ضل أرياز يوم مراسيم تنصيب الملك الجديد خارج أسوار المدينة يتنقل بين خيام القادة الذين كلف بخدمتهم و السهر على راحتهم بزيه العسكري الجديد الذي يُظهر منصبه الذي نصب فيه بعد ما أبان عن كفاءة عالية في حمل السلاح و الفنون القتالية و إظهاره استعداده لخدمة السلطة الجديدة، كانت عيناه تتفحص الجميع و آذانه تلتقط كل الحوارات التي دارت بين أصحاب المراتب العليا في الجيش محاولا معرفة كل ما من شأنه أن يساعده في تحسين أدائه لمهامه حتى يتمكن من الارتقاء إلى مناصب عليا تمنحه فرصة الاطلاع على أمور ذات أهمية،توالى دخول الوفود القادمة لتأدية قسم الولاء إلى قاعة العرش حيث جلس جعفر على عرش المملكة و إلى جانبه ساعده الأيمن القائد تمَّام الذي نُصب كقائد عام للجيش و مستشار الملك في الشؤون العسكرية، عُزل بعض الولاة و تقلصت صلاحيات البعض كما نصب ولاة جدد في مناطقة أخرى بعد إعادة تقسيم المناطق و رسم الحدود الإدارية، أعفي عدد من قادة الجيش من الخدمة العسكرية و كلفوا بوظائف أخرى توزعت بين مالية و أمنية و استخباراتية لحماية مصالح القصر و حفظ النظام داخل المملكة، قال البعض أن كل هذا كان مجرد استعراض للقوة و حرية التصرف في كل شيء من الملك، أما آخرون فقالوا بأن الملك يريد إجهاض كل التحالفات الممكنة بإضعاف أصحاب النفوذ في مختلف المناطق بتفكيك تجمعاتهم و مصادر ثرواتهم و أهم من كل هذا؛ إسقاط هيبتهم و مكانتهم في عيون الرعية، رعية كانت بعيدة أم مبعدة عن كل ما كان يجري حينها، فمسعود صانع الفخار كانت رجله لا تتوقف عن تدوير العجلة و يداه ترقصان على كثلة طينية بلا شكل و بلا هوية لتحولانها إلى شيء ذا قيمة ومنفعة، أما نائلة فكانت تجمع قطع القماش مع بعضها لتجعل منها سترا و فخرا، شيء يستحق إنفاق المال من أجل الحصول عليه، الفتى فراس كان يحمل الماء على ظهر دابته من بئر الساحة العامة إلى بيوت كانت رباتها تسهر على نظافتها و التفنن في الطبخ لإرضاء أذواق ساكنيها، كان عمار في المزرعة يشق للماء طريق في التراب بمعول تطلب صنعه وقت و جهدا في دكان سامي الحداد و قبله عمل رجال في مناجم المنطقة الغربية، كل هؤلاء و غيرهم من الرجال و النساء الذين أنجبوا صناعا و فلاحين و جنودا، واصلوا العمل من دون توقف تدفعهم العزة بالنفس لبذل المزيد من الجهد، فالكل كان يرى في العمل مصدر دخل للعيش بكرامة غير مدركين أنهم ينتجون ثروة بلد تُسيل لعاب انتهازيين لا يدخرون جهدا لاحتكارها.
مرت الأشهر الأولى في عهد الملك جعفر و اعتاد الناس أشياء كثيرة كانت بالأمس القريب أشياء لا يمكن التعايش معها، اعتادوا أيضا غياب أشياء لم يكن أحد يتصور العيش من دونها، لكن ضل الحديث عن حرب الخيانة و تولي الغرباء مناصب عليا في البلاد كما بدأ، يولد في القلوب حسرة و حنين لأيام ظنوا أن الحياة كانت تأخذ فيها مسارها الطبيعي، أناس ينتهون كما بدأوا كبارا و آخرون كان لموتهم صوت أقوى من وجودهم، أجيال من نفس العائلات تعاقبت على تولي مناصب محددة، حرف امتهنها الأجداد و الأحفاد، حياة يتحرك فيها الإنسان كقطع الشطرنج. لكل واحد نطاق حركة بقدر السلطة التي يملك، اتفقوا على أن هذا قاسم مشترك بين العهدين لكن تعلقهم بشخصيات بعينها جعل من الأمر يبدوا و كأن به اعتلال أو خلل، رغم أن القصر استحدث مجلس الشكوى لمراقبة تصرفات موظفي المملكة مع الرعايا - كانت له مكاتب في الأسواق تسجل فيها الخروقات و التجاوزات في حق العامة - إلا أنه ضل يكدس الأوراق و ينمق كلمات العزاء، حتى أن بعضهم قال بأن هذه المكاتب فتحت لاستدراج المتمردين عن قانون المملكة الجديد لتتبع حركاتهم بعد أن تكررت مضايقة بعض من تقدموا بشكوى ضد موظفين و أعيان لم يكن أحد يعلم طبيعة مهامهم و حدود صلاحياتهم، كل ما كان يعرفه الناس عنهم هو ألقابهم و بأنهم يملكون ختما من القصر، رغم أن الجيش فتح معسكراته لتدريب أبناء الفقراء للالتحاق بصفوفه إلا أن الجميع ظلوا حذرين و يترقبون، كان أرياز مسؤولا عن تعليم الملتحقين الجدد مبادئ النظام و العمل الجماعي قبل تعليمهم حمل السلاح و المبارزة، فهكذا جاءت التوصيات الصادرة من القائد تمَّام التي شدد فيها على نيته بناء قوة عسكرية متكاملة. لم يتوقع أرياز نفسه يوما يقدم خدمة لأعدائه تزيد من قوتهم، فمن أجل بقائه قريبا من صانعي القرار كان عليه تقديم أفضل ما لديه ليحافظ على مركزه.


يتبع...