Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53

    مجند لايزال صغيرا

    مجند لا يزال صغيرا.. ( قصة من مجموعتي القصصية لايوجد مكان مناسب للموت )


    كانت النار تتوهج في كتلة صغيرة تنبعث عن عدد قليل من قطع الأخشاب الصغيرة ، يستدفئ حولها ثلاثة رجال ببزاتهم العسكرية تجمعهم صداقة قديمة ، كانوا يجلسون على شاطئ رملي في شكل نصف دائرة ، أمامهم البحر الخاضع بأمواجه الناعمة لخيوط الضوء القمرية . كانت ليلة ساحرة بحق أدخلت إلى أرواحهم هدوءا جميلا وجعلتهم يبوحون بمكنونات أنفسهم وقد تحرروا من أعباء الحياة والعمل أخذ كل منهم يسرد قصته في طلاقة وعفوية . كان الدور قد توقف عند العقيد سالم الأوزعي وهو رجل له سمت مهيب ، قليل الكلام ، مشهود له بحسن السيرة والانضباط الشديد وهو بارع في عمله واستطاع أن يكتسب ثقة رؤسائه بشكل كامل ، كان قد جلس مسندا ظهره بالكامل على الكرسي الصغير الذي يجلس عليه وامتد نظره للبحر وللسماء المعتمة وبدأ يحكي بنبرة المحارب القديم عن قصة التحاقه بالقطاع العسكري فقال :
    من بين المرات العديدة التي كان فيها والدي يؤكد علي وأنا طفل صغير أن الضحك ليس من شيم الرجال ، وأنه ما من أمر يمكن أن يثير غضبه كأن تعلو أصوات القهقهة في المنزل . لم يكن ليدور في مخيلتي بعد أن أصبحت صبيا أن يحدث ما نهبني منه في المكان الذي يكون فيه والدي أكثر الأوقات جدية ً وحزما ً ، لقد كان أمراً جللاً حين كنت أضحك مع صديقي عثمان ، ونحن نساعد والدي في فلاحة الأرض ونسوق الثور عبر أثلام من ركام الطين والعشب ، قال لي حينها بصوت ساخر بعد أن هزني بنظرة قاسية :
    - أشك أنك ستكبر وستصبح رجلاً مع ابتسامة المرأة هذه !
    قد تتعجبون لو أقول لكم أن أكثر ما أتذكره عن تلك اللحظة ذلك الوميض الذي كان ينبثق من أشعة الشمس !! نعم أشعة الشمس ! أتذكر جيدا أنها كانت حادة جدا قبل أن أسمع هذه العبارة ، وأن وهجها أخذ يخف بالتدريج حتى كادت أن تنطفي أمام عيني ، لست أدري .. كانت لحظة مظلمة بحق ! ولم أجد مجالا للشك بعد ذلك ؛ أنه ما من وجه بائس للعالم قد ظهر أمام عيني كما ظهر في تلك اللحظة !
    إنني حتى هذه اللحظات التي أعيشها من عمري لا أزال أفكر بكل جدية حول السعادة التي خسرتها حينما كان قدري أن لا أضع قدماي على الدنيا كطفل يتيم ! وإنما محسوب عليه والدان يملئون قلبه بالحاجة لليتم .
    لعل تلك الليلة التي شكلت قناعة حتمية لدي بفداحة ما أعيشه في تلك المرحلة من العمر جديرة بأن تذكر الآن . كذكرى لا بد أن تبقى وتروى وتعاند النسيان .
    كانت الساعة في تلك الليلة تقترب من الثامنة مساء ، وعدد من الدقائق يفصلنا عن صلاة العشاء حتى نستعد في حراك تنظيمي أشبه بفرقة مجندة على حدود دولة معادية ، إنها القسوة المفرطة تلك التي كانت تسيرنا ونحن أطفال ومراهقون .
    لكنني على مستواي الشخصي وعلى حدود معرفة - ابن الرابعة عشر عاماً- الضيقة جدا بالعالم آنذاك ، لم أكن أتوقع أن هناك طريقة يمكن أن يعامل بها رب الأسرة أبنائه غير تلك الطريقة التي كنا نجدها من والدي ، كنت على شدة الإحباط الذي أتجرعه بمضض كل يوم أشعر، وكأن ما يحصل أمراً اعتياديا لا بد أن يمر به الإنسان حتى يكبر ويكون له كيان وقدرة على إثبات نفسه أمام أسرته ومجتمعه ، كانت والدتي المسحوقة بين ركام الزمن والمستسلمة بكل كيانها لسلطة الرجل المطلقة تؤكد لي هذه القناعة المضللة التي لا توجد إلا في أذهان من لا يملكون القدرة للدفاع عن ذواتهم ، أولئك القابعون خلف أسوار الاستسلام ، وتقول في لهجة حاسمة مليئة بثقة المحبطين في ضعفهم ، وبعد كل عملية تنكيل أتعرض لها :
    - والدك يحبك ، وكل مايتمناه أن تكون رجلا ً.
    إنه نفق مهول ذلك الطريق الذي كان يقودنا من خلاله إلى مرتبة الرجولة .
    كنا نستعد لصلاة العشاء ، وكنت أجفف جسدي بعد الوضوء بقطعة من القماش الخشن ، لم أكد أكمل هذه العملية حتى هوت على مؤخرة رقبتي صفعة نارية أتبعها صوت أبي المليء بالكراهية :
    - " لا تجفف الوضوء ؛ من السنة أن تترك خطاياك تسقط مع قطرات الماء يامغفل !"
    كان منظري وأنا أتلقى تلك الصفعة يجمع بين الألم والنكتة ، وبما أن الألم كان وجبتنا اليومية التي ما عدنا نشعر بالحاجة إليها ، كانت النكتة هي المبرر الأكثر إلحاحا ً حتى تخرج من أخي سالم ضحكة مكبوتة في منزل مليء بالدموع الصامتة .
    كانت هذه الضحكة كفيلة بأن تحول ذلك المساء إلى ورشة عمل في فنون التنكيل . كل ما أتذكره أن سالم لم يكن يحفل بالضرب قدر ما رأيت في عينيه نظرة غريبة لم أتمكن من فهمها حتى اليوم حين قال له أبي بصوت يخنقه الغضب :
    " يجب أن نذهب بك إلى الحكيم ليكشف عليك بطريقة أكثر دقة ؛ لربما كنت في الأصل أنثى!"
    الغريب أننا لم نكن نبكي أو نظهر نوع من التذلل أو الضعف حين نواجه ألة القمع اليومية ، وكأنه كان يتم إعدادنا لمهمة مستقبلية مرهونة بأشخاص معدومي الإحساس والضمير سيكلفون بتدمير العالم وإبادة الجنس البشري دون أدنى شفقة !!
    بعد الصلاة عدنا إلى البيت ، جلس أخي سالم بجسده النحيل بقرب والدتي . بينما اتخذت أنا مكانا ً منزويا ً من ساحة البيت الداخلية ، كنت أرى والدي واقفا بقامته الفارعة وذقنه الطويلة خفيفة الشعر ، وشفتيه الحادتين اللتين يزمهما بطريقة عصبية حين يتحدث ، كان يقبض بيده اليمنى على عصا غليظة اعتاد أن يتوكأ عليها دون أن يكون بحاجة حقيقية لها . كانت لحظة كئيبة ، بينما كان يراقب البنات وهن يجهزن العشاء ، يفتش بفضوله المفرط في القسوة على كل صغيرة وكبيرة ، ويشير بعصاه على كل ما هو مثار للانتقاد ، وجميع أفراد الأسرة بما فيهم والدتي يهمسون همسا ً ويظهرون الخضوع التام للأوامر، إشباعا ً لحاجة التسلط النافرة من عينيه .
    كنت جائعا بالفعل ولما اقتربت من سفرة العشاء نظر إلي وكأنه يتذكر شيئا ما ، وبطريقة يملأها الاشمئزاز كلفني أن أحمل بعضا ً من الخبز والفاكهة وقليل من السمن إلى جارنا أبو عثمان . لقد جرت العادة أن يلتزم أهل القرية بمؤنة من يحل على داره ضيفا من خارج القرية ، ذهبت ونفسي تراودني على تلك الأطعمة التي لفتها والدتي في قطعة من الجلد الخفيف .
    خلال طريقي إلى منزل جارنا أبي عثمان كنت أعيش آخر علاقة لي مع فترة قاسية جدا من حياتي . لقد شعرت بفارق كبير فيما أتصوره عن حياة الأسرة التي ترعرعت بها ، وعن حياة البشر الطبيعيين .في اللحظة التي فتح لي فيها صديقي عثمان باب بيتهم ، تأكدت بشكل حاسم لا يقبل الشك أننا نعيش بشكل مختلف كليا ًوأن حياتنا أقرب ما تكون إلى حياة المعتقلين في غياهب السجون .. لقد اندفعت أصوات الضحك من الداخل .. قهقهات عالية كاملة . ياالله .. إنهم يضحكون ، ومتى ؟ بعد صلاة العشاء !؟ في ذلك الوقت الذي كنا نحرم فيه من الكلام فضلاً عن الضحك !!
    التقف عثمان ما بيدي وأنا واقف لا أحرك ساكنا ..كنت أقف بين كوكبين متنافرين مختلفين تماما في كل شيء ، في درجات الحرارة وخطوط الطول والعرض وجميع مقومات الحياة . وقعت عيناي على أبي عثمان وهو يجلس أمام الضيف وأبنائه يلتفون حوله بينما كان يقلد انفعالات أحد الشخصيات الهزلية المشهورة في القرية ، ولكم أجاد ذلك الدور حتى أن الأولاد دخلوا مع الضيف في حالة ضحك هستيري لا يكاد يتوقف ؟!
    ولأول مرة ودون أن أشعر ارتسم خطين غزيرين من الدموع على خدي . أدرت ظهري ورحت أركض في ذلك الليل المعتم .. كنت أدوس على الحجر والشوك بسرعة لم يسبق أن عهدت نفسي بها . كخيل جموح فرت من سائس جلاد . كنت أركض دون توقف ، ثم وجدت نفسي في وقت متأخر من الليل وأنا أقف على صخرة صماء فوق جبل صغير أتأمل خيوطا من ضوء القمر بعينين دامعتين وصدر يكتسحه هم كثيف وثقيل ، وعقل لا يفكر بشيء غير السفر إلى المدينة في أقرب فرصة والالتحاق بالقطاع العسكري دون رجعة .
    كلما اتسعت الرؤية ، ضاقت العبارة !

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2005
    الردود
    97
    الغريب اني عشت شيئا مما تقول ..
    ولا زلت أعاني ..
    والعجيب أني أجد في نفسي الآن قسوة غير مبررة تنتابني أحيانا تجاه أبنائي .!
    هل تنتقل الأخلاق بالتوارث ..!؟
    شكرا لجمال أسلوبك .
    تحية حية .

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •