....


.........
...................

الفراق ...




لم يبد مرتاحا فموعد الطائرة وفكرة أنه سيسافر في أية لحظة أفسد عليه كل التفاصيل ...

ومع أنه يدرك تماما ما يشعر به ويعي أنه يتصرف وفق حالة المغادرة ما يعني أنه لن يخطط لأمور بعيدة المدى ولن يبدأ في خطوات تقوده إلى البعد بما يكفي عن صالة الذهاب إلا أن ذلك قطعا لم يثنه عن ممارسة حياة منتجة في محيطه .

وهذا ما أكسبه تميزا ومصداقية بين من حوله .

الفراق يا لهذه الكلمة الممتدة والمخيفة والمفتوحة الأحرف في آن .
تأمل أحرف الكلمة وصوتها وردد ذلك بينك وبينك وستسري قشعريرة في أنحائك لتخبرك أن ضميرك حي يرزق .
لم يضف لهذه الكلمة شيء , لتضل مفتوحة على مصراعيها دالة على الفراق لكل شيء وفض الشراكة الماضية مع كل شيء وعدم العودة وهذا أخطر ما في الأمر .
فالسفر والذهاب والرحلة كلمات لا تحمل معنى اللا عودة ولكن الفراق تعني ذلك بحسم .
التعبير القرآني استخدم الظن للميت الذي يوشك أن يغادر وهو هناك يعني القطع ويبدو أن الميت يرى أو يسمع ما يؤكد له أن الآن تحديدا سيفارق حين دنو أجله .
وهذا الموت الذي أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة ذكره ليس محببا ولا مرضيا عنه لذوي الفطر السليمة ولم يكن الأمر بالإكثار من ذكره لذاته وإنما لما ينتج عن ذلك من دفع معنوي للعمل المثمر للمراحل القادمة بعد العودة لحياة جديدة تترتب على الماضي الذي لن يعود .
ومع أن الطب النفسي يعبر عن الشعور المرافق بشكل مستمر للمرء بقرب الفراق أو الموت أنه حالة مرضية لكن ذلك أيضا يرتبط بقوة لا مع الشعور لذاته وإنما مع التصرفات والسلوك الذي يفضي إليه .
عين العقل أن يشعر الغريب عن وطنه العاقد العزم أن يعود إليه أن كل ما سيشغله عن ترتيب الأوراق للعودة عارض سلبي وأن حضور حالة العودة الداعم للاستعداد الإيجابي هو الطريق المناسب .
وكما سيوصف المغترب القابع في قبو المطار حزينا متململا بالعجز والسفه فإن منتظر الموت في يأس وخوف أكثر عجزا وأمضى سفها للمصيرية الكبرى في الثانية .
ولكن لماذا الحديث عن الفراق والموت إذن :
_ أفسد حضور هذا المعنى على السارقين والفاسدين والقاتلين كل متعة ستنتج جراء إقدامهم على ما قاموا به وذلك لأن خط الرجعة أقرب من كل المتع وأخطر من كل لذة .
_ قطع حضور هذا المعنى كل الآمال البعيدة جدا في عالم الحياة الدنيا للوصول إلى حالة أسمى وأرقى تعني العبور للأفضل عبر الحاضر .
_ دعم حضور هذا المعنى (( أي حضور تذكر الموت )) كل الأعمال الخالصة التي لا تستثمر في القريب العاجل وإنما في البعيد الآجل والتي لا تحمل روح المقايضة مع المستهدفين وإنما لتحقيق أهداف بعيد تتعالى على رغبات قريبة .
_ أوقف حضور هذا المعنى كل الخطط المفضية للعبث المجرد والاستغراق في اللهو تماما كما تظل عين المسافر على ساعته .




وأخيرا وكما قال سعيد بن جبير لو غاب ذكر الموت عن قلبي لذهبت الحياة عنه , لكنها قطعا حياة تختلف عن مجرد ضخ الدم !