Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 11 من 11

الموضوع: الذي لابد منه !

  1. #1

    الذي لابد منه !

    .إهداء يتوارى خجلا إلى أخي/ في صمتك مرغم




    مطرق رأسه للأرض دوما، معتمر طربوشا في زمن انقرضت فيه الطرابيش. قصير لو رأيته واقفا حسبته جالساً

    عجوز كأنه موجود هكذا منذ أن بدأ الله الخلق. يتكيء على عصاه بكلتا يديه، لم نره من قبل إلا وهي معه،

    جالسا كان أو واقفا أو ماشيا؛ يطرق بها الأبواب، يهش بها الذباب، ويضربنا بها أحيانا إذا أثقلنا عليه بأفعالنا، وله فيها مآرب أخرى.


    هكذا كان جدي عبد الحكيم بنظره الضعيف، لا يخلو يومنا أنا وأولاد عمي من مناغشته ومناكفته كأنه صبي بيننا.

    نتصنع دور الكلب ونهبش قدمه وهو جالس في مكانه يحدق للاشيء وربما نموء له كما تموء القطط فيضيق بنا زرعا

    ويضربنا بعصاه حرف اللام، ويصفنا دوما بأولاد الكلاب ناقصي التربية، ثم يتبعها بالتفل والبصق على شر ذرية؛ ثم ما يلبث

    إلا وقد تبدل حاله وتحسن مزاجه وبانت أسنانه الهتماء، ونادى علينا واحدا تلو الآخر، وهو يضع يده في جيبه الذي فوق صدره

    مخرجا حافظة نقود عتيقة تتدلى بسلسلة من الفضة لا نعرف لها آخر،

    فنقف أمامه طابورا مثل يتامى بيت المال، وحين يجيء دوري آخر الأمر باعتباري أصغرهم يبدأون من جديد في مشاكسته ومناكفته

    فيصفهم هذه المرة بجاحدي النعمة، ويضيق بهم أكثر مما أضيق.


    يرفع ربع جنيه للسماء، ثم يقربه من عينيه حتى يكاد أن يلصقه بهما قائلا:

    -كم هذا يا محمد؟

    فأجيبه مثل جندي يلبي قائده: هذا ربع جنيه يا جدي.

    فيقول: إياك أن يكون نصف جنيه

    فأقول: لا والله يا جدي.ربع !

    فيعطيني إياه وعلى وجهه علامات الرضا والاطمئنان، فأدسه في جيبي وأفر من أمامه متراقصا

    مقلدا صوت الكلب، فيضحك حتى يشتعل صدره.


    وكنت الوحيد بين أقراني الذي لا يضيق به جدي، فلا يسبني ولا ينعتني بأي لقب على غرار أبو أذنان أو ابن الأهبل

    وكان يختصني دوما بشراء احتياجاته من التبغ وورق البفرة ماركة الشربتلي، وينقدني دوما ما يتبقى من أموال .

    وظلت علاقتنا وطيدة على هذا الحال، تمر السنين ويكبر أولاد عمي وإخوتي فيتشردون في بلدان خليجية عدة تاركين أطفالهم وزوجاتهم في بيتنا الكبير

    وأبقى أنا جالسا عند قدميه أموء وأعوي، فيضحك ويلكزني بعصاه في كتفي إن لزم الأمر، وقد تخلى عن سجائره اللف وأخذ يدخن معي سجائري الجاهزة

    ناعتا إياي بين الحين والآخر بالخائب الذي لا يعرف أين مصلحته، فلا أنا سافرت مثل اخوتي ولا أنا ماكث في أي وظيفة حكومية تحفظ ماء وجهي

    مخبرا إياي كفاحه و ماضيه الذي حفظته عن ظهر قلب من كثرة ما أخبرني تفاصيله، فيحكي بتأثر حينا، وينسني أحيانا، ثم ما يلبث إلا أن يحدق في اللاشيء.


    وظل جدي ماكث في مندرة بيتنا، وحيدا لا أنيس له سوى عصاه، وقد انصرف عنه أولاد اخوتي وأولاد أعمامهم، فلا هم يناغشونه ولا هم يناكفونه

    أسرى لأجهزتهم الرقمية الحديثة، لكنه قد ابتدع حيلة جديدة ليجتزبهم إليه !

    تقول أمي أنها كانت تراه بين الحين والآخر يلقي بالنقود حوله لعل الصغار يهتدون إليها، وهم يتنططون حوله، فيأتون له بها، فيعطيهم إياها رابتا على شعورهم

    سائلا كل واحد منهم عن أبيه الذي في الغربة. آخر ما أتذكره عن جدي أنه نادى علي ذات يوم وكنت أمر بضائقة مالية فدس يده في جيب قميصه وأخرج لي ورقة فئة مئتي جنيه

    ورفعها للسماء كعادته ثم ألصقها بعينيه، وقال لي بعشم زائد: خذ العشرة جنيهات هذه يا محمد، وأكمل عليها من معك واشتري لي عصيرا !


    وعندما أخبرت أبي وأمي في حضور أعمامي وعماتي، عن عدم تمييزه للنقود وقيمتها أخذوا يضحكون حتى دمعت أعينهم وقالوا: خير يا رب !

    ومن بعدها بأيام قليلة امتلىء بيتنا بنسوة متشحات بالسواد، وغاصت مندرتنا بالرجال الذين أتوا من كل حدب وصوب ليقدموا واجب العزاء

    وكنت لاهيا حينها في عالم آخر غير مصدق أنه قد فارقنا، وكان أبي في ذلك الوقت في ذروة صحته، لكني رأيت ملامحه وقد تبدلت فجأة وأخذت ملامح جدي عبد الحكيم

    ورأيت على وجهه نظرة حزن لم أفهمها حينها، لكني فهمتها حينما فقدت أبي أنا أيضا ، وعلمت أن الرجل حينما يفقد أباه حتى ولو كان دوره هامشيا في الحياة

    فإنه يشعر أن ذلك الجبل الذي كان يسند عليه ظهره قد أصبح فارغا !



    م.العـرفي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    مقبرة جماعية
    الردود
    1,600
    ما يعجبني في قلمك يا محمد "حسه الشعبي"
    وكأني أتجول داخل حارة بأدق تفاصيلها، أو بيت مصري عتيق.
    .
    .
    .
    شكرا على الإهداء يا صديق : )
    رب اجعله عملا صالحا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    262
    الله يرحمه

  4. #4
    رحمَ الله جميع موتى المُسلمين يا محمَّد، وأبقاكَ لأحبابكَ وأهلك ولعُمَر.
    شُكراً جزيلاً لك، شكراً على التّفاصيل الجميلَة التي تُحسِنُ جلبنا إليها بيُسرْ.

    لسببٍ ما،
    أحسُّ أنَّ هذا يومٌ مسروقٌ من أحد أيّامِ عامِ 2006، 2007... إلخ .
    أعوام كانَ السّاخرُ فيها يسرِق منّا القلبَ والنّفَسَ وينسَى أن يُعيدَ شيئاً -ولو يسيراً- منهما.

    شكراً لك وللساخر وللأصدقاء الطيّبين في هذا المكان الذي لا يمُوتْ .
    ..
    فالسّلامُ على ضَياعِك من دَمي .. سكتَ الكَلامْ *

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المكان
    الامارات العربيه
    الردود
    11
    شكرا محمد ,
    اعجبتني قصة الحاج عبدالحكيم جدا واختزالك لاكثر من قضيه بين السطور
    اي نعم دول الخليج كلهم اولاد عم , لم يعجبني التفكك الاسري يالي صاير حتما على كل من يريد ان يحيا بكرامه فيضحي بما هو اغلى (الله يوفق كل بلادنا للخير)
    وقتلتني محاولات العجوز البائسه للم شمل العائله من بين أسر التكنولوجيا - التي بكل بساطه تحولنا الي آلات
    وتبقي القضية الاكبر وهي الأب - لم اجد اجمل من تعبيرك :
    "لكني رأيت ملامحه وقد تبدلت فجأة وأخذت ملامح جدي عبد الحكيم. ورأيت على وجهه نظرة حزن لم أفهمها حينها، لكني فهمتها حينما فقدت أبي أنا أيضا ، وعلمت أن الرجل حينما يفقد أباه حتى ولو كان دوره هامشيا في الحياة , فإنه يشعر أن ذلك الجبل الذي كان يسند عليه ظهره قد أصبح فارغا ! "

    لقد راقت لي جدا, أسفي لما صار وشكرا مرة اخري

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    الردود
    26
    يا للحضور وجمال السرد
    شكرا على ما منحتني من ترويح وانتشاء .
    إدام الخل

  7. #7
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة في صمتك مرغم عرض المشاركة
    ما يعجبني في قلمك يا محمد "حسه الشعبي"
    وكأني أتجول داخل حارة بأدق تفاصيلها، أو بيت مصري عتيق.
    .
    .
    .
    شكرا على الإهداء يا صديق : )
    الحارات هدمت وأضحى مكانها اليوم ناطحات سحاب، وقلما تجد بيت لا يتحدث فيه أحد مع الآخر.. على الواتس آب!

    ولله الحمد والمنه يا شيخ محمد

  8. #8
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة AL-Asmar عرض المشاركة
    الله يرحمه
    حينما مات أبي، ظللت فترة طويلة لا أستطيع أن أقرن اسمه ب" الله يرحمه"
    تعرف ذلك الإحساس الذي يراودك حينما ترى عزيز عليك وقد فارق الحياة؟ وتراودك تلك الظنون. وتراه يتنفس !
    رحم الله الجميع .

  9. #9
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة عائدَة عرض المشاركة
    رحمَ الله جميع موتى المُسلمين يا محمَّد، وأبقاكَ لأحبابكَ وأهلك ولعُمَر.
    شُكراً جزيلاً لك، شكراً على التّفاصيل الجميلَة التي تُحسِنُ جلبنا إليها بيُسرْ.

    لسببٍ ما،
    أحسُّ أنَّ هذا يومٌ مسروقٌ من أحد أيّامِ عامِ 2006، 2007... إلخ .
    أعوام كانَ السّاخرُ فيها يسرِق منّا القلبَ والنّفَسَ وينسَى أن يُعيدَ شيئاً -ولو يسيراً- منهما.

    شكراً لك وللساخر وللأصدقاء الطيّبين في هذا المكان الذي لا يمُوتْ .
    الساخر"الله يرحمه" كان مكانا جميلا يدفعنا للكتابة دفعا، أيام كنا نكتب لأناس نحبهم ويحبوننا
    قلما تجدين هذا الإحساس اليوم بين كاتب وقاريء. اللهم إلا إذا كان هذا الكاتب يغني ويتنطط على مسرح- أولئك الذين يسمونهم نجوم !
    كنا "نجوم" لبعضنا البعض، وأحيانا نقعد (أضحك الآن ضحكا مجروحا بشدة)
    على كل حال كان على الكتابة أن تتنحى جانبا في زمن لا يعرف لغة غير السلاح، ولا حروفا سوى الرصاص. على أن ترجع يوما لتمحي عن وجه تلك المعمورة خرابا كثيرا.

    "سوف تظل كلماتنا عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة" أو كما قال .

    على كل حال عمر جالس الآن بجواري، ولا استطيع تجميع كلمتين على بعضمها البعض، بارك الله لنا في هذا العربجي!

  10. #10
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة twisterzgreat عرض المشاركة
    شكرا محمد ,
    اعجبتني قصة الحاج عبدالحكيم جدا واختزالك لاكثر من قضيه بين السطور
    اي نعم دول الخليج كلهم اولاد عم , لم يعجبني التفكك الاسري يالي صاير حتما على كل من يريد ان يحيا بكرامه فيضحي بما هو اغلى (الله يوفق كل بلادنا للخير)
    وقتلتني محاولات العجوز البائسه للم شمل العائله من بين أسر التكنولوجيا - التي بكل بساطه تحولنا الي آلات
    وتبقي القضية الاكبر وهي الأب - لم اجد اجمل من تعبيرك :
    "لكني رأيت ملامحه وقد تبدلت فجأة وأخذت ملامح جدي عبد الحكيم. ورأيت على وجهه نظرة حزن لم أفهمها حينها، لكني فهمتها حينما فقدت أبي أنا أيضا ، وعلمت أن الرجل حينما يفقد أباه حتى ولو كان دوره هامشيا في الحياة , فإنه يشعر أن ذلك الجبل الذي كان يسند عليه ظهره قد أصبح فارغا ! "

    لقد راقت لي جدا, أسفي لما صار وشكرا مرة اخري
    وطن يطردك إلى بلاد شقيقة، خير من وطن يطردك إلى الدار الآخرة !
    لله الحمد على كل حال.
    في الحئيئة حينما هممت بكتابة تلك القصة، كان كل هدفي هو تقدير دور الأب، ونبذ التشتت الاجتماعي ، لكن اسرني الحاج عبد الحكيم إلى أن قتلته !
    شكرا لك ولوجودك .

  11. #11
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة k(only)k عرض المشاركة
    يا للحضور وجمال السرد
    شكرا على ما منحتني من ترويح وانتشاء .
    وأنت والله. ردك أتى على قلبي مثل نسيم عليل في ليلة صيف لا تعرف الرحمة.
    شكرا لأنك هنا.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •