Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: 1/2 ميت!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بلاد العاديين
    الردود
    302

    1/2 ميت!

    مدخل:
    هذا العالم مفخخٌ بكل الرزايا؛
    كُن لغماً، ولن يدوسك الآخرون!

    .
    .
    كل كلامٍ أمام حديث القلب يذوب، لا يبقى حينها للّغة مجالاً للتعبير. كيف تقوى بضعة أحرف على أن تقول شيئاً ما عن كل هذا الطوفان الذي يجتاح صدرك، عن الإعصار الذي لا يهدأ، وعن الأشياء التي لا تعرف كيف تقولها للآخرين. هذا الشعور الذي يلاحقكَ مراراً يقع في منتصف الإنسانية تماماً، تلك التي تخلّى عنها الكثيرون لأنه ليس لديهم على الأرجح ما يجعلهم على قيد الشعور، وهو الأمر الذي يجعل "الزومبي" حقيقة، أولئك الأموات الذين لم يعودوا للحياة، بل الأحياء الذين يعيشون كالأموات!

    ما القلب الذي تحمله قاعات المطارات، وأرصفة المشافي؟ كيف ترى كل هذه التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، ثم تستمر في الحياة بشكل عادي. لو كانت صالة المغادرة تحكي، لأخبرتِ الراحلين أن العودة شبه مستحيلة، وأن خطواتهم على صدر الإسفلت المضرّج بالحكايا ستمحوها إطارات الطائرات، ودموع الأحبة. ولو كانت غرف الإنعاش تحكي، لاحتضنت كلمات الذين يصمتون حين يلوذون بالسكوت ملجئاً أخيراً أمام وحش الموت الذي ينهش في الراحلين دون أن يوقفوه.
    يا لهذه القدرة الهائلة على احتمال كل هذا الوجع، دون البكاء. وحدها السماء تفعل ذلك لتواسي الأرض التي لا يعرفُ ساكنوها كيف لا يُدفنِ الذين ماتوا وهم على قيد الحياة!

    العاشرة عجزاً، كنت لتوّي خرجتُ من المشفى الذي ألِفَني وحفظتُه. العلاقة مع هكذا أماكن ليست علاقة عابرة مع راكبٍ تصادَف أن يجلس بجانبكِ في مشوار قصير بالتاكسي، أو أطراف حديث تبادلتها مع غريب جالسٍ على مقعد حديقة حين بادلته الابتسامات ثم مضيت.
    كل تلك الوجوه التي قابلتُها على مدار ثلاث سنوات كانت تحكي قصصها بلغة العيون، وكثير من البكاء، وكان الدمع أبلغ وسيلة كي يعبّروا عن عجزهم، ذلك الذي يجعل من الإنسان فاقداً للأمل، للعمل، للقدرة على فعل أي شيء سوى ما تسمح به عجلة الحياة في حركة القصور الذاتي الذي تمارسه على الجميع حين تبقى مصرّة أن "تمشي" دون أن يوقفها أحد. وحدها مئات الأحضان كانت فعلاً متاحاً وسط كل هذا العجز والدموع.

    كان يجلس على حافة الرصيف الذي تطأه أرجل المارة كما يفعل الأموات بأحلامه، والأموات هم أولئك الذين كانت إنسانيتهم على الحافة، ثم سمحوا لها أن تنتحر كي يتخلصوا من عبء الأشياء التي تُثقل قلوبهم. لم يكترث به أحد، كان يحتضن طفلاً هو حفيده على الأرجح، وكان يبكي. العجوز الستيني يعلمُ تماماً في مسيرة حياته الصعبة كم هي عزيزة دموع الرجال، وأنهم حين يريدون البكاء فإنهم يفعلون ذلك خفية لأن داخلهم لا يحتمل صورة أحدهم في المرآة يذرف الدمع بحرقة، ويعلم تماماً حُرقة الدموع التي يسكبها العجز على مُقلتي هذه الحياة اللعينة.

    موجعٌ ذلك السؤال الذي يرسمه أحدهم على جبينك حين يراك تبكي ليقول لك "مالك؟"، والإجابة قد لا تبدو مفهومة، لكني جازفتُ بالذهاب إليه لأقول له كلمات المواساة التي لا تُعيد الأحبة، أو تجلب الأموات إلى الحياة مرة أخرى. "أبوه مات، ومعيش أطعمي إخواته الخمسة، من وين بدي أشتريله دواء". الأسئلة التي لا إجابات لها أسهل من الإجابات التي لا تستطيع معها الرد ولا يبدو فيها الصمت تعقيباً كافياً.

    متى مرّ عليك آخر طبيبٍ يتألم لمرضاه ليلاً، ثم لا يستطيع النوم لأن أحدهم تُسحب روحه مع كل جرعة دواء تبدو سلّماً بطيئاً قبل الموت. أولئك الإنسانيون الذين تبدو قلوبهم كمعاطفهم البيضاء النقية، وتعرف أوردتهم وشرايينهم كيف تضخ كل ذلك الحبّ من القطعة الصغيرة التي تقع في رُكن صدورهم، الكبيرة في نفوس الآخرين.

    عبثاً حاولتُ أن أخبره أن حفيده الذي كان يريدني أن أوقف دموع جدّه سيكون بخير، وأن ذوي القلوب الجميلة ما زالوا في هذه الحياة، وإن لم يمنحنا القدر فرصة أن نتعثّر بهم أو يتعثّروا بنا. "كلكو بتحكوا هيك، إجوا ع البيت 20 مرة، شافوا أخته المعاقة وأخدوا تقارير حالته، بيوخدوا صور وبرجعوش. كلكو هيك، كلكو كزابين، كلكو" وكنتُ لا أعرف كيف يُمكنني أن أخبره أن "كلكو" لا تعني الجميع، وأن الوحوش الذين ارتبكوا جرائمهم بالكاميرات يتقنون التسول على آلام الناس فقط، وأنّ ثمة إنسانيين يعملون الكثير دون أن تراهم الكاميرات أو تكتب عنهم صفحات الفيسبوك. كنتُ أتفهّم رفضه لأن يخبرني اسمه فقط، كما كنتُ أتفهم دموعه التي كتبت على الرصيف دعوات من قلبٍ محترق على الظلَمة الغاشّين للرعية.

    ربما لا أعرفُ شعور أولئك المتخمين بهذه الحياة، ساكني البروج العاجيّة، الذين احتجبوا عن هذا الجدّ وحفيده، وآلاف مثله، لديهم وجع تفيض به قلوبهم، وتنهمر منه دموعهم. الذين يصنعون لأنفسهم حقّاً بالعلاج والأكل والشرب والسكن والحُكم والظلم والطغيان والتشبيح على حساب دهس كرامة الآخرين ممن لا واسطة لديهم إلا الله، الذين يستطيعون بسهولة النوم كل مساء وغيرهم ما زال يقظاً يدعو، ويبكي. ثمة لعنة فارقة في هذه الحياة، أن لا يستطيع طبيب أن ينام لألم مريضٍ واحد، وأن يتمكّن حاكم من النوم وشعب كامل لديه مريض!

    إلى ضابط المخابرات المصرية الذي التقيته لدقيقة ونصف: فاقدو الإنسانية لا أمل في شفائهم، لأن الموت لا شفاء منه، وأنتَ في أقل أحوالك ميت، لأن الذين يتخلون عن حياتهم بمحض إرادتهم لن يستطيعوا أن يعرفوا طعم الوجع اللذيذ. مزجَ بلال مرارة التعذيب بحلاوة الإيمان فهانَ عليه ذلك، وحين نمزج مرارة المرض بحلاوة بقائنا شوكة في صدوركم تهون الأشياء، خاصة حينما نعرف أنها بضعة سنين ونلتقي في الآخرة، وهذا شيء لا يعرفه أمثالكم.

    إلى صاحب المعطف الأبيض الذي لم يُشيّع إلى اليوم: ستبدو الورود جميلة دوماً ما لم يقطفها صوتك، والإيمان بالشفاء أول سلّمِ العلاج. أن تسلب إيمان أحدهم بأنه سيكون على ما يُرام فذلك يعني أنك لا تستحق لقب "الطبيب" ولا قلب الإنسان، وأن تمنح أحدهم ذلك الشيء الصغير جداً في روحه فكأنما أحييت أهله جميعاً، وهذا ما لم تدرسه في مادة الـanatomy حين أعطوكَ تشريح القلب.

    إلى رشا، الإنسانة قبل أن تكون أخصائية البصريات في مستشفى العيون بغزة: ربما لا تعرفيني، وأنا لا أعرف إلا إسمكِ الأول، لكن ذلك الألم الذي كان في قلبكِ أمام كل عاجزٍ عن شفاء عينيه، ذلك الإهتمام بأصغر التفاصيل، تلك النظرات التي تغرز بذور الأمل في صدور المرضى ثم تكبر على حين غرّة من هذه الحياة، وتلك الأسئلة البسيطة عن حُلم الذين تقرأين عيونهم بعد الشفاء، كل ذلك لا يقدّر بثمن، ولا تعرف الجامعات حتماً كيف تدرّسه للجميلات مثلكِ.
    حين أخبرتكِ عن ذلك الذي باع قلبه وأخبرني أن لا أمل من حالتي، قلتِ لي: كيف لنا أن نستمع للذين يكذبون حين يفشلون؟ الأمل هو ذلك الشيء الخفي الصادق الذي سيخبركِ دوماً أنكِ بخير رغم كل كذبهم، ورغم كل شيء.
    .
    .
    مخرج:
    لا تبع إنسانيتك، وإن ساوموك. كل الذين باعوا إنسانيتهم ماتوا قبل أن يُفارقوا الحياة.


    *مجاهدة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بجوار علامة استفهام
    الردود
    4,269
    شكر الله سعيكم ..
    هــ..كــذا !
    al-sakher@hotmail.com




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المكان
    في كومة من الغباء
    الردود
    151
    مجاهدة

    كوني بخير

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المكان
    سوريا
    الردود
    214
    مرحباً مرحباً

  5. #5
    كما أنتِ ..
    محبّتي يا جميلة ..
    ثمة لعنة فارقة في هذه الحياة، أن لا يستطيع طبيب أن ينام لألم مريضٍ واحد، وأن يتمكّن حاكم من النوم وشعب كامل لديه مريض!
    ..
    فالسّلامُ على ضَياعِك من دَمي .. سكتَ الكَلامْ *

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    بلاد الله ..الأردن
    الردود
    1,806
    التدوينات
    1
    على الرصيف دائما ما يستحق

    شكرا
    أقول وقد ناحت بقربي حمامة أياجارتا هل تشعرين بحالي
    khawlah aldariseh

  7. #7
    عبثاً حاولتُ أن أخبره أن حفيده الذي كان يريدني أن أوقف دموع جدّه سيكون بخير، وأن ذوي القلوب الجميلة ما زالوا في هذه الحياة، وإن لم يمنحنا القدر فرصة أن نتعثّر بهم أو يتعثّروا بنا. "كلكو بتحكوا هيك، إجوا ع البيت 20 مرة، شافوا أخته المعاقة وأخدوا تقارير حالته، بيوخدوا صور وبرجعوش. كلكو هيك، كلكو كزابين، كلكو" وكنتُ لا أعرف كيف يُمكنني أن أخبره أن "كلكو" لا تعني الجميع، وأن الوحوش الذين ارتبكوا جرائمهم بالكاميرات يتقنون التسول على آلام الناس فقط، وأنّ ثمة إنسانيين يعملون الكثير دون أن تراهم الكاميرات أو تكتب عنهم صفحات الفيسبوك. كنتُ أتفهّم رفضه لأن يخبرني اسمه فقط، كما كنتُ أتفهم دموعه التي كتبت على الرصيف دعوات من قلبٍ محترق على الظلَمة الغاشّين للرعية.

    وحده الله العالم.


    تحياتي لكِ
    ___________________________________________

    من كانَ غريبًا لمرةٍ واحدة في وطنه.. سيظل غريبًا إلى الأبد.!
    صراحة:



  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بلاد العاديين
    الردود
    302
    لماذا؟
    هذا المكان عزاء كبير ما زال سُرادقه لم ينفض بعد. آخر الأحزان إن شاء الله!

    مال
    سأحاول أن أكون بخير، لا أعدك.

    الضبع
    هل لا زال مكان الإقامة لك كما هو منذ 2009 أم تغيّرت الأمور؟ أهلاً بك.

    عائدة
    كما أنتِ، جميلة بالحد الذي أشتمّكِ عقب كل دعاء لأمي يا حلوة.

    خولة
    حين قلتِ أنكِ لو فكرتِ أن تكتبي شيئاً يستحق القراءة فلن تكتبي في الساخر، كنتِ تقولين ذلك بلسان الأغلب هنا!
    ولأن الساخر يستحق، سأكتب هنا فقط. محبتي.

    كاميليا
    تقول عائدة التي مرّت قبل تعليقين في توقيعها السابق .. الصوفي، العميق، الصادق "يارب .. إنتَ عارف"
    وإنتي عارفة يا رفيقة؛
    محبتي.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •