Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 5 من 7 الأولىالأولى ... 34567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 81 إلى 100 من 139
  1. #81
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخي إمام, وأخي عابد أفخر بوجودكما معي وأرحب بكما غدا إن شاء الله في يومية جديدة لنرى حال أبي الإلحاد في زمان الثورة.

  2. #82
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    30 أبو الإلحاد في زمن الثورة

    شعر أبو الإلحاد بنفسه يطفو فوق بحر آدمي أسود متلاطم, ترتفع فوقه الأعلام واللافتات الضخمة كأنها أشرعة سفن من زمن غابر, كانت الجموع تموج ويكاد هديرها يصم الآذان. مشى يخط برجليه الأرض ووهج الشمس يلفح جلده حتى تبللت ثيابه وأنكر رشح نفسه, لم يكن يدرك أن ريح الثورة كريه بهذا القدر.
    ندم أنه لم يضع على رأسه شيئا يقيه لسع سياط الشمس, وندم أكثر أنه لم يلبس حذاء مناسبا, لقد جاء يمشي في نعلين كأنه سائح أوربي يمشي إلى الشاطئ في يوم مشمس. استسلم لهذا التيار البشري الجارف كما استسلم لخيط أفكاره التي لاحت أمام عيني عقله كأنها شريط أحداث الفترة الماضية.

    ظل صاحبنا يحملق في شاشة التلفاز طيلة الشهور المنصرمة يتتبع الأخبار حتى كلّ ناظراه وأسكرت الحماسة رأسه , لقد أخذت الأحداث المتسارعة بمجامع قلبه فنسي أن يتعاهد نفسه بإصلاح حاله وتجميل هندامه فتلبد شعر رأسه وأهمل حلق ذقنه. لقد هبت رياح الثورة التي طالما حلم بها, لكن يا للأسف ويا للحسرة! إنها ليست الثورة الحمراء التي بشر بها الزملاء, إنها ليست ثورة المطرقة والمنجل, إنها ثورة أنجبتها شعوب غاضبة قبل الأوان, لكن الذوق الإلحادي يخبره أن هذه الثورة لم تستو بعد, إنها أشبه شيء بحساء بارد بلا ملح ولا بهارات, إن قِدر الثورة تحتاج لمزيد من الدماء والأشلاء حتى تستوي بحسب الوصفة الإلحادية.

    اضطرب موقف صاحبنا كثيرا إزاء هذا البركان الفائر من حوله حتى استقر رأيه أخيرا على أنه يعاصر ثورة لا شك في ذلك فقد أسقطت عروشا وأطاحت رؤوسا لكنها لم تقم المقاصل ولم تنصب أعواد المشانق, إنها ثورة مجهولة الهوية تتخللها الألوان المتباينة كما تتخلل البستان أشواك وأشجار وزهور يانعة. لعل أهل الإعلام يدعونها بالربيع لذلك, يا للهول إنها ثورة توشك أن تصير خضراء إن لم يتدارك العقلاء المتنورون الأمر. إنها ثورة اشتعل أول شررها من أعواد المنابر, وارتفع التكبير إذكاء لأوارها من قمم المآذن, فمتى يرى الثورة التي تصنع من مصارين رجال الدين قلائد تزين أعناق الملوك؟

    حين رأى أبو الإلحاد الجموع الثائرة تصطف في الميادين بالآلاف لتصلي صلاة المسلمين كاد يغشى عليه من الغيظ, "أي ثورة هذه إن لم تثر على الدين؟" تذكر شعار سلفه الغاوين: (الدين أفيون الشعوب), تأمل هذه الحكمة الماركسية المنسية, وتفكر في معانيها العميقة التي لم تفقد شيئا من بريقها رغم تعاقب السنين وتساءل: "هل كان الزميل يوم قالها محششا؟ وكيف يستقيم أن يذكر الملحد الأفيون بنبرة الإنكار؟"

    لم يطل الأمر بأبي الإلحاد حتى بلغت الثورة أرضه وأطاحت برأس البلد وصاحب أمره, لم يعد يذكر أي شيء كان في أول أمره قبل أن يصير مخلوعا, لقد رآه منذ عقل في كل الصور والأزياء التي تخطر لآدمي على البال, رآه في زي أهل البلد وفي جبة العلماء وفي لباس كبار الضباط وفي سراويل أهل الكرة, إنهم ينادونه بالزعيم الملهم وبالإمام المعظم وبالقائد المغوار وبالراعي الحكيم وبالرياضي الأول وبأب الأمة وبراعي الملة. حين كان طفلا خيل إليه أن الزعيم يمتلك من دون الناس قدرات خارقة ثم اكتشف أن موهبته الوحيدة شيء من براعة الفن المسرحي مع المهارة الفائقة في عرض الأزياء, وكلها لا تحتاج إلا لخشبة وجمهور بليد.

    سمع صاحبنا عن الثورة والثورة المضادة وعن استغلال التيار وركوب الموجة, وتساءل كيف يتقاعس الزملاء عن اقتناص الفرصة المواتية, إن بين أيديهم ثورة ناضجة حان قطافها, بذل غيرهم الدماء في سبيلها, فلماذا يتأخرون حين يجدر بهم التقدم ويحجمون حين ينبغي لهم الإقدام؟

    خطر له أن الخصوم يوشكون أن يصبغوا المجتمع بصبغتهم الخضراء لو تقاعس حزب التنوير ونكصت فلول الملة الإلحادية, لا بد من ثورة على الثورة وثورة في الثورة وثورة فوق الثورة. تفكر في هذا كله ثم بد يتمتم كمن يحدث نفسه: "لكن مهلا, الثورة رغبة في التغيير, وغضب من الظلم, والظلم في المذهب المادي كلمة لا معنى لها, فكيف لو أضفنا لها كلمات من قاموس البذل والتضحية والإستشهاد؟ إن التضامن والتراحم ونصرة المظلومين وغيرها من المشاعر الإنسانية الجياشة ليست سوى رواسب من الإرث الديني, إنها من فكر الضعفاء فكيف يلتفت إليها من ينتحل مذهب القوة؟ كيف يبرر الملحد التطوري رغبته في مساعدة المظلومين؟ وما الداعي إلى مساعدتهم أصلا؟ فلينقرضوا حتى يبقى الأصلح والأقوى, هل صار الإلحاد مؤسسة خيرية تعنى بشؤون المتخلفين داروينيا؟ إن المذهب المادي يرفع شعار "اقتلع الضمير والرحمة وانصب راية القوة فوق جثث الضعفاء وجماجمهم." فما محل الثورة ضد الظلم من الإعراب في مذهب يقدس القوة ويستهين بكل قيمة إنسانية؟"

    "ما الذي يحركك يا أبا الإلحاد لتثور؟ أليس حب العدل وبغض الظلم؟ وأي معنى للظلم في عرف المادة؟ لماذا قد تسعى المادة إلى تغيير شيء ما من أمرها؟ بأي قانون مادي تطمح المادة للثورة على واقع نشأ عن تفاعل قوانين مادية؟ أليس دين المادة الرضا بقهر القوانين الحتمية؟ أوليس الزهد في التطلع إلى التغيير ديدنها؟ وما الذي سيحل بنا لو تطلع العالم المادي إلى التغيير؟ أوليس معنى ذلك أن يبغي بعضه على بعض وأن تتطلع كل ذرة فيه إلى التمرد على قيودها المادية؟"

    أحس صاحبنا أنه لو تصرف بمقتضى ماديته الصارمة لما ثار ولما طلب شيئا غير ما هو فيه, و لزهد في التطلع لمثل أعلى, ولعاش دهره خاملا منبطحا على بطنه منطرحا في خضم كينونته المادية دونما رغبة أو رهبة, و لربما أشبه حينذاك بعض فقراء الصوفية في شهودهم للأمر القدري دونما سواه, فيحيا ملقيا بنفسه في خضم التفاعلات المادية كالريشة في مهب الريح, لا يطلب شيئا غير ما يتحصل له دون عنت, ولا يتكلف شيئا أبدا. لكن شيئا ما لا يدرك أبو الإلحاد كنهه يلح عليه أن ثمة مثلا ينبغي بلوغه وغاية يحسن التطلع إليها.

    دس صاحبنا أنفه في أكناف الشبكة أياما يتحسس حركة الثائرين من الزملاء وهو يرجو أن يرفعوا رؤوسهم أخيرا بإلحادهم, فها قد أطلت على الديار شمس الحرية. لكن هيهات لقد خاب ظنه من جديد إذ لم ير منهم إلا متلفعا بمروط العلمانية أو متبرقعا بخُمر الليبرالية, لقد أبصر أكثرهم وقد التفت عليهم أزياؤهم التنكرية كما يلتف القماط على الرضيع فلا يكاد يستطيع حراكا, نظر إليهم فمقتهم ومقت جلودهم الحربائية.

    عثر أبو الإلحاد بعدما كاد ييأس على صفحة فيسبوكية لشرذمة من فصيلته الموشكة على الإنقراض فسرته نبرتهم وأعجبته جرأتهم وأعاد إليه شعار حركتهم بعضا من الأمل في مستقبل الثورة الإلحادية على الأرض العربية: (معا من أجل تنوير الثورة- معا على درب الإلحاد). اجتمع في صفحة الزملاء بضعة مئات بشق الأنفس وأجمعوا النزول للشارع ليسمعوا الناس صوتهم خلال المسيرة الأسبوعية المقبلة.

    جاء اليوم الموعود, فتح دولاب الملابس وهو يفكر في الزي الملائم لهذا اليوم التاريخي. "هذا ما أحتاجه" لبس (تي شرت) أحمر يحمل صورة الشاب الثائر (تشي جيفارا), نظر إلى وجهه في المرآة تكسوه لحية خفيفة بدأ يتخللها البياض, هم أن يحلقها لولا أنه رأى لحية الثائر الملحد فأحجم, عجبا, لماذا صار الزملاء فجأة يبغضون اللحى؟ تذكر ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي وكاسترو وجيفارا, إنهم سدنة الإلحاد وقسسه, وتلك لحاهم ما تزال تملأ قلب كل ملحد زنديق بالفخر, يبدو أنه قد آن لأبي الإلحاد أن يلتحي إحياء لسنة سلفه من البلاشفة الهالكين, ثم إن جلده يحتاج لبعض الراحة بعد مرِّ هذا الزمن المديد وكرِّ شفرة الحديد.

    عاد أبو الإلحاد من رحلته في أعماق نفسه ليجد نفسه في قلب المظاهرة, لكنه جاوز المكان الذي ضربه الزملاء موعدا, التفت حوله فوجد ألوفا مؤلفة من الملتحين يلبس أكثرهم البياض, التفت يمنة فوجد شابا تملأ لحيته صدره وبيده سواك, والتفت يسرة فوجد آخر يرفع صوته بالتكبير, لقد ضل صاحبنا سبيله فوجد نفسه وسط جموع ملتحية تهدر بشعارات دينية: (إسلامية إسلامية, لا مدنية ولا علمانية), تذكر أنه يحمل على صدره شهادة إدانته, تذكر قصص الرعب وحكايات الإرهاب فتحسس رقبته وجرظ بريقه, سار منحنيا كي يخفي وجه الثائر الأرجنتيني الوسيم, ثم وقعت عيناه على علم أخضر ملقى على الأرض فمد يده فالتقطه كما يمد الغريق يده ليستمسك بقشة, التحف أبو الإلحاد بالعلم الاخضر ثم صار يمشي ذات اليمين كأنه يسبح ليخرج من منطقة الخطر, وحين أوشك أن يخرج من الميدان الفسيح التفت إليه شيخ أبيض الرأس واللحية وناوله مكبر صوت قائلا بصوت متهدج: "أدركتنا العصر, أذن لنا يا ابني." نظر إليه والدهشة تملأ عينيه, ولم يدر ما يقول, لقد ألجمته الصدمة, تنحنح ليغالب شعوره بالحرج, سأله الشيخ: "آه, أنت مش متوضي" فأومأ إليه أن نعم, فما كان من الشيخ إلا أن أخرج قنينة ماء من جرابه فقال له: "تعال, سأصب لك الماء, توضأ مرة مرة". دارت الأرض بأبي الإلحاد, لكنه مد يديه فغسلهما إلى المرافق, فهمس الشيخ: "أنت لا ترى الترتيب؟" ثم غسل وجهه وتوقف, فنظر إليه قائلا: "امسح رأسك واغسل رجليك يا ابني", غسل فارس التنوير رجلين لم يمش بهما إلى خير قط, لكن كيف يؤذن؟ وماذا لو رآه زملاؤه؟ لكنه خائف فكيف يتملص من هذا الموقف العصيب؟ خيل إليه أنه يحلم, ثم طرق أذنه نداء الأذان, فكان أحب الأصوات إليه في هذه الساعة, لقد أنقذه أحد الملتحين بصوته الرخيم من ورطته.

    لم تمض إلا لحظات حتى أقيمت الصلاة, فوجد أبو الإلحاد نفسه منتصبا وسط الصفوف المتراصة متلفعا بالقماش الأخضر, مر بيده على وجهه يتحسس شعر لحيته, ثم سمع التكبير, فشرع يحكي حركة الناس من حوله, ويتفكر فيما خرج من أجله وفيما صار إليه أمره, ركع وهو يتهيأ للهرب حالما يخر الناس من حوله سجودا, تخطى أبو الإلحاد الرقاب وخرج من الميدان يتجرع خيبته.

    هشام البوزيدي

  3. #83
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    31 تعديل المزاج الإلحادي

    ما فتئ صاحبنا يدور في بيادر الإلحاد المقفرة كما يدور بغل الطاحون, وكلما أكمل دورة عاد ليستأنف مسيرة التيه من حيث بدأها أول مرة. صار كثيرا ما يتوقف في مفترق طرق حياته المظلمة ليحك جبينه قائلا: "تبا, لقد مررت من هنا من قبل!" وأحيانا تتلاطم من حوله أمواج أحداث يكاد يرى تفاصيلها المقبلة, ويلمس ما تؤول إليه من الخسار والخيبة. خطر بباله أنه عثر للتو على تفسير وجيه لظاهرة "ديجافو", ليس للأمر علاقة بالعقل الباطن إذن, ولا بهمس ذكريات بعيدة, كل ما في الأمر أنها ثمرة حياة تعيسة خسيسة تنخرها الرتابة, تتكرر فيها المشاهد كأنها سلسلة تلفزيونية سخيفة, إنها صدى حياة تحياها دابة متطورة تجر رجليها على تربة تكاد تحفظ عدد ذراتها. قضى فارس التنوير سنوات عجافا يجتر المهانة ويلتحف الملل, ويقلب صحائف حياته في لهفة يبحث لها عن معنى. ما أشقى هذا القرد بتطوره! يا ليته بقي محتفظا بكامل (قرديته), يا ليته لم يفكر يوما في ارتقاء درجات هذا السلم الخادع, سلم التطور, تخيل أبو الإلحاد بني عمومته وذوي رحمه الدارويني كيف يرفلون في حيوانيتهم دون أن تتصارعهم هواجس الحياة والموت واللفظ والمعنى والسعادة والشقاوة, إنهم حتما يقنعون بقضمة عشب وجرعة ماء ثم يتقافزون كأنهم في أطيب عيش, إنهم قطعا لا يفنون أعمارهم يقتاتون على موائد المتفلسفة من عشيرة آل (لوسي) وبني (آردي), يا لسعادتهم إذ لم يسمعوا قط لا بالمادية الجدلية ولا بالانتخاب الطبيعي ولا بالنظرية النسبية ولا بالفيزياء الكمية ولا بالأوتار الفائقة, ويا لتعاسته بمئات المصطلحات الرنانة التي يشقّقها هذا الحيوان الناطق فلا تزيده إلا حيرة وخبالا.

    اهتز إلحاد أبي الإلحاد هزات عنيفة وغاص في أوحال النفاق حتى أنكر نفسه وأظلمت الدنيا في وجهه, لم يعد يطيق أن ينظر إلى وجهه في المرآة, ولم يعد يحتمل بعد الشقة بين اسمه الرنان الذي اتخذه لنفسه في شرة شبابه, وبين ما آل إليه أمره في السنوات الماضية, إنه أبو النفاق لا أبو الإلحاد, إن مخه يكاد ينفجر, لا بد أن يضع حدا لهذه الرياح العاتية التي تعصف في رأسه, لا بد أن يسدل ستارا سميكا على هذا الشيء المزعج الذي يدعونه عقلا.

    رافق زوجته ذلك المساء لزيارة أهلها ثم عرج على حارة مظلمة حيث اعتاد أن يجد بغيته, دس ورقة نقدية في يد الشاب الملتصق بالجدار وعاد مسرورا بغنيمته, إنه يدعوها -وإن لم تكن سوداء- حبة البركة, فإن من بركتها أنها تخفف ضجيج الكتلة الرمادية في جمجمته رغم أنها في حجم حبة العدس, لكن بركتها العظمى أنها تنقله إلى عالم مزركش خيالي كأنه رسم بريشة سالفادور دالي.

    لم تقطع الحبة العجيبة الطريق إلى معدة أبي الإلحاد حتى انتقل إلى فضاء متعدد الأبعاد, تتراقص فيه عوالم ذات أصوات وألوان وأشكال عجيبة, تذكرك بهلوسات رواد الفيزياء الحديثة, رأى نورا يشع من أعلى, فوقع في روعه أنه معدن التنوير ومنبع الحكمة فحنت نفسه المضطربة إليه, فما كان منه إلا أن طار بلا جناح, تعلق صاحبنا بشعاع رفيع من نور واستمر في الإرتفاع, حينها تساءل في صمت: "لماذا تبحث عن خلاصك في العلو؟ لماذا لا ينبع النور تحت قدمي؟" ما أن مر هذا الخاطر في ثنايا نفسه حتى سقط في هوة سحيقة, والتف به السواد من كل جنب, رأى نفسه يسبح في بحر الزمن كأنه مبحر إلى الماضي, رأى أباه وهو يحتضر في ذلك اليوم البارد الكريه, كان أبوه يصلي إلى آخر رمق من حياته, تدحرج صاحبنا في سراديب مظلمة كأنه يتجول في تلافيف ذاكرته, رأى قردا يافعا يرمقه من خلف قضبان القفص ويقول له معاتبا: "لماذا خذلتني يا بابا؟" إنه (دريوين) مد يديه ليضمه إليه فتلاشى في الهواء, لقد ضاع مستقبل دريوين بسبب قلة حزم أبي الإلحاد, فجأة سمع أنغاما عذبة وخيل إليه أن هاتفا يدعوه: "هلم إلى الأهل والعشيرة يا فارس التنوير" ثم انفتح أمامه باب عظيم فإذا مدينة لم يسمع الملحدون بمثلها, كانت أعمدة من العاج ترتفع في جنبات ميدان فسيح من المرمر الأبيض, رأى من النعمة والثراء ما لا طاقة له بوصفه, لا بد أنها (ملحدستان), نظر حوله فإذا الملأ الإلحادي قد تجمع في صعيد واحد, كانوا في درجات ثلاث بعضها فوق بعض, اللادينيون في أدناها والملاحدة في أوسطها واللاأدريون في أعلاها. لقد كان محقا تماما في تصوره لبنية الهرم الإلحادي.

    رآهم يلبسون ثيابا رقاقا, إذ لم يبق لديهم شيء يخفونه, لكنهم يغطون رؤوسهم العبقرية بقبعات عظيمة احتفاء بها وإكراما لها وقد انتفخت طيلة حياتهم تحت وطأة الإشكالات الإلحادية القاتلة, وفي صدر المجلس رأى حبيبه البروفيسور (دونكي) يبكي, لابد أنها دموع الفرح بظهور الملة الإلحادية واجتماع شمل الشرذمة التنويرية, إنحنى أمامه في إجلال وقال له: "ثانك يو دونكي أفندي". كانت أشجار الأكاليبتوس والصبار تظلل الزملاء المتنعمين وأنهار السباجيتي والصلصلة الحمراء تجري تحتهم, فلا يشاء أحدهم أن يتزلف إلى معبوده إلا وجده أدنى إليه من شراك نعله.

    كانوا في سعادة غامرة, لا بد أنهم وجدوا الحلقات المفقودة, وفرغوا من الكشف عن أسرار الكون وتسلقوا بأبحاثهم سلم التطور درجة درجة, وأفلحوا أخيرا في فك (شيفرة) الحياة فأفحموا المؤمنين ودقوا آخر المسامير في نعش خرافات المتدينين. لابد أنهم حصلوا على تفاصيل أحداث الدقيقة الأخيرة قبل الإنفجار العظيم. لن يسخر منهم أحد بعد اليوم. كانوا جميعا يتطلعون إلى امرأة ساحرة تظهر على محياها أمارات النباهة والدهاء , إنها (الطبيعة هانم) أم الملاحدة.

    أحس بالجوع فصعد على تل قريب وقفز في نهر الصلصة فسُمعت لسقوطه رجة هائلة, تطاير على ملإ الإلحاد رشاش البِركة المقدسة, فمسحوا بها جباههم وظهورهم تبركا بإله الملحدين وحش السباجيتي الطائر. أحس أبو الإلحاد بطعم الثوم والطماطم في فمه, إنه في جنة الإلحاد بلا ريب, لقد زالت عنه الهواجس ونزلت عليه السكينة.

    غطس في النهر الأحمر فرأى أشلاء ممزقة وبقايا بشرية, رأى أسنانا وآذانا وأصابع, شعر بالفزع والإشمئزاز, وحين هم بالخروج رأى أبا شنب يسبح نحوه, يا للهول إن الزميل جوزف ستالين مرعب بالفعل! هل ينتهي أبو الإلحاد قربانا للإله الإلحادي؟ هل سيختلط دمه ولحمه بالصلصة المقدسة؟ عندها رأى سفينة فضائية تحلق فوقه كأنها نجم متوهج, رفع كلتي يديه فشعر بنفسه يُسحب بقوة كأنه يدخل في خرطوم مكنسة كهربائية, رأى المخلوقات الخضراء تحتضنه وتمسح أم رأسه في حنان, ثم تغمره في سائل الخلود, وجد نفسه مغمورا في حمام النيتروجين البارد, لم يدر هل شرعوا في تجميده ليصير مومياء تسافر عبر المجرات, أم أنها مراسيم التعميد الرائيلية؟ حين تدفق السائل الثمين في منخريه عطس عطسة عظيمة فوجد نفسه يطير في الفضاء الفسيح, تساءل: "هل تفسر نظرية التطور وجود الكائنات الفضائية؟" لا بد أن يسأل القسيس (دونكي), فهذه معضلة ليس لها سواه.

    بدأ أبو الإلحاد يذوب شيئا فشيئا حتى صار رذاذا يتطاير في الهواء, خطر له أنه في حالة فيزيائية مناسبة ليسدي خدمة جليلة للإنسانية, لماذا لا يصلح ثقب الأوزون أو يبتكر حيلة للتخفيف من آثار الإحتباس الحراري, لكنه للأسف يفتقر للكفاءة العلمية اللازمة, فليستغل الفرصة على الأقل ليقترب من معشوق الشعراء, لماذا لا يتأمل القمر عن كثب, لعله يلقي نظرة فاحصة على تراث رواد وكالة (ناسا) وآثار خطواتهم الجبارة ورايتهم المجيدة المرفرفة, حتى يخرس الألسنة المشككة ويبطل الأقاويل المضحكة التي يبثها الجاهلون حول هبوط أبناء العم سام على أرض القمر. ربما بقي له بعدها متسع من الوقت ليقوم بجولة سريعة على الكوكب الأحمر, للأسف تردد كثيرا كعادته حتى تكاثفت ذراته وعادت إلى طبيعتها الأصلية, فوجد نفسه يمشي في حقل عجيب تنبت فيه كائنات بشرية, هل هذا مشروع آخر من مشاريع كريك فينتر؟ هل يقوم باستنساخ فصيلة مختارة من الزملاء؟ فجأة رأى أبو الإلحاد كأنه ينظر في خبايا رأسه, رأى نتوءا عجيبا بين مخه ومخيخه ينبض بعنف, فترتسم في مخيلته عشرات الإشكالات الإلحادية, لا بد أنها الشريحة البيولوجية التي حبا بها التطور الفصيلة المتنورة, إنها برنامج معقد ينبت الشك ويجتث اليقين, تمنى لو كان يستطيع أن يستأصل هذا الورم المزعج قبل أن يصاب بالجنون, فجأة سمع صوتا مألوفا يناديه: "أبا الإلحاد, ماذا جرى لك, كيف تنام على أرض الحمّام؟" فتح عينيه وهو يتساءل: "النعجة دولي؟ ماذا جرى لصوفك؟" سمع دوي صفعة على خده, ثم أحس بحرارتها, رأى زوجته وهي تصرخ في وجهه غاضبة: "ألا يكفيك أن تدعوني نوال وأنا آسية حتى تسميني بأسماء النعاج؟ هل عدت لإدمان حبوب الهلوسة؟ أنت لا تصلح لشيء..." أحس أبو الإلحاد بصداع شديد فأغمض عينيه واستسلم لنوم عميق.

    هشام البوزيدي

  4. #84
    أخي الكريم : هشام البوزيدي :

    أسأل الله العلي العظيم : أن يجعل كل حرفٍ كتبتَه هنا : نورًا لكَ في قلبك ، وفي قبرِكَ ، وعلى الصراط .. وإلى جنّات الفردوس ...
    وأن يجمعني وإياكَ مع النبي والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسُن أولئك رفيقًا !!

  5. #85
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أستاذي الكريم جابر:

    وددت لو أني توقفت ههنا و لم أكتب حرفا بعد, وتركت هاته اليوميات تختتم بدعائك الجميل, لعل كل من قرأه يؤمن عليه, فبارك الله في كلام يدخل السرور إلى القلب وينشط القلم. بارك الله فيك ونفع بك ورزقك مثل ما دعوت به لأخيك أضعافا مضاعفة.

  6. #86
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    الردود
    34
    مبدع دائما أخ هشام

  7. #87
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    شكرا لك أيها الحرف النبيل.

  8. #88
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المكان
    واقعيا..في فوهة البركان! شعوريا..تحت الجليد.!!
    الردود
    13
    رائع ما وجدته بين الالف والياء..
    بحق..

    لو طعمت حروفك ببعض الإشارات أو العلامات لكان أبعد للقارئ عن الملل..
    هذا إن اقترب منه.!


    لك الله.. لا تشكو ولا تتبرم.!

    فؤادك جيـاش،، وفكك ملجم.!!

  9. #89
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    في قلب النسيان
    الردود
    152
    أ . هشام ، عرفتك هناك فأذهلني حضورك ، وهنا رأيت اسمك ففرحت وجئت الآن للتحية ،

    ادعُ الله أن يمكنني من حين عودة يستحقها قلمك.

    تحياتي وكل احترامي .

    دم بخير أبدا

    النوار

  10. #90
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخويّ أبا سليمان والنوار, جزاكما الله خيرا.
    كنت كتبت في يومية (العيد بنكهة الإلحاد) ما يلي:
    ليته يقضي هذا اليوم في عاصمة الإلحاد في حاضرة الزميل المرعب أبي شنب جوزف ستالين, ما أن عنّت له هذه الفكرة حتى بدأ بث تقرير مصور حول احتفال مسلمي روسيا بالعيد, كاد أبو الإلحاد يصعق لمرأى الألوف المؤلفة وقد احتشدت في أكبر مساجد موسكو, إن التزمت يكاد يبتلع آخر معاقل الملة الإلحادية, أطفأ الجهاز والحسرة تأكل فؤاده, ثم جلس في سريره وهو يتمثل بهذا البيت الذي لم يعد يذكر أين سمعه:

    لمثل هذا يذوب القلب من كمد.........إن كان في القلب إلحاد وكفران
    وهذا ما كنت أقصده حينذاك:

  11. #91
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الردود
    112
    - عملٌ ضخم .. وجدير بالقراءة والفائدة .
    الله يبيّض وجهك, يوم تسوّد وجوه وتبيّض وجوه !

  12. #92
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أقر الله منك العين بما تحب يا (عين), ووالله إن دعاءك لي مما يثلج الصدر ويقوي القلب وينشط القلم.
    فبارك الله فيك وفي القراء والمشرفين أجمعين.

  13. #93
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الردود
    147
    سبحان الله من البوزيدي يظهر العجب...

  14. #94
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    أخي ياسين: بارك الله فيك.

  15. #95
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4

    في هذه اليومية حل لغز كثرة الفطريات التي تسمى مواقع إلحادية

    32 فايروسات إلحادية

    توالت العثرات والنكسات على صاحبنا حتى وجد نفسه منبطحا في حمأة النفاق. تفكر في أمره كثيرا وخلص إلى أنه أخطأ في تقليم مخالبه وتخفيف حدة إلحاده. لقد تأكد مرة أخرى -بعد أن أثخنته الجراح- أن الإلحاد العربي يموت حين يخلع لأمة الحرب ويهمّ أن يلزم خندق الدفاع. هذا فخ قاتل يا أبا الإلحاد, إن الزندقة الإفتراضية تصنف من قبل هراطقة النقاد في فنون الإلحاد الهجومي المتطرف. جلس يخاطب نفسه: "تأمل التعريف جيدا, وفكك أجزاءه أيها الزميل المنتكس كي تفهم كم تبدو بليدا في قناع الحمل الوديع."
    إن الإلحاد على وزن (إفعال) مثل (إملاق), و(إخفاق) وهو هجومي شرس متطرف لا يقبل أنصاف الحلول. فالملحد يلحد ويهجم أو يتردد ويزول, هكذا فلتكن يا أبا الإلحاد أو لتندثر إلى الأبد.

    امتلأ صدره بالحماسة, وأحس كأن روحا جديدة تدب في أوصاله فاشتاق إلى رفقة (الجرب والجذام) فأبحر إليهم في ناديهم الإلكتروني. دخل يتصفح شريطا طويلا, فخيل إليه أنه قرأ مثل هذا الكلام آلاف المرات من قبل, حاول أن يجد موضوعا أصيلا فريدا تسري فيه روحه وتتميز ملامحه, عبثا حاول أن يقنع نفسه أن ثمة ما يستحق القراءة ويستثير فيه مشاعر الفخر الإلحادي والنخوة الداروينية. وجد نفسه يسبح في مستنقع إلكتروني آسن تعلوه الرتابة وتغمره الكآبة. همّ أن يطفئ الحاسوب حين خطر له أمر عجيب, انفرجت أساريره وكشر عن أسنانه واستغرب: "لماذا لم أفكر بهذا من قبل؟ نعم نعم, هذا يفسر كل شيء, إنهم ليسوا هناك, لا أحد هناك, هل التقيت أحدا منهم قط؟ كلا, لقد كنت أحترق وأذوب في اليوم ألف مرة من أجل كائنات إلكترونية وهمية."

    لقد حل أبو الإلحاد اللغز أخيرا, إن منتديات (الجرب والجذام) تصيبه لرتابتها بالإحباط والغثيان, لأنها مجرد برامج غبية يسيرها على الأكثر زميلان أو ثلاثة, إنها فكرة تفتقت عنها العبقرية الإلحادية العربية. تصمم موقعا وتربطه ببرنامج آلي لتسجيل الزملاء والخصوم الإفتراضيين, ولتفريع المسائل وتفريخ الشبهات وتشقيق الردود. إنها بالفعل فكرة عبقرية لولا أن هذه البرامج ما زالت تحتاج لكثير من التطوير والمراجعة. الآن فقط فهمت لماذا يخيل إلي -في العالم الإفتراضي- أن الملاحدة في ديارنا بمئات الألوف ثم لا تكاد تلقى منهم بشق الأنفس إلا نفرا قلائل.

    قرر أبو الإلحاد أن يحتفظ بأصل الفكرة وأن يلتزم قاعدتها النظرية التي لاحت له, ثم يمضي في تعبيد الطريق في وجه جحافل التنوير اللادينية, سيطور مشروع الحملة اللادينية في مواجهة الملة الإسلامية, ما أسعده باكتشافه, حمد عقله أن هداه لبرنامج إلكتروني يكفي لتسعير هذه الحرب الإفتراضية الضروس.

    جلس يضع تصوره للبرنامج الخارق, ولما اجتمعت لديه صفحات من الأفكار الباهرة, صدّرها بالرسالة التالية:
    "عزيزي (الحلاج الهاكر), لقد حضرت دورتك التدريبية في البرمجة قبل عام, وأنا بحاجة لتوجيهك بخصوص تطوير البرنامج التالي "تجييش جحافل التنوير الإلكترونية"...

    كتب أبو الإلحاد عن برنامج آلي ذكي لتصميم منتديات ومدونات ومجموعات إلحادية, يحوي آلاف الأسماء الرنانة التي تستجيب لسائر الأذواق الإلحادية بنكهاتها السوفسطائية واللادينية واللاأدرية, وهذه عينة عشوائية منها: منتديات سدوم, مدونة زندقة, مجموعة كافر وأفتخر, فردوس أبي جهل, ملتقى تعداد محاسن الإلحاد, جروب من وحي الشيطان, ساحات هيا إلى الهرطقة, مدونة كل شيء بالعقل, جروب الطبيعة فقط, حدائق الداروينية الأليفة, منتديات أشباه البشر, جروب قرود ولكن, مدونة هل أنا إنسان؟ مدونة هل أنا كائن فضائي؟ منتدى طقطق لإحياء المنطق...

    وما أن تحدد اسم الموقع حتى يشرع بشكل آلي في تسجيل أسماء مئات الأعضاء الإفتراضيين, و تتفرع هذه الأسماء الغريبة إلى مجموعات كثيرة منها أسماء الحيوانات والحشرات والمستحثات وأبطال الأساطير اليونانية وأسماء الفلاسفة وغيرهم. قام صاحبنا بنسخ آلاف المعرفات الإلحادية من مواقع الشبكة ليطعم بها مشروع برنامجه. ومما سترونه لو قدر لهذا العمل الجليل أن يكتمل مواضيع مذيلة بالأسماء التالية: عبد الصدفة, نبي الحقيقة, ابن عبد هواه, خادم دارون, الراهب الملحد, الثعلب المعمم, حمار ماركس, هدهد التنوير, السلف المشترك, خطيب آردي, خنفس الفضاء, حفيد آينشتاين, جار بيغاسوس, مستر سوفوكليس...

    وما أن يتم تفعيل اشتراك الأعضاء المسجلين حتى يبدأ البرنامج في إنشاء المواضيع الإلحادية, فهو مزود بقاعدة بيانات ضخمة تضم بحرا من الشبهات والتشكيكات والمغالطات التي أنتجها العقل الإلحادي عبر تاريخه الطويل. وهذا بؤبؤ عين البرنامج, وزبدة حياة أبي الإلحاد, إنه عصارة مواقع (الجرب والجذام) انتبذها في قرص صلب حتى أنتنت, ثم صبها في ملفات مخفية, ثم حصنها بأرقام سرية, وكان يرجو أن تكتب لها حياة ثانية, وهاهو حلمه يوشك أن يتحقق, ستشتغل الآلة التنويرية قريبا لتبث خلاصة جهاد صاحبنا في أرجاء العالم الإلكتروني. وتندرج هذه الشبهات تحت أبواب متعددة, فهناك شبهات لغوية وتاريخية وجغرافية ورياضية وفلسفية وتطورية وسيكولوجية وسوسيولوجية ومنطقية وهلم جرا.

    فإذا اختار البرنامج مثلا شبهة تطورية, فإن أقساما أخرى كثيرة تندرج تحتها, فهناك شبهات متعلقة بالحشرات وأخرى بالفقريات وأخرى بالرخويات وأخرى بالصدفيات وأخرى بالحرشفيات وأخرى بالطفيليات وقس على ذلك. ولو تصورنا أن البرنامج اختار شبهة تطورية تتعلق بالحشرات, فإنه سيقوم مثلا بجرد يشمل كل أنواع النمل المعروفة قديما وحديثا, بما فيها المستحثات التي تؤرخ للفصائل النملية المنقرضة, وسيقوم بجرد لدراسات الأجهزة الحيوية للنمل, ويرفقها بنتائج تشريحها من أرقى الجامعات الغربية التي تدرّس جميعها التطور كما هو معلوم, وسيثبت بالأدلة العلمية الدامغة أن أيا من أصناف النمل المعروفة لا يمتلك حبالا صوتية, و بناء على ذك سيقوم البرنامج باختيار عنوان الموضوع: "زميلي المسلم: كلام النمل مستحيل داروينيا" عندها يتم اختيار اسم الزميل الذي سيتصدر اسمه الموضوع, ولنقل إنه (خادم دارون), ولا يبقى بعد ذلك إلا نشر الموضوع على الشبكة ليقوم البرنامج بالجزء الأهون من عمله, فيؤلف الردود العلمية الدقيقة من قبيل: "لول, تسلم يا زعيم" و "ثانك يو مستر دارون بوي" و "بصراحة, رد علمي يصلح للنشر في مجلة علمية." و "يحيا التطور" وأمثال هذه العبارات التي تملأ مواقع الزملاء.

    بعد ساعات جاء رد الزميل (الحلاج الهاكر). بدأ صاحبنا يقرأ بتركيز شديد:

    "عزيزي أبا الإلحاد, لقد فهمت فكرة مشروعك, إنك تريد تصميم فايروس متعدد الوظائف, إنك تريد شيئا يجمع بين القدرة على التناسخ وبين آليات التحليل والتأليف والترتيب, إنك تريد باختصار حصان طروادة بالغ التعقيد مجهزا بمضامين إلحادية دقيقة ومركزة. بصراحة قد أعجبت بفكرتك وقضيت بضع ساعات أبرمج نسخة تجريبية للبرنامج, يمكنك البناء عليها لو أحببت. تحياتي لك ومتمنياتي بحياة إلحادية سعيدة وحافلة بالمسرات."
    البرنامج في المرفقات.

    توقيع (الحلاج الهاكر): ما في الجبة إلا الإلحاد.

    أحس أبو الإلحاد بقلبه يتراقص في صدره من الفرح, حرك زر الفأرة بأنامل مرتعشة ونقر على أيقونة البرنامج وبدأ التنصيب. وحين بدت له واجهة البرنامج ضغط على زر التشغيل, فبدأ البرنامج عمله, فتح صفحة واثنتين وثلاثا حتى بلغ عشرات الصفحات, ثم بدأ يسجل الأسماء ويؤلف المواضيع, صارت الشاشة تهتز أمام ناظريه كأنها تئن من ثقل مئات الصفحات المتناسخة, حاول أن يغلق بعض النوافذ, لكن أضعافها حلت محلها في لمح البصر, جلس صاحبنا يحك رأسه وينظر إلى فايروس الإلحاد يفتك بحاسوبه, لم يجد بدا من فصله عن تيار الكهرباء. لقد خرب البرنامج التنويري الجهاز, وضاع تعب السنين, فكيف لو أتيح له أن ينتشر على الشبكة ليصل إلى ملايين البيوت؟ رأى صاحبنا ثمرة عقدين من نضاله الإلكتروني تذهب أدراج الرياح فحمد الصدفة أن منحته عقلا لم يفلح فايروس الإلحاد في تخريبه في سنوات طويلة كما صنع بالحاسوب في دقائق معدودة ثم خرج إلى المقهى لعل فنجان قهوة ولفافة دخان تنسيه مرارة فشله الجديد.

    هشام البوزيدي

  16. #96
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المكان
    هنا حيث أنا
    الردود
    684
    سلم القلم بجود ما خطا أخي الكريم، زد وتزيد شكر، وشكراً تطول

  17. #97
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة روح رحالة عرض المشاركة
    سلم القلم بجود ما خطا أخي الكريم، زد وتزيد شكر، وشكراً تطول
    حفظك الله وسلمك أخي الفاضل روح رحالة.

  18. #98
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الردود
    5
    سردٌ جميل ، و حبكة قصصية ممتعة ، و غوصٌ
    بمهارة في أعماق النفس الملحدة !
    بارك الله فيك ، و نفعَ بك أخي الحبيب هشام ..


  19. #99
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    فضاء
    الردود
    1,800
    السلام عليك
    ترددت مرارا قبل أن أمر هنا
    وبعد أن أقنعت نفسي بذلك قرأت الموضوع واقنعت نفسي أن اخرج دون رد
    ثم عدت الآن وقرأت مرة أخرى وحاولت أن اغير نظرتي تجاه الموضوع او أن اـتجاهل نفسي التي تقنعني بعدم الرد لم أقتنع وها أنا أكتب لك هنا

    كنت احبذ بعد هذا المجهود الرائع لو أن الموضوع كان بطريقة اقل (كلاما) حتى تتحقق الفائده التي ترجوها منه لأنك تريد أن تنبه الملحدين الى ما يعيشونه من وهم لكنك ابتعدت (قليلا) عن قلوبهم بل اقتربت من قلوب من يعتبر الملحدين فئة لا يجب أن ينظر لها


    كنت أود أن أجد هنا كلاما يقرب الملحد من الله لا أن أجد تفاصيل حياة الملحد فقط دون أن أجد في الثنايا كلاما يقنع بالصواب

    اعرف ان نيتك جميله جدا وجهدك كبير جدا لكن هل يمكنك ان تجد طريقه أكثر (رونقا للملاحده)


    ربما في خبايا صدري كلام أود أن قوله لكن لا أجد الطريقه الملائمه لذلك

    والكلام بين الأقواس كلام استعيض به عن آخر لم استطع طرحه مباشرة هنا


    سأحاول المرور دائما هنا لهدف في نفسي


    سؤال :هل جربت أن تكون ملحدا؟


  20. #100
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    وفيك بارك الله أخي دمعة رغيف.

 

 
الصفحة 5 من 7 الأولىالأولى ... 34567 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •