Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 26
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    تباً لكم وللساخر!

    تباً لكم جميعاً أيها العالم .. تباً للساخر ولذلك اليوم الذي بحثت فيه في جوجل عن كلمة السخرية فأوصلني إلى عش الدبابير هذا.. أحاول أن أسترجع ما الذي جنيته من هذا المكان فلا أجد سوى كومة لعنات وحالة انفصام ومجموعة عقد كامنة وجدت لها حاضنة فنمت وتكاثرت.. أذكر عندما دخلت الساخر كنت أعتبر نفسي انسانة مضطهدة لمجرد أن علي كوي ملابس إخوتي وإعداد بعض الأنواع من الطعام لهم متجاهلة أني أقوم بالعمل الأسهل في الوقت الذي يقومون هم فيه برمي القمامة والوقوف على الطوابير بدءاً من طابور الخبز وانتهاء بالطابور الخامس..

    كنت أشعر أن مشاكلي قضايا وجودية وكنت أهدد أمي في كل مرة تطلب مني القيام بعمل ما بأني سأتزوج من أول شحاذ يطرق بابنا.. وكنت أقصد بكلمة شحاذ ليس معناها المجازي المعروف، أي العريس الفقير المنتوف، فبهذا المعنى كل عرسان سوريا شحاذين، وإنما كنت أعني بتهديدي أني سأقبل الزواج من شحاذ حقيقي وكنت أتخيله مهلهلاً مرقع الثياب أشعث الشعر وربما أجرب أو أكتع أو أعور إمعاناً في المشهد الدرامي الذي كنت أتخيل نفسي شهيدة فيه.. بينما تحلم بقية الفتيات بشاب وسيم يأتي على حصان أبيض كنت فعلاً أتخيل عريسي سيأتي على هذه الشاكلة وبأني سأقبل به انتقاماً من الجميع ومن أي شيء!

    كانت أمي تستمع لتهديدي بابتسامة ساخرة طالبة مني أن أنهي عملي إلى أن يأتي ذلك الشحاذ ويبدو أنها كانت تدرك أن زواجي سواء من متسول أو من أمير فهو ليس النهاية السعيدة لحكاية لسندريلا التعيسة.

    في الساخر كان لدي عداوات لذيذة وأحقاد تافهة، اليوم لدي مخزون هائل من الحقد على البشرية جمعاء، لأن الساخر أكسبنا عادة عدم الرضا عن كل ما يحيط بنا، كما أكسبني عادة شخصية مرضية بشراء الكتب كلما شعرت أني في مأزق نفسي فبعد كل معركة كلامية زوجية أتوجه إلى أقرب مكتبة وأنفق كل ما معي في شراء كتب أعرف أني لن أقرأها وإنما بشراءها أنتقم من شيء ما..
    المشكلة الآن هي أين أذهب بهذه الأكوام من الكتب فمنزلي الذي يقع في برلين الشرقية تسيطر عليه جبهة النصرة وأخشى أن يجدوا بين الكتب أسماء تشيخوف وغوغول وغوركي ويتهمونا بالميول الروسية، وإن وضعتها حيث أسكن في برلين الغربية لربما وجدت كتائب مكافحة الإرهاب أسماء نزار قباني ومحمود درويش وأحمد مطر فتكون المصيبة أكبر..

    سألني منذ فترة صديق قديم من الساخر إن كنت لا أزال أعيش في سوريا، فأخبرته بأني لست في سوريا فحسب وإنما في حلب تحديداً.. فأجابني بأن "أكتبي.. أكتبي كل شيء وعن كل ما يحدث".. لا أنكر طبعاً أني لحظتها شعرت بنزول الوحي وكنت على أوشك أن أجيب "ما أنا بكاتب".. لكن شيئاً آخر راودني لحظتها هو الاحساس بأن الكتابة عن هذا الزمن القذر هو أشبه بالصحافة المأجورة التي تلتقط الصور للقاتل والمقتول وأداة الجريمة ولحظة الجريمة وتقدمها لنا كسبق صحفي مثير..

    فضلاً عن أني أكره أن يتعاطف أحد معي، كما أكره أن أسمع عبارات "قلوبنا معكم" أو "جيوبنا معكم" ولدي لعنات جاهزة لكل من يجرؤ على تدبيج كلمات المواساة.. ومع ذلك سأسمح لإغواء العمل الصحفي أن يراودني عن نفسي وأجرب أن أنقل أخباراً من قلب الحدث، فالجميع هنا أصبحوا مراسلين صحفيين حتى ابن جيراننا الذي خرج من المدرسة قبل أن يستطيع فك الحرف لكنه يعرف كيف يفك بطارية أو دولاب أو مرآة أو راديو سيارة.. فبالأمس كان يتواصل مع أحد أصدقاءه عبر الواتس أب وكان ذلك الصديق يخبره أن الماء والكهرباء مقطوعة في المنطقة الفلان الفلانية من حلب وأنهم يستخدمون ظهورهم لجر المياه من البئر المجاورة وحتى منازلهم.. طبعاً لأن الحمير أصبحت مدللة وتذبح على الطريقة الإسلامية وتباع على أنها لحمة عجل..

    لا جديد هنا.. منذ سنتين والطرفين يعلنان عن بدء المعركة.. طرف يعلن عن بدء معركة التحرير الكبرى، والطرف الآخر يعلن عن بدء معركة التطهير الكبرى.. "ولك يلعن أخت هل المعركة الي من سنتين نسمع عن بدايتها وما عرفنا لها لا وسط ولا قلب ولا حتى مؤخرة"..

    بعد سنتين نحن على قناعة تامة بأنه لا مفر أمامنا أو خلفنا أو فوقنا أو تحتنا.. كل جهاتنا مكشوفة، فحتى عندما تقتل قد لا تجد حفرة عميقة بما فيه الكفاية لتدفن فيها دون أن تنبش الكلاب الجائعة جثتك، فأنت مجرد مواطن عادي ولست ممن يستحقون القبور الواسعة كأولئك الذين عندما تمر مواكب تشييعهم ترتعد خوفاً منهم حتى وهم قتلى ولا تشك ولو للحظة بأنهم ذاهبون مباشرة إلى الجنة.. لأن كمية الرصاص المرعب التي تفرغ في الهواء تخيف حتى الملائكة فيهرعون فوراً لفتح كل أبواب الجنة أمامهم..

    أما القتلى الصغار فتكفيهم رصاصتين في الهواء، إن كانوا من المؤيدين.. وإن كانوا من المعارضين فتشيعهم صرخات الأمهات وعويل الزوجات والأبناء.. مرعب موت الفقراء.. أولئك يموت أبناءهم بين أيديهم فينظرون للسماء صارخين "يا الله".. إنهم يعاتبون الله فهم لا يملكون شيئاً آخر ليأخذه منهم..

    أفكر أحياناً.. ما الذي يمنعني من الخروج من هذا الجحيم.. إننا حتى وإن كنا نعيش في مناطق سيطرة النظام التي لا تمطرها البراميل.. فنحن كمن يعيش على سفح بركان قد يثور في أي لحظة ويلقي بجحيمه فوق رؤوسنا.. لماذا لا أحمل حقيبتي وابني وأمضي إلى أي مكان.. لطالما كنت أحلم بالسفر والتشرد.. سيمشي ابني حافياً وسيتعلم أغنيات الغجر.. فنحن بطبيعة الحال لن نخسر الحياة المدنية فهنا اختفت كل مظاهر الحضارة هنا.. فأنت عندما تضطر مثلاً لاستئجار شاب يدفع عربة ليجر لك أغراضك حيث يمنع دخول السيارات فأنت بهذا تستخدم إنساناً محتاجاً وتستعمله كحمار مقابل دولار أو اثنين، فكيف يمكنك بعدها ألا تحتقر نفسك وتشعر بأنك إنسان متحضر..

    هنا لا تحتاج لأي من حواسك الخمسة.. فلماذا تبقى حاسة الشم أقوى من أي حاسة أخرى ونادراً ما يصيبها العطب.. قد يفقد الإنسان بصره أو سمعه لكنه هنا سيتمنى حتماً لو يفقد حاسة الشم.. فأنت عندما تسكن في غرفة واحدة عليك أن تأكل وتشرب وتنام وتجلس فيها ليل نهار، ويكون المرحاض على بعد خطوات منها، والغرفة المجاورة لغرفتك يسكنها سبعة أشخاص فإن مجرد مرور تيار هوائي بين غرفتك وغرفتهم يجعلك تتمنى فعلاً أن تفقد حاسة الشم.. كيف يستطيع هؤلاء أن يعيشوا دون أن يفكروا بنصب حبل في وسط الغرفة كحل وحيد للخروج من هذه المقبرة الجماعية.. فرائحة النوم والعرق والطبخ والمجاري كلها تجتمع بين أربعة جدران..

    أعرف أن دستويفسكي قد عاش في ظروف مشابهة، لكني أعرف أيضاً أن دستويفسكي لن يخرج من هذه الغرفة بل سيخرج منها كفرة وملحدون إلى جهنم مباشرة وذلك لعدد المرات التي يكفرون فيها ويتشاجرون كل يوم..

    هنا تشتاق لرائحة النظافة.. لرائحة الصبح لا يأتي مع دخان المولدات الكهربائية التي يبدأ ضجيجها وجعيرها مع السادسة صباحاً وينتهي في الحادية عشر ليلاً.. تشتاق لرائحة النظافة لا تخالطها رائحة العفن التي تنمو على ملابسك وأغراضك وطعامك منذ سنتين..

    عدم خروجي من هذا الجحيم ليس وطنية، ولا حباً بتراب هذا الوطن العفن وأنا مستعدة لبيع البلد والوطن بطوله وعرضه مقابل عيشة كريمة حتى وإن كانت على سطح المريخ.. أحاول لهذا أحياناً أن أقنع نفسي أن أرقى دول العالم تنتظر مني أن أقبل باللجوء لديها وما زلت أفكر بالعرض المقدم من سويسرا مثلاً..

    ليس حباً بالوطن ولكن التسول على أبواب السفارات إلى أن يمنحونا لجوءاً أوربياً من خمس نجوم يحتاج لنفس طويل.. ثم أنه على أحد أن يبقى هنا.. أن يحتفظ ببقايا أهله لحين عودتهم..ببقايا الأموات والمسافرين والغائبين.. عندما سافرت أمي تركت عندي صندوقاً هو كل ما تبقى من بيتها.. فحياتنا أصبحت عبارة عن صناديق مكدسة ننتظر أن نفتحها يوماً عندما نعود لبيوتنا.. هي بالطبع صناديق الهلال الأحمر وزعوها لنا كمساعدات إنسانية وفيها أرز وعدس وبرغل وحمص وهذه كلها تأتينا من تركيا، والفول من مصر والبسكويت من الهند والمناشف من الباكستان وحفاضات الأطفال من لبنان.. أتساءل أحياناً متى أصبحت كل تلك الدول قادرة على تقديم دعم إنساني؟

    بعد أن نفرغ محتويات تلك الصناديق فنأكلها أو نستخدمها أو نبيعها أو نتصدق بها.. فإننا نضع أشياءنا فيها.. كصندوق أمي الذي كانت تحمله معها في مرحلة نزوحها الداخلي.. فيه جواز سفر لجدتي المتوفاة من سنتين، وصور لخالي الصغير الذي هاجر منذ عشرين عاماً وماتت جدتي وهي تحلم بتزويجه على يدها.. وصورة لخالي الآخر الذي قتل بصاروخ، بعد أن زوجته جدتي على يدها وأنجب الكثير من البنات.. فجعتني أمي بهذا الصندوق الذي تركته لدي ولم تقل أي شيء عنه..

    فجعتني عيني خالي الذي لم أفهم كيف تسللت صورته تلك من بين ركام بيت أمي المحترق وبقيت وحدها وكأنها تعلم أننا سنتفرج يوماً على جثة صاحبها في مقطع يوتيوب.. لم يكن خالي بطلاً شعبياً، لكنه كان يحب قصص الزير سالم وعنترة بن شداد وكان يروي لنا بطولاته المتخيلة أثناء تأديته الخدمة العسكرية، كان يبهرنا صغاراً بقصصه تلك وبوشم كلمة "باطل" الذي يحمله على ذراعه.. كان يحلم فقط بصبي يحمل اسمه ويعلمه قوانين الرجولة والشهامة.. خالي ذلك "القبضاي" اختفى سبعة أشهر ليظهر بعدها وقد كسر شيء داخله جعله يكره الحياة ويتمنى الموت ويبكي وهو يشاهد برنامجاً عن تعذيب المعتقلين في السجون..

    رغم هذا.. على أحدنا أن يبقى هنا.. أن ينتظر المسافرين وينقل لهم أخبار الوطن وأخبار من قتلوا ومن لا زالوا يصارعون الموت..
    على أحدنا أن يبقى هنا ليستقبلهم حين عودتهم يوماً ما..
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    263
    كان الله في العون مع بالغ التعاطف نقول يلعن الأسد ومالذي نجيده غير ذلك ؟

  3. #3
    عندما حصل ماحصل في العراق بعد الغزو ..توافد العراقيون من كل شكل ولون على سوريا وكانت خير ملاذ لهم..مئات الآلاف وربما ملايين وجدوا في هذا البلد الجار ما عوضهم عن مرارة الفراق.. فراق الوطن والأهل والحبيبة ودجلة والفرات وشارع المتنبي وشناشيل بغداد ولم تقصر سوريا وشعب سوريا ..فقدمت كل ما تستطيع تقديمه لهذا السيل البشري القادم من خلف الحدود ولسنين طويلة..
    ولهذا وجب القول (قلوبنا معكم) نبضة نبضة يا أهل سوريا ..لا أقولها من باب المواساة التي تكرهينها لكن ربما من باب الشعور بالذنب بسبب كل عراقي ذهب ووقف إلى جانب بشارو/ن وشارك بقتل الشعب السوري الحبيب ودنس الأرض التي آوته يوماً ما ونسى جميلها ..لكن عذري أن من فعل هذا إنما ينتمي إلى طائفة أخرى لاتمت للإسلام بصلة ولايمثل الشعب العراقي بأي حال من الأحوال..
    حلب مثل أختها الأنبار ودرعا توأم الفلوجة وما أشبه دير الزور بتكريت ولا أكاد أميز حمص عن ديالى..وحتى الفرات يجري بربوع سوريا ويتوغل بأرض العراق يروي مأساة سوريا وجراحات العراق وصدق الشيخ محمد بن راشد حينما قال
    طعم الفرات مر
    من حيثما تدفقت مياهه وحيث مايمر

    وعندنا مثل يقول (ماتبقى مغيمة لازم يوم تصحى)
    خالص تحياتي
    ويلعن روحك يابشار

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    معكم ..
    الردود
    2,117
    ..

    كل ما أستطيع فعله .. هو تثبيت الموضوع ..!

    ..
    هنيئا للأحرار ..

    يا رب ..
    .......... اعطهم ما تمنوه لي ..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محترم جدا
    الردود
    1,384
    ^^

    شيء جيد أن تفعل ذلك . منها أن الساخر أمضى فترة طويلة بعد فك البراغي بلا تثبيت ولا لحام
    ومنها أنك بشوق لتحسر عنك رداء الغموض وتعود بكل وضوح ..
    ومنها أن المقال يستحق إلى حـد أني لا أدري ماذا أقول .
    وأحلم يا أمي أن أعض بأصل شجرة حتى يدركني الموت وأنا على ما أتمنى..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    ونا زمبي ايه
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    مكّة المكرّمة .
    الردود
    1,877
    أطلق موضوع في التاريخ ، من جد ابداع ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    أفكر أحياناً أن أكون طيبة وأعبر عن شكري وامتناني لكم جميعاً لكن الطبع غلب التطبع
    على أي حال شكراً لكم وصندوق التبرع طبعا عند الزميل واضح
    To be or not to be
    That is the question


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    غرفتي غالبًا!
    الردود
    2,092
    مشاعري مختلطة،
    بين تفاصيل حياتك خلف السطور وبين الواقع المرّ
    لقد مر وقت طويل، وحدث الكثير والله المستعان وله الحمد على كل حال

    ثم إني لأول مرة أقرأ شيئًا من داخل مناطق سيطرة النظام، ولا يكون تهليلًا للنظام -الشيء الذي يقابلني على الفيسبوك عادة-


    * ليس مناسبًا الآن، لكن، مبارك الزواج والولد والعقبى لي، من الجيد أن بؤس الحياة لا يمنعنا الإستمرار، لأن أحدًا لا بدّ أن يبقى على هذه الأرض وتستمر الحياة رغم كل شيء
    _______


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    من فوائد الساخر، أن الجبناء أمثالي يستطيعون ادعاء الشجاعة والتحدث دون خوف فيه.. ويستطيعون كذلك إقناع أنفسهم بأنهم ليسوا شركاء في الجريمة وأن أيديهم غير ملوثة بدماء غيرهم وأنهم ضحايا صراع لا علاقة لهم فيه وكل طرف يخلص شوكه بايده.. صحيح أننا مع مطلع الشهر القادم سنركض مثل الكلاب الجائعة على أبواب صناديق الانتخاب لنؤكد أننا على العهد باقين أبداً ولن يفكر أياً منا أصلاً بأن ما نفعله هو "عيب" كبير.. فهم لن يدفعوا رواتبنا هذا الشهر إن لم نشهر لهم إصبعنا مغمس بحبر الانتخاب الذي لا يمحى.. لا أعرف حتى الآن أي اصبعة بالتحديد مطلوب منا أن نرفعها لكن ذلك لا يهم طالما أنها تحمل دليل وطنيتنا وستقودنا بإذن الله إلى جهنم "سوا"..

    وبعد انتهاء حفلة رفع الأصابع تلك تنتظرنا مكافأة كبيرة.. يقولون أنهم سيزيدون رواتبنا، سيقومون بتوزيع رواتب جميع الموظفين المنشقين والخارجين عن القانون والفارين والقتلى ومن ذهبوا ولن يعودوا، علينا نحن الموظفون العاقلون، الموظفون النكرات الذين لم يجرؤوا حتى على القول أن ما يحدث جريمة كبرى.. سيكون عرساً كبيراً هذا الشهر إذاً.. افرحوا أيها الشهداء والقتلى ويا من فقدتم يداً أو رجلاً أو عيناً.. لن تذهب دماءكم وأعضاءكم سدى.. سنقبض ثمنها نحن الصابرون الساكتون الجثث المتحركة..

    منذ فترة والجميع يتحدث عن مكافأة لأهل حلب، عبر الرسائل الجماعية والنشرات البريدية وكل مكان.. يرسلون كلاماً يدغدغ مشاعر الاستحمار عندنا.. يزينون لنا موتنا وصمتنا وحيادنا.. ويطلقون على كل تلك النواقص صفة "الصبر".. أتمنى فقط أن أعرف الفرق بين الصبر وبين أن نكون حميراً راضية.. يقولون أن أهلب حلب صبروا رغم كل ما حدث لهم، تقطع الماء لعشرة أيام فيشربون من الآبار الملوثة، تقطع الكهرباء فيشترون المولدات، يمنع دخول الدواء والغذاء فيأكلون الهواء ويحمدون الله عليه، والأنكى من ذلك هو تمرير فكرة التعود على القصف والقتل والدمار، فحتى طفل في الخامسة يستطيع التفريق بين قذيفة هاون وصاروخ سكود.. يا للذكاء بصراحة.. وفوق كل هذا القرف يبتسمون ويقولون الحمد لله بدل "ملعون أبو هل العيشة".. فعلاً أهل حلب يستحقون مكافأة كبيرة لا تقل قيمة عن أن يتابعوا استحمارهم "سوا"..

    لا أعرف كيف سنستطيع بعد اليوم أن ننظر في وجوه زملاء لنا كانوا معنا في نفس المهنة.. منذ أيام اتصلت بي إحدى صديقاتي، كانت معي في نفس المدرسة، اضطرت للفرار مع أهلها إلى تركيا لأن أحد إخوتها مطلوب وبالتالي على العائلة كلها أن تهرب.. أخبرتني أنها تعمل في معمل ألبسة حتى الثامنة مساء وأنهم هناك لا يعترفون بشهاداتنا.. لا أنكر أني حمدت الله على عدم مواجهتي لنفس المصير.. من معلمة إلى عاملة تطوي الملابس عشر ساعات في اليوم.. أمر مخجل ومحزن ولكنه ليس أشد خجلاً وإحراجا من جوابي عندما سألتني عن حالي فأخبرتها أني ما زلت "قائمة على رأس عملي" وأقضي ساعات العمل في البيت على الفيس بوك، وأتقاضى راتبي كالعادة وسنتقاضى رواتبكم عما قريب..

    وكنت سأخبرها فرحة بأننا سنعود إلى بيوتنا عما قريب.. يقولون أنهم يعملون على "تبويس شوارب بعض" وستعود المياه إلى مجاريها، ما المشكلة إن كانت مياه ملوثة بالدماء؟ المهم أن يمشي كل شي كما كان وألعن.. لكني حتى الآن لا أصدق أن ذلك سيحدث، بل لا أريد أن أصدق وأقنع نفسي أنه من المستحيل على الرجال أن يقبلوا بالصلح بهذه البساطة، ولا داعي لأن يكونوا قرؤوا قصيدة أمل دنقل "لا تصالح"، فهناك أشياء لا داعي لأن نقرأها لنشعر بها، أشياء لا تحتاج ثقافة لتكون موجودة حتى عند شعب بدائي، كالنخوة مثلاً.. كالخجل، كالثأر، كالكرامة.. فحتى أنا "المرا" عندما أختلف مع أحد لا أقبل أن أصالحه.. ورغم كل الخزي الذي نشعر به ما زلت متأكدة أن هناك رجال لن تقبل به أيضاً.. من قال لكم أننا نريد أن نرجع بيوتنا بهذه البساطة؟ إن كانت عودة مخزية لا نريدها، يمكننا أن ننتظر أكثر، لا نريد لانتظارنا أن يكون بلا ثمن، لا نريد أن تكون عودتنا عار علينا أمام أولادنا عندما يكبرون ونخجل أن نخبرهم ما حدث..


    ***

    هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟


    أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..


    تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟


    إنها الحربُ!


    قد تثقل القلبَ..


    لكن خلفك عار العرب


    لا تصالحْ..


    ولا تتوخَّ الهرب!
    To be or not to be
    That is the question


  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة (نجاة) عرض المشاركة
    مشاعري مختلطة،
    بين تفاصيل حياتك خلف السطور وبين الواقع المرّ
    لقد مر وقت طويل، وحدث الكثير والله المستعان وله الحمد على كل حال

    ثم إني لأول مرة أقرأ شيئًا من داخل مناطق سيطرة النظام، ولا يكون تهليلًا للنظام -الشيء الذي يقابلني على الفيسبوك عادة-


    * ليس مناسبًا الآن، لكن، مبارك الزواج والولد والعقبى لي، من الجيد أن بؤس الحياة لا يمنعنا الإستمرار، لأن أحدًا لا بدّ أن يبقى على هذه الأرض وتستمر الحياة رغم كل شيء
    نجاة.. الطرفين حلوين وعسل بس نحن الشعب ولاد كلب وما عم نفهم عليهم..
    تقابل الحر مع النظامي بالجنة فقالوا العمى نحن التنين بالجنة لكن مين بالنار؟ فقله الشعب طبعاً بعد ما كفرناه وطالعناه عن دينه..

    بس العقبى لك على ايش؟ على حد علمي صار عندك كومة ولاد؟
    وبالمناسبة العدوي بتركيا راح بمهمة انسانية للاطلاع على أحوال اللاجئات.. بكرا يطلع علينا برواية جديدة
    والعقبى لأولاد الجميع إن شاء الله.. بما اننا عجزنا يعني
    To be or not to be
    That is the question


  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    غرفتي غالبًا!
    الردود
    2,092
    أبدًا، إلا لو قلنا إن ببغاواتي وقططي أولادي
    لسة أنا بنوتة ما عجزت، :P بدري عليّ..

    الله يعين، محد مرتاح في الأحداث دي
    _______


  13. #13

    أوفيليا : ،

    سكُت وصدري فيه تغلي مراجلُ
    وبعض سكوتِ المرءِ للمرءِ قاتلُ
    وبعضُ سكوتِ المرءِ عارٌّ وهُجْنَةٌ
    يحاسَبُ من جّراهُما ويُجادَل
    ولا عجبٌ أنْ يُخْرِسَ الوضعُ ناطقاً
    بلى عجبٌ أنْ يُلْهَمَ القولَ قائل
    ..
    فالسّلامُ على ضَياعِك من دَمي .. سكتَ الكَلامْ *

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المكان
    هنا
    الردود
    1,661
    الله ينتقم منك يا سهيل .. لولا الفيس بوك كنا انتحرنا من سنتين

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    الشارع
    الردود
    1,800
    طيار بشوفها (مقبعه معك)
    ليكي خيو براحه شوي مو مشان شي مشان اعصابك بس


  16. #16
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    كشفت سدري ودعيت عليكو
    إلهي يوئف حالك ياللي فبالي

    ويهدينا ويهديكم الى سواء السبيل
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    درب التبانة
    الردود
    348
    اختي اوفيليا ... احتراما لك وحبا لن أقول قلبي معك جيبي معك ... بل دعواتي لك
    فليسعد النطق ان لم تسعد الحال

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المكان
    في صالون من أهوى
    الردود
    3,628
    مررت هنا
    منذ زمن لم أر الساخر بهذه الأناقة..
    أمي ودفء عيوني بعض صورتها
    إذ لوَّحَـــــتْ لأبي في رحلةِ المَوْتِ

    عادت تقبِّلُ دمـعاتي بمحجرها
    تقول "لاهنتَ" بل أماه لا هنتِ

    حملتِ حزني وجنحُ الروح منكسرٌ
    والنزف منهـــمرٌ ... يا ليتني أنتِ

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    داخل جسد
    الردود
    11
    رائع

    رادرت كتابة "رائع" فقط لكن اجبرني السيستم على كتابة سبعة حروف على الاقل بناء عليه اقول
    رائع جدا
    هي سبعة
    هل خبزت الحرف مثلي؟؟

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المكان
    بلاد العرب أوطاني.
    الردود
    373
    فقدت الإحساس بالوجع..........ملعون كل شئ..حمصي عتيق.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •