Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ابن خطيئة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الردود
    86

    ابن خطيئة








    مسكينة تلك القرية قريتنا !!
    مذ ذاك العهد البائد و هى ترزح كرها لا طوعا تحت حصار حلقى مستحكم ، حيث يطوقها ذاك ( الرشاح ) الآسن ، ذو الماء العطن الأسود ، و الرائحة الزنخة المخزونة ، ناهيك عما يركز فى قاعه ؛ أو ما يلفظ فوق السطح من رمم نافقة منتفخة ، أو ما يرتع فوق ضفافه من غابات البوص الشامخ و المتهدل ، أو خصلات الحلفا البرية الشعثة ...
    فأضحت مرعى ثر لذلك العالم الزاحف بهوامه و دوابه : العاقر منها و اللادغ ، الزاحف منها و الطائر ...
    و كأن الأقدار قد أهدت لـ ( ابن الرشاح ) حينما حصرت تلك القرية المسكينة ــ إلا من ثغر متهالك على هيئة نخلات أربع ــ مقبرة شبقة نهمة ؛ تبلع من أهل القرية من يلمح فيه بصيصا من ضجر مخنوق ، أو وشاية عين تمنى النفس بفعل ثورى أهوج .
    أما ( ابن الرشاح ) هذا... فيروى ثقات الأجداد : " إنه كان أول ما كان مضغة لحم حمراء ملقاة فى حضن الجسر المعشوشب ، بجوار السنطة المعوجة ، انتبهت قريتنا ذات صباح ؛ و قد ألفاه البعض هناك !! يتوسد احدى الحيات الرقط ، يطلب غوثا بأنين مكلوم، أضعف من نبضات تذوى..."
    اختلفت فى أمره كل الروايات فالسذج من أهل القرية قالوا : " لا شك هو ابن الحية الرقطاء " ، أما الجبناء فقد قالوا : " هو فضلة شيطان ماكر أو هو فقس الجنية " و لكن العقلاء بقريتنا قالوا : " هو ابن خطيئة .. هو ابن خطيئة " !!
    و أيا ما كان القول أو القائل ، فقد كفلته الأيدى ؛ لتكلأه بعين الرهبة لا الرغبة ؛ استجداء للأمن المرجو من تلك الجنية ، أو طلبا للسلم من ذاك الشيطان !!
    فاستبقت أيدى الناس ؛ كى ترعى هذى الروح الغضة ...و التقم بفيه الرخو كل الأثداء لم يترك بيتا فى القرية إلا و استرضع أهله ؛ حتى نضجت تلك المضغة ، طفقت تحبو فى ساحات الدور ، تتهافت أيدى الناس لتطعمها خير موائدها ، تلبسها من نسج الأيدى الخصبة المعطاءة ...
    و شب "ابن الرشاح " فى كل الدور ، على خبز القمح المروى بعرق البسطاء ، حتى أضحى جسدا عبلا مفتولا ... تشهد ذراته أن القرية قد أدت واجبها تحوه .
    و إذ أنس " ابن الرشاح " فى نفسه قوة ، و حين استشعر نضجا قد غشى كيانه ، انسل من القرية ليلا ؛ إذ راقه أن يرجع للمهد الأول ، متجها نحو الجسر ، و استوطن كوخا من قش شيده فى بطن السنطة المعوجة !!
    لم يأبه بعض الناس أما البعض الآخر فتوجس خيفة ؛ ظنا أن الشيطان الغاضب يسترجع ولده ، و انغمست قريتنا فى خوف و همى أججه الجبناء من السذج ، و تساءل أهل القرية :" من يأمن بعد اليوم غدر الشيطان أو كيد الجنية ؟!
    و ارتقبت قريتنا اللعنة المنتظرة !!
    و عبثا حاول " شيخ الجامع " أن يصرف أهل القرية عن تلك الأوهام ، يقنعهم أن الضر أو النفع من الله ، لكن السذج تركوا المسجد و انصرفوا هربا ؛ خشية أن تسقط فوق المسجد لعنة !!
    لكن "ابن الرشاح " استثمر جبن الناس ، ضخمه الرعب السارى فى الأوصال... ففرض على الناس خراجا مما تنبت أرض القرية ، و أسس فى الكوخ القش عرشا من وهم ، نصب نفسه ملكا يحكم تلك الأشباح المقهورة ، يمتص دماها عنوة ، و انساق الجبناء كالشاة العجفى !!
    حتى انشقت دار بالقرية عن " سلمان " أحد الفتية الشجعان ! لم يسمع يوما للأوهام ، أو ينسق وجلا كالأنعام!! يوم الجمعة التالى صلى و التقم اللآذان بصرخة سب للذل ، تسلح مزهوا بعصاه ، و نادى فى الجمع الخانع بالصوت الهادر : " إنى اليوم لقاطع رأس الأفعى !! " و يمم نحو الرشاح يغشاه الغضب العارم و قد خرجت قريتنا تبكى إثره ، تستبق بعويل النسوة فقده !!
    استجمع "سلمان " فتانا كل قوى الغيظ المكبوتة ، و شمر عن زند مفتول ، نخس بعصاه عرين الملعون ، فانشق الكوخ عن ذاك العلج الثائر يرفع كفا تسحق حجرا من صوان ، لكن فتانا لم يمهله ، جحظت عيناه ، أطبق فكاه ، رفع عصاه ، بسمل ممتشقا منتفشا و تمطى كالوتر المشدود ، فخر الظالم توا يتلوى مقهورا دونما لمس أو مس !! كبر "سلمان " و استأنف لكمه ، اثخنه بصفع لا يرحم ، دحرجه ركلا حتى بلغ بجثته شفير الرشاح ، قدمه برفسة قدم لا تخطىء قربانا للماء ... لكن الملعون تمتوت كالثعلب ، و برز إلى الجسر الآخر يصوب طرفا يتوعد !!
    اندفعت أيدى الناس تمزق كوخ القش ، و قد أدهشهم "سلمان " فتاهم الساجد شكرا لله ، بعصاه المبروكة ، حتى قال السذج : " لا شك بأن المبروكة من تلك الليمونة الخضراء بضريح الشيخ منصور ، شذبها " سلمان " و هذبها و أبقاها لليوم الموعود !!"
    و عاشت قريتنا تنهل من شهد الأمن دهورا ، حتى وأد القدر المحتوم بسمة قريتنا ، و مات فتى الفتيان ، مات فتى القرية سلمان .

    * * * * * * *

    يرحمك الله يا أبت ! مت و عاد " ابن الرشاح " أضخم مما كان ، عاد بجعبة حقد لا تنفد ، عاد إلى السنطة المعوجة ، أسس كوخا لكن هذى المرة من خشب السنطة الصلب ، كشر عن أنياب زرق ، أنفذ فى القرية أمره ، فرض خراجا يغصبه عنوة ، هتك أعراض النسوة ، و اتخذ من المجرى الآسن مقبرة شبقة نهمة تبلع من يلمح فيه بصيصا من ضجر مخنوق ، أو وشاية عين تمنى النفس بفعل ثورى أهوج !!
    انصبت رمقات الناس إلى ؛ أزكاها شبها موروثا لم أسع قط إليه ، تستجدى نصرا كالنصر الغابر ، يحدوها أمل عارم أن تسترجع عبرى أمجاد النصر الأول .
    قالت أمى مدفوعة بالأمل الساكن فى قسمات السحن المقهورة من أهل القرية: " انصر قريتنا يا ولدى "
    و طفقت تلهبنى بسياط الثورة ، تتفنن فى وخز النخوة المستترة : " أيسرك أن تترك بغل الرشاح يمرح فى جنبات القرية ؟ ينهش أعراض النسوة ؟ يقذفنا الواحد تلو الآخر لنطفوا فى الماء الآسن رمما تشكو ظلمه ؟ "
    صرخت أدمدم : " كفاك وخزا فى الجرح الدامى ، لماذا أكون القربان التالى ؟ "
    " أنت بحوزتك المبروكة !! لكن رجال القرية عزل !! "
    و ساقتنى باستجداء مخجل حتى الحجرة المهجورة ، و قد رقدت مبروكتنا المشهورة ، تلك التى حسمت بالسر الباتع أولى الجولات .
    انتضيت المبروكة ، خرجت أجوب القرية ، أمسح مزهوا كل شوارعها ، أردد كلمات السر : " إنى اليوم لقاطع رأس الأفعى " ، فتمخضت القرية عن جيش جرار يهتف باسمى ، و استبقت أيدى الأشباح المقهورة ترفعنى فوق الاعناق ، تجتر العهد الأول تترنم بأناشيد النصر!!
    حتى إذا ما لاح الرشاح ألقتنى الأيدى إماما أخطو نحو الحلبة وحدى ، إذ بدت الخطوات تتثاقل خذلانا من خلفى .
    واجهت عرين الملعون بفتحة باب تفغر فاها ، يفوح من فرجات بنائه زئير العلج الرابض خلفه ، و الحشد البشرى يرقب حلبتنا عن بعد !!
    عاجلت الكوخ بضربة غيظ مكبوت فتهشم طرف المبروكة مغبرا ؛ على إثر السوس السارح داخلها !! و اندفع الوغد بجثته الجبارة يزأر مندفعا مغتاظا ، نافرة أوداجه كخراطيم الماء المنتفخة ، و أخذ شهيق استعداد للزود فتضخم ضعف ما كان ، استل ذراعا طوحه لأعلى مفترشا كفا لم أشهد مثله قط !! رفعت بقايا المبروكة و تمطيت منتفشا ممتشقا كالوتر المشدود ، فاستل عصاى بكفه يسحقها !! و حينما عبس و حدق فى الجمع الخائر صفق أهل القرية بحرارة و سقطت أمى كمدا ميتة !!
    صار التصفيق المتوالى صفعات تشوى صفحة خدى ، و ركلات تدق عظامى ، و ازداد التصفيق يدمدم رجعه كالرعد ، و سخت إلى الأرض كشاة مهزولة ، فأوثقنى بجلبابى فى السنطة المعوجة ، أمر الناس بأن يحثو فوقى من طين الرشاح الآسن ليبقى طقسا يوميا يقربهم له !!

    و بت وحيدا مقهورا مغلولا فى السنطة العوجة يغشانى ذلى وعجزى ، و باتوا يبتاعون الأمن الزائف منه بحثو الطين الأسود فوقى ، و يبثون الشكوى فى السر و بالليل و من خلف الأبواب ، و بات " ابن الرشاح" يحكم قريتنا المقهورة .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    هذا من أجمل ما قرأت على مر سنوات في المشهد..
    أرجعني إلى "مأساة الحلاج" لصلاح عبد الصبور.
    شعرية عالية الذوق وسردية لا تقل جمالاً .
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الردود
    86
    الم
    هذب / أ ماجد الصالح

    شرفت بمرورك الواعى ، و سعدت بردك المهذب...
    لقد رفعت النص عاليا... على رسلك يا صديقى ...
    لعله التوفيق حالفته أو حالفنى...

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •