الطريق أمامه بلا نهاية ... أما البداية فراح يبحث عنها فى دهاليز عقله ...
أنفاسٌ أخيرة يلفظها عزيزٌ عليه ، وأمٌّ تبكى فتنعكس دموعها فى مرآة عينيه فتترقرق دموعه تشاطر دموعها ملحمة الوداع ..
وجدّةٌ تترجم له حوار اليمامتين اللتان حطّتا فوق كوّةِ بالجدار تستعملها الشمس لتنساب من خلالها وتفترش السرير فى وقت الأصيل من كل يوم ...
كوب اللبن ذو الرغوة الغنية مختلطاً بأنفاس كل صباح ، والآثار التى يخلّفها على شفتيه وصوت الطقطقة الطفولية التى يصنعها بعد كل رشفة ...


وخيمته التى صنعها من أسمال الأسرة فوق سطح الدار الطينية والتى كان يعتكف بها جُل يومه بين الكتب والأوراق والأقلام ،و شمس الشتاء الدافئة التى تصطحب معها أنواعاً من الطيور تحط فوق سطح الدار لتلتقط من الحب الذى يحمله معه دائماً وينثره أمام خيمته ..
الهدهد هو طائره المفضل .. وأما الديك الأبيض فهو صديقه المنزلى الذى يصاحبه من لحظة خروجه من البيضة إلى أن يقضى أجله .. فقد حرّم على الأهل لحم الديك الأبيض ..


وأعيرةٌ نارية تزغرد فى سماء القرية تعبر عن فرحة أهلها بسياسىّ ترك كرسيّاً ليقفز لغيره قافزاً معه الجهل والفقر ليكوّنا دعامتىّ عهده ... ، والشيىء الوحيد الباقى هو بؤس الأشقياء الذين ملأوا السماء قرقعةً ليباركوا قاتلهم وسارق أقواتهم ...
ثُلّةٌ من التابعين يحيطون بالسياسى العظيم عند كل زيارة وطلّة مباركة منه للقرية ، يدورون فى فلكه ويصطفون فى حضرته يتسابقون لإعلان فروض الطاعة والولاء .. منهم من يرش الماء أمام قصره أو يهذّب زهور الحديقة أو يحمل صوان الشاى للضيوف ...
منهم من ظل واقفاً بباب خدمته لبضع سنين ، ويعمل اليوم كفرد أمن فى إحدى منشآت سيده أو كساعِ أو عامل نظافة .... ولكنهم يظلون دوماً جنوداً أوفياء للسيد ...

أيادٍ تتصافح وفى العينين جليدٌ مكتنز فلا يشعر بحرارة التصافح إلا الكاميرات ..

وصاحب الشرطة الذى غرّته عصا التنفيذ الغليظة فراح يركل بها مؤخرة من لا حول لهم ولا قوة .. يتسامح مع الأقوياء من سلطة أو مال ، ويمارس طقوسه على الضعفاء ...


وصاحب المنبر مهيب الركن جهورى الصوت ... يقبّلون يديه وطرف جلبابه ويتمسّحون بعتبة داره وبحماره الأعجف ويقدّسون عصاه التى يطرد بها الأرواح الشريرة التى تسكن أجساد أهل القرية البائسين اليائسين الجاهلين ...


وفتيةٌ عارضوا الحزب بالنهار وبالليل صاروا أعضاءاً به فاعلين ...
أصدقاءٌ يجتمعون ويدخنون التبغ ويتحسسون أحلامهم بين سحائب الدخان .. يقهقهون تارةً ، وتارةً يبكون .. يثورون ثم بعدها يهدأون ...


وعجوزٌ لف رأسه بمنديل وانكفأ بفأسه على الأرض ، والشمس تتساقط عليه قطعةً تلو قطعة ...يأتى المحصول فلا يأكل منه ويختطفه من بين يديه صقرٌ حكومى ويقذفه إلى رحايا تطحن للآخرين ...



وعجوزٌ يجلس القرفصاء كحجرِ على قارعة الطريق يهبه المارة الخبز والتبغ .. فرّ من جحيم داره البائسة إلى طرقات القرية البائسة علّه يجد بؤساً مختلفاً عن بؤس داره ..

وعجوزٌ يرتدى جلباباً قاتماً لا يشبع أبداً من الرقص بعصاه الأزلية .. قالوا عنه يعاشر جنية تأتيه كل ليلة بصحاف من لبن وعسل وحشيش .. يستيقظ عند الفجر فيؤذن ويصلى ويموت ...

وسجينٌ تسافر عيناه من خلف القضبان وتهبط به إلى جوف الدار .. زوجه وعياله حول مائدة الفتات يقتاتون فلا يشبعون ، والذى زجّ به إلى السجن ظلماً متخمٌ بصنوف الخمر واللحم طفق يشحذ أنيابه لينقض على المرأة التى لا تجف دموعها فيفترسها فى غياب العائل والبعل ..

وقلوبٌ تئن فى ليلها تنتظر الغائبين يعودون ...
وحجارةٌ تُقذف فى وجه مساكين قالوا عنهم مجانين ...

و راحلون وراء كسرة خبز ... يروحون ويجيئون ، والشىء الوحيد الذى لا ياتى معهم هو الخبز ...
وعائدٌ من الخليج .... احتسى الخليج خمراً حتى الثمالة ثم استفاق ليجد نفسه على أرض مولده بلحيةِ كثة وبطنِ مترهلة بكرش تنوء لحمله الجبال ... لم يصدق أنه فى مصر إلا عندما رأى قدرة فول على عربة تتجول أمامه ...

و حالمٌ خلع نعليه وعقد كفيّه على ركبتيه وقبع على عتبة داره ... يشرد فى أحلامه التى لا تتحقق .. ودارسٌ أنهى دراسته وينتظر أن يكون لائقاً فى إختبار المحترمين ...
وواقفون فى طابور الخبز وطابور الملح وطابور الصبر وطابور الذل ...

و ضفيرةً لجميلة تقضى الليل تجدلها وتقضى النهار بين دجاج الدار وبهائمه قابعةً فى زنزانة الحرمان لا تعرف شكل النهر ولا طعم الحب .. تتسمّع إلى تسابيح الطير من بعيد .. سجنتها عقيدة رجل ينتمى إلى الجاهلية الأولى ... كلما ضمّها الليل تحمد الإله على أنها مرت ليلةٌ دون أن تكون مؤودة الرمال ...
والريشة المراهقة التى خطت لها رسالة زرقاء أشعلوا النار بها .. ، وأما عظام صاحبها لم تلتئم بعد ، ولكن الجرح الأعمق هو ما أصاب روحه الخضراء ...


الطريق أمامه بلا نهاية .. وأما البداية فقد أسدل الستار على ..
جثامين أحبة ، ودموع ودماء ، ويمامتين خرساوين ، وقدح قد أسن ، وخيمة ممزقة ، وهدهد يأكل النمل من لحمه ، وديك أسود ، وأعيرة نارية اخطأت صاحب الكرسى ، وخرافٍ وعبيد ، وعصا غليظة ، ومنبرٍ محترق ، وفتيةٍ تائهين ، وثورةِ تحت الرماد ، وفلاحين جوعى ، وحجرٍ يهبه الناس التبغ ، وعجوزٍ يرقص مع جنيّة ، وسجين وذئب وشاة، ودماء تسيل من مساكين ، وعائدين بلا خبز ، وثملٍ لا يفيق ، وحالمٍ بلا أحلام ،وطوابير لا تنتهى ، ومؤودةٍ تناجى الطير من تحت الرمال ، ورسالة زرقاء خضبتها الدماء ، وقريةٍ تأكل نفسها ، وشاعرٍ قصف يراعه عندما أعجزته الحقيقة ...

أغلق ضلفتى بابٍ عتيق على كل هذا لحين العثور عليه ..
الحب ... تاه فى الزحام ...