بدا البحر من بعيد تحت الشمس الحارقة كسراب غارق في هذه الصحراء الممتدة إلى ما لا نهاية واضعا حدا لكثبان الرمل الزاحفة التي تحتل المكان، نظر الشيخ اللاهث إلى الشاطئ المقفر بعيون مثقلة بالغبار بحثا عمن وصل قبله لكن جسده المتهالك كان قد استنزف آخر ما بقي من طاقته معلنا استسلامه أمام الأرض التي منحته كل ما يحتاج إليه وكأنها اليوم تريد استرجاع كل شيء. لن يكون شاطئ أوركا مقبرة آمالنا وأحلامنا، بل منفذ نجاة للضفة الأخرى لنعود أكثر قوة. هكذا قال أرياز لنفسه قبل أن يسقط أرضا وعيونه تلمح من تحت جفون متورمة أشباح فتية قادمين من بعيد كان أحدهم يلوح بيديه وهو يصرخ: معلمي ... معلمي نحن هنا تماسك أرجوك. وضع سالم رأس المعلم على ركبته ويداه ترتجفان خوفا على حياة هذا الشيخ الذي كان كل شيء في حياتهم، كان منزله مأواهم وسعة صدره وعلمه مدرستهم التي لم يعرفوا سواها، كانت حرفته مورد رزقهم الوحيد فقد عملوا معه في ورشة الحدادة، كانوا يصنعون السيوف والأواني و حدوات الأحصنة وأدوات أخرى يبيعونها في سوق المدينة وأسواق المدن المجاورة. رفع سالم رأس المعلم ليرش القليل من الماء على شفاهه البيضاء المتشققة وعيناه تبحث في الأرجاء بلهفة عن الظل في هذا المكان المكشوف و قال لناصر محاولا إخفاء ارتباكه ليبدو أكثر تماسكا: كانت فكرة مغادرة البلاد عبر هذا الشاطئ فكرة سديدة، لا أحد يجرؤ على ملاحقتنا عبر الصحراء الكبرى، لكن ما كان يخدمنا بالأمس هو اليوم يخدم أعداءنا. نظر ناصر إلى البحر وقال بنبرة تنم عن القلق: أتمنى أن يكون حازم و فواز قد تمكنا من الخروج من المرفأ والإبحار إلى هنا، فقد كانت الليالي الثلاث الماضية مقمرة، مؤكد أن المد كان عاليا. أمسك فارس بكتف ناصر وهو ينظر إليه محاولارسم ابتسامة على وجه صديقه وقال: لا تنسى أن والدهما كان بحارا شجاعا ودماؤه تجري في عروقهما كما أنهما رافقاه غير ما مرة إلى رحلات الصيد قبل أن يطلب للخدمة العسكرية في القوات البحرية، فمنذ ذلك الحين لم يعرفوا عنه شيء، ضل البحر ذكراه الوحيدة التي تربطهما بروحه، إنهما يعرفان هذا البحر جيدا يا ناصر، يعشقانه ولا يأمنا غدره، فلا داعي للقلق سيكونان بخير. تنهد سالم بعمق وهو ينظر إلى المعلم الذي بدأ يستعيد وعيه وقال: إنهم أملنا الوحيد الآن.
يتبع...