في الجهة الأخرى من الصحراء الكبرى كانت مدينة يارا تصحو وتنام على وقع أقدام الجنود وهم يجوبون الأزقة ويداهمون البيوت بحثا عمن أسماهم القائد تمَّام "الخارجون عن القانون". يارا؛ مدينة من دون أسوار تحجب الأفق البعيد عن سكان منازلها الصغيرة فهي لم تكن بحاجة إلى حماية، فلم تكن يوما عاصمة لملك أو إقامة مؤقتة، كان الطريق المؤدي إلى مكتب جباية الضرائب الشريان الوحيد الذي يربطها ببقية المملكة، فقد كانت في البداية قرية صيادين تضم عددا قليلا من المنازل ورصيفا صغيرا لمراكب الصيد، ضلت يارا تستقبل طوال سنين نازحين هربوا من بطش القائد تمَّام، مزارعون سلبت أراضيهم، تجار وحرفيون نهبت أسواقهم لتمويل حملات الجيش وحروبه لتوسيع مملكة جوبا، مملكة كان الملك جعفر وحاشيته المستفيد الوحيد من توسعها وثرائها. ذاك الرصيف الصغير للمراكب أصبح اليوم مرفأ تجاريا يدر أمولا طائلة لخزينة المملكة وأصبح للمدينة سوق كبير تحج إليه القوافل من مناطق بعيدة، وساحة عامة كانت مسرحا لأحداث كثيرة تنوعت بين البهجة والحزن كان آخرها إعدام العشرات من الرجال بتهمة العصيان لما رفضوا دفع ضرائب تفوق نصف مداخيلهم في محاولة من القائد تمَّام إرسال رسالة واضحة إلى سكان هذه المدينة اللقيطة كما كان ينعتها، "لا سلام لكم إلا بالانصياع لأوامر الملك جعفر والإخلاص لولائه". كان المعلم أرياز واحدا من الأوائل اللذين نزحوا إلى هذه المدينة بعد أن تمكن من الفرار من الخدمة العسكرية، فقد عمل كمدرب للفنون القتالية وحمل السلاح تحت إمرة القائد أكرم، حينها كان الملك جعفر والقائد تمَّام ضابطان في القوات البحرية، قوة مملكة جوبا التي أنشأت للدفاع عن شواطئ المملكة وحماية السفن التجارية من هجمات القراصنة، أدرك جعفر هذه القوة وأدرك أيضا أن هناك شبه ثغرة في إدارة شؤون المملكة بعد غرق العائلة الحاكمة في البذخ والترف وتسخير الجيوش لتنظيم الأسواق وتحصيل الضرائب وسوء خدمة البريد الذي كان دائما يصل متأخرا بعد ما تكون الأمور قد ساءت في عدد من المناطق البعيدة، كما أن عمله كضابط خول له صلاحيات واسعة في استعمال السلطة ما سهل عليه جمع ثروة طائلة غالبا ما كان مصدرها السطو على سفن تجارية بمراكب لقراصنة تمت مصادرتها في إحدى الدوريات التي كان مكلفا بإدارتها، تمكن جعفر بفضل الرشاوى ومنح الامتيازات من أن يجمع حوله عدداَ من الشركاء والأعوان كان من بينهم تمَّام الرجل الأقل ذكاءً والأكثر قسوة، التحق تمّام بالقوات البحرية بتوصية من عمه الذي كان يشغل منصب الوزير الأول أيام حكم الملك الراحل زاهد الأول، تدرج في صعوده من رتبة إلى أخرى قبل أن يصل إلى رتبة ضابط، رتبة لم تكن في مستوى طموحه الذي كان يتوق للوصول إليه، كان طمعه وحلمه بالسلطة نقطة ضعفه التي سخرها جعفر للاستفادة من آلة القتل هاته. اشتر جعفر ولاء كل الوحدات التابعة للقوات البحرية بالكثير من المال ووعده لهم بالمزيد من الثراء بعد الانقلاب على الملك زاهد الثاني و مبايعته ملكا شرعيا لمملكة جوبا، حينها سيزيد من عدد السفن والمجندين وسيغزو مناطق جديدة لتوسيع حدود البلاد إلى ما وراء البحر شرقا من حيث كانت تأتي السفن المحملة بالحرير والتوابل وإلى الجنوب من حيث كانت القوافل تأتي محملتا بالذهب والعبيد والجواري. رأى جعفر في استياء الشعب من الأوضاع المعيشية المزرية وانتشار الجنود في كل المناطق بأعداد كبيرة فرصة للبدء في تنفيذ مخططاته وقام بعملية إنزال بري في إحدى الليالي باتجاه العاصمة التي كانت تبعد عن الشاطئ مسيرة أربعة أيام، كان جعفر يدرك جيدا خطورة الوضع إن لم تنجح قواته في دخول العاصمة والقضاء على الملك، فلا مجال للخطأ ولا يجب ترك شيء للصدفة، فهكذا أوصى معاونيه قبل بدأ العملية، كانت الخطة تقضي بإرسال الجنود على دفعات متنكرين في هيئة تجار بعدد من الأحصنة والعتاد على أن تتمركز كل دفعة في نقاط متباعدة مسيرة يوم واحد عن الأخرى ليتجمعوا في آخر نقطة حتى يتمكنوا من إراحة الأحصنة وتجنب استنفاذ العتاد وتزعزع وحدة الصف في مواجهات مع الفرسان وقوات المشاة التابعة للقصر في الطريق إلى العاصمة. في فجر اليوم السادس كان الثلاثة عشر ألف جندي أمام الأسوار المهيبة للعاصمة حيث قصر الملك زاهد الثاني، رجل في الأربعين من العمر تولى الحكم في سن الخامسة والعشرين من عمره بعد وفاة والده، عمل على الحفاظ على استقرار المملكة وحماية حدودها منشغلا بذلك عن الخروج في حملات عسكرية لتوسيع امتدادها وإنشاء مستعمرات على غرار أسلافه الذين حكموا البلاد، إنه الجيل الخامس للعائلة الحاكمة، منذ أن تأسست المملكة على يد جده سلطان الأكبر ضلت هذه المدينة التي بنيت في منطقة جبلية كثيرة الماء والخصب على عكس المناطق الشرقية القاحلة حصنا منيعا يحفظ حرمة العرش ضد أعداء طامعين في الحكم والثروة، صمدت أمام جيوش كثيرة ووفرت الملاذ الآمن أيام انتشار الأوبئة وها هي اليوم تواجه موتا ضل يعمل لسنوات على تحضير جرعته القاتلة في صمت، فقد انتشرت قوات البحرية على طول المدخل الرئيسي وعلى أطراف المنحدرات الجانبية لأسوار المدينة لإغلاق كل المنافذ وانتظار تعليمات الضابط جعفر، علم الحراس بما يجري في الخارج وأعلنت حالة استنفار بثت الذعر والفوضى بين السكان العزل الذين فروا إلى المخابئ المعدة لمثل هذه الأوقات العصيبة، هرع القائد أكرم مع عدد من الحرس الخاص إلى القصر وهو يعطي تعليماته إلى الجنود باتخاذ مواقعهم والاستعداد لمواجهة عدو كان بالأمس درعا دفاعيا وكلت إليه مهمة حماية سواحل المملكة وأقسم على الوفاء بالعهد والتضحية بحياته في سبيل ذلك لكنه اليوم ورم وجب استئصاله. يتبع...