبلا استثناء.. فأمام كارثة النزوح اضطرت بعض الزوجات للجوء لمنزل حمواتهن الذي لم يزرنه منذ أعوام طويلة.. واختفى البعض الآخر ناجين بزوجاتهم وأولادهم ناسين أو ربما متناسين والدهم العجوز الأعمى فهو ميت بكل الأحوال ولا داعي لإنقاذه.. أما من يموت موتاً طبيعياً هذه الأيام فهو كمن يطلق نكتة سامجة بل ومزعجة، إذ لم يعد هناك مؤسسات مسؤولة عن تسجيل وفاته ودفنه بالمراسم المعتادة وإرسال المغسل وحافر القبر فيقوم ذويه بكل ذلك على عجل وينقلونه في عربة شحن البضائع بدل سيارة دفن الموتى ويرمونه في أقرب حفرة ويعودون مسرعين للاختباء في بيوتهم من جديد..

    أتساءل هل بعد انتهاء هذه الأزمة، إن بقينا أحياء، ستتغير نفوسنا.. هل سنكتفي بنوع واحد من الملابس ونتخلى عن اقتناء المزيد من الممتلكات التي تزيد قلقنا وارتباطنا بالمكان.. أصبحت الآن متصالحة مع نفسي ومبتهجة حتى عندما يخبروني بأن منازل صلاح الدين تنهب.. سعيدة بمجرد فكرة أني سأتابع حياتي مع حقيبة نجاة فقط وحينها سأسافر إلى لبنان ربما.. أخي الهارب من التجنيد الإلزامي لئلا يطلبوا منه إطلاق النار على أحدهم كجزء من واجبه الوطني، يحدثني عن بيروت وأهلها المجانين الذين أصبحت كل لحظة حياة عندهم متعة بحد ذاتها، فهم يرقصون حتى على صوت المسحراتي عندما يأتي بكل سذاجة لإيقاظهم للسحور وهم لم يناموا بعد.. شروط الحياة لديهم تكاد تكون معدمة، الماء شحيح والكهرباء ضيف عزيز وثمن الطعام أغلى من حياة أي إنسان هناك ورغم هذا لا يفوتون أي فرصة للضحك والابتهاج.. لقد خرجوا من الحرب يحبون الحياة ويعيشونها بصدق..
    لا أريد أن أمتلك منزلاً بعد الآن فعندما يقصف سأكون سعيدة أكثر لو كان مستأجراً ولن أفكر بعد اليوم بامتلاك سيارة فعندما تتحول السيارات لصفيح من المعدن لن أحزن وسأجد ذلك أفضل لتخفيف أزمة المرور.. لن نضطر بعد اليوم للاهتمام بأي مظهر اجتماعي غبي، فنحن خارجون من حرب ولن يكون لدى أي منا الوقت للاهتمام سوى بشؤونه وإعادة ترميم حياته على الشكل الذي يعجبه، لن يفرض أحد علينا طريقة حياتنا بعد الآن فنحن خارجون من الموت مولودون من جديد لنعيش حياتنا كما نريد نحن..
    To be or not to be
    That is the question


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    شكراً من القلب لكل من رد أو أرسل ايميل أو مسج أو اتصال أو مس كول
    أطمئنكم بأني لن أموت حالياً فالموت يختار الطيبين فقط..
    To be or not to be
    That is the question


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محترم جدا
    الردود
    1,384
    جـميل جـدا هذا الوصف للواقع .
    ومنذ لا أدري وأنا لم أكتب لأحـد في الساخر " جميل جـدا " .


    ولأنني قررت ألا أتلفظ بعد اليوم بأي كلمات نابية لئلا يسمعها طفلي لهذا كنت أصمت رغم رغبة ملحة بأن ألعن جميع مشتقات كلمات الحرية والعدالة والمساواة وجميع الأصوات المؤيدة والمعارضة والصامتة والصاخبة والنابحة والزاعقة..
    هناك عبارة نسيتها , حاولت أن أتذكرها لعشر دقائق ولكنني لم اُفلح, عبارة قصيرة تختزل هذا المعنى .أريد منك فقط أن تعرفي أن هناك شيء كان من الممكن أن يكون جميلا؛ ولكنني نسيته هنا .
    وأحلم يا أمي أن أعض بأصل شجرة حتى يدركني الموت وأنا على ما أتمنى..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    المكان
    حيثما يكون الضوء ... خافت
    الردود
    715
    التدوينات
    7
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Ophelia عرض المشاركة
    شكراً من القلب لكل من رد أو أرسل ايميل أو مسج أو اتصال أو مس كول
    أطمئنكم بأني لن أموت حالياً فالموت يختار الطيبين فقط..
    وما الذي تحسبينه يجعل الأرض ولا تزال تدور يا Ophelia غير دموع من يتركهم عليها من هؤلاء؟
    على من تشرق الشمس إذاً؟
    كيف ينمو الزهر الذي ليس يذبل؟

    حفظك الله ورعاك Ophelia ... أنت ومن تحبين
    وحفظ لك ذاك الجنين الذي ينمو في أحشائك لتريه وقد ملأ الدنيا بكل الحب الذي سيرتويه من عينيك.

    نون

    (س م س إلى المراقب العام ... لماذا لم يتم تثبيت هذا الموضوع؟؟ أم تراك تنتظر أن يفعل هذا رقيب "الجحش الحر"؟؟ )
    عُدّل الرد بواسطة نـون الـثـامـر : 24-08-2012 في 07:44 PM

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المكان
    في سجن يحرسه سجناء ولصوص!
    الردود
    207
    اعانكم الله يا أختي..اتفهم موقف...
    إمرآه فقدت الموأى الدافئ الذي كان يظلَّلها وهجرتها الحرب من حيها وهي حامل.!
    وأتت هنا معبرة عن مشاعرها بصدق وتلقائية..تخصها
    اتفهم معناتكِ يا أختي ومعاناه أهلنا السوريين هناك وادعو لكم الله بفرجٍ قريب..


    أنا أيضاً أفهم عليك لو رأيتِ أن : الجيش الحر..
    هو الجحش الحر..أو الضبع الحر ..
    أو آي حيوان آخر...

    وبالمناسبة!
    هذة ليست أول الألقاب التي يحصل عليها هذا الجيش..؟ولن تكون الأخيرة فنظام السوري وقناة الدنيا قبلك احتارو فيهم !
    مره:لقبوهم بالمخربين ! واخرى باالارهابين ! وثالثه مندسين ! ووو...الخ
    .......
    ادرك ان مايحدث في سوريا..من امور مروعه جدا جدا..جعلتني اتردد وأخجل من الرد عليك مع اني كنت من أوائل القراء لهذا الموضوع؟والسبب عهر حكوماتنا وموت ضمير أمة الإسلام تجاة مايحدث لناس هناك!مصابكم يا أختِ جلل!! صحيح..
    لكن؟ تأكدي:أن رحمه وقدرة ربي وربكِ اوسع وأجل..

    الاسباب لما حل بكم كثيرة..
    لكن الجيش
    الحر ليس منها !

    ليس من العدل والوفاء التهكم بإسم هو تاج شرف وعزة وكرامة لكل سوري وعربي ومسلم وآي بني آدم يملك ذرة من ضمير!
    هذا الجيش بناه وأسسه البطل والحر المقدم/
    حسين هرموش!
    هرموش !
    الذي ترك المنصب والرتبة والأسرة وفر للجبال في العراء لوحدة!
    ليعلن الحرب على جيش كامل!!
    لما رأى هذا الجيش يقتل الاطفال ويغتصب النسوة! ويعربد بخلق الله!

    حسين هرموش الذي يقبع الآن في سجن النازية مقيد بسلال عند نظام قذر وفاجر لايخاف الله ! وانتِ إبنه سوريا وبمقدورك تخيل ماذا فعل به
    الجند الآن!والمنطوين تحت هذا الإسم حالهم لايبتعد عن الهرموش يواجهون الموت والإعتقال ونقص الذخيرة! ويعيشون في العراء..
    من المؤلم لتضحيات الأبطال الذين باعو حياتهم من اجل ان يعيش غيرهم قول هذا..!!

    ثم ألم يسألكِ أبن أخاك :
    ياعميمه !!
    من قذفنا بقنابل مشعة في صلاح الدين؟؟

    الم يسألكِ ياعميمة :
    لما تحلق الطائرات الحربية والمروحيات فوق سماء بيتنا؟؟الم يسألكً ياعميمه! عن من دمرو مدرستة بصلاح الدين؟ الم يسأل عن الحديقة ؟ كل شي هناك مدمر وخراب..

    غريبة!!
    ياعميمه تجاهل العالم لمآسي السوريين لكن الأغرب تجاهل السوري لاآخيه السوري!
    والاكثر مراره! حين امد يدي لانقاذك !!
    وأول ماادير لك ظهري تخزني يا أخي بخنجرك..
    وآسفاه..

    معليش ...
    بس مشاعرك كانت لطيفة هنا،،تجاة الجيش والفرقة الرابعه.. !! على الاقل قولي جيش البقر،، فرس النهر ،، جيش الاسد او جيش الكلب ابن الـ..
    بس تدرين..الله يكرم الكلاب وجميع الحيوانات،،ومعك حق لماسكتي؟!
    اكيد مو ملاقيه حيوانات مناسبة..

    الله يقومك بسلامه،،
    استغفر الله..واتوب إلية

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    ..
    .

    حبيبي حازم.. بقي ستة أسابيع على ولادتك، هكذا حدد الطبيب بكل دقة زمن ولادتك لكنه رغم كل مهارته العلمية لم يتمكن من تحديد المكان الذي ستفتح فيه عيناك لأول مرة.. البارحة في إحدى المعاملات الرسمية طلب الموظف مني عنوان سكني، جاء سؤاله مباغتاً كصفعة يتلقاها ولد من أمه قبل أن يعي الذنب الذي ارتكبه.. لحظات شرود وتفكير قبل أن أسأله ببلاهة أي عنوان تريد؟ وقد أصبح لدي منذ أشهر أكثر من أربعة عناوين؟ هل يريد عنوان منزل والدك الذي لم أعد إليه منذ خمسة أشهر أم عنوان منزل جديك الذي تحول لجبهة حرب أيضاً.. أم العنوان الذي نزلت فيه لعشرة أيام فقط أم عنوان المكتب الحالي الذي لجأنا إليه أنا ووالدك ومجموعة من الصراصير التي كلما عبرت عن استيائي من وجودها يذكرني والدك بأولئك المشردين والمهجرين اللاجئين في الخيام على الطرقات أو المدارس أو أبنية الإيواء المشتركة، يقول بأننا على الأقل ما زلنا نملك حماماً خاصاً ولا نضطر مثلهم للانتظار في طوابير أمام دورات المياه..

    نعم ربما من المعيب الشعور بالقرف والاشمئزاز من مجرد صراصير في هذه الظروف لهذا أحاول جاهدة التغلب على خوفي القديم منها مستعيدة حديث والدي عن أقاربنا في لبنان عندما كانوا يضطرون للبقاء في الملجأ لأيام متتالية يأكلون فيها حتى الجرذان التي تشاركهم الملجأ، على الأقل لست مضطرة حتى الآن إلى أكل الصراصير والخلاف بيني وبين والدك ينحصر فقط في كيفية القضاء عليها فهو مصر على دهسها بينما أطالبه بوسيلة أخرى لا تضطرني لسماع صوت تكسرها حتى وإن كانت تلك الوسيلة هي التعايش السلمي معها فقد حاولت في الأيام الأولى أن أتركها تمر بسلام عائدة إلى مخبئها، ولكن يبدو أن هذه المخلوقات أكثر وقاحة مما تصورت فقد اعتادت هي بعد أيام على وجودي ولم تعد تسرع للاختباء حين ظهوري بل وزادت وقاحتها أكثر عندما رأيتها تتمشى فوق أغراضي..


    نعم في ظل هذه المرحلة التي نعيشها بات الخوف من الصراصير أمراً فيه شيء من الترف والبطر فهي مجرد حشرات زاحفة تمارس حياتها الطبيعية بينما حشرات بشرية تتحكم بمصيرنا وحياتنا.. ورغم ذلك نضطر عند المرور بقربها للابتسام والدعاء لها "الله يقويكم.. الله ينصركم" كما كانت تلك السيدة الخائفة على أولادها الشباب عند مرورهم بحاجز الجيش النظامي تردد للعنصرين المدججين بأسلحة أثقل وزناً من أجسادهما الهزيلة ولكنتهما المشبعة بالعنصرية يطمئنان تلك الأم الباكية "لا تقلقي يا حاجة يومين وبترجعوا" وقد مر شهر على وعده ولم نرجع بعد.. ذلك الصباح يا حازم لن أنساه أبداً.. بعد الليلة الأخيرة التي قضيتها مع جديك في منزلهما تحت أصوات القصف والطائرات.. كنت دائماً أكره أن أعرض ضعفي وخوفي أمام أعين الآخرين وأحاول التماسك والادعاء بأني لست خائفة، ذلك اليوم أسندت ظهري إلى أحد جدران منزلنا المتين الذي يقول والدي أن القذائف لا تستطيع اختراقه، مشغلة نفسي بحياكة وشاح صوفي لك، فأنت ستولد مع بداية الشتاء وستكون بحاجة لأغطية دافئة، حكته لك من الصوف الأبيض الناصع وكنت على وشك اكماله تلك الليلة فكلما ازددت توتراً ازدادت حركة السنارة بين يدي وازداد الوشاح اتساعاً ولكن أصوات الرعب والموت كانت أكبر من قدرتي على الاحتمال وكنت أنت أحد الأسباب التي دفعتني للانفجار باكية أمام والداي الذين أوجعهما منظري وأرعبهما أكثر من الموت المحيط بهما..

    انتظرنا طيلة الليل حتى هدأت أصوات القذائف، كنا بلا كهرباء منذ يومين.. ننصت فقط لأي صوت يصدر بالقرب منا فقد كنا نحن الأربعة أنا وأنت وجديك فقط في المبنى بعد أن غادره جميع السكان مع عدد قليل من الجيران في الأبنية المجاورة.. كانت أصوات المقاتلين مسموعة بوضوح فقبل أي اشتباك أسمعهم ينادون "الله أكبر.. الله أكبر.. الله مولانا ولا مولى لهم.." ثم أسمع صوت جارة من بناء مجاور تردد وراءهم: "الله ياخدكم".. صوت مقاتل آخر ينادي ساخراً: "يا بطة".. يكرر آخرون وراءه "واك واك".. أنصت لحواراتهم المسلية ولا أدري هل أحقد عليهم أم أتعاطف معهم أم أدعو لهم أم عليهم.. ولأول مرة في حياتي أشكر الله على دخول وقت صلاة الفجر فبعدها ستشرق الشمس ونتسلل هاربين أثناء استراحة الجيشين..

    مررنا أولاً بحاجز الجيش الحر، بضعة شبان ملتحين غضوا بصرهم لدى رؤية نساء يمرون وكأنهم يعتذرون بصمت عن إجبارنا على الخروج من منازلنا في تلك الساعة.. الشارع الذي كانت قلما تمر منه سيارة عابرة تحول لساحة حرب، بقايا رصاص، زجاج نوافذ، سيارة محترقة بالكامل، أبنية تركت فيها القذائف عدة فتحات، لم نصدق أن كل هذا كان يحدث بينما نحن في الداخل نسمع أصواتاً فقط وندّعي أن بإمكاننا البقاء.. أسرعنا الخطى أمام تذمر والدي الذي يحذرنا بأن المنطقة خطرة وليس هناك متسع للفرجة والتحسر على دمار الشارع، وصلنا حاجز الجيش النظامي حيث توافدت عائلات أخرى من شوارع مجاورة والجميع يحمل على وجهه ملامح الخارج من الجحيم..

    جلسنا على حافة الرصيف نلتقط أنفاسنا ونتلفت حولنا غير مصدقين أنه على بعد شارعين من منزلنا ما زالت الحياة مستمرة وعادية.. عندما كنا في الداخل كنا نريد أن ننجو بأرواحنا فقط، لم نصطحب معنا سوى ما علينا من ملابس وبعض الطعام ورغم ذلك لم أنسى حمل قفص العصافير رغم سخرية أمي التي حاولت التخلص منه وقدمته للعسكري عند الحاجز فابتعد مذعوراً وكأنها تعطيه رصاصتين لا عصفورين بينما قبل بابتهاج عنقود العنب الذي قدمته له عائلة أخرى نازحة.. وجدنا منزلاً متواضعاً رغم صعوبة إيجاد مكان للإيجار في المناطق الهادئة نسبياً أمام استغلال أصحاب العقارات لحاجة الناس فمن لا يستطيع أن يدفع ما يطلبه فليجأ للمدارس أو للحدائق أو يفترش الرصيف أو يذهب للجحيم لا يهم فحتى في زمن الحرب المعاناة توزع على الناس وفقاً لطبقاتهم ودخلهم.. فهناك من وضع أسرته في أول طائرة مغادرة عندما سمع أول طلقة رصاص بالقرب من منطقته الراقية وهناك من تتساقط حوله براميل التي إن تي وليس لديه خيار سوى أن يدعو الله أن لا تكون إحداها من نصيبه..

    بعد أسبوع من النزوح قررنا أن نذهب لتفقد المنزل وأخذ بعض الأغراض.. كان علينا الذهاب في الصباح الباكر قبل أن تبدأ الاشتباكات من جديد ورغم التحذيرات من انتشار القناصة في كل مكان إلا أن فكرة الدخول لمنزلنا كانت هي الهاجس الوحيد المسيطر على تفكيرنا فلا أحد يستطيع أن يمنعنا من دخوله حتى الموت نفسه.. سمعنا عند مدخله صوت رصاصتين ربما لتحذيرنا من التقدم أكثر، لكنا نقف أمام مدخل بيتنا ولن نتراجع.. رغم أني أسكن هذا المنزل منذ أكثر من خمسة عشر عاماً إلا أني لم أشعر بسعادة الوصول لمدخل البناء كما شعرت ذلك الصباح وكأنه مر على خروجنا منه عشرة أعوام لا عشرة أيام فقط.. سبقت والداي لأفتح لهما الباب الذي حرصنا قبل خروجنا على إقفاله جيداً لكني لم أجده في مكانه.. كان ما تبقى منه ملقى على الأرض ولا شيء سوى الرماد والسواد ورائحة الحريق.. أعلم تماماً يا حازم أنك بكيت معي في تلك اللحظة وأنك تعي تماماً ما حدث لهذا لا داعي لأصف لك شعوري أمام ذلك المنظر الذي لم نقتنع قبله أننا نعيش حرباً حقيقية وأن أثرها يمكن أن يصل إلينا ويدمر حياتنا وذاكرتنا.. لم يسبق لي في حياتي كلها أن شاهدت منظر حريق، لم أصدق حينها أن منزلاً بكامله يمكن أن يختفي كل ما يحويه من أثاث وذكريات ويتحول لرماد وزجاج محطم، لم يكن هناك سوى جدران متفحمة..

    أصحاب الإيمان القوي عندما يرون مدى حزننا وانكسارنا يؤكدون لنا أن علينا أن نحمد الله أنه لم يصب أحد منا حتى الآن وأن أي خسارة مادية لا قيمة لها وهذا صحيح.. ويقولون بأن علينا أن نحتسب ذلك عند الله ونعتبر خروجنا من منزلنا هجرة في سبيل الله وهذا صحيح.. لسنا الوحيدين نعم، فالمصائب تعم الجميع، بيوت تسرق بالكامل ثم تحرق، صور خاصة ترمى وسط الشارع، خصوصيات تنتهك، واتهامات تطال الجيش الحر والنظامي ومن هناك يقول أن الجيش الحر أكثر شرفاً وكرامة وهناك من يلعن الطرفين.. ولكن من حقنا وحدنا أن نشعر بالقهر والألم كلما تذكرنا ذلك المشهد فوحدنا أنا وأخوالك وجديك نعرف ما يعني لنا ذلك المنزل بكل زواياه التي تشاركنا ذاكرتنا.. صور طفولتنا التي تحتفظ بها جدتك، صور أبناءها، كتبهم الجامعية، شهاداتهم التي تجمعها منذ الصف الأول وأشياءهم الخاصة التي تركوها لديها قبل أن يسافروا، كمبيوتر خالك وآلة إعداد القهوة الخاصة به وجهاز التسجيل وجميع أشياؤه التي لم تكن تسمح لنا باستعمالها لحين عودته، جميع الهدايا التي أرسلها خالك منذ سفره ولا تستعملها جدتك بل تستمتع بمجرد الاحتفاظ بها.. كلها احترقت ولا تتهم جدتك أحد الطرفين بحرقها، بل تتهمنا نحن فقط وتلومنا لأننا تخلينا عن منزلنا ولم نبقى لنحميه..

    أريدك يا حازم أن تسامحني على تلك اللحظات التي فكرت فيها فعلاً بالتخلص منك، وبأن وجودك يجلب المتاعب لي ولمن حولي ويزيد أموري تعقيداً.. ربما لو كنت مسؤولة عن نفسي فقط لكنت تركت كل شيء خلفي وهربت لأنجو بنفسي، لكني لا أريدك أن تسألني في يوم من الأيام لم فرضت عليك واقعاً وحياة ليست لك، كنت دائماً أتمنى أن أسافر لكن السفر عن رغبة وقناعة واختيار حر شيء مختلف عن السفر كمحاولة للهروب.. لا أعرف أين سنكون غداً ولا إن كان سيصبح لك عنوان دائم عما قريب.. لكني متأكدة من شيء واحد.. أنك لو كتبت لك الحياة ستكون أكثر قوة وصلابة وقدرة على التحمل مني وسأكون دائماً فخورة بأنا استطعنا أن نقاوم وننجو سوية..
    To be or not to be
    That is the question


  11. #11
    أوفيليا حاولت أن أكتب كلاما لطيفا لكنّي لم أوفّق.

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Ophelia عرض المشاركة
    أطمئنكم بأني لن أموت حالياً فالموت يختار الطيبين فقط..
    على كل حال هذا ما كنت أقوله.

  12. #12
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Ophelia عرض المشاركة
    ساءل هل بعد انتهاء هذه الأزمة، إن بقينا أحياء، ستتغير نفوسنا.. هل سنكتفي بنوع واحد من الملابس ونتخلى عن اقتناء المزيد من الممتلكات التي تزيد قلقنا وارتباطنا بالمكان.. أصبحت الآن متصالحة مع نفسي ومبتهجة حتى عندما يخبروني بأن منازل صلاح الدين تنهب.. سعيدة بمجرد فكرة أني سأتابع حياتي مع حقيبة نجاة فقط وحينها سأسافر إلى لبنان ربما.. أخي الهارب من التجنيد الإلزامي لئلا يطلبوا منه إطلاق النار على أحدهم كجزء من واجبه الوطني، يحدثني عن بيروت وأهلها المجانين الذين أصبحت كل لحظة حياة عندهم متعة بحد ذاتها، فهم يرقصون حتى على صوت المسحراتي عندما يأتي بكل سذاجة لإيقاظهم للسحور وهم لم يناموا بعد.. شروط الحياة لديهم تكاد تكون معدمة، الماء شحيح والكهرباء ضيف عزيز وثمن الطعام أغلى من حياة أي إنسان هناك ورغم هذا لا يفوتون أي فرصة للضحك والابتهاج.. لقد خرجوا من الحرب يحبون الحياة ويعيشونها بصدق..
    لا أريد أن أمتلك منزلاً بعد الآن فعندما يقصف سأكون سعيدة أكثر لو كان مستأجراً ولن أفكر بعد اليوم بامتلاك سيارة فعندما تتحول السيارات لصفيح من المعدن لن أحزن وسأجد ذلك أفضل لتخفيف أزمة المرور.. لن نضطر بعد اليوم للاهتمام بأي مظهر اجتماعي غبي، فنحن خارجون من حرب ولن يكون لدى أي منا الوقت للاهتمام سوى بشؤونه وإعادة ترميم حياته على الشكل الذي يعجبه، لن يفرض أحد علينا طريقة حياتنا بعد الآن فنحن خارجون من الموت مولودون من جديد لنعيش حياتنا كما نريد نحن..
    قيل لأحد التابعين أن منزله يحترق ، فعاد يجلله الوقار المعروف به ودخل بيته ، فحمل إبريق وضوئه وسجاده وخرج وهو يردد " ربح المتخففون "
    عوضكم الله بخير مما فقد منكم
    بالنسبة لـ " سي حازم " فالله يعطيك وقفة ساهلة ويتربى في عزك وعز والده

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2002
    المكان
    أبي كان في الجَنّة !
    الردود
    2,958
    ربما ستمر سنون.. وربما سأطرق متكئاً على عصاي.. أعيد شريط الذكريات والأيام والوجوه.. أتذكر أني في شبابي كنت أقرأ لنازحة تكتب مذكرات الحرب والحب وهي تحت أمطار الرصاص وسحب الدخان الأسود.. تحكي عن خوفها وذكرياتها.. وحبها لجنينها.. وقريتها الآمنة التي ذاقت لباس الجوع والخوف..

    ما خنقني شيء كحديثك عن كوب الماء البارد الذي أصبح ترفاً لا ينبغي.. قرأتها وأنا أمسك كوباً في يدي غير آبه به، غير شاعرٍ بنعمته..

    يا خوف فؤادي .. من غدٍ.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    فى غيابة الجب
    الردود
    364
    عجل الله لكم بالفرج
    كأمٍّ ذاقت لذة الأمومة أعلم كم تعاني حبيبتنا أوفيليا في ظروف قاهرة كهذه وأدعو كل يوم على الظالم بشار وأعوانه وألهج بالدعاء بالنصر للجيش الحر الذين هبوا للدفاع عن الدم والعرض والمال ..
    لَيْتَنِى طِفْلَــــــة .. تَبِيعُ أَحْزَانَهَـــــا بِقِطْعَــــةٍ مِنَ الحَـــلْوَى ..

  15. #15
    ياألله ..
    الكثير من المواجع لايستطيع ترجمتها قلم ولا كيبورد ..
    هنا شعرت أنني يجب أن أخجل من نفسي حينما أضع رأسي على الوسادة وقبل أن أغمض عيني
    أفكر ملياً .. كم ساعةٍ سأقضيها في المقهى وكم حجر شيشة يكفيني الى أن أعود ليلاً ، وهل سأكمل التسع ساعات دون أن تُطفئ والدتي المكيف ..
    لم أشعر بما يحصل خارج حدود المدينة المنورة ، ولم يُسعفني فضولي أن أتابع قنوات الاخبار التي تدعي أنها تضع المشاهد بالحدث ..
    لم أتخيل بشاعة العالم المزعج الذي لايكف عن المشاكل والحروب ..
    ولم أتخيل أن ماأسمع عنه حقيقي إلا بعد أن قرأت ماهنا مرتين لأتأكد من فضاعت العالم وسلامة نظري .

    كان الله في عونكم ..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •