Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: عيدك كتابة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802

    عيدك كتابة

    المفترض أن هذا النص مكتوب للفيس بوك , لكن لا بأس والأجواء عيد من أن نعيد هنا .
    إثباتا مني لنفي سؤال تم طرحه علي في الفيس بوك : هل انتهى عصر المنتديات ؟
    الجواب : لا .
    ولأصدقكم الحق , الاتصال عندي سيء , وبدلا من اعطاء صديقتي رقمي السري في الفيس لتدرج النص , فإن اعطاءها رقمي السري في الساخر سهل .
    الفيس يحظر الحسابات التي تُفتح من أكثر من كمبيوتر , من باب الأمان .



    .

    تضحك ؟
    أنا أضحك , وكلما تخيلت وجهك المحمر سخرية بي ضحكت أكثر ..
    أكره المسابقات والتحديات , ولم يحدث أن اشتركت في تحدي سوى مرتين , المرة الأولى لما قفزت من فوق سطح منزلنا إلى سطح منزل عمي والمرة الثانية معك وأنا أكتب نص سارة , أتبعه بنص وضاح , من بعد نص ياء , لأنك كنت تتحدى أن أكتب بنفس الجودة كل مرة ! .
    و " بندول نايت " تذكره ؟
    النص الذي كرهت أنت كثيرا من فقراته , رغم أنك أخبرتني بعد قراءته :
    "يمكنك الكذب باحتراف كروائية " ! .
    بالنسبة لي لم يكن بالنص السيء صدقا ً , وكلما عدت وقرأته مرة أخرى أضحك , ونادرا ً ما يضحكني نص لي .
    وأذكر أني دافعت عنه باستماتة , لم أفعلها مع أي نص من نصوصي لما انتقدته صديقة لي ؛ عادة لا يرضيني ما أكتب أبدا .
    يشبه " بندول نايت " بالضبط حبة تخدير , أو حبة منوم كما هو مطلوب منه تماما , وفي تلك الأيام كان مبرور يستيقظ في قلبي فـ " أهوجس " به حتى أفتح عيناي فجأة , فيظل يهدهدني ناعسة حتى يعاودني يقيني , و أفقد برودي الذي اكتسبته مؤخرا .
    من المدهش كيف يمكن أن يفعل بنا بطل من ورق .
    وإلى الآن , كلما تذكرت ذلك النص , تستيقظ في نفسي نفس الصورة تماما لنفس الكائن المسمى مبرور ! , وأشعره حقيقي أكثر من أي شخص حدث وكتبت عنه قصة , وأكثر حتى من أي شخص عرفته , لقد كان له رائحة وصوت , و "شعر منكوش " يجعلني غارقة بالتسلية !.
    تحسبني أبالغ ؟
    أقسم لك , لا أبالغ , كان حلو ذلك الإنسان لدرجة أني ظننت بأنه لن يحدث و انتهي من ذلك النص , لا أعرف كيف فقد الأمر جاذبته بالنسبة لي وتلاشى هوسي .
    مشكلة الكتابة البعيدة زمنيا ً أنها تفقدك الحماسة , وتنسى مذاق هؤلاء الإنس الذين تبرعموا في رأسك حتى خرجوا من مرحلة المخاض , و عنت الولادة إلى طفولتهم , و التي من المفترض أن تمتد وتغدو حياة كاملة .
    الكتابة المتباعدة زمنيا تجعل أطفال الحكايات يموتون بعمر صغير .
    ما كان يرتسم في خاطري أبطال النصوص التي أكتب إلا نادرا .
    أعرف شكل وضاح , وأكاد أستطيع رسم صورة سعيد صاحبه , وهناك شاب اسمه عبد الإله كتبت عنه ربما ـ وربما لم أكتب ـ نسيت , يكاد يخترق بؤبؤ عيني لشدة ما هو يحشر ملامحه في .
    عداهم لا أذكر أني رسمت صورة لأحد .
    تعرف متى سأكتب رواية ؟
    لما يصبح لدي خمسون شخصية أستطيع تتبع ملامحهم بأصابعي , ولمس أفئدتهم بتخاطري , لما يتناوبون على ايقاظي كعجوز ساحرة لا بد أن تجلس كاتبة ليصبح لهم وجود ومعنى , أما قبل هذا فأنا أتسلى كما أتسلى بالكتابة لك الآن .

    يحب كثير من الناس نصين لي : " ملهاة إنسانية " .. أحسب اسمه هكذا , و " ياء " أما أنا فلا أحب
    أيا منهما كما ينبغي , أحس أنها نصوص قهر , ونصوص مختلطة بالكثير من العذاب الذي له نكهة دم راعف بالفم والأنف , لأنها كانت أكثر النصوص شبها ً بالأيام السيئة من الحياة .. ربما لو جربت فيما بعد , أقصد بعد فترة من الزمن التصالح مع أيامي السيئة تلك فسأنظر لهذين النصين وغيرهما ببعض الإعجاب .
    أحب نص " بندول نايت " أكثر من أي نص آخر , ولو سألتني لم ؟
    لأجبتك : يشبهني من الداخل , ويشرح بصورة مستفزة كيف كانت تتحرك حياتي طوال الشهور التي كنت أكتب بها ذلك النص , أحب النصوص التي تجعلني أعيش اللحظات مرة أخرى دون التفافات , و بلا كثير بهارات , أستعين بها لأداري سوأة شعور , إنها تماما تشبه كشوف الحساب .

    والآن أنظر ماذا يحدث معي !
    أحاول الكتابة لك منذ شهر أو يزيد , وعندما أجلس لأفعلها , أرعف كل هذه القصص , القصص التي لا تدري ما تريد ولم تأتي .

    http://www.alsakher.com/showthread.php?t=164205

    لا يوجد في حياتي خال رضاعة , كانت هذه أحدى " الأشياء " المكذوبة ببراعة , ليس في هذا الزمن , بل منذ سنوات , أذكر أني ألفت هذه القصة لسبب ما , وحكيتها للرجل الذي حدث و وهبته فؤادي ! , ولم أخبره فيما بعد أني كنت ألهو كاذبة لأسليه , تحدث الكذبات كهذه دون تخطيط مني , لما أصبح مضطرة للثرثرة , أختلق قصصا وأعيشها , ولا يكتشف أحد أني أكتب بلساني كما أكتب بقلمي , هل يسمى هذا كذب ؟ وتدري ؟
    لما أدرجت النص أصبح لهذا الخال ملامح أخرى , وكدت أجلس لكتابتها و أأثثها تفاصيلا ً , عقلي لا يتوقف عن اختراع الهراء كما ترى .
    لما كنت صغيرة ـ مازلت أفعل ـ لم أتوقف لحظة عن اختراع القصص في رأسي , و ابتكار شخصيات لها ألف شكل ولون .
    وكان لدي عذر دائم لسهوي , بحيث أن أحدهم لما يسألني بماذا عقلك مشغول ؟
    فإني أمتلك قصة بديلة لا تحرجني , أكذب بها عليه , كثيرا ما كانت أمي تسألني هذا السؤال وكثيرا ما كنت أكذب ! .
    ولما تزوجت وأصبح من الضروري أن أغدو ثرثارة لن تصدق عدد القصص والشخصيات التي أدعيت لزوجي أنها مرت بحياتي ! .
    مؤخرا ً غدا عمي يقول : هذه البنت عذرها بجيبها , لأني ما كففت بسرعة بديهة أكسبتني إياها الأيام أجيب بسرعة عن كل سؤال محرج يتم إلقاءه علي .
    لدي دائما ً قصتي , وأعترف أني مارست هذه الهواية عليك , كما مارستها مع الجميع , لم أعد أحسن الحديث بلا بهارات أو قصص مخترعة , بل لم أحسن الحديث أبدا بأي صدق عدا صدقي هذا , و أحسبني أعتذر لنفسي دائما بأن هذه أزمة روائيين ! .
    مرة ــ أذكر هذا بدهشة الآن ـ ابتكرت شخصية لعجوز , وجعلت لها منزلا من طين , و أولدت لها ابنة مهووسة , تكتب مذكراتها بالعكس , أقصد أنها تكتب حروف الكلمات بالعكس , وكل حكاية تكتبها تنساها مباشرة , ثم تعجز عن فك شفرة تلك المذكرات , وفي يوم حدث وأكتشف مذكراتها أحدهم ينقب عن كنز له , حلم ذات مساء أنه مدفون تحت شجرة سدرة , فحسب أن لغة تلك المذكرات التي تبدو عتيدة , يلونها الطين من جوانبها , وقد أكلت " الربية " نصف أوراقها , هي لغة حدث و اندثرت , فجلس ذلك المكتشف يبتكر على حسب معرفته باللغات القديمة رموزا توافق تلك اللغة , ويحولها للغة الناس المنطوقة في زمانه ؛ ليؤلف هو أيضا مذكرات يحسبها ترجمة لما عثر عليه من كنز , وهو لدهشة القدر إنما كتب أسرار الكون , أجراها الله على يده , ثم أصبح منجما ً لما شاهد أن تلك المذكرات تتحدث بالفعل عن أشياء تحدث , وحسب أنه عثر على سر لـ منجمة ! .
    وفي صدفة ما , جلست كاتبة المذكرات الأصلية بين يدي المكتشف تطلب منه أن يقرأ لها حظها , فلما فعل أجهشت بالبكاء , ثم تفاصيل كثيرة ..
    ثم إنه حدث وجمعتهما قصة حب , وفجأة وقعت الفتاة على مذكراتها في خزنة ذلك المنجم , فلما سألته عنها أخبرها بأنها كتاب كون ! .
    الفتاة باستهتار أخبرت محبوبها أن كتابه لا يعدو أن يكون محض مذكرات سخيفة لها . طلب منها علامة , الفتاة لم تمتلك علامة , لأنها محض مهووسة تنسى ! , رفض المنجم أن يمحضها ثقته وتصديقه , ثم طلقها .
    جنت الفتاة "بشكل رسمي " , فبدأت تكتب مذكرات لا عد لها , يكتشفها ذلك المكتشف , يترجمها للغة الناس المنطوقة , فتغدو معجزات ! .
    ومثل هذه القصص وأخواتها لم تخرج عن قصص أحكيها لأخوتي الصغار ساعات ليال الأنس , ولم تُكتب يوما .
    وهي قصة بلهاء كما ترى , وكما يليق بقصص مرتجلة لأطفال , غير أن الرسالة الأكثر عمقا مما يمكن أن يصل لطفل :
    أنها معجزة الأنثى لما يفسرها رجل , الرجل هو المعجزة في الحكاية , لكن معجزته لم تكن لتحدث لولا أنثاه ! .
    و تلاحظ ؟
    يحدث لنا ما نؤمن به بقوة .
    قبل شهور أخبرتك أني قد صدمت بسيارة وأنا مشغولة الخاطر أكتب في رأسي , كانت الصدمة خفيفة , لكن المتفرجين صعقوا , وسألني أحدهم وهو يوقفني , لما بدا أن تصرفاتي لا تشف إلا عن نائم أستيقظ فجأة : صماء يا بنتي ؟
    فلم أتحدث إليه , فأخبر المحيطين بنا : صماء البنت يا جماعة , أدعوا لها بالشفاء ! .
    لم أسمع صرخات المارة ولا صوت المنبه , كنت ذاهلة .
    أمس أحرقت يدي وأنا أخرج الصينية من الفرن دون وقاية , كنت أفكر بقصة أخرى .
    أما القصة الفتنة حقا والتي يحرقني وجهي كلما تذكرتها فحدثت مع سائقنا المكاوي الأسود .
    سائقنا الأسود المكاوي لم أحدثك عنه , وكيف أنه ينفع بطلا لرواية , وأن المواقف المحرجة ما كفت عن الحدوث لي معه , في كل يوم من تلك السنة , مشكلة يا "هواي" لما تكون مهوي ! .
    كنت راجعة من الجامعة , فتوقف السائق عند بيت في العزيزية فنزلت , ناداني فلم أجب , ومكثت أمشي بين الحواري هناك , ثم فجأة تنبهت أني لا أجد بيتنا ! .
    تعرف كم المسافة بين العزيزية والشرائع ؟
    أنا لا أعرف , أعرف فقط الطريق الذي يوصلني للمنزل من " رامز " العزيزية إلى كبري الملك عبد العزيز , تلتف حول الحديقة الموجودة خلف "بن داود" ثم تسير " سيدى " حتى تصل لمنى , ثم طريق المجازر , ثم الشرائع , ثم تسير بين حواريها حتى تصل لمنزلنا بمخطط " .... " .
    فمشيت تلك المسافة لأني أخاف ركوب سيارة أجرة , وتحرجت أن أتصل على أهلي فأخبرهم أني قد نزلت ساعة " فهاوة !" وعاكسني عشرات الأشخاص , و لما وصلت للمنزل كنت غاصة تماما بالعرق وأكاد يغمى علي لشدة الحر والتعب .
    تعرف بما انشغلت يومها ؟
    كيف سيكون منظري أمام السائق الفضولي والذي يتحدث كثيرا بــ "ركازة " , وكأنه لا يتحدث ! .
    في اليوم التالي سألني : يا بنت أنت وين بيتك بالضبط ؟
    أجبت بجواب لم أحضر له : نزلت عند صديقة لي بالعزيزية , كنت مستعجلة .. حدث بمنزلهم حادث , والدها توفي , البقية في حياتك .
    ثم أردفت تحت دافع غضب طاريء : " ممكن حضرتك تبطل تكلمني , مو كل مرة راح أتعنى بدافع الأدب أرد عليك .. كما تفعل الفتيات هنا " ! .
    ابني مسكين هذا المساء ! مسكين جدا لو تدري .
    أصبح يقف هذه الأيام , لكنه يتعجل المشي فيسقط , كما أنه يبكي بطريقة مضحكة , وهو يعبر عن حبه لي بشد شعري حتى يساوي وجهي وجهه تماما ً , فيقبلني , ثم يغالي في الحب فيعضني ! .

    هذه الحكايات والأحاديث ليس من المفترض أن تكون عيديتك , غير أنه لو يحدث أن تنفتح نافذة من مجلسك إلى مجلسي الآن و تشاهد عدد الأطفال الذين يلعبون حولي , وعدد الأشخاص الذين يكلمونني , وكيف أني أكتب لك وأطبخ السحور أيضا ً لعلمت أن هذه الأحاديث لم تكن لتخرج بأفضل من هذه الصورة .
    هنا خمسة فتيات , ستة أطفال صغار كلهم بالروضة والتمهيدي , ابني , زوجي وعمي , جميعهم يتناوبون حديثا وعبثا فوق رأسي دون هوادة .

    ملاحظة ختامية :
    أتحدى أن يتم اكتشاف الحقيقة في هذه الورقات من الخيال , والصدق فيها من العبث .

    على الهامش :
    أحب الملاحظات مؤخرا ً , تلاحظ ؟
    تشبه ما أفعله مع الأطفال هذه الأيام وأنا أعلق لهم تعاليم وأنظمة وقوانين بأبواب المنزل تعلمهم ما أنتظره منهم من أدب ! .



    .


    "
    شتات" لا بأس به , وأحبه .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المكان
    غزة
    الردود
    87
    لست أدري لماذا تروق لي تلك النصوص المبعثرة؟ شكرا على بعثرتك التي لملمت شوارد نفسي . بمناسبة ذكر لغة الشيفرة ونسيانها ذكرتيني بنوتة محاضرات لي كنت ألخصها على طريقة الترميز ونسيت فكها في ورقة الامتحان،بعد أن حفظنها زميلاتي عن ظهر قلب، وكانت سببا في تفوقهن علي و تدني درجتي .شكرا لك مرة أخرى على جمال نصك، ولأنك أضحكتيني من كل قلبي وأنا أتذكر سذاجتي.


    ربّاه قد عشت في دنيايى مغترباً ويلاه إن أغترب في العالم الثاني
    استغفر الله من كفـــران نعمتِـــــه بـل فـوق مـا أستحق أعطـانـــي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    .

    اليوم الثاني للعيد , من عام 1433 .. الساعة 11 و 20 دقيقة صباحا ..
    منذ أن بدأت الكتابة إليك , في السابع والعشرين من رمضان إلى هذه الساعة , لم أحصل على قسط من النوم يتجاوز الساعتين و نصف كل يوم .
    عقلي ماكينة أفكار , و الحياة ضاغطة جدا هنا , وإن كانت تمتعني , وتناسبني .

    البارحة غفوت مرتين , وابني يلعب إلى جوار السرير , منتظرة أن يرحم إرهاقي وينام , غير أنه ما كف عن إسقاط الأشياء كل مرة , أو الحبو إلي والوقوف على طرف السرير حيث أضع رأسي ليكون تحت مستوى نظري , فيتعلق بشعري فأستيقظ فزعة , ثم لما جاء والده , ذهبنا للمشي طوال المساء , نبذل ما يسعنا لينام هذا الصغير .
    وشربنا من جرة الماء التي نضعها في حوش منزلنا , وقد أصبح ماءها باردا وكأنه من الجنة , ساعة السحر , وهذه أحد التفاصيل الصغيرة التي تجعل حياتي تسير , دون أن يكون بقلبي غصة ..

    حسين أزمة , ينام ربع ساعة ثم يستيقظ 3 ساعات أو أكثر , ويفعل هذا في أوقات غير مناسبة أبدا , أتدري مالغريب بالنسبة لي ؟
    أخذ أسوأ صفاتنا فيما يتعلق بالنوم , فهو كأنا لا ينام ساعة ما تكون الأمور من حوله دافعة للنشوة .. يريد اللعب وكأنه لن يستيقظ في اليوم التالي أبدا ! , وفي وقت النشوة يكون لكل شيء وأي شيء أولوية على النوم .

    غير إني على عكسه أستغرق نائمة خلال ثوان متى ما ذهبت لسريري , و من المؤكد أنني لا أذهب للفراش إلا وقد أصبحت قطعة من التعب, وتبدأ الأحلام متوالية على رأسي , وأرى الآخرين وأحسهم وكأنهم استغرقوا النهار بطوله يتكلمون في قلبي فلما جاء النوم أصبح لأصواتهم صدى ولحديثهم معنى , أما حسين فرغم أنه لا يذهب لسريره إلا وهو مرهق جدا إلا أنه لا يسقط نائما كأنا , بل هو قلق كأبيه , ويحتاج لألف مهدئ لينام , ويجرب كل وضعيات النوم دون جدوى ثم يجزع نهاية , ويستيقظ تكرارا ومرارا تماما كوالده .

    لم أكن بداية أنام بهذه العجلة بل كنت أفكر لساعات وأسترجع يومي كاملا , و إن كان النوم يأتي إلي سلسا ً حتى وإن تأخر , وما أظن ذلك يحدث إلا لأني لا أرفع سيفا ً و أحارب أرقي , فإن لم تأتي جيوش النوم جزعت من سخريتها بي إذ أحارب نفسي وأنا أظنها حربا عليها ! . لأني تعلمت بالتجريب أن هذا لا يجدي شيئا , وإنما يحفزك ويثير دمك , وكلما ثار دمك طال جفاء النوم لك .
    كما أني لا أفعل أي أنشطة في السرير , السرير بالنسبة لي هو مكان النوم لا غير .

    قرأت معلومة طبية لما كنت في الثانية عشرة من العمر تقريبا , تقول : لتكافح الأرق لا تستلقي على السرير لمدة تزيد عن ساعة , تستدعي فيها النوم أن يطرق بابك .
    فتوقفت عن فعل ذلك , وتوقفت أيضا عن القيام بالأنشطة على السرير ؛ زيادة في تهيئة عقلي , بحيث يصبح الاستلقاء على السرير تحفيزا مرتبطا ًبشرط النوم , لا أشتغل على كمبيوتري في مكان نومي , لا اقرأ ولا أشاهد التلفاز , وبذلك ودعت أيام الأرق منذ سنتين ونصف ربما .

    أحاول إقناع زوجي بصحة هذه الطبيعة , ويأبى التصديق أنها قد تنفع معه , ولما أرى " حسين " وما يفعل , أفكر أن الأمر يتعلق بالوراثة ربما.
    لا يعذبني في النوم الأرق , فذلك أمر استطعت التصالح معه , الأحلام هي عدوتي , ومنذ أن أصبحت أعي آلية النوم , وجدت نفسي أصحو وأنا مستغرقة نوما , فيسترجع عقلي كل أحداث اليوم ويفندها , ويعذبني , وكأنني أنام مستيقظة .

    ولما أفكر بشخص يستحيل أن لا أراه في نومي , كما أن النصوص التي لا أكتبها في ساعة اليقظة , تظل تدور وتكتب نفسها لما أنام , ولذلك لما كنت في السكن الجامعي كان إلى جوار رأسي دفتر , كنت أسجل به اللمحات العبقرية التي هي خاصة بوقت النوم , وأسجل بعض الأفكار . بيد أني وجدته أمر سيء تماما ً لأنه يزيدك هواجسا ً , ويحفز عقلك على الحركة , ثم يحفزك على الاستيقاظ تاليا لتكتب .
    القراءة قبل النوم أمتع ما يمكن أن تفعله لنفسك في يقظتك , لكنك لما تنام بعدها مباشرة , وأنت ما اشتغلت مفندا الأفكار التي قرأت , فأنت تهب لنفسك ليلة سيئة من المحاكمات العقلية تستيقظ في رأسك وقد نمت , ولذلك القراءة كالطعام لا يصح تناولها قبل النوم , وإن كان كثير من " مربي الفكر " يحرضونك لفعلها , طلبا في استغلال منفذ واسع للأفكار تدخل عبره لأعماقك , حيث ينام عقلك الواعي أو يضعف , متيحا المجال لعقلك الباطني والذي لا يكف عن كونه شهية مفتوحة يخلط وهمك بواقعك دون أن يُحسن الهضم .

    بعض الناس عقولهم جيدة أو ربما هي خاملة .. لا أدري , فلا تتلبك بما تأكل , ولذلك يحصلون على نوم جيد وإن ما تكن قراءتهم , يشبهون من يملك معدة جيدة لا تتأثر بتناول الطعام قبل الخمول .

    وتلاحظ ؟
    أحكي لك عن النوم والأرق بكل هذا التوسع لأنك تعاني من أرق مستمر , وأحاول بذل معرفتي لك .
    أحب أن أسمي الساعات التي أقضيها بلا نوم أثارة , أنا لا أنام لأني مستثارة , بدلا عن أرقة , وأظل أقضي تلك الساعات في عمل ما أحب بدلا عن القلق بشأن النوم , كما أفعل الآن وأكتب لك , رغم كل ما ينتظرني من عناء بعد ذلك .

    زوجي وابني نائمين كما هو متوقع في أيام عيد لا ننام مساءها , لكني لا أنام , لأني أدرك أن صلاة الظهر بعد قليل , عدا أني مسؤولة عن الغداء , ولن أنام ساعة ونصف لأستيقظ بقية الظهيرة .

    هناك أمر آخر يتعلق بالنوم , أظن أن ساعتين ونصف من النوم تكون كافية ليوم كامل , شرط أن لا تخبر نفسك بأنك لم تنم , إن أخبرت نفسك بأنك لم تنم فسيمر عليك اليوم مجهدا , غاضبا , وبطاقة هابطة .
    أقول لنفسي دائما أني حصلت على قسط جيد من النوم , ولا أحاول العراك مع من حولي بشأن إرادتي الحصول على قسط آخر منه , فأستيقظ وأنا مستعدة للعيش بكل انتشاء بقية يومي , ومتى وجدت فرصة للنوم أنام مباشرة وفي هذا يكون كفاية .

    مشكلة العائلات الكبيرة أنها تتدخل في كل جدول يومك , ونحن العائلات السعودية عادة عائلات كبيرة , ولدينا أطفال صغار ومراهقون كثر في عائلاتنا , ولذلك نعيش كل الفوضى في الحياة .
    المشكلة الأخرى أننا نحن الكبار أيضا فوضويين لأننا لم نتعلم أن نصنع لأنفسنا نظاما ليصبح لأخوتنا و أبنائنا نظام بالمثل .

    أحب أوقات اليوم جميعا , وأحب التمتع بكل ساعة من اليوم , وكل وقت من اليوم مرتبط عندي بشعور جميل يملأ القلب , ولذلك أتمنى لو أقضي حياتي مستيقظة .
    تعرف ما الدعوة التي كنت ألح بها كثيرا على الله ؟
    "يا رب أجعلني لا أنام"

    تمنيت ومازلت أتمنى أن يكون لدي تلك القدرة على البقاء مستيقظة دون نوم كل ساعة من يومي , شرط أن لا أتعب أو يسوء مزاجي لانعدام الراحة .
    أحب الصباح , أحسه وقت تنفيذ كل عمل معلق وحاضر , وأعشق المساء , ويهبني وقت الظهيرة كل الحنين الذي أحتاجه , وساعات العصر هي الساعات التي تستأثر بمتعتي , والمغرب شغل , والعشاء جلسة في وسط البيت لها مذاق كتاب .
    والسحر كتابة ومشي , وأفكار لا تتوقف عن الورود للخاطر . وأنا بيتوتية عتيدة , ولا أخرج إلا ما ندر .

    أكره التسوق , إلا محلات الأثاث والتحف , و لا أحب الزيارات إلا يوم من ثلاثة أشهر , وليس لدي القدرة على الالتزام بأي رابط يربطني خارج المنزل لوقت طويل , ولذلك لا أفكر في وظيفة .
    أحب الأعمال المنزلية , وأحب الرقص , و في كل ساعة من اليوم تجدني " أفرفر " ولا أجلس في مكان , وكلما أصبح رأسي مليء بالأفكار يصبح جسدي مليء بالطاقة , وأحسني أرغب بالركض أو القفز ..

    لا يكف زوجي عن تسميتي " ملجلجة " لأنه يشعر بأني " أبرم وأبرم " حتى وإن كنت في غرفة ضيقة .
    وأظن أنا أن الأفكار الجيدة تماما مثل المخدرات عالية النوعية , ولها نفس أعراضها .

    أظن أيضا أن أفضل الأفكار هي الأفكار التي تأتينا ونحن نمشي , وأعنفها وأكثرها أثرا في النفس تلك التي تجعلنا نرقص أو نركض , وأحبها للقلب وأكثرها عمقا وديمومة تلك التي تجعلنا نمارس الحب ! .
    ومع ذلك فأنا بطيئة في الأكل , وبطيئة في ممارسة الملذات , من شرب كأس الشاي إلى بقية متع الدنيا .

    أحب الطبخ أيضا ً , وأحب القفز لأعلى جودة في كل شيء أمارسه , أحس أن الإتقان هو متعة تُطلب لذاتها .
    و إذا جربتُ متعة للمرة الأولى فإني أغوص فيها تكرارا و عميقا حتى أصل لآخر عمق بها , ثم بعد ذلك يمكنني الصوم عنها وكأنني لم أجربها في حياتي أبدا و ما أصابني هوس اتجاهها . وإذا ما رغبت في ممارسة تلك المتعة مجددا فإني أتناولها ببطء متعمد وأترك روحي وجسدي هما من يستغرقان في المهمة وأضع عقلي خارجا , عقلي الذي استخدمته بكل طاقته في الدهشة الأولى لمتعتي , وأنا أكتشفها بكل طريقة ممكنة , عقلا وعاطفة وجسدا .

    الملذات لما تعود من المفترض ألا تمارس بالعقل تكرارا , لأن العقل ملول , العقل المستكشف ملول , ويحتاج للسبب قبل أن يطلب النتيجة , والمتع لما تتكرر لا تحتاج لسبب بل تُطلب كنتيجة .


    و أظن أن آليتك في ممارسة المتعة هي نفس آليتي , لأني راقبت مسارات المتع لما تستغرقك , إلا أنك تحدد لنفسك ما تتمتع به , وما لا تتمتع , أما أنا فيمكنني التمتع بكل شكل ولون , وطريقة .
    أشرب الشاي باردا , وساخنا , ودافئا , ويمكنني شربه سادة , و بسكر زائد , ولطالما أخبرت نفسي أني بلا مزاج اتجاه الأشياء , لكنني لما راقبت سلوكي اكتشفت أني أتمتع بصفة أجود من المزاجية وهي التأقلم , و حب التجريب المتمكن من كل خلية بداخلي .
    ولأني أفعل الأشياء جميعها من أعماق فؤادي وأحترفها بعد بضع مرات تعلمت السباحة وحدي , أذكر أني لما كنت في العاشرة من العمر أخبرني عمي بتقنية النوم على البحر , أخبرني ذلك بالكلام لا بالتدريب , ففعلتها مباشرة , ومن أول محاولة , ومن بعدها أصبحت أنام كثيرا على الماء .

    لم يستغرقني التدريب على السباحة أكثر من بضع مرات نزلتها في البحر , وفي مسبح استراحتنا , ثم أصبحت أسبح بشكل جيد جدا .
    أخبرتني مرة أن ما نسميه سباحة , ليس بسباحة , وأننا لما ندخل البحر حقيقة نتعب بأسرع مما نتصور , حسنا جربت بعد مقولتك تلك السباحة في مسبح بطول خمس عشرة متر , وبعمق ثلاثة أمتار , لعشرين دورة دون توقف , وفعلتها , ثم خرجت مبلولة الجسد , مبلولة الروح , وبعقلي صفاء رهيب لم أمتلكه في يوم ما , هل يعني هذا أني أسبح بشكل جيد ؟ أنا أعتمد على معرفتك فيما يتعلق بالأمور العملية من الحياة .

    هذا الإتقان السريع للأشياء يحدث معي اتجاه أشياء كثيرة , لا يسعني الحديث لذكرها ..
    الرسم , الطبخ , السباحة , الأعمال اليدوية , صناعة خطط , وتدريب الآخرين , وبناء المجموعات التطوعية , وغيرها مما تعرفه أنت .

    أذكر أن السناء " عضوة بالساخر " علقت ذات يوم تعليقا بالفيس بموضوع لا أذكر مناسبته : هل تؤمن بالاحتراف منذ أول مرة ؟ وكأنها تتحدى أنها تتقن الأشياء على عجل , وقتها ابتسمت , لأني أدركت المواقف والمعاني التي كانت تحتدم في نفسها لما سألت ذلك السؤال , وهي تعني نفسها .

    المزاجيون كائنات مرعبة في تعلم الأشياء وتعليمها , لكنهم كائنات أكثر رعبا لما يتعلق الأمر بالترك واللامبالاة , إلا من رحم ربي .
    ولأني أتأقلم مع البشر , وأخذ الأشياء كيفما تهبني إياها الحياة فإني أحب العائلات كما أحب الوحدة .

    تذكر عندما أخبرتني أن الزواج لا يناسبنا , تقصد : أنا وأنت وأشباهنا .
    فأخبرتك بصدق , حارق ربما : لا , ليس أنا , أحب العائلات صدقا , وحياتي الزوجية " روعة " .
    فاستدركت أنت تحت تأثير حقيقة اختبرتها في نفسك كثيرا , وأنا بالنسبة لك كنفسك : ليس نحن يا حبيبة , صدقيني .
    فصدقتك القول : أحب العائلات والتزاماتها .

    أحب كوني قادرة على العطاء , والالتزام , وأحب أن يرمي علي أحدهم بمهمات تتطلب جودة عالية , وصبرا , ودأب , فأنفذها بأفضل طريقة , وقتها أحس أني أحقق ذاتي .
    والعائلات والأطفال هم أشد التزامات الحياة صعوبة .

    أحب هذا الشعور بأني مذهلة , وأحب أكثر من هذا الشعور شعوري بأني أحفر لصناعة سعادتي , أحفر أنا ولا تأتيني على طبق من ذهب .
    و هل في الدنيا شعور أكثر " ملكية " من الجلوس رائقا ً تفعل ما تحب من أمور بعد أن تكون أنجزت بطريقة ممتازة كل ما يُتطلب منك كالتزام , تصبح جلستك وكأنك ملك قضى أمور رعيته ثم جلس يستجم بأشد درجات الرفاهية .

    والرفاهية الكاملة ـــ بالنسبة لي ـــ أن تملك الفرصة لتكتب , وتقرأ وتتأمل فيما وهبك الله وما حرمك , وما وهب الناس وأعطاهم .
    أريد أن أكلمك عن الأطفال , ومن يحبهم ومن لا يحبهم , والفقراء , وخططي ومشاريعي , والأكثر من كل هذا أريد أن أهبك يدي الساعة .

    يدي التي لا أملك بها أي شيء عدا الكثير من الود الذي لا يقال .
    الود الأكثر حميمية , والأعمق من عشق موجع , يجعلنا سائبين في أرصفة الله نتوسل سكينة .
    ود مستكين لا يتسول شيئا لأنه غني بذاته , رصين , و به كثير مسؤولية .

    جاءنا ضيوف , عيد كما ترى .




    .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    16 /10

    تجول الخواطر في رأسي ولا أكتب , ولما أتفرغ لأكتبها يفرغ من رأسي كل ما هو جوهري ويبقى الإحساس برغبة كتابة .
    أفكر بك , وليس في هذا ما هو مدهش , فأنا أفكر بك أكثر مما قد تقول الكلمات المكتوبة , وأكثر مما قد يصلك . غير أني أفكر بك هذه الأيام ككاتب , وأنشغل بكونك لا تكتب , وكلما فكرت بأنك تمر بأزمة لا بد تنتهي أتذكر حديثك : ضيعت حياتي في الأدب ولم أخذ شيئا ً , الآن سأكون رجل واقع , ولن أكتب ! .
    و تجاهلت حديثك يومها لأني حسبت أنه شعور يأس طارئ , وها أنت تكمل السنتين على آخر نص أدرجته , فشعرت بأنه لا بد أن أخبرك عن رأيي الذي لم أهبك .

    هل تحسب أحدى مهمات الأدب أن يهبك شيئا عدا المتعة ؟!
    الأدب الذي نتعامل معه نحن ليس إلا متعة محضة في جوهره , تكتبه لنفسك , وللمشغولين بتجربة تشبه تجربتك , ولذلك يتحدث المثقفون لأشباههم , ويسخر منا رجل الشارع .
    في مجتمع متدني المعرفة كمجتمعنا يسألك الناس : ما معنى أن تكتب , وما معنى الفن ؟
    سيكون من الهراء أن نطالبهم ونطالب أنفسنا بأن يكون للأدب معان مادية كالتي يفهمونها , وإذا انهمكت أنت ــ الذي أحترم رأيه أكثر من العالمين ــ بالبحث عن معنى يشبه معانيهم في الحياة فأنت لا تعدو أن تخذل نفسك .
    لما تكون في جوهرك كاتبا ـــ لا تستهن بهذه الحقيقة ــ فإنك لن تكف عن فهم الحياة بهذا المنظار , وستبقى كما أنت تشيئ الأشياء بطبيعة شاعر .
    محاولة فلسفة هذا الأمر لك يشبه أن أشرح لك لم التفاحة تفاحة ! .
    الأدب أن تشتغل في تشريح نفسك , في الاقتراب من كينونتك , ولما تفعل فأنت تهب نفسك كل الحلول التي تحتاجها لتكون إنسانا , و بذلك أنت تثمر في إنسانية الآخرين بفهم إنسانيتك ؛ يتغير العالم بكتاب واحد يكتبه كاتب عظيم واحد .
    تعرف ما ينقصنا ؟
    المثابرة , عدا ذلك أنت عقل عبقري , وسيكون من الهدر أن تقتل نفسك كشاعر وفيلسوف .
    أمس قرأت قصيدتك الأخيرة , لم أعرفك سابقا إلا كفيلسوف "أهبل" ومجنون , والآن أنا متأكدة أنك لو دخلت الأدب بجدية فذلك لأنك قلب من شعر .
    يا مجنون , هل تعتقد أنه من السهل أن يكون لك هذا العقل الممتلئ منطقا ً وتكتب شعرا بكل هذا القلب الوجودي ؟
    أنا غاضبة منك , ولما أتذكر أنك لا تكتب حتى لما يتصبب قلمك حبرا وحسا , يغلي قلبي من الغيظ ! .
    كيف لك أن تسمح للحياة الغبية هذه أن تنتصر عليك ؟
    ليس لحياتنا معنى ـــ خارج كوننا عبيد ــ إن كنا نفكر بعقول تبحث عن منطق , الحياة مجرد متع نحن نفتعلها , ونخفف بها وطئة الكبد الذي خلقت عليه .
    لا الحب , لا الأدب , لا الأسرة , لا الأبناء , ولا أي شيء هو مصمم لوهبك معنى لما أنت عليه .
    أنت هو أنت , وما أنت عليه يجب أن تكونه بكل قوتك , حتى لو غرسوا برأسك فأسا .
    وأنت شاعر .
    لو تعرف مدى الخيبة التي أشعر بها لما أقلب كل ما هو لك , فلا أجدك كتبت جديدا , و كيف يصبح قلبي خاليا , لكتبت .
    تبا لك , خذ نظارتي ! .
    .

    كنت محمومة الأيام الفائتة , أتحدث عن حمى ونوم يكاد يكون لا نوم .. استمر لأسبوع . من بعد أربعة أيام قضيناها على البحر , واليوم حسين محموم هو الآخر , إنها متاعب صغيرة كما ترى , القضية التي تجعل من هذه المتاعب هما يثقل القلب هو شوقي لأمي وأبي .

    تعرف لم لا أتصل عليهما هذه الأيام وجوالي مقفل منذ شهرين ؟

    لأني ما زلت كما تقول : أعتبر مكة هنا , وتبوك هناك ! .
    وكلما أسمع صوتيهما يتشرب قلبي نحيب العالم , و أمكث صامتة في مهاتفتنا دقائق , حتى أستجمع نفسي .
    دائما أخبر أمي أن بي رشح , لما يصبح صوتي قطعة بكاء ناضجة .

    يخيفني أنهما قد يغادران هذه الدنيا وأنا عالقة هنا , لا أمزح في هذا الأمر , ولا يشكل هذا الشعور شعورا جانبيا في خاطري , أنه جوهر ما أفكر به كلما فكرت بهما .
    آخر مرة جئنا من مكة وقبل أن نصل لتبوك بـخمسين كيلو , وضعت غطاء وجهي كي لا يلاحظ زوجي أني قد أصبحت طماطم مشوية لشدة ما بكيت .
    ولما لم يتبقى على تبوك إلا عشرة كيلوات بدأت أشهق ولا أتمالك نفسي , فسكت فيصل طوال الوقت ولم يقل شيئا , ولما لم أنم ليومين متتالين رغم السفر , قال لي بهدوء كعادته : لا نملك إلا الدعاء , أنه حكم القدر .

    لم أستطع منع نفسي من القول له : لا تتحدث عن ما نستطيع وما لا نستطيع أنت الذي لا تبعد عن أهلك إلا بطابق .
    ربما لو كانا والديَ أقسى قليلا , أقل رحمة بقليل لما بكيت عليهما هذا البكاء .
    لكني لا أتصل عليهما مؤخرا , ليس لأني لا أشتاق , بل لأن حياتي تصبح جحيما ً في هذا المكان بمجرد أن أسمع صوتيهما .
    أحاول ما أستطيع أن أجعل من هذا المكان منزلا ً , غير أن هذا البعد لما ألاحظه يقتلني .

    في كل يوم يصل لمعرفتي أن أخوتي يجتمعون جميعا إلاي أحس أني اليد المبتورة من جسد أسرتي ويشغلني أن لا ينهل حسين من جده لأمه كل ما كان ليفخر به طوال حياته .
    أبي الإنسان النوراني الذي يجعل لحياتنا وحياة كل من يعاشره معنى , وهدف .

    أمس كنا نتحدث عن أبي , وعمي الذي يحبني أكثر من الآخرين , وأحبه , يطمر في نفسه شعورا من حب التملك , يعتقد أني لا ألاحظه ـــ كلما لاحظته أكره عمي غايتي ـــ والذي يتمنى به لو يجعل من قلبي ملكا له وحده , فلا يصبح لي أبا سواه , إلا أنه يشعر ببديهة رجل يعرف منافسه : أن أبي رجل لا يمكن إحلال شخص مكانه .


    تذكر لما أخبرتني : أريد أن أكون في نفسك أكثر من أبيك لك ! .
    وضحكت لمنطقك في الحب , و أخبرتك : مرة واحدة قلت لإنسان أني أحبه أكثر من أبي , وبمجرد أن فعلت عضضت على لساني .
    وبكيت بعدها لشهر , وكلما أتذكر هذا الموقف أحقد علي , وأحسني قطعة جحود تمشي على الأرض .
    في تلك الأيام كلما تذكرت الموقف كانت دموعي تتساقط مني مباشرة وكنت أغمض عيني وأصفع نفسي , وأخبرني : يا هبلة , يا غبية , يا حمقاء , وشتائم لا تقال .
    أعرف أني خذلت والدي كثيرا , بيد أن هناك أمر لا يمكن المراهنة عليه , حبي له وأنه لا يهون ليتساوى معه أي إنسان أو عرض من دنيا .
    ولذلك أترفع عن كثير خطايا لو أوكلت نفسي لضميري لما ردعني عنها , ويردعني وجه أبي .
    لولا الله ثم أبي لكنت لا شيء , أتحدث عني ككيان وليس كوجود , فكل الحيوانات تنجب .

    تدري ؟
    أعجز عن الكتابة عن والدي , مهما بذلت من إرادة .
    بابا معجزتنا في الحياة , الحمدلله أني ابنته هو , لا أحد سواه أبدا .
    وهذا الحديث بجميعه من العار أصلا أن يقال , لأنه من البديهيات التي لا تذكر .

    يكفي من جميل والدي علي أني لما عشقت وأصبحت أستفرغ حتى الماء البارد كان لا يكف عن وضعي بحضنه كطفلة صغيرة , ويهدهدني ويرقيني , ويخبرني أن لله حكمة فوق ما نرى , و يستخير لي عند الكعبة وهو يدعو الله أن يصرفني عن ما لا خير لي فيه , دون أن يسألني مرة : كيف حدث وأحببتِ , هو الذي يعلم أني غارقة حتى أذني في عشق لا أملك أمامه عقلا .
    لما يهرطق المثقفون أبي ينفذ , لأن وعي أبي يستمده من الله و من يقين لا ينضب ورفق لا يخيب .
    والحياة يقين طويل , ولذلك فإن والدي هو يقيني , وهو من لا يمكن في أسوأ أوقات ضلالي وتشردي وضياعي , واعتمادي على الآخرين أكثر مما يجب .. والذين سيخذلونني تاليا ً , أن يخذلني .
    مهما اختلف معي في الرأي والتوجه والإحساس .

    .

    هذه الأيام اقرأ لباموق , أحب هذا الكاتب جدا ً , يمثل لي ما أريد أن أكون عليه , ورغم أن " فيدور " هو الأب الأدبي لي إلا أن باموق هو مثالي .

    به نفحة الشرق التي أحب , وله كل اهتماماتي التي أهتم , وبيني وبينه قواسم مشتركة كثيرة , فهو لا ينهمك في الكتابة أكثر مما يجب , ومع ذلك فهو يكتب كتبا رائعة اعتقدها روائع عالمية .
    إنه يستحق أن يُطلق عليه الكاتب الذي يعيش كالناس , ويفكر كالأدباء .
    يذكرني بمكسيم غوركي , الروسي الآخر الذي أهوى .

    ولما تفكر في أدباء كبار كهؤلاء وتقرأ لهم لا تملك إلا أن تحلم بكتابة كتب عظيمة ككتبهم , و ستفهم معنى لما نفعله أنا وأنت , معنى لأن نكتب رغم كل شيء ! .
    المصيبة لو كنت أيضا ً قد اتخذت قرارا بأن تهجر القراءة في الأدب ! وقتها سأقتلك دون ريب .

    أريد أن أفطر , وأن أتمشى قليلا في هذا الصباح _ بالمناسبة صباحك أنا , و ثرثرتي _ , و أرتب في ذهني بعض الأشياء التي تتعلق بحسين ولولا ذلك لكتبت لك حتى الظهيرة .

    أصبحت لدينا مزرعة أكبر مساحة من الأولى , نصفها لي , والنصف الآخر لعمي .
    أخطط أن أزرع بإذن ربي , ويصبح لي معتكف من جنة , بها فاكهة وخضرة وماء , وأنا الوجه الحسن ! 

    تلاحظ ؟
    أحاول صنع متزل هنا ! .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    هاي غدير .. هاي كبيره جداً على نص يغلي ..
    هل أخبرك ما أشعر به الآن .. أنا مستثارة كذلك , الحياة في نصك تجري وتسبح وترقص وتكنس الكيل بالمقشه ..
    أقرأ وأضحك , ربما أنا عدت الآن لكوني أنا , أنا من دون الناس يارفيقة لذلك وجدتني استمتعت كما لم استمتع بنص من قبل ..
    أقرأ وأنا أفكر في عدد النصوص التي ترهقينها والأبناء اللذين تنجبينهم ثم ترمينهم على ورق أي فور ’ يجب عليك فعلاً اتخاذ مدونة لكن المدونة إلتزام وأنا أعرف كيف يكون الإلتزام قيد يرهق مجنونة كتابة ..الحل إذن هو البحث عن سكرتيره تركض خلفك تذكرك بحق نفسك عليك وحق المتابعين لجنون لا نعرف ماذا ستكون نهايته ..
    لاتستعجلي في كتابة رواية لكن لتحضر عصارة السنوات التي بقيت فيها مخبأة في رأسك .

    أنا الآن أفكر جديا في منحك الوقت الفائض الذي أملكه والذي يغرق بشكل مزري في النوم فأنا بالكاد استيقظ هذه الأيام وإنما أستيقظ لأخلد مرة أخرى في الأحلام وكما قلت من قبل "الهروب الكبير" , لاعليك أعرف أن ذلك ضعف لكنني جديا أحارب من كل الجهات دون أن أفقد طاقتي إن لزم الأمر .

    مممممممم ماذا أيضاً ..
    لا شيء غير أني كنت أحاول النوم على أغاني pitpull وأفلام Rihanna ورقصات Jennifar وفيديو وحيد لNayar ..تعرفين لماذا أهدر كل هذا الوقت على هذه المجموعة ليس للمتعه والرقص ولكن لأنها مسجًلة بذكريات عالية الجودة وكذلك حتى أكف عن الكتابة وأتوقف كلياً .

    فعلاً ماذا منحتننا الكتابة ياغدير .. غير أني أصبحت عاجزة عن التعبير الآن والعالم عاجزة عن فهمي فتحولت لممثلة تضحك وترقص وتغني وتطبخ وتبحث عن حديث شيًق لاينقطع وتصنع الإندماج والضجيج والهستيريا وكلها مجرد كذبة .

    كان يقول " أصبحت أضع الحطب في جحيمي الخاص وأشعله كلما خبت النيران " ..هذا مؤسف فعلاً فالنار لاتكف ولاتتوقف فقط تستمر وهل من مزيد , لاحد للإكتفاء , كنت أخبر صديقاتي أني مهووسة بالنجاح والدافع الفشل وكل فشل يقابلني أحتاج لأتخطاه لنجاح ولوصغير فكانت النجاحات البسيطه نصوص سريعة وتلهث وبأخطاء إملائية لكنني أتنفس بعدها وأشعر بالإستمرار ..
    تباً غدير .. لن ننضج أبداً بمزاجاتنا المتقلبة هذه وأحاديثنا المبتورة ربما .. ليس خوف ولكن إكتفاء من الركض في طريق ركضنا فيه من قبل ..

    ممممم حسناً كنت أهرب من الكتابة طوال هذه المدة ولكنني وقعت في الفخ مجدداً .

    شكراً ياشيخه وأنا بخرج الآن أرفع في صوت الشارع وأجن قليلاً أرقص أمام المرءآة أخطف فرشاة الشعر من الطاولة وأغني بصوت نشاااز علً القوة التي بداخل تستيقظ ويفيق القدر من سباته ويركض هو الآخر لنهاية الحياة أو لأدعوه للرقص (:
    كن شريفاً أميناً، لا لأن الناس يستحقون الشرف والأمانة، بل لأنك أنت لا تستحق الضعة والخيانة


    * العقاد .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    أوكي شت ,, الكيل = الكسل .

    هل تعلمين أمراً الأخطاء التي تحدث هنا واستباق حرف صغير لأخيه الأكبر فتتعثر الكلمة تطورت حالياص وأصبحت حتى أثناء الحديث , الأمر كان مضحك مع كثرة "التكليج " لكنه تحول لصفارة إنذار .. كأنما الحروف تمل لكثرة السجن فلا تصدق أنه قد أفرج عنها حتى تخرج مسرعة للركض فتتعثر في حواف الرصيف ..

    ممممم (: أعتذر غدير لإقتحامي صفحتك والعذر والسموحة ..
    باي
    كن شريفاً أميناً، لا لأن الناس يستحقون الشرف والأمانة، بل لأنك أنت لا تستحق الضعة والخيانة


    * العقاد .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    الردود
    903

    Exclamation

    تذكرتك ..
    ،اللي حجبهم عنك عيوني
    من صدري ماجرّك

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    مرت خمس سنوات على هذا الحديث ! يال المسافة .

    أشعر أحيانا أن الكتابة هي التذكير الوحيد لي بأني أعيش .
    في تلك الساعة التي أنفصل عن كل محيطي وأراه بنظرة الغريب , مندهشة أهمس لنفسي : أهذه حياتي ؟ أهؤلاء الأبناء هم فعلا ينتمون إلي ؟ , فإن الكتابة تبقى هي هويتي التي لا أنكرها ولا أستنكرها .

    أفتقد أمي وأبي , لا أعرف كيف أفعلها و أكبر عنهما ؟
    رغم الحيز المكاني الفاصل بيننا , رغم الأبناء الذين أحضرتهم للحياة , رغم الرفاهية التي أكسبتها منزلي هنا , رغم كل شيء فأنا أفتقد أبي وأمي .

    لم يمضي أسبوع ونصف منذ أن جئت من عندهما ومع ذلك فإني ضائعة , الشوق يؤلمني وأتمنى لو يتاح لي أن أصرخ دون أن يسمع أحد صرختي .

    مرت سنوات لم أعد فيها أتحدث فعليا مع أحد , يبدو لي أحيانا أني فقدت صوتي , حنجرتي جافة بشكل مؤلم والكلمات تتعثر لما تخرج مني .
    أملك الكثير في داخلي , الكثير جدا , ومع ذلك فإن كل هذا لا يخرج .
    ابدو متأقلمة محترفة مع الحياة , أحب ابنائي , انتبه لاتجاهات بوصلة زوجي , أطبخ , أغير مكان الأثاث كل فترة وأتصرف كربة منزل أبدية , أمارس الرياضة ساعتان يوميا , اقرأ كل يوم , أدرس , وموظفة ... غير أني ساعة أنفرد بنفسي لا يحضرني شعور الفخر بكل ما أفعله , بل شعور الانفصال . يهمس صوت في رأسي : أنت لست أنت .

    قبل بضعة أيام قابلت مديرتي في العمل , كانت متحمسة رغم أنها خمسينية , وبدأت تثني علي , وأخبرتني بأنها تعول علي كثيرا , جاريتها قدر ما استطيع , وخيل إلي أنها لاحظت بأنه يوجد في الخلف الكثير من المحاكمات العقلية التي لا تسمعها , وسؤال يرن في أذني : لماذا أنت هنا ؟.
    وكان يربكني أن لدي الكثير من الحديث لكن حنجرتي لا تسعفني , الكلام يبدو هشا بلا فائدة , ويتعثر .
    ومرة أخرى بدا كل هذا لي وكأن شخصا آخر يقوم به .

    كان الصوت الأكثر ألفة لي يسأل بإلحاح : هل أنت مدفوعة لذلك ؟ هل تقلدين حياة أحدهم بسبب أن أحدهم يعتقد أن هذه هي الطريقة الصحيحة للحياة ؟
    ماذا تريدين ؟ من أنت ؟ من أنت ؟ .
    وعددت لذلك الصوت أسبابي التي لا علاقة لها بأحد عداي , ولم يكن المال أحدها , ولا كان اثبات الذات ثانيها .

    وتذكرتك , وسألت نفسي : لو لم يكن لديك أبناء , أكنت تترك عملك وتعيش بويهميا ؟
    ربما مشكلتنا الأساسية أنا وإياك , أن تقديرنا للذات جواني , ولا نقدره إلا بمقاييسنا .
    لذلك لا تدفعنا الرغبة في إبهار الناس للإنجاز , هذه الرغبة المتاحة دائما والتي يمكن أن يمررها لنا كل الخلق .
    و لو كانت إلحاحات الناس المستمرة تدفعنا فلربما بذل أحدنا للآخر بعض الإلحاح والدوافع , ولكن لأن إلحاحي لن يدفعك فأنا لا أبذله وأنت لا تبذل لي إلحاحك , و هكذا تبدو مساحة الحرية بيننا واسعة حتى لا أنها لا تقاس .

    لم يجب أن نتحدث ؟ أتمنى لو أستطيع أن أقول كل شيء دون أن أقول شيئا , يبدو الكلام شائنا هذه الأيام , شائن لدرجة أن ارتكابه يغرقني في الإذلال , لذلك رجعت للرسم .
    هذه الهواية الصارخة بأزعق صوت دون صوت .

    رسمت في أيام الله هذه الكثير من الأشجار .. دون انتباه , وعندما انتبهت لما رسمت بدا لي بأنها محاولة تشبث , أن أنشر جذوري وأشعر بأن وجودي محمي ومندس تحت تربة عميقة من الصمت .

    و التقيت ب" صانعة لحف " كان علي أن أقابلها لأجل عمل , فتحولنا لرفقة , ورسمت لها لحافا أريدها أن تنفذه لي .
    إن فعلت ربما أستطيع النوم دون أن أحلم .
    أريد أن لا أتكلم وأن لا أحلم .

    ويا صاحبي , أراقبك للمرة التي لا أحصيها وأنت تغرق في احدى نوبات اكتئابك . أقاوم الإغراء بأن أجعلك بطل قصة وأغوص في قلبك .
    ولما أتذكر كل حديثك عن وجوب أن لا أغوص أنا الأخرى في نوبة اكتئاب , أجد حديثك دون معنى .
    كيف تستطيع أن تحاضر عن الاكتئاب بهذه الشفافية والمرونة والصدق وأنت مكتئب عتيد ؟

    هل تجد في ابنة لك لما تحميني مما أنت مصاب به ؟

    أحسني قوية . قوية ومستقلة ولدي امتيازاتي , وتعلمت حيلا كثيرة لأمرر الاكتئاب من جوار منزلي دون أن ينتبه أني موجودة فيلتفت طارقا .

    لن أغرق بسهولة ـ أفضل ما أفعله في الحياة دون أن أشعر بأني شخص آخر هو السباحة ـ لن أغرق , ستمر الحياة هينة ومتمهلة ولن أغرق حتى وإن وضع عقلي بين الحياة وبيني , حاجز ماء غائم وخدرني لساعات .

    مرت ثلاثة أشهر منذ أن أنجبت أسامة , و مازال عقلي يضع ستارا شفافا بينه وبين الحياة فلا أستطيع الرؤية دون أن يجهش داخلي بالبكاء الملتاع .
    ويقع في إحساسي كل شيء شعرت به أثناء قضائي أسبوعا في المستشفى .
    كل توسلات النساء , الغرف الباردة , الأطباء الذين تحدثوا معي , وأنا حيث لست أنا .
    أتعرض للوهم هذه السنة , الكثير من الوهم , الكثير جدا من الوهم . و أبدو غير مرئية .

    فيصل ينقذني .
    لأنه يضحك , لأنه صبور , لأنه قادر على مقابلة غضبي وضياعي بالسخرية الحسنة فإن الأيام تمر سهلة بشكل ما .

    و ما زلت أحس بالدفء الذي أحسست به لما جاء أخيرا , من بعد خروجي من المستشفى وأخذني إلى حضنه , شعرت لأول مرة منذ سنوات بأني لست خائفة , وبدا لي بأني قضيت عمري كله خائفة , ملتاعة بشكل لا يمكن إبعاده أو مداراته , وأني فقدت انسانيتي بسبب هذا الخوف والصمت عنه .

    إنه لمدهش فعلا أن تدرك أن الإنس بالإنسان شعور ثمين , و أن أنسي بفيصل رغم كل الكوارثية التي تبدو في العالم هو أمر ممكن ويمكن تكراره كل ما ارتعبت .

    ورغم كل ذلك فإني ساعات الصدق مع النفس والخلوة بها اسأل نفسي ألا يبدو هذا التأقلم الطاريء , و هذا الشعور بأن شخصا يعيش حياتي بدلا عني صورة من الاكتئاب ؟ ولأني أضحك وأركض ولا ألتفت فإني لا أراه ؟ .

    العالم كله غير منطقي , لست وحدي .
    عالمنا مرعب في عمومه هذه الأيام ـ ربما منذ أن خلق الله الدنيا , لا أيامنا فقط ـ , ومتابعة الأخبار عملية تخويف يكاد لا يصدقها الحس الإنساني , مبالغ بها ورغم ذلك فإنها مستمرة , الأخبار تفجعني , تفصلني عن كل ماهو جيد وتجعلني مثل ساقط لا قشة له ليتعلق بها .

    ولما أفقد اتزاني وأشعر بأني أركض في التيه , ابدأ في بناء الخطط , متأكدة أني تعلمت في خلال سنواتي الأخيرة هذه أفضل طرق بناء الخطط , وإدارة المشاريع .

    لن أفقد شجاعتي , أيا ما يكن اتجاه الركض الذي أقوم به , ونوعه فإني لن أفكر كثيرا به , لن أركز على نقطة واحدة منه حتى يفقد معناه وأغرق في اللاجدوى .


    وأنت ؟
    كيف هي حلولك ؟ .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    بلاد الله ..الأردن
    الردود
    1,806
    التدوينات
    1
    أنتِ هنا تماما في مكانك
    الثرثرة لا تشي بكِ .. أي كلام يمكن أن يسحبه منك المرء في لحظةِ حماسةٍ لروحك لا يشيء بك
    تصلين لنقطةِ عمقك الفاتنة عندما تكتبين، إنه كما قلتِ.. تعرفين كيف تسبحين
    كما لا أحد يعرف مثلك

    سلام على قلبك الثمين
    أقول وقد ناحت بقربي حمامة أياجارتا هل تشعرين بحالي
    khawlah aldariseh

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    15 - 8 - 1437

    أنا مشوشة , ليس لأني لا أعرف ما أريد كما قد تظن , بل لأني أعرف ما أريد أكثر مما ينبغي , ولكن ما أريده لن يوصلني لشيء من أشياء الناس المعتادة .
    الأشياء المقنعة التي تجعل من حياتي قيمة في نظر من يهتمون لشأني . ولأنه لا تستفزني دوافع كدوافع من حولي يبدو طريقي شائكا ومليء بالشكوك .

    يداي ترتجف , وفي داخلي ينهمر شلال من الشعور اللعوب , الذي له ألف وجه , وكل وجه هو وجه صادق وحقيقي بحيث من الصعب تكذيبه .
    يبدو كل شيء غائم ولا يد تأخذ بيدي لأني أهمل كل يد تمتد لي . الثقة في الآخرين عملية محفوفة بالمخاطر .

    أنا أشبه كل الآخرين الذين تعرفهم , أشبهك وأشبه ثلاثة أرباع المعمورة , لا شك لدي في ذلك , لا يوجد لدي شيء استثنائي سوى أني أنا لست الآخرين مهما تشابهت معهم .
    ولأني لست الآخرين أبحث عن طريقي , دون أن أدعي أني مميزة ليكون لي قدر لا يشبه أقدار من حولي .
    يداي ترتجف وأنا مشوشة . يداي ترتجف وتخيفني . يداي ترتجف وفي داخلي إلتياع لو سألتني لم هو ؟ لم أحسن أن أجيبك .

    البارحة كانت لدي أحاديث كثيرة لك , لدي مشاعر فيها قوة النار ولسع الجليد , هكذا تمتزج كل المتناقضات في حسي هذه الأيام .
    يحدث أن أحس حياتي تدور حولك , وفي لحظة تالية ليست ببعيدة عن الأولى أحس بأني دون أدنى إحساس بالاشتياق إليك .
    لا تحاسبني . إني أقسو على نفسي في ساعات وحدتي حتى أفقد شعوري وإن بالرحمة لنفسي .

    تقول أنت بأني قوية , ولدي طبيعتي القاسية . أوافقك , لست أنكر أني أنانية كما تقول أيضا , وفي جزء كبير من الحياة لا أستطيع رؤية الآخرين إلا وفق تصوري لا وفق حقيقتهم .أظلمهم بذلك وأنا عارفة . لأن ما في داخلي يعجبني أكثر مما تعجبني حقيقتهم . وفي هذا أقصى التهميش ! .

    ياله من شعور هذا الذي يجهش في قلبي , وهذه الرعدة التي تسري في أوصالي ليست إلا ضغينة بشكل ما , ليست موجهة ولكنها محسوسة .
    تقول بأني أكل في نفسي ؟ نعم أفعل , لكن دون هدف و بلا سبب ودون رغبات حتى .

    لما أصدق مع نفسي فعليا واسأل نفسي ما رغباتي وأي هدف أطمح إليه ؟
    تصيبني رغبة واحدة ـ انتقامية أكثر مما هي طموحة ـ إذ أني أتمنى لو أصمت .
    لو أستطيع العيش داخلي ولا أجيب سائل .

    في فترة ما من طفولتي جربت ذلك , جربت الصمت عن كل شيء واستعملت لغة الإشارة , لم يعاقبني يومها أحد , لأني كنت صغيرة أكثر مما يمكن أن تضر تجربتي أحد .
    ولذلك كان يضحك أبي ويعلم بأن الأمر سيمر في أحسن الأحوال بعد ثلاثة أيام وإن طال فلن يتجاوز الشهر .
    أما الآن فإن فعلا كهذا هو فعل مكلف , وغير متزن , ويحتاج لتضحيات كبيرة , ليس أولها فقداني لدور أمومتي , وآخرها أني أعلم بأن العودة عن عزيمة بهذا الحجم لن تصبح متأتية , وقد أضيع درب الرجوع .

    أحتاج أن أرتكب حماقات بهذا الحجم لأتصالح مع ذاتي , أنت الذي سألتني ما لذي تحتاجين إليه ؟
    بعد كل فترة من الاتزان والتصرفات السوية , و الانضباط المذل , أحتاج لجرح غائر يأتي من مغامرة خطرة .

    يحدث أن أقول لنفسي أنا ولدنا بقلوب مقامرة , وأن الحياة اللينة والسارة هي حياة لا تلائم هذا الضجر فينا , وروح الفروسية البلهاء التي نظن أنها تشبهنا .

    عليك أن تصفعني لأستيقظ .

    إني موجوعة مافي ذلك ريب , لكني قادرة بصلف لا يلين أن أرمي في وجه المواساة سخريتي , وأن أشكو فاقتي لله وحده .


    أترك يدي الآن .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    هل تعرف أقوى صرخة في السينما ؟
    آل باتشينو هو من جسدها , لما قُتلت ابنته في فيلم The Godfather , فم مفتوح بصوت لا يخرج , ثم تصبح زعيقا يتلوى .

    في كثير من الأحيان أشعر بأن فمي مفتوح بصرخة مماثلة , وكل من حولي من البشر يملكون أفواه مفتوحة بصرخات تشبهها , وأنت بالذات لا تكف عن الحضور لذهني إلا وكأنك فم مفتوح بتلك الصرخة ذاتها , ولذلك يبدو هذا الركض بلا جدوى .

    أحس هذا البؤس , وبشعور المنتظر صاحب الابتسامة المائلة والشريرة أقول لنفسي : من الجيد أن الجميع موجوع لهذا الحد , لأننا سنصل لمرحلة صمت مشتركة وسيكف الآخرون عن محاولة جري لحديث بغرض مواساتي , وسيكفون عن انتظار الاستماع إليهم بغرض مواساتهم .
    غير أن الناس من حولي يثرثرون ساعة الوجع أكثر مما أحسبهم سيصمتون , ويغضبهم غياب مواساتي ! .

    أنا أثرثر أيضا , لست بعيدة عن الآخرين , غير أني أفعلها لأغراض ليس من ضمنها المواساة , المواساة إن حضرت تخرسني .

    أتمنى لو أستطيع القول لك ولنفسي بأن حياتي صعبة , وأنها تأكلني , تستنفذني , وأمقتها , لكن أيا من هذا ليس بصحيح . لو كان أي من هذا صحيح لكان من السهل إيجاد مبرر لأصبح سيئة ومتطرفة ولدي وجه شخص أضاع الرغبة في العيش , ولديه كل العذر ليؤذي الآخرين ونفسه .

    لدي كل ما يحلم المرء أن يمتلكه , نكران ذلك هو نوع من نكران نعم الله , ولدي مع الله ذنوب لا أريد أن أضيف لها الجحود , ولذلك فإن عدم صلاحي هو فشل مضاعف .

    لا عذر لدي لأصبح بنفسية سيئة , و يحدث كثيرا أن أتمنى لو أمتلك عذرا كهذا , لأعذب نفسي دون أن يردعني أحد أو يستسخفني أحد .

    أملك الرغبة بأن أكون ماسوشية وسادية أيضا , أملك كلا الرغبتين و لطالما وجدت في الناس ميولا كهذه الميول .

    و أيضا ما أعرفه دون شك أن خيالي يهيأ لي بأن ذلك أمر محبذ وسيعجبني , لكنه ساعة ما سيصبح واقعا لن أجرؤ بأن أؤذي , ولن أسمح بأن أؤذى .

    لم كل التخيلات والأحلام هي مزيفة لهذا الحد ؟ أنت أيضا مزيف . كل حديثي في الأعلى مزيف , علاقتنا أيضا زيف كبير في جانب عريض منها . إنها حيلة تصورت بشكل عاطفة .

    لم حقيقة لا نصل لشيء , وكل لحظة حلوة إنما هي وهم متبادل نتبادله كنكات تمرير الوقت ؟
    أدري أني لا أحبك , وأحبك أيضا , وأننا في هذا المسلسل الطويل من التمثيل نهرب من النظر لأنفسنا , نحن الذين عرفنا أن في كل شيء من الصدق زيف , ونحسب أنا عرفنا كل شيء , ورغم ذلك لم نعرف من هذا الكل شيء شيئا . أتفهم شيئا ؟.

    يحدث أن تنتابني رغبة ضحك لما نتصرف كمحبين , لأن في ذلك الصدق زيف عارم يضحكني , ولأن في هذا الزيف الجائحة صدق عظيم قادر على ابكائي .

    أنا لست عاطفية إلا في جزء مني أستدعيه بغرض التجمل , ولكني أيضا قادرة على الإيثار على نفسي دون أن تنتابني حسرة .
    إن الإيثار فضيلة متكبرة بعكس كل شعور عاطفي آخر , ولذلك أرتكبه دون أن أعاتب نفسي .

    أذكر في بداية علاقتنا وبعد أسبوع من الانغماس , عاد كل واحد منا لعزلته .
    بعد يومين من الصمت أرسلت إلي رسالة غاضبة , أجبتك عليها : ما فعلت ؟
    فأجبتني : بالضبط غاضب لأنك لم تفعلي شيئا ! ؟
    لا أذكر ما أجبتك يومها , لكن في خلفية الحدث , حيث لا تعرف : ضحكت بصوت عال . كانت بالنسبة لي حادثة نكتة . عليك أن تغفر صراحتي , لم كان علي أنا أن أبادر ؟ لأني أنثى ؟ لأن صورة الأنثى متشبثة وملحاحة وحالمة ؟ لم أصلا علينا أن نتصرف كمحبين في وقت لم يكف ليعرف أحدنا الآخر ليبادره ؟.

    لم أكن أيامها أوضحت لك بأني أحب اكتشاف الألعاب أكثر من الإدمان عليها . إني معطوبة عندما يتعلق الأمر بالاستمرار . في كثير من الأحيان أكتشف أن ما يجعلني مربوطة في علاقة أن الطرف الآخر قيد يدي إليه , ونادرا ما يقيدني أمر أقل من الدم .
    ولذلك لا أتنكر لعائلتي الصغيرة و لا الممتدة .

    حدث أن تمنيت في أيامي الأكثر أنانية أن يموت كل شخص تربطني به قرابة لأتشرد دون أن يبحث عني أحد , تاليا استحدثت تسوية أكثر عاطفة وأقل أنانية بأن أهرب ولا يعرف لي أحد طريق .

    لدي أحلام مثل هذه , لدي رغبات لا منتمية , و رغم فقري الحقيقي لأبي وأمي فإني في أكثر الصور التي أتخيلها عن نفسي أتخيلني مشردة ولا مكان لي ليضمني .

    أحيانا اسأل نفسي : هل لأني أمتلك المواهب لأحصل على كل شيء بسهولة , أجد كل ما أحصل عليه رخيصا ؟ هل لأني مرفهة " وبطرانة " كبيرة أتمنى لو أجرب النقيض لكل ممتلكاتي ؟ هل لأني مستقرة في كل الجوانب يبدو التشرد خيالا جامحا ؟

    أو لأني أملك من الامتيازات ما يجب أن يجعلني في مصاف المتفوقين ومع ذلك لا أصبح هو ما يخزني , وأستحي أن أعترف لنفسي بأني فشلت فأشتهي الأكثر اجحافا بأن أتشرد ليصبح فشلي كاملا ويمكن البكاء عليه .
    لا ضير بأن أعترف بفشلي , أنا أعترف بسقطات أكبر من الفشل , غير أني لا أجدني فعليا فشلت , كل شيء مؤاتي لي لأنجح نجاحا عظيما وهذه هي المشكلة ! .
    لا أريد أن أنجح .
    رؤية المصفقين على شارع الحياة , تشرب النجاح , الشعور بفتنة التفوق , الرغبة العارمة بالسبق لم تعد ـ كلها دون استثناء ـ موجودة .
    أحسني جمرة منطفأة أشد أحلامها بهجة أن ترى السمار وقد أنفضوا بأغنيتهم الأخيرة مولين إليها ظهورهم .

    ستخبرني : أنت مكتئبة . يعجبني اكتئابي , لا أريد علاجا , أريد أن أنطفأ بهدوء يستغرق مني عمرا طويلا يكفي بأن أشيخ دون أي انجاز , اللهم إلا أن أكتب .
    في هذا الانطفاء الذي لا يحمل أي بذرة للخلود انصافا مجزيا للحياة , إذا أنها لا تهب لنا شيئا لنمنحها شيئا .

    ليست هذه التسويات المتطرفة موجهة لله وإن بدا أنها كذلك , إذ أني أجد في الله من العدل ما يجعل من حياة خلقها دون هدف دنيوي هي حياة كاملة , وإن بدت بكل مقاييس الدنيا ناقصة .
    هذه المقاييس الدنيوية المائعة تستفزني , ولأنها تستفزني أصادمها , في الميوعة شيء لا أفهمه , ولما لا أفهم شيئا أصبح متحفزة ولدي قائمة اعتراض طويلة .

    لا بأس أن أعترف لك , يحدث في أحيان أن يؤلمني هذا الامتياز ـ الذي لا يوصلني لشيء حقيقي ـ من جهة واحدة : عندما أفكر في حجم الاستثمارات التي أستثمرها في والدي .

    أجد أن وضع كل ذلك على الرف أمر غير منصف , ومن واجبات البر المفروضة أن ننجح , لأجل أن لا تذهب حياة والدينا هدرا , هم الذين فعلوا كل شيء ليكون لحياتهم معنى بنا .

    لو أني أمتلك حلما له دافع محرك , لربما سعيت , لكني لم أعد أملك أحلاما , أحلامي هي أحلام يقظة لذيذة لا غير , كل أحلامي يمكن وضعها على ورق وقلم وإقفال العالم عليها من بعد ذلك , لأحس أني فعلت كل ما ينبغي أن أفعله في الحياة .

    عدا هذا الوجود , لا أجد أي أمل بوجود آخر قد يجعلني أركض .

    من الذي يستثمر في الكتابة والفن ؟
    الكل كفر بشيء كهذا , ولأن كل أحد كفر به , يبدو لي مناسبا لطموحاتي . أحب كوني وحيدة في مضمار اللعب إذ أني أستحي أن أرقص وأمارس ذاتي في ملعب ممتليء بالجماهير .

    والآن ؟
    بعد كل هذا أفهمت أي شيء , أشعرت بشيء ؟

    لا تبتعد .. في البال حديث طويل .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    مقبرة جماعية
    الردود
    1,600
    ((لقد خلقنا الإنسان في كبد))
    في كبد، داخل كبد، محاط بكبد
    مؤلمة هذه الحقيقة، ولكنها مريحة.
    رب اجعله عملا صالحا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    25 / 8 _ 1437 هـ


    أقل من عشر دقائق وسنذهب للمستشفى , أكملت ابنة عمي شهر وأسبوعين في هذه النومة التي تبدو دهرا .
    لدي كل الأسباب لأشعر بأن العدم والتلاشي قريب , وأنا أرى من أحبهم يدخلون في نوبات أو ينالهم قدر الله في الفناء .

    لم تمر علينا سنة واحدة منذ عشر سنوات دون وفاة لقريب أو صديق أو جار , بل ولا ربع سنة حتى .
    وإذ أفكر في كل ذلك يخطر ببالي أن الموت أقرب مما أحسب وأدنى مما أشاء . وأقول لنفسي أن من معائب التقدم في العمر ليس تقدمه , بل كون الإنسان يعي تماما معنى الموت لما ينال من يحبهم .

    قبل أعوام كنت اسأل أمي : متى مات جدي فلان ؟ فتقول لي : قريب جدا , ربما قبل عشرين سنة ! .
    وكنت تبدو لي الإجابة غرائبية إذ تعد أمي العشرين سنة قريبة لا تذكر , الآن وأنا أستحضر بعض من أحبهم وقد أدركهم الموت من قبل عشر سنوات يبدو لي الأمر وكأنه الأمس , ويحزنني أن أدرك أن ثقل وجودهم ـ الذي عنى لي الكثير ـ لن يكون بالنسبة لأبنائي شيئا ً ! .
    إن هذا الوجود , وهذه الدينونة فعليا محض حلم , محض ظل يستظل به السائر وهو يسعى لإدراك الوجهة .

    أحاول أن أتواجد , أحاول أن أضع أثرا , أن أكتب عن كل ما أحببت وما أحسست , أريد أن أكون ذات ثقل ليس لأحد عدا أبنائي , ولذلك أعاهد نفسي في كل مرة أنني لن أتوقف عن التدوين .

    فمهما بلغتُ في نفوس من حولي فلن يحكي لأبنائي عني أحد كما سأفعل أنا , ولا أتخيل أن أغرب عن عين محبتهم وهم لم يعرفوا عني إلا ما يتسرب إليهم من أفواه الناس .
    قبل سنوات كنت أدعوا الله مبتهلة : يا رب أطل في عمر أبي وأمي حتى تعي وجودهما أختي غدير , حتى لا تحتاج لأحد يحكي لها عنهما . والآن كبرت غدير لكنها بعد تحتاج إليهما , ولن يكف الإنسان عن الحاجة إلى والديه مهما كبر ؛ كلنا نحتاج إليهما .

    رب أحي ابنة عمي لبنياتها الصغيرات , رب إن ذاكرتيهما أصغر من تخزن رائحة أمهما بعد .

    حسين قبل أيام قال لنا وهو في السيارة متجه للمستشفى : يارب يا ماما و يا بابا يشفي عمة وترجع لوسن وأسيل وعمو فهد .
    وبدا لنا بأن الصغار يسمعون ويدركون من حيث لا نحتسب . حيث قال ذلك بخشوع يبكي السامع له .
    كنت قبلها قد علمته أن يدعو لعمته كثيرا , متأملة أن يستجيب الله للصغار أصحاب الصفحات البيضاء من كل خطيئة .

    وعمته المقبلة على الحياة , التي تريد كثيرا من كل شيء , وصاحبة المعارف الكثر , والزيارات التي لا تفتر , والتي تعتقد أن الحياة طولا وعرضا تستحق العيش , تلك التي لديها رغبات طفل في إلحاحها وبراءتها سكتت ذات ليلة ! .
    الله وحده يعلم ما لذي يخطر في بالها وهي في غيبوبتها , وإن كانت تشعر بنا حتى أو بالحياة من حولها .

    يارب الرغبات والآمال والمطامح أشفها , أذقها من الحياة مزيدا إن كان في ذلك خير لها .

    .

    " فيما بعد "
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    مقبرة جماعية
    الردود
    1,600
    يارب الرغبات والآمال والمطامح أشفها , أذقها من الحياة مزيدا إن كان في ذلك خير لها .
    رب اجعله عملا صالحا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محترم جدا
    الردود
    1,384
    قبل قليل كنت أمارس هواية التسكع القبيحة التي تلازمني منذ سنوات في ليالي العيد ..
    وكنت اسأل نفسي أهو ثاني أيام العيد أم ثالثها أم رابعها أم هو اليوم الذي لا يعني شيئا ؟
    والوجه الآخر للسؤال الساذج هو أني اضعت بوصلة أجمل أيام العام
    كنت أتسكع بأدب هذه المرة .. بضوابط رجل لم يعد يتلفت إلى ما كان يثيره ..
    أو أن كل ما يمكن أن يثير حفظيته أصبح مختلفا تماما عنه وهو يقتفي أثر
    كل المنازل التي صادف على عتباتها أجمل ملامح الفتنة والإغراء ..
    كبرنا قليلا على ما كنا عليه ..
    ولكننا لم نكبر بعد على قول مثل هذا
    أشعر أن الحياة بكل ما وهبها الله من ثراء على مستوى الطبيعة والعلاقات الإنسانية أقل من تشبع نهم عاقل ..
    أعجبني عنوان النص في حينه ..
    كنت اريد أن اضيف ردا لمجرد أن ارد وحسب
    ولكني انشغلت بتسكعي أعلاه ..
    على مدار 90 دقيقة
    وللتو عدت
    ويبدو أن الحي امتلأ بالغرباء
    لذا كان من الطبيعي أن اذكر ما كنت عليه
    وانسى ما انا بصدده
    وأحلم يا أمي أن أعض بأصل شجرة حتى يدركني الموت وأنا على ما أتمنى..

  16. #16
    أنا مشوشة , ليس لأني لا أعرف ما أريد كما قد تظن , بل لأني أعرف ما أريد أكثر مما ينبغي , ولكن ما أريده لن يوصلني لشيء من أشياء الناس المعتادة .
    الأشياء المقنعة التي تجعل من حياتي قيمة في نظر من يهتمون لشأني . ولأنه لا تستفزني دوافع كدوافع من حولي يبدو طريقي شائكا ومليء بالشكوك .


    ___________________________________________

    من كانَ غريبًا لمرةٍ واحدة في وطنه.. سيظل غريبًا إلى الأبد.!


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •