اعتصر بشفتيه المظلمتين سيجارته ثم سحب منها نفسًا يفوق حجم رئتيه، قبل أن يجيب على سؤال السجين الجديد؛ مما جعله يبدأ حديثه بالسعال:

– تسألني كيف انتهى بي الأمر هنا، تسأل كيف تحول الرجل المسكين إلى سجين، كيف ينتهي بالمتعلّق بالحياة إلى الميت خلفها وخلف القضبان والأحلام. في ذات صباح خرجت لعملي لا أحمل سوى أملي بالحياة والنقود، كانت الحياة تسير على خُطى الأمس حتى أتى يوم مختلف، يومٌ واحد كان بحجم عُمر؛ حينما داهَمَتْ ابنتي وللمرة الأولى مقر عملي الذي لا تعلم عن طبيعته شيئًا باستثناء أنني أعمل بذلك المبنى الضخم المُتخم بالبائسين، أتت لاهثة تعدو باحثة في الوجوه البائسة عن وجه مألوف، وجه اعتاد على الصمت الطويل على السمع والطاعة وانتظار فُتات بقايا العيش التي تسقط من أيدي السادة. وصلت إلى مكتب الرئيس فوجدتني هناك جالسًا بجوار قدميه أمسح حذاءه، علمتُ حينها بأن خطبًا جللًا قد وقع؛ سألتها بقليل من الصوت:

– أي خبر سيئ تحملين؟

لم تنطق بكلمة، سارت نحوي وقد علقت الكلمات في صمتها حتى أصبحت أمامي وكأنها أرادت أن تتأكد مما رأت، اقتربت أكثر حتى جلست بجواري وأخذت تحدّق بالحذاء لتنعكس صورتها وصورتي عليه. انتفضت فزعًا حين مسح رئيسي على شعرها الأسود ثم أخرج بتفاخر من جيبه حفنة من النقود ووضعها في يدها المرتعشة، كسر الفزع صمتها وقالت وهي تحدق بي عبر الحذاء:

– مات أخي.


قاطعهُ السجين الجديد محاولًا ملاطفته بعد أن انتابه الأسى:
– لا بأس يا صديقي، ستنسى كل هذا فيما بعد ستـ…


أكمل سرد قصته ولم يأبه لمقاطعة السجين الجديد له، لم يعرهُ انتباهًا؛ وكأنه كان يحدث نفسه. كان يرغب بالحديث فحسب، آلمه كثيرًا صمته الطويل، لبث بالسجن ما يقارب العام لم يقصص قصته تلك لأحد، كان يُسأل في بداية الأمر ولا يجيب إلا بالصمت؛ حتى قرر الجميع ألا يسألوه مجددًا ومن حينها أصبح هو من ينتظر السؤال فلا يجده، كان قرارهم بالنسبة له حكمًا آخر بالسجن، بسجن البوح خلف قضبان الألم، كاد أن يقتله الصمت لولا سؤال الرحمة الذي أطلقه ذلك السجين الجديد. أكمل قصته بعد أن رفع يديه أمام عينيه وكأنه في حالة دُعاء:
– كفنته بيدي هاتين ثم دفنته، لم تكن المرة الأولى التي أدفنه؛ فقد سبق وأن دُفِن، جعلته يعمل عامل بناء رغم أنه أخبرني بحلمه في دراسة الطب، دفنت جثمانه مع أحلامه وشبابه. في ذلك اليوم المشؤوم، سقط من أعلى المبنى الذي كان يعمل على بنائه لحساب أحد الرؤساء المترفين، قالت ابنتي يومها بأني اخترتُ لأخيها عملًا خطرًا يتوجب به الصعود للأعلى واخترت لنفسي عملًا لا يتطلب أكثر من النزول للأسفل.


توقف مرة أخرى عن الحديث ليمسك بسيجارته ويمتص منها نفسًا ولكنها أبت؛ فقد ذابت بين إصبعيه ولم يبق منها شيء. وضعها هنيهة نصب عينيه ثم رمى بها بجوار حذائه وسحقها به، حدق بحذائه بعمق وأكمل حديثه وكأنه يقرأ منه ما يقول:
– لم أستطع العيش أمام نظرات ابنتي لي، كانت تتهمني تلك النظرات بقتل أخيها. بعد موت ابني ماتت أشياء كثيرة حولي وأنا كنت ضمنها. حتى زوجتي جفت تمامًا، لم أعد أتذكر كيف كانت حين تبتسم، شحت كلماتها، كان الصمت يعتاش على دمائنا.

أعطاني رئيسي إجازة من العمل لأسبوع؛ ليقضي عليها الصمت، حتى البكاء هجرني وكأنه يعاقبني وكأنهم أرادوا لي جميعًا ألا أتحرر من ذلك الحزن الذي خيم على صدري وأطبق عليّ بشدة حتى أصبحت متلهفًا لانقضاء ذلك الأسبوع السحيق لكي أخرج لعملي وأزاول مهنتي كسابق عهدي ويمضي الوقت سريعًا.

أتعْلَمُ يا صديقي: لا تفرط بكرامتك يومًا؛ لأنه لن تعاد لك الكرّة لاستعادتها. إنها كالعمر: إن رحلت لا تعود. حاولت استرجاع كرامتي باليوم الأول للعمل بعد انقضاء الإجازة؛ فاعتذرت لرئيسي عن مسح حذائه، قَبل ذلك بصدر رحب وقال لي كما تشاء، لم يكن يعلم بأن ذلك يخالف ما أشاء، كنت أريده أن يرفض وأن يوبخني لأنقض عليه بالجمل التي جمعتها وأعددتها مرارًا وتكرارًا لهذا اليوم طوال مدة إجازتي، قتل كلماتي قبل أن تولد، قتل رغبتي بالانتقام قبل أن تبزغ. عدت لمطبخي منكسرًا لأُعدّ قهوة المدير ونائبه وشاي الموظف والموظف الآخر والآخر والآخر…
وفي الصباح التالي أحضرت للرئيس قهوته، وحين وضعتها على مكتبه وجدت (الحاج أسعد) بالأسفل بجوار قدميه يُلمع حذاءه؛ فصرخت في وجه الرئيس:
– هل أخذ مكاني؟
رمقني بنظرة متعالية مستغربًا وأجاب مختصرًا بـ”نعم”.
رميتهُ بالقهوةِ الساخنة في وجهه وانهلت عليه بالضرب صارخًا للحاج أسعد:
اهرب يا حاج قبل أن يقتلوا ابنك.