Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4

    2012 عام القيامة الإلحادية

    45- 2012 عام القيامة الإلحادية


    انتزع أبو الإلحاد تقويم العام المنصرم من الجدار قبالة سريره وتمنى لو ينتزع معه مرارة خيبته وبؤسه المتفاقم, نظر إلى الأرقام الكبيرة الملونة التي ترمز للعام العجيب 2012, ألقى كومة الورق في سلة المهملات وبقيت ذكرى هذا العام المضطرب منطبعة في عقله.

    قرأ يوما في أحد مواقع الرجل الأبيض المتنور أن مقدم عام جديد فرصة سانحة يجدر بالملحد اللبيب أن يغتنمها لتجديد إلحاده ولضخ دماء جديدة في شرايين شكه. وقف ينظر من النافذة إلى الشمس تبزغ من جديد, لتنقله إلى عام جديد, نظر إلى شعاعها المتوهج, شعر كأنه يراها أول مرة, لقد انقطع رجاؤه أمس أن يراها ثانية, بل إنه ظن أن الشمس نفسها لن تحظى بفرصة الشروق من جديد, لكنه هنا يمتع بصره بنور هذا النجم العجيب من جديد, إن أبا الإلحاد يحب الجديد, إنها كلمة براقة يتوق عقله المشوش إلى تجربة معناها مرة أخرى بعد سنين من التخبط في حفرة ضيقة اسمها الإلحاد, إنه سجين دوامة قاتلة لا تفلح لا الشمس ولا القمر في تخليصه منها.

    مضى عليه عام آخر وهو يتأرجح بين لادينيته ولاأدريته, متطلعا إلى اليوم الذي تطأ فيه قدماه عالم الإلحاد الموعود, عالم اليقين المادي والسلام الطبيعي الذي لا تدنسه شوائب الأوهام الميتافيزيقية والأحلام المثالية, لكن هيهات, إنه يشعر بأنه كتلة مادية خالصة تسكنها شحنة مجهولة الماهية والهوية, لا تقنع بموازين الطبيعة ولا تطمئن إليها, بل تسائلها وتستصغرها وتتمرد عليها, إنها تهز كيانه بالليل والنهار كأنها جني في قمقم, فتضطرب نفسه وتتعاظم محنته وتتقاذفه أمواج شكه وحيرته, فيجتهد أن يظل مستمسكا بإلحاده كما تستمسك النملة بالقشة في خضم السيل.

    بدأت الشمس ترتفع فأتبعها بصره وتساءل لماذا تتطلع المادة في صورتها الإنسانية إلى السماء, ما الذي زرع فيه معنى السمو والإرتقاء, وما الذي ركب فيه كره الهبوط والسقوط؟ إنه يتوق أن يشعر بأنه منسجم مع العالم المادي من حوله, إنه يتطلع إلى يوم يقبل فيه ذلك الشيء الغامض الذي يسكنه بحكم الطبيعة بلا جدال ولا اعتراض. إنه ملحد لكنه مؤمن بأن ثمة سبيلا للخلاص من ورطته, إنه كافر بالآخرة, لكنه موقن بأن ثمة حياة أخرى خيرا من حياته, إنه كتلة مادية تتدحرج في سراديب اليأس, لكن ذلك الشيء بداخله مازال يضخ في نفسه شيئا من أمل, في غد أجمل.

    إن الأسابيع الأخيرة من كل عام تفضح تناقض أبي الإلحاد, فهو يسقط كل مرة في فخ يهشم أوصال ملته المادية, إنه فخ الرمزية. الزمان ليس شيئا ماديا, إنه إحساسنا بتوالي الأحداث, فمن أين جاء بكل هذه الحمولة الرمزية التي تجعله اليوم يقف متفكرا متحسرا؟ لماذا لم يفلح الرجل الأبيض في استئصال طقوس أعياد الميلاد ورأس السنة من رأسه رغم أنها رواسب بالية تذهب بصفاء عقيدته المادية؟ ألم يبشره أساطين الإلحاد في القرن الماضي بدنو اندثار التدين؟ لماذا يقعي الملايين من ملاحدة الغرب نهاية كل سنة تحت أشجار الصنوبر المزينة بالمصابيح الملونة, يعدّون الهدايا الفاخرة ليخبروا أبناءهم بعدها أن شيخا وقورا أبيض اللحية قد جاءهم بها؟ لماذا يضطر الرجل الأبيض أن يكذب على الاطفال ليهب لحياته معنى رمزيا؟

    تذكر يوما شاتيا من شبابه الأول حين زار أوربا أول مرة, مر بمكان تباع فيه أشجار عيد الميلاد, رأى كيف يأتي الرجل الأبيض بأبنائه ليختاروا أفضل شجرة ليزينوها ليوم عيدهم, تأمل أبو الإلحاد الحمولة الرمزية لهذا كله وتذكر كيف كان أبوه يصطحبه قبيل عيد الأضحى بيوم أو يومين لشراء أضحية العيد, أغمض عينيه وغاص في بحر ذكرياته, شعر بالسكينة تغمره لذكرى زمان ما قبل الألحاد فتبسم, اختلط في ذهنه شريط ذكرياته, كأنه مخرج أفسد عليه مهندس المونتاج عمله, خيل إليه أنه ينظر إلى رجل أشقر يضع يده على رأس خروف يتحسسه, كأنه يتأكد من سلامة قرنيه وعينيه وأذنيه, ثم يمر بيده الأخرى على صوفه, ثم يسأل البائع عن الثمن, خيل إليه أن المرأة إلى جنبه تقول له: "يا عزيزي إنه صغير, لنأخذ هذا فهو أكبر." فجأة تحول الكبش في مخيلته إلى شجرة صنوبر, حمله الرجل إلى سيارته وانصرف.

    إنها نفس الرمزية التي تلاحق هذا الإنسان التائه المفعم بالحيرة, الذي تلاحقه أسئلة الموطن والمغزى والمصير, إن عيد الأضحى رمز للتضحية والفداء, فهل استطاع الفكر المادي أن يتخلص من فكرة غريبة كفكرة التضحية؟ أم أنه اقتبسها من الدين ليستثمر طاقتها الهائلة لتعبئة الكائنات الإنسانية؟ إنه لم يستطع أن يتخلص من رمز وثني كشجرة الميلاد, فكيف يتخلص من فكرة نبيلة كالتضحية؟

    ظل أبو الإلحاد سنة كاملة يتأرجح في بيداء وساوسه حتى أوشكت على الإنصرام, ثم قضى أياما مرعبة لم يذق فيها طعم النوم, إنه يعاني من أرق مزمن, لكن الذي أصابه آخر العام شيء مختلف, إنك لو لقيته لحسبته بعث لتوه من قبر, شعر أشعث وعينان غائرتان يحيط بهما السواد كما يحيط السوار بالمعصم, لقد دهمه أمر طالما دفعه إلى ازدراء أهل الدين, إنها فكرة نهاية العالم, لكم سخر من المتدينين ومن سذاجتهم, نهاية العالم؟ يا لها من فكرة حمقاء! العالم كل شيء, فكيف ينتهي كل شيء؟ ظل صاحبنا مطمئنا إلى بقاء العالم المادي حتى اطلع قبيل شهور على نبوءة المايا وتقويمهم المشهور الذي حدد ختام هذه السنة موعدا لنهاية العالم, قرأ كل ما وقع تحت يديه عن المايا وبراعتهم في التنجيم وطقوسهم الدموية, لم يشعر أنه بدأ ينزلق شيئا فشيئا إلى التفكير في الأمر ثم إلى تصديقه بعد أن انغمس في الإنترنت يترصد أشراط الساعة الإلحادية. ومن أعظم ما جعله أخيرا يجزم بأنه سيرى نهاية العالم بأم عينه, أن كثيرا من أذكياء العالم المتحضر جزموا بأن الأمر جد, واستأنسوا لصحة النبوءة بكثير من القرائن المتظافرة منها الاحتباس الحراري والكوارث المناخية والأزمات الإقتصادية.

    تمنى أبو الإلحاد لو كان يملك ثروة طائلة ليخرج من ماله كله ويذهب إلى أمريكا حيث تجمعت طائفة من الزملاء تنتظر الخلاص من السماء, تمنى لو يتاح له شرف صحبة الكائنات العلوية الخضراء إلى عالم آخر حين يتلاشى هذا العالم العجوز المضطرب, ربما كان دونكي هناك أيضا, لكنه معدم, تبا لأبي الإلحاد, إن الإلحاد والفاقة لعنة قاتلة! طالما حلم أن يصير ثريا لا تحبسه الحاجة عن الاستغراق في حريته المادية, لكنه مضطر للبقاء هنا في شقته الصغيرة, يا للهول ستقوم عليه القيامة الإلحادية في هذا المكان الحزين. لم يحدث أحدا بهواجسه, وحاول أن يتناسى الأمر.

    دخل بيته قبيل مغرب اليوم الموعود وقلبه يرجف, كان يحمل سلة فواكه أخفى بينها زجاجة فودكا صغيرة ملفوفة بعناية في جريدة قديمة , إنه لا يريد أن تحل نهاية العالم وهو في كامل وعيه, أقفل باب غرفته وشرب الزجاجة في دقائق معدودة, مر أمام عيني عقله شريط حياته, لم يجد فيه شيئا يستحق الفخر, لماذا يستمسك مثله بالحياة, وهل هذه حياة؟ كان يتساءل ما الذي جناه من رحلته الأرضية لو صدقت نبوءة المايا, لم يقلب النظر كثيرا ليدرك أن خلاصة حياته لا شيء, لا معنى, عبث في عبث... بدأ أثر الكحول يسري في عقله حين سمع فجأة رجة هائلة, وانقطعت الكهرباء, طار كل أثر للخمر من كيانه, وكادت نفسه تخرج من الهلع, أخذته قشعريرة وأحس بالعرق البارد يتحدر بين كتفيه, لقد صدق المايا إذن, تدحرج أبو الإلحاد على الأرض وانبطح على بطنه وأغلق أذنيه بإبهاميه, توقع أن ينهار السقف على أم رأسه في أي لحظة, بل توقع أن ينهار العالم بمجراته وأفلاكه, اصطكّت أسنانه واضطربت فرائصه حين همس صوت بداخله: "أنت تعلم أن للكون مدبرا وأن له معنى وحكمة, فلماذا لا تلجأ إليه الآن؟" فتح فمه وبدأ يهمهم: "لا إله والكون مادة, المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم" خرجت هذه الكلمات من فمه وهو لا يصدق منها حرفا, إنه يعتقد أن الكون يتلاشى بالفعل. إنه قد يقبل أن يندثر الكون فلا تبقى منه ذرة, لكنه يريد أن تبقى نفسه, فهل يدل ذلك على أنه يشعر أن في أعماقه شيئا آخر غير قابل للفناء؟ لم يشعر بذرة من السكينة رغم أنه ردد الشهادتين الإلحاديتين بإخلاص تام.

    فيم الجزع يا أبا الإلحاد, أنت مادة, وهل تجزع المادة؟ إنك غير قابل للفناء كما رددت لتوك, إنك في أسوإ الأحوال ستتحول إلى هباء مبثوث يحوم في أرجاء الكون الفسيح, وأي شيء في ذلك, على الأقل ستتخلص من الصداع الفلسفي الذي يفتت كيانك, وستتخلص من مطارق الأسئلة التي لا تترك لك مجالا للراحة.

    سمع جلبة بالخارج, ثم عادت الكهرباء, دخلت زوجه فوجدته منبطحا على بطنه, فقالت له: "لا تخف يا عزيزي, انفجرت طنجرة ضغط في البيت المجاور, لحسن الحظ لم يصب أحد بأذى." اقتربت منه وقد علتها الدهشة: "إنك ترتعش من الخوف, ماذا بك؟ لقد بللت ثيابك!" استجمع أبو الإلحاد قواه وجلس وهو يلهث كأنه عاد لتوه من سفر بعيد.

    هشام البوزيدي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2012
    المكان
    من المحيط إلى الخليج ..
    الردود
    24
    يا له من بائس، لقد صرتُ أرثي له ياهشام.
    رفقاً به فالرفق بالحيوان واجب..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الردود
    147
    مسكين أبو الإلحاد ، أشفق عليه منك.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الردود
    41
    باذخ هذا النص والروح المبثوثة فيه ..يكاد صوتها يحيي ويفيق

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة طلّاع الثنايا عرض المشاركة
    يا له من بائس، لقد صرتُ أرثي له ياهشام.
    رفقاً به فالرفق بالحيوان واجب..
    ما أفعله هو عين الرفق به, شكرا لك.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة yassindiouf عرض المشاركة
    مسكين أبو الإلحاد ، أشفق عليه منك.
    ما أريد له إلا الخير يا ياسين.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حلم الشام عرض المشاركة
    باذخ هذا النص والروح المبثوثة فيه ..يكاد صوتها يحيي ويفيق
    الله يحييك ويقر عيونك بتحقيق حلم الشام.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الردود
    41

    نطالب

    الا يحق لنا أن نطالب هذا البوزيدي بالنسخة الكاملة لقصة أبا الحاد بكل فصولها مطبوعة او مسموعة ! .. انها تبدو وكأنه كان أقرب اليهم من افكارهم .. إني أطالب بنسختي

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المكان
    بين الألف والياء
    الردود
    319
    التدوينات
    4
    هذا البوزيدي سيصدر يوما النسخة الكاملة للكوميديا الإلحادية حين ترسو سفينة أبي الإلحاد حيث قدر لها أن ترسو, وسأذكر بخير كل من قرأها في نسختها الإلكترونية وشجعني على الاستمرار في كتابتها. فبارك الله فيكم.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •