Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: خبز بالزبدة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    جنونستان
    الردود
    2,273

    خبز بالزبدة

    كان الدور مختلفاً جداً على عقلي لذا رحت أحاول ايجاد الروابط الفلسفية العجيبة , تلك القادرة على تبرير وجودي خلف المجلى أغسل الأطباق بمطعم ايطالي في جزيرة على أطراف الكوكب..

    الكلمات الآتية لحرم القلم لم تكن تقبل التأجيل , لذا كنت أكتبها على زندي كأسرع وآمن طريقة لإنقاذ الكلمة من الضياع..

    شعرت بأن أحداً يراقبني لأرفع بصري لأشاهد مديرة المطعم الأربعينية ذات الشعر القصير والملامح الجادة وهي تنظر لي ادخلت القلم بجيب قميصي وعدت للعمل. أما هي فانتظرت حتى دخلت النادلة الصغيرة التي تعمل هنا نهاية الأسبوع حاملة معها الصينية البيضاء الكبيرة التي جمعت بها الأطباق المتسخة من طاولات الزبائن. ثم قالت لي والنادلة تسمع

    _ أرني ساعدك
    هكذا قالتها بنبرة عسكرية صارمة , فما كان مني إلا أن شمرت عنه لتشاهد الذي كتبته . أشاحت ببصرها وقالت وهي تعود
    _ من يخالف المعايير يضر بعملنا, لن نسمح بهذا مرة أخرى.
    وخرجت من الباب الكبير المؤدي لصالة الزبائن وهي تتصل بهاتف الطباخ الذي تأخر على غير العادة.

    كنت أفكر وأنا أضع الأطباق المتسخة في آلة الغسيل ذات المقبض الصغير أن الكتابة على زندي اثناء العمل بمطعم فخم تصرف غبي كان لابد منه فلابد أن أنقذ الكلمة . أثناء هذا الانهماك كانت النادلة تنظر بفضول يكاد يفيض من عينيها كالدموع. حملت الصينية بعد أن أفرغتها وقال وهي تحاول تهذيب فضولها

    _ ما كانت تلك اللغة التي كتبت بها ؟
    رسمت ابتسامة لئيمة وقلت لها وأنا أنظر للأكوام التي لا تنتهي
    _ عليك معرفة هذا بنفسك

    فما كان منها إلا أن رسمت تعبيراً ساخطاً على وجهها وشمرت عن زندها الأيسر لتري عيني المذهولتين اسم (منال) موشوم عليه. أطلت النظر للوشم فأرخت الستار عليه وضحكت لأني حينها كنت أيضاً أهرش رأسي بيدي المليئة بالصابون.
    _ منال ؟
    _ نعم
    _ كيف.. أنت عربية ؟
    إلا أنها ابتسمت بخبث وقالت لتغيظني
    _ عليك معرفة هذا بنفسك
    ثم اخذت الصينية وذهبت..

    بعد قليل دخل مساعد الطباخ الاسباني الذي يسميني ( حبيبي ) ككلمة كافية للتعبير عن معرفته بحضارتي وبدأ يرتب الأدوات ويتأكد من المواد داخل البراد الزجاجي الكبير الذي وضعت به اللحوم والخضار, وحينها دخل الطباخ رابطاً رأسه الأصلع تماماً كالبيضة وعلى كتفه الأيسر فوطة صغيرة , لا أدري أن كانت الفوطة صغيرة أم أنه كان عملاقاً فأفسد هذا مقاسات الأشياء الحقيقية , وضع الحقيبة التي معه وأخرج منها جهازاً صغيراً بدأ فيما بعد يصدح بصوت لويس آرمستروغ وهو يغني.

    كنت أنظر للقرطين الكبيرين اللذان وضعهما الطباخ , إنهما أشبه بخاتمين يصنعان فتحتان مجوفتان كبيرتان بأذنيه, بالفراغ الكامن بأذنه كنت استطيع رؤية ضوء المصباح الكبير يمر عبره. بعد أنتهى من ترتيب عدته ألتفت لي وكنت بعيداً عنه وقال بصوت مرتفع وهو يهز رأسه
    _ هل يعجبك قرطاي ؟
    ضحكت ببلاهة وقلت له
    _ bon appetite شهية طيبة..
    لأتجاوز ارباك المشهد وأخرج الشخصيات من ورطة الموقف..


    كانت خطوات الطباخ تشبه الرقص وهو يدور بين المواقد يشعلها .. يذكي لهب بعضها ويقلل من جذوة آخر , وزع أربع مقالي كبيرة عليها , ثم صار يرمي بقطع الزبدة والبهارات عليها.. لم أكن أفهم فنه لذا كانت مراقبته متعة ممزوجة بفضول. التفت خلفه وفتح البراد الكبير وبدأ يبحث عن شيء ما , لم يجده فأمر المساعد بغضب أن يأتي به بسرعة , إلا أن الأخير كان مشغولاً بشيء أهم فما كان منه إلا أن أعطاني مفتاح المخزن وطلب مني جلب العلبة الخضراء الكبيرة. ذهبت متذمراً كوني غاسل صحون محترم وتلكأت بالعودة كي أرتاح قليلاً .

    حين دخلت المطبخ لم أجد الطباخ ولا المساعد , وضعت العلبة على طاولة التقطيع الرخامية ونظرت للمطبخ وتخيلت الأطباق التي ستعود لهنا مثخنة ببقايا الطعام والبقع العنيدة ثم انتهت عيني على المقالي الكبيرة التي وضعها الطباخ على كتف الموقد , أخذتها وأنا حانق من كسله الذي منعه من وضعها على المجلى قبل أن يذهب.

    غسلتها بالماء الساخن والصابون لأزيل الدهون التي كونت طبقة سميكة عليها ثم أعدتها لمكانها من جديد وذهبت لأرتاح بمخزن مواد التنظيف خلف المجلى.

    كنت أفكر بالنادلة ذات الوشم, أفكر بالشعور الغريب الذي اجتاح قلبي وعقلي وروحي وأنا أقرأ الاسم وشماً على فتاة شقراء بنيوزيلندا تحديداً في الحي الراقي بعاصمة الجزيرة الشمالية حيث كنت أكتب على جسدي بلغتي السحرية المنبعثة مثل الشمس..

    بينما كنت أبحث عن اجابة لحيرتي كان الطباخ أيضاً يبحث عني , خرجت بعد أن سمعته يناديني وذهبت إليه لأجده قد امسك عرى المقالي كلها بيديه وهو يقول
    _ أنت من غسلها ؟
    قلت وأنا أبحث عن بقعة لم تنظف لأفهم غضبه
    _ نعم
    وضع المقالي على الطاولة وقال بسخط وهو ينظر لها
    _ عملك معي يجب أن يكون سهلاً جداً , فحين أطلب منك شيء تفعله وحين لا أطلب لا تفعل . هل فهمت؟

    ابتلعت كبريائي الذي لو تذوقه أشره البشر لصام الدهر وقلت له بأني فهمت وقفلت عائداً لخط الجبهة حيث الكؤوس ذات القبل الحمراء والوردية على أطرافها والأكواب المرسوم عليها أصابع الأطفال الصغيرة ,أتى مساعد الطباخ المرح دائماً وقال بعد سحب الكرسي الصغير وجلس عليه :

    _ حبيبي يبدو أنك صانع مشاكل بالفطرة ..
    كنت أنظر له بطرف عيني وأنا أقول بملل
    _ هذا ارثي ..
    سمعته يهمس " جميل " مما شجعني أن ألتفت إليه وأسأله

    _" أميــقــو " أخبرني لمَ غضب الطباخ مني ؟ لم أعرف الخطأ الذي اقترفته ؟
    نظر عميقاً في عيني وكأنه يبحث عن شيء ما , مما جعلني أحولّ لأفسد عليه بحثه , فضحك بسعادة غير متوقعة وقال لي
    _ هناك نوعان من الطبخ " يا حبيبي " , النوع الأول الذي تسد به جوعك بطريقة مرضية , وهناك النوع الثاني الذي تدهش به حواسك لتعيش النشوة ونحن هنا نقوم بالنوع الثاني.

    أمال جسده نحوي وهو يتابع قائلاً
    _ قبل قليل لم يكن الطباخ يعبث بل كان يزن النكهات التي يريدها على الأوعية ليستطيع التحكم بالطعم الأساسي للطبق..

    حين عرفت السبب فقدت الاهتمام بالتفاصيل فجأة , شعر هو بذلك لذا نهض وهو يقول لي بمرحه المعتاد
    _ ليس عليك معرفة كل شيء يا حبيبي , فقط حين تتوقف عن التفاعل مع كل شيء تصادفه بالحياة.!

    حين دقت ساعة الراحة كنت قد أنهيت غسل كل شيء بدافع الوسواس القهري لا حب العمل , نشفت يدي وخلعت المئزر وخرجت لأدخن سيجارة بالزقاق الضيق على يمين المطعم. جلست على صندوق خشبي واشعلت سيجارتي وسحبت نفساً طويلاً وصرت أنفث الدخان كتنين ابتلع البحر.
    بعد ثواني دخل الطباخ إلى الزقاق, حيان بهزة من رأسه وجلس جواري , كان يبحث في جيبه عن علبة الدخان بيأس , فما كان مني إلا أن أعطيته من سجائري

    _ خذ جرب هذه
    _ ممتن لك
    أشعلها وأخذ نفساً قصيراً متوجساً , حين انتصفت الجمرة بجسد السيجارة قلت له
    _ أتحب القصص
    أجاب بحيرة
    _ نعم .. اعتقد هذا

    قلت له بعد نظرت في عينيه أبحث عن ذات الشيء الذي بحث عنه المساعد الاسباني في عيني

    _ كان هناك مهندس باريسي يعمل لخمس سنوات على مخطط كامل للبنية التحتية للمدينة , وكان يزور كل مساء المخبز الصغيرة بزاوية الحي الذي يسكنه ليأخذ منها الخبز الناشف , وهكذا مرت الأيام حتى سألها ذات يوم نفس الطلب , فدخلت لتجلبه له إلا أن الشعور المتراكم تجاهه بالشفقة جعلها تقرر أن تعطيه هذا اليوم خبزاً بالزبدة , قطعت له قطعة كبيرة ساخنه ولفتها بالورق وفي عينيها ولدت السعادة وهي تناولها له.

    توقفت عن السرد وسحبت نفساً وداعياً للسيجارة وأكملت بعد أن رأيت الطباخ ينظر لي باهتمام

    _ حين عاد المهندس لغرفته حيث الأوراق الكبيرة البيضاء تغطي كل جدرانها خلع معطفه وأخرج قطعة الخبز وهو ينظر بتوحد عظيم للدفتر الكبير ذو الورق شبه الشفاف الذي كان يرسم عليه منذ سنين مخطط المدينة , وبدأ يمسح بقطعة صغيرة من الخبز الورق ليزيل كما تعود الرسوم التي لا يريدها , فالخبز الناشف كما تعلّم منذ سنين أفضل من الممحاة.
    إلا أن الزبدة الكامنة بجوف الخبزة أفسدت كل شيء حين لامست الورق وازالت كل الرسوم والخطوط.

    صمت قليلاً ثم قلت له وأنا أنظر لنهاية الزقاق الذي يطل على مقطع عرضي للشارع العام حيث الناس والسيارات المستعجلة

    _ وأنا اليوم صنعت لك خبزاً بالزبدة..
    حين نهضنا عائدين لأدوارنا المتفق عليها بالداخل قال لي
    _ من أين أنت يا رفيقي ؟
    فاجبته بلؤم
    _ اسأل منال .

    في موقف الباص المزدحم حيث ينتظر المتعبون حذاء يستطيع حمل كل خطواتهم , تفاجأت برؤية منال , حين شاهدتني ابتسمت واقتربت لتقول لي بلا مقدمات
    _ أنقذت حياة أمي وحياتي ممرضة اسمها منال...

    وهكذا راحت تخبرني كم تبدو الحياة عجيبة ولا متوقعة في عينين بلا أفكار مسبقة والباص الكبير يرمي بثقله على كوابحه ليقف أمامنا.. والشعور الغريب الذي يشرق كالشمس كلغتي يهمس أن الحرف الذي كـُتـِب لينجو سيجد الكلمة التي نجت لتــُكتـَـب..



    إبراهيم الزنيدي
    22/10/1435
    ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    والله شيء راقي
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    الشارع
    الردود
    1,800
    كيف سقينا الفولاذ
    فقط هذه ذكرتني بتلك الرواية

    وهو كما قال ماجد
    شيء راقي


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    في مملكتي الديكتاتورية
    الردود
    1,595
    الاعتذار الذي يأتي بعد نسف أشياء الآخرين حد الإحباط، هو أجمل وأظرف اعتذار.
    هو اعتذار يخفي خلفه قهقهة لو خرجت لكمّلت على الأشياء الباقية غير المنسوفة، ودائماً ربك بسترها.
    .
    شكراً كثيراً على عودة الذاكرة لأشياء تشبه غسل ادوات الطبخ.
    تَمَنْيتُ الذكَاءَ ،، فلمّا رُزِقتهُ .. [ نَدِمتْ ]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    جنونستان
    الردود
    2,273
    شكراً على اشيائكم انتم ايضاً
    تلك التي لن أتكئ عليها لأنهض ولن أتوسدها لأنام تلك التي سأضعها برف اللاجدوى

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •