Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: خروج نهائي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    263

    خروج نهائي

    في يوم ربيعي لطيف جلست أمام دكّاني على حافة الرصيف أراقب الناس - أنا على هذه الحال منذ فترة والحقيقة لم أمت همّاً إنما أرى في ذلك تسلية جميلة - أتى إليّ صديقي فارس ودعوته لمشاركتي هذه الجلسة .


    تعرفت على فارس منذ فترة وبحكم أنه ضيفي الآن فليس من المستحب السكوت لفترة طويلة , وهكذا بدأت ألقي الضوء على بعض المواضيع السخيفة وطرح الأسئلة الروتينية وفارس يجيبني باقتضاب حتى سكت وقال لي :
    - حسام ليس من الضروري أن نتكلم , يمكننا ببساطة أن نجلس هادئين , لا تشعر أنك مضطر لفتح أحاديث , تصرف على طبيعتك .
    فاجئني رده , وهو أكبر منّي سناً فتقبلت كلامه وجلست وأنا ساكت تحت رغبته .
    عاتب نفسه بعد قليل فقال لي :
    - أنت لست على خطأ , أنا في بعض الأحيان أشعر بالضيق لمجرد سماع صوت نفس أحدهم بقربي !


    والحقيقة بفضل هذه النفسية المكتئبة تعرفت على كاتب يسمى كافكا وهو كاتب يهودي تشيكي ويعد رائد الكتابة الكابوسية !


    عندما نويت السفر أعطاني فارس لمحة عن حياتي في الغربة , أنا الذي كنت أتخيل أنني سأعيش هناك حياة الأثرياء وسأعمل في مجالي الذي أحب وأنني سأحقق ذاتي وطموحي وبقية هذه الأشياء .
    قال لي بأني سأنام في غرفة حقيرة بفرش حقير وسأعتاد على تناول طعام السوق"الزنخ" , سأبحث عن أي عمل حتى لا أغرق في الديون .
    الحقيقة أني لم أقتنع بكلامه , أنا أعيش في منزل العائلة وحيداً منذ سنة تقريباً , أطبخ وأغسل ولا حاجة لي بطعام السوق كما أن لدي الكثير من الأصدقاء في الغربة وعندما أسافر سأكلمهم وسيوفّرون لي عدة وظائف سأحتار في مفاضلتي بينها وسأستعين بالاستخارة ودعائها في اختيار العمل الأفضل .
    وعندما اقترب موعد السفر شعرت بغصة شديدة وتعمدت تأجيل السفر يوماً بعد يوم ولم أجد حلاً لهذه الغصة إلا فارس , أخبرته بها فاستسخفني وأخذ مني ثمن حجز التذكرة على متن خطوط النقل البري وحجز لي بكل قسوة قلب في أقرب موعد .


    في يوم السفر وبعد أن ودعت الأحباب ركبت الحافلة وفارقتهم , أعطيت لنفسي الإذن بالبكاء ولكن سرعان ما قاطع هذه الجلسة الرومنسية اصطدام الحافلة بمركبة أخرى في وسط المدينة , فطلب منا السائق النزول والانتظار في الطريق حتى تأتي حافلة أخرى ! , تخيلت في هذه اللحظات فارس وهو ينظر إليّ ساخراً شامتاً , ولكن لم أسمح لنفسي بالاسترسال في التشاؤم .


    سارت الرحلة بشكل روتيني , رحلة متعبة طريق صحراوي طويل انتظار لفترة لا تقل عن 5 ساعات للتفتيش في الحدود السعودية , 5 ساعات ليأتي الضابط لبضع دقائق يتفقد فيها الحقائب بالنظر لا يهم ما تحتويه في أسفلها من ممنوعات , والحقيقة أن الضابط كان شعلة من الذكاء فقد لفت نظره في كيس أبيض قماش كبير نسبياً فيه ملوخية يابسة بين أمتعتي فترك الأمتعة كلها واتجه نحو الفريسة بغرض فحصها على الجهاز , وهمّ بحمله بكل ما أوتي من قوة والحقيقة أن الكيس لا يتجاوز وزنه الـ 2 كيلو وكاد أن يقلب الضابط على ظهره , والركاب أيضاً كادوا يقلبون من كثرة الضحك والحمد لله قضي الأمر دون أن يقلب أحد .


    وصلت إلى جدة بخير وسلامة ولله الحمد , استغربت عدم وجود بشر في الطرقات , لم أر سوى السيارات حتى وصلنا لحي سكني شبه خالي من السكان إلا من بضع سيارات تمشي هنا وهناك وسرعان ما زالا الاستغرب عندما وطئت قدمي أرض جده وتنشقت الرطوبة الساخنة , وقررت أن هناك جو غير اعتيادي في هذه المدينة أجبر السكان على التزام بيوتهم وسياراتهم , وطبعاً عرفت بعدها أن الجو كان اعتيادياً جداً وأنه موجة حر آتية في الأيام القادمة , هاتفت صديقي صبري , والذي أتى إليّ خلال دقائق , وصلنا إلى المنزل الذي يفترض أن أقيم فيه حتى أجد عملاً , كان سكناً ممتازاً بالنسبة لي فيه خادمة تقوم بأعمال الغسيل والتنظيف , وشركاء السكن طيبون جداً , ذهب الجميع إلى عمله وأنا أتمشى وحيداً في أرجاء المنزل أهز برأسي مبتسماً ساخراً من فارس وكوابيسه حتى أني قمت بالتصوير حتى أثبت له بأن كلامه غير صحيح وأنه إنسان متشائم .
    لم تتجاوز إقامتي في جدة اليومان حيث أمن لي صبري عملاً عن طريق قريبه , سافرت إلى الرياض ورتبت أموري هناك على الهاتف حيث استأجر صديقي سكناً مشتركاً لي وله في حيّ يتوسط المدينة .


    عند وصولي للرياض , لحي البطحاء تحديداً , اكتشفت أن وسط المدينة ليس من الضرورة أن يكون راقياً كشارع الدبلان مثلاً أو شارع القوتلي , هاتفت صديقي محمد والذي لم يأتِ خلال دقائق الحقيقة اضطررت الانتظار لمدة لا تقل عن الساعة حتى أتى من عمله ليقلّني إلى سكننا الجديد , ولكنه أصر أن نتناول الغداء في أحد مطاعم حي السليمانية والذي تقطنه أغلبية سورية , لم أهتم كثيراً لهذه الدعوة على اعتبار أن الأكل السوري شيء عادي جداً بالنسبة لي .
    اتجهنا بعدها إلى الغرفة , في الطريق شعرت أنه عاد بي إلى حي البطحاء فسألته عن ذلك , قال لي أن الغرفة قريبة من هنا , كانت الغرفة في حي مجاور لحيّ البطحاء أكثر رقياً بقليل ويسمى حي الفوطة !
    كانت غرفة حقيرة في حي شعبي تقطنه أغلبية باكستانية , بصراحة أكثر لقد كنا السوريين الوحيدين في هذا الحي , نعم بالطبع تذكرت فارس وكوابيسه وتخيلته وهو ينظر إليّ كنظرتي الساخرة الشامتة في جدة , أخذت حماماً ساخناً , بماء البلدية وبعدها حمام بمياه الشرب لأزيل آثار الحمام الأول المالحة .


    دفعت لمحمد حصتي من تكاليف استئجار الغرفة ثم ذهبت إلى الكفيل ذلك الوحش المرعب والذي طالما حذرني منه أهل الخبرة وأنه يجب أن أكون عبداً مطيعاً له وإلا ستتعسر أموري كلها , والحقيقة أنه كان إنسان طيّب جداً فاجئني أنه طلب مبلغاً من المال يساوي تماماً ما تبقى في جيبي , 2750 ريال مقابل استخراج الإقامة , وكان جزاه الله خيراً سبباً في تواصلي مع الدكتور عمر الذي أمدني بالريالات الكثيرة كي أتدبر أموري في بلد الثراء وتحقيق الطموح .


    عدت إلى تلك الغرفة الحقيرة وأصر محمد أن ننام في سكنه القديم مؤقتاً ولكني رفضت ذلك فقد كان معي بطانية ووسادة , قمت بتشغيل "المكيّف" وتنظيف الغرفة واستلقيت محاولاً النوم إلا أن محاولاتي كانت فاشلة , قضيت الليلة في إطفاء المكيّف فتتحول الغرفة لقطعة من جهنم , ثم أشغله فأشعر بأني أجلس في الشارع بسبب الضوضاء التي يصدرها .








    في أول يوم عمل كنت متوتراً جداً , رغم أن وظيفة مراقب العمال وظيفة سهلة , فكل عامل يعرف ما يجب أن يقوم به والمراقب وظيفته أن يقف بين العمّال وأن لا يسمح لأحد بالتلهّي عن العمل , أو هكذا كنت أظن .
    دخلت الشركة واستقبلني موظف سعودي , هو لم يستقبلني تماماً بسبب طبيعة عمله فقد كان منهمكاً بجواله البلاك بيري إنما أنا الذي بادرت بسؤاله عن المهندس فلان فأجابني بكل بشاشة بأنه : لا يعرف , هذه الإجابة كانت نفسها لم تتبدل عن كل أسئلتي له .


    ذهبت إلى مدير الفرع الذي وجهني لمدير الحسابات , مدير الحسابات هذا أردني الجنسية محترم جداً إلى الحد الذي دفعه لسؤالي عن فواتير النقل التي أوصلتني من جدة إلى الرياض , فأعطيته إياها وأنا أحك راحة كفي فقال لي , لم أتيت إلى الرياض برّاً , فاتورتك على حساب الشركة سواءاً كانت براً أم جواً , وعلى الرغم من حرارة الجو المرتفعة إلا أنني أحسست بدلو ماء بارد يبللني من أعلى رأسي حتى آخر أصبع من قدمي , فقلت له متنكراً باللامبالاة , المهم وصلنا بالسلامة .
    ثم أشار إليّ بأن أنتظر المهندس فلان في الصالة , انتظرت بالصالة ساعة ثم ساعتان ثم ثلاثة , عشت خلالها أحداث كثيرة نسجتها مخيلتي عن سير العمل وسيطرتي عليه والسيارة الفارهة التي سأركبها , قاطعني المهندس فلان , وهو شاب مصري عشريني حاولت أن أصدقه بأنه مهندس ولكني لم أفلح وعزمت أن أطلب إقامته للتأكد من مهنته فشكله لا يوحي بذلك أبداً حتى أتى المدير التنفيذي مقاطعاً لجلسة التحقيق , وهو مهندس حلبي سعدت جداً بلقاءه , فقد سألني عن مؤهلاتي العلمية وأقر بأني كخريج كلية الاقتصاد/حاسوب ونظم معلومات , لا أصلح للعمل تحت الشمس وبين العمال وأني خلقت للعمل المكتبي , وقراره هذا جاء بعد إجاباتي كلها لأسئلته (تعرف كذا .. ) بنعم حتى أنه راوده الشك وقال لي سنجربك , هذا أول ما تعلمته في الغربة لا تقل عن شيء بأنك لا تتقنه فقد يكون أتفه مما تظن !
    سألته عن السيارة التي كُتب عنها في العقد فقال لا تقلق طالما أنك اتفقت مع الشركة فحقوقك محفوظة .


    باشرت العمل كإداري مشروع , ولم أكن مخطئاً حينما ادّعيت معرفة كل ما يتعلق بهذه الوظيفة , خاصة أني المهندس الحلبي يكاد أن يصعق في كل مرة أفرغ له الخطابات على الحاسب وأطبعها , يصعق من السرعة وهو لا يعرف أن هذه السرعة في الكتابة اكتسبتها من سهرات مقاهي النت الليلية (8 ساعات بـ 100 من الـ12 ليلاً حتى الـ 8 صباحاً)


    وهكذا انتهى أول يوم عمل بشكل مريح جداً عدت إلى الغرفة الحقيرة وأحببت أن أكافئ نفسي بوجبة من العيار الثقيل فاتصلت برفيق السكن وطلبت منه أن يأتينا بطعامٍ إحتفالي , وفعلاً جاء محمد محملاً بكيسين ثقيلين نسبياً وتركني أتفحصهما وإذ فيهما الكثير من الرز , أكياس من الرز ؟ نحن نضع الرز بأكياس حينما نقرر أن نتخلص منه لكي لا يختلط بالقمامة , ما علينا , أتى محمد بقطعة من النايلون ومدّها على الأرض وقلب الكيس مفرغاً ما حواه على الأرض وبدأنا بأكل الكبسة .
    وتوالت أيام الاكتئاب في الغربة , وتعرفت على أغلب سائقي سيارات الأجرة في الرياض لعدم امتلاكي لسيارة , وكان مدير المشروع الحلبي يظن أنه في ورشته الخاصة فالقاعدة عنده "ما بدي شوف حدا قاعد" حتى لو كانت طبيعة العمل الإدارية تتطلب ذلك , واجتمعت أسباب كثيرة دفعتني لتقديم استقالتي , وقررت ترك هذه البلاد بلا رجعة , وكان شعور تقديم الإستقالة ثاني أجمل شعور في الوجود - باعتبار أن الخروج النهائي هو أجمل شعور -

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    لو اجتزت عنق الزجاجة لصار كل شيء أسهل بكثير
    لمرت بك أيام تأكل كيس الأزر بمافيه حتى جناحي الدجاجة المقشفين.
    الحمدلله على سلامتك بكل حال.
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    263
    لقد كان توقيتاً سيئاً للاستقالة , عائلتي تقيم مؤقتاً في الأردن في أجواء كئيبة بسبب مفارقة الوطن والأوضاع الراهنة والأردن بلد فقير وفرص العمل نادرة فأي حماقة ارتكبتها بقراري ذاك .
    عدت أدراجي إلى المملكة , إلى الرياض وتواصلت مع المهندس الحلبي بشكل غير مباشر طالباً العودة للعمل ولكنه رفض محتجاً بأني تخليت عنه وهو في أمس الحاجة لي ولكن الله أكبر منه حيث توفرت لي فرصة عمل في جدة في مؤسسة حمصية بامتياز عن طريق صديقي الذي تزوج ابنه مالك المؤسسة منذ فترة قريبة .
    جدة الحلم , حبي لجدة نابع بالطبع من كثرة الحمصيين فيها لعل ذلك يخفف من غربتي .
    وفعلاً باشرت العمل وشاركت الحمصيين سكنهم وكان أول اصطدام معهم حينما ركنت سيارة صديقي التي استعرتها منه أمام البناء الذي نسكن فيه , وكان صاحب العمارة السعودي في أوج معاناته منهم بسبب استخدامهم لمواقف السيارات الخاصة بسكان العمارة الآخرين , ركنت السيارة وإذ بوحش كاسر هو صاحب العمارة يتجه نحوي وهو يصرخ بكلام غير مفهوم فطلبت منه الهدوء حتى أفهم فما كان منه إلا أن قطع عنا الماء والكهرباء وجلسنا في البيت على أضواء الهواتف النقالة والعرق يتصبب منا جميعاً , كانت هذه أسوأ جلسة تعارف على الإطلاق , وكافية لأن يشعروا بالغيظ مني , هذا الشعور الذي استمر حتى آخر يوم دوام في تلك المؤسسة .

    ومضت الأيام رأيت فيها التكاتف الحمصي والتفاني في زرع الخوازيق لبعضهم ولكني لم ألقِ لهم بالاً , ويسّر الله لي خطبة بنت الحلال بوقت قصير ثم أكرمني الله بالزواج بعد سنة ونيّف من عملي في جدة ,
    تم الزواج في الأردن وانتهت إجازة شهر العسل والتي كانت مدتها أسبوع وعدت إلى جدة , وأنا في الطريق إليها علمت بخبر طلاق صديقي من بنت صاحب المؤسسة , وفي أول يوم دوام لي بعد إجازة الزواج تلقيت نبأ فصلي نكاية بصديقي , وللأمانة هذا الخبر لم يهز صديقي بتاتاً فقد كانت حالته النفسية بعد الطلاق لا تسمح له بالتفكير في حالتي , ولعل صاحب المؤسسة علم بأن إقالتي لم تأتِ أكلها ولم يهتم لها الصديق الوفي فنصب عليَ حوالي الـ 15 ألف ريال في تصفية لحسابي عندهم , لم تكن النصبة الأولى في حياة الاغتراب ولكنها الأولى من حيث المنشأ فكانت حمصية بامتياز ومثلت المعنى الحقيقي لمصطلح النصب التذكاري .
    مكثت لأيام دون عمل وبلغت الشدة ذروتها , حتى يسر الله لي فرصة عمل في الرياض وكنت أمر بضائقة ماليّة عصيبة لدرجة أني عندما باشرت برتيب أمور الانتقال للرياض من توضيب للأثاث وما إلى ذلك عثرت على خمسمائة ريال كانت مختبئة بين أثاث غرفة النوم ومن شدة فرحي بها وتعبيري عن ذلك بالقفز والرقص وقع رف من رفوف الدولاب معلناً عن خمسمائة ريال أخرى وكان ذلك اليوم من أسعد أيام حياتي , عدت إلى الرياض وأكرمني الله بالاستقرار وسداد الديون وزوال الهموم , وفرحتي بقرب ميلاد وليّ العهد غطت على كل الصعاب بما فيها صعوبة استخراج جواز سفر له لثقتي بكرم الله وأن الله دائماً عند ظن عبده به وأن مع العسر يسراً .

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المكان
    تائهه بين اوراق الالم
    الردود
    16
    عشت تفاصيل قصتك ... وتعجبت واستحقرت همي عند معاناتك وتغلبك عليها وقوتك
    ماشالله تبارك الله زادك الله من كرمه ورفعته



    جميل كل ما قرأت

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •