اليوم _ ليس صدفة_ كنت أحدق في مرآة جديدة وجدتها مكسورة و أفكر في صورة الوفاء. لا أعرف من الذي كسر المرآة و البيت لا يقاسمني فيه رغيف الخبز هذه الأيام غير ظلي. لم تسقط مني، ليس مكانها تحت الوسادة لأظن أنها كُسرَت تحت ثقل رأسي. لا أعرف، لكنني حدقت إلى وجهي المكسور فيها و فكرت في تلك الكلمة الممجوجة، قيلت كثيراً و نزفت لآخر رمق في نصوص المحتالين و لصوص العواطف. اليوم عندما تنطق كلمة " وفاء" يغص الذي أمامك ضحكاً. يسألك مستهزئاً: كم عمرك؟ ليستدرك أنك دقة قديمة و تحتاج جدياً إلى تحديث مصطلحاتك التي يلزم العيش بها في هذه الحياة تحديداً. هنا، اليوم، حيث نبدو و كأن طائرة ماليزية حملَتنا أثناء نومنا في ليلة غاب عنها القمر..إلى كوكب أرض جديد. عزيت نفسي أن لا أحد يسمع صوت أفكاري و أنا لوحدي. لأفكر في الوفاء و الانتماء و الكلام و الكتابة و الأمور البائتة كلها بلا حرج. يجب أن أفكر و أتساءل و أجد حلاً. لمَ يعاني من يزرع نخلة من شح المتظللين ؟ ألأن اليوم صارت الغلبة لجدار الإسمنت و جهاز التكييف المركزي الذي هزم مكيف جنرال الصغير كما هزم الآيباد أباه اللابتوب؟ أم لأن إغراء الديكور البلاستيك الذي أمكنَ التحكم في مكانه و شكله دون تكلفة سقاية أو رش دواء أصبحَ وحشاً بلا أنياب؟ لم أقل لأحدهم أني أفكر في الحشرات التي وجدتها تحت أرغفة وفائي لمن قررتُ دون حث أو استخارة أن أفيهم أموراً يقولون اليوم أنهم لم يكونوا بحاجتها. سيستهزئ بي أحدهم ذاك و ينعتني بالدراما كوين. يحدث هذا دائماً عندما يكون المرء في مزاج يجعله يتفوه بأشياء داس عليها جيل الأسئلة الوجودية التي يعرفون أنها ليست أسئلة وجودية بل تظاهرات و تمثيل مخادع لفورمة الأسئلة الوجودية. كل هذا لتظهر ملامحهم في الصورة. إطار العالم الجديد، حيث الحائط هو أعين الناس التي بلا حد. ثم يكتبون عن ازدرائهم لمن يستعرض بقدراته الكلامية كي يلفت الانتباه إليه و أن هذا دليلٌ على حقارة الإنسان. قلتُ لنفسي يجب عليَّ تحويل مفاهيمي البالية إلى أسرار أطعّمها لوناً غامضاً يغيظ الشهوانيين، شهوتهم في تصنيف الناس إلى ما يصدقونه من بورتريهات صنعوها لهم في غيابهم. سيظنون أن ما أخبئه ذهَباً. لن يعرفون إلا بشيء من التجسس أنني أحتفظ بالنخلة الطبيعية القديمة البكر نفسها. إن كنت تشبهني، أنصحك أن تداري ما تتوصل إليه من أجوبة بنفسك نيابة عن الخونة بشتى أشكالهم. ليس لأنك ستواجه تسفيهاً و اعتراضاً إن حدث و عرف أحد المعنيين بالأمر. بل لأنني أنا و أنت قد نكون من هؤلاء اللاأوفياء أيضاً. لا أعرف لمَ لم أقل أننا قد نكون من هؤلاء الخونة. ربما يقيني بأن الهجرة عن مدرسة تعلمت فيها حرفاً هو عملية تشبه موسم هجرة النوارس إلى فضاء يجبرها نظام الطبيعة إليه.
أجل أيها الساخر، كلنا خائنون بشكل أو بآخر و نوقن بهذا بيننا و بين صمتنا المكسوف. نبدو كمن يحضر إلى حفلة تنكرية و نحن نكتب لك في أسبوع ابتكره لأجلك أحد الأوفياء الذين انقطع أثر حبرهم عن فصولك مثلنا. نعرف أننا لن نعرف كيف نكتب. ليس فقداناً للّياقة، كنا نكتب في غير فصولك أيضاً. أجهزتنا و لوحات مفاتيحنا و ملفات مستنداتنا متخمة كبشريٍ سمين يبحث بين شحومه عن بقايا جَمال كان ينعم به و يصفق له الآخرين حين يزورهم في أمسية. إننا نبدو كحضور في حفلة تنكرية لأننا اقتنعنا دون سابق نيّة بما غيّرتنا إليه صروفنا. جاريْنا سرعة الرتم في الكتابة و صغر حجم مفكرات التدوين و أصبحنا نردد كمن يردد أهزوجة لا تناسب مقامه : سئمنا من الكتابة الطويلة، لم يعد لنا مزاج لنقرأ نصاً يطول إلى صفحتين. لا تضحك، أو لأقل لك.. اضحك ملء فيك، نحن هباء في الريح.. نطير أينما أخذتنا، و نحافظ دون وعي على براعتنا في صنع المبررات.
أكتب تلبية لفكرة الوفي الذي قال أسبوعاً للساخر، لست أعرف من يكون من نجومك الراسخين. لكنني أعرف أني فتحت هذه الصفحة لأنني اشتقت إلى حياةٍ من نوعك أنت. لم تكن حياة مستنسخة من خلايا غيرك، كما احتجت، احتياج الفقراء إلى وطن.. إلى أن أؤنسَك ، لأني أحتاج أنا نفسي إلى استئناس.