الطفل الغريق.jpg

لم يكن لتلك الصورة أن تخلق هذا التأثير , لو أن كلاب المصائب استحت قليلا , بيد أنها تعودت أن تأكل في الولائم وفي الميتات ومجالس العزاء , لا يفرق بينها الذي يرقص طربا أو يشق الجيوب حزنا وهلعا , في النهاية لابد أن تظفر بكمية وافرة من اللحم والعظم وتهز أذيالها وتمضي الحياة ياعزيزي . كلنا لصوص في التذاكي وتصنع الشفقة وكسب المتابعين واستعراض المأثورات والقيم النبيلة في قلبه . ريما أكون أحدهم إن لم تداركني رحمة ربك ولأني بدأت بنفسي فأنا حقير لأستعطفكم وأكسب ثناءكم على مقالي الحقير هذا ولا أبرّيء نفسي الأمارة بالسوء . الوضع خطير خطير فقد اختلط الحق بالباطل وظهر الزبد على الأرض وامتلأت الدنيا بالمهرجين والطبالين ومروجي الأكاذيب . العالم ابن العاهرة فجأة اكتشف أن له قلبا ينبض وأن مثل هذه الصورة قد حركت مريم العذراء في قبرها وزلزلت تمثال بوذا في التبت , والمسلمون الخائبون يمسحون دموعهم من اللحى . مولد وصاحبه غايب على رأي أحمد عدوية. الكل يستفيد ماخلا الضحية . فهو سيبقى ضحية . ربما ليمنح بضع مئات من اللاجئين البائسين حياة كريمة افتقدها , ولم تمنح له أو يعطى اختيار . الهاربون والناجون والميتون غرقاَ عرف العالم بقصتهم والطفل الذي أصبح أيقونة كمثل ذلك الطفل الصومالي الذي يدب على الأرض وينتظره نسر جائع ليموت ليداوي جوعه . والطفل الفلسطيني ( محمد الدرة ) الذي قتله الصهاينة الطيبون , نعم طيبون فإنني عرفت لم العرب شعب يجب أن يباد , لسبب بسيط أن بأسهم بينهم شديد وتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى . اليهود الطيبون لم يقتلوا من الفلسطينيين كما قتل الفلسطينيون بعضهم بعضا , ولم يقتلوا من السوريين كما قتل السوريون بعضهم بعضا وكذلك المصريون وبقية شعوب العرب الداجة على سطح المعمورة .

الصورة التي جعلت قلب أوربا المريض يصحو ويبكي دما , ليست جديدة ومثل هذا الطفل الذي مات ميتة نظيفة أي والله مات نظيفا لم يُبحث عن أجزاءه وجدوه على الشاطيء بكامل أناقته , لم تُكشف عورته ولم تخرج أمعاؤه حتى لم يفقد حذاءه لم يكن هذا الطفل الأول فقد سبقه آلاف مؤلفة من الأطفال الذي لعبت بهم براميل بشار وكيماويه ورشاشاته وزبانيته من الشبيحة والمرتزقة من حزب الله وغيرهم ممن يعلم ربك أي قضية هم يتاجرون بها . الصورة ليست جديدة في المضمون بل قد تكون أقل تأثيرا من ذلك الأب الذي يحمل جسد إبنته الصغيرة ويبحث عن رأسها . لماذا تأثر قلب الملاك الرحيم كاميرون وسمح لآلاف من السوريين بالإقامة بالجنة الموعودة بريتن . لماذا هزت ميركل كأس بيرتها وقالت : ثكلتني أمي إن لم أقف مع هؤلاء اللاجئين . لماذا ذلك الزنجي وذلك الروسي القذر أخذتهم العاطفة الإنسانية بهذه اللحظة . لماذا أدركت أوربا فقط الآن أن هناك أطفالا يموتون على البحر القريب من منتجعاتهم وأماكن لهوهم ؟
الشعب المغلوب على أمره بين طوائف الأحزاب ونار النظام وداعش يموت من أربعة أعوام . لماذا لم يتحرك القوم من بداية الأزمة , لماذا القذافي فقط تحرك الأوربيون الكذابين لإنقاذ الشعب الليبي من بطشه . هل لأن ليبيا يوجد بها ذلك السائل السحري الخالب الألباب ( البترول ) أم شيئا آخر لا نعرفه . هل يستحق بشار أن يموت كل أهل سوريا ليبقي على مؤخرته دافئة ورطبة على كرسي أبيه . لعنة الله عليه وعلى أبيه . بشراكم فقد قرر أهل سوريا أن يتركوا سوريا كلها للأسد ابن طنط أنيسة وجماعته من داعش وحزب الله بتاع العم حسن نصر اللات . فهل أحسنتم استقبالهم أم تركتوهم نهشا لكلاب المجر ورجال الحدود في النمسا واليونان وقناصة الشاطيء الفرنسي من يجيدون تقديم اللحم الأبيض للزبائن .
لم أجد أحدا لم يستفد من صورة الطفل الغريق فالكاتب كتب والرسام رسم والمذيع تكلم والخطيب خطب . حتى بشار الأسد سبب المأساة وضع الصورة على حائطه خلف كرسيه الوثير الذي ذهب ضحيته مئات الآلاف من السوريين وقال : إن من أغرقه هم من أخرجوه من داره وكأنه كان سيكفل له الميتة بالبراميل المتفجرة حيث لن يبقى من جسده الصغير أي معلم لصورة أو حديث للميديا . صورة ويالها من صورة أخرجت خبيئة النفوس المريضة فذهب الأكثرية لمهاجمة البلدان المجاورة والقريبة وقيل وقتها بأن برلين أقرب من مكة وأوسلو مرمى حجر عن المدينة . كلهم كاذبون يريدون المتاجرة بهذه الصورة لافرق بينهم وبين ذلك التاجر الذي أنشأ سوبر ماركت وأسماه ( تموينات الدرّة ) .
الضمير ميت من أربعة أعوام وليس الآن والطفل لو لم يمت قريبا من أوربا الحنون لما لفت الإنتباه وملايين الأطفال يموتون كل يوم لافرق بينهم والطفلة التي قتلها أبوها لأنها ذهبت إلى البقالة لتشتري حلوى أو طفل مات على يد طبيب يتعلم ويتدرب عليه . في النهاية هي ميتة والمنتفعون كثير , ولن يجرؤ أحد على البحث عن الأسباب التي جعلت هذا الطفل يهرب من بلده ويموت على الشاطيء , يضعون اللوم على الدول المجاورة أو على أوربا وحل القضية أبسط من ذلك بكثير اشتروا الكرسي من بشار أو اخرجوا كل السوريين من البلد وامنحوهم حق اللجوء . بدلا من أن نضع اللوم على الضحية كما يشير ذلك الجامي ببراءة الأطفال : ذنبهم على الشيوخ الذين أخرجوهم على ولي الأمر المنزه بشار . وكأن السوريين لم يقتلوا منذ أن كان نداءهم سلمية سلمية . سبحان الله لابد للفطرة المنتكسة أن تجد سببا لمصائب الطغاة وأدلة على براءتهم . لسان حاله لن يختلف عن غيره أتاجر بأطفال الآخرين لأضمن الغذاء والأمن لأطفالي .