يجوب الشوارع وحيدا ليلا، الصمت يطبق عليها إلا من صوت خاطف لسيارة مارقة أو صوت بعيد لحيوانين تعيسين يتصارعان على أكل متبقي في صفيحة قمامة مهملة.
أنفاسه الحارة التي تتكثف أمامه في هيئة أبخرة بيضاء تتشكل في صور بوهيمية لا معنى لها، مجسدة ما يجيش في نفسه من صراعات.
قبضته التي تنفتح و تنغلق تباعا متزامنة مع صوت خطواته الذي يزداد حده كلما تقدم، و قطرات العرق التي تنبت على جبينه على الرغم من برودة المساء الشتوي هذا، تشي بما يقبض صدره و يشغل تفكيره.
المطر الذي ينزل متسارعا لا يستطيع أن يهدأ من فورة أعصابه.
بعد كل هذا العمر و كل تلك القدرات لم يستطع أن يحقق أي نجاح يذكر.
من فشل إلى فشل دون فقدان الحماس كما يقول أحدهم.
تمسك بهذا القول و كافح و نافح حتى وصل إلى اقتناع تام بأنه يعيش حياة روتينية مثل ملايين البشر الآخرين، رغم أنه ليس مثلهم من الأساس !!

***

يمر سريعا بجانب معرض للسيارات الحديثة.
تتراص أحدث الموديلات في طريقة أنيقة، مخلفة هالة من الجمال الذي لا يمكن ألا يلفت الأنظار إليه.
يخطو سريعا متخطيا واجهة المعرض الزجاجية، و لكن يلفت نظره شئ.
يقف ثم يتراجع ثلاث خطوات إلى الوراء ليرى هذا الشئ، يراها بمعنى أصح؛ تلك العربة التي لطالما تمنى اقتناءها.
هذا الحاجز الزجاجي لا يقف فقط بينه و بين أحد أحلامه في الحياة، كلا !! بل يقف أمام كشف مواهبه التي قد تغير مجرى حياة العالم بأكمله.
يأخذ نفسا من الهواء يكتمه ثم يخرجه بزفرة مكتومة.
كاد أن يتحرك عائدا إلى بيته، مغلقا الطريق أمام تلك الأفكار الشيطانية التي تعبث برأسه، و لكنه لم يستطع تلك المرة
"فلأفعلها هذه المرة و ليحدث ما يحدث" هكذا حدثته نفسه.. و هكذا فعل !!

***

مد يده بمنتهى الهدوء
غير عابئ بنظم الأمن الإليكترونية التي تحمي المكان برمته
فرد كفه على اللوح الزجاجي أمامه
مركزا نظره على السيارة التي لا تراوده أفكار غيرها الآن
يبدأ الزجاج بالتشقق قليلا
و سرعان ما ينهار !!

يدخل بمنتهى الهدوء
يفتح باب العربة و يركب
يأخذ نفسا عميقا مرة أخرى
و يضع يده على مكان التشغيل الذي يفتقد مفتاحه
ينظر مرة أخرى بتمعن إلى عدادات السيارة
التي تضئ تزامنا مع اشتعال المحرك
يخرج النفس في تؤدة
ثم يتحرك بالسيارة بمنتهى الهدوء خارجا من الواجهة المحطمة
متحديا المدينة بأكملها، بل العالم بأسره
كان يعرف أن ما يفعله ضربا من الجنون
و لكن أيضا لا يوجد جنون أكثر من موقفه في هذه الحياة.

***

تسلى و هو يتمشي بالسيارة بتحويل إشارات المرور، و إضاءة و غلق أنوار الأعمدة و يافطات الإعلانات
كان يعرف قدرته الخارقة على التأثير و تحويل المسارات الكهربائية
جسمه القادر على اختزان الشحنات و إطلاقها
و أشياء أخرى كلها متعلقة بطاقة الأشياء
التحريك عن بعد و كل تلك الأشياء البسيطة الأخرى من وجهة نظره
نوع من الأسلحة البشرية التي حلم بها كل كتاب الخيال العلمي يجسدها هو دون أن يعرف أحد
حافظ على سره طويلا
سره التي اكتشفته والدته يوما و حافظت عليه هي الأخرى
و لكن بعد أن توفت والدته، و رفضته حبيبته، و غُلِّقَتْ جميع الأبواب في وجهه
لم يعد يهمه شئ حتى أن يفتضح أمره الذي دائما ما حافظ عليه
كان يعرف أن المواجهة حتمية ..
و كان لا يدري ماذا سيفعل حقا !!

***

تغلق سيارات الشرطة الطريق أمامه في رتل متكدس
يقف قبالتهم على بعد عدة أمتار بمنتهى الهدوء
هل يواجههم ؟؟
أم يكتفي بتسليم نفسه لهم ؟
هل سيلاحظون ما فعله و كيف قاد السيارة بدون مفتاح
أم أنهم لا يدركون مدى مهاراته ؟؟
كل تلك القوات و الاستعدادات، إذن هم يعلمون جيدا مع من يتعاملون.
"فلنلعب سويا إذن !!"

بتركيز بسيط
يقوم بتكسير و تفجير جميع كشافات الإضاءة في عربات الشرطة بتتابع عجيب
"لتدركوا جيدا مع من تتعاملون !!"
ثم يغلق محرك السيارة
و يترجل منها بمنتهى الهدوء ليقف عاقدا ساعديه أمامهم في تؤدة
يصوبون أسلحتهم في اتجاهه في توتر
يبدأ لعبا بسيطا
يقتلع الأعمدة حولهم و يقذفها عليهم
يعدل اتجاه طلقاتهم فلا تستطيع إصابته
ينهكهم جميعا بدون أن يستطيعوا النيل منه
خيل له أنه سيحكم العالم لو استمر هكذا
بدأ يتعب
تستنفذ قواه
ما اختزنه من طاقة و ما تولد لديه من كراهية تجاه وضعه أوشك على النفاذ
كان يحتاج إلى أي مصدر يستمد منه طاقة بديلة
لو تحرك و فقد تركيزه لنالوا منه بالتأكيد
أخذ يفكر و قطرات العرق تزداد على جبينه
المطر أم العرق هو ما يُغشي رؤيته
المطر ..
المطر
ينظر إلى السماء
البرق يضيئها و صوت الرعد يصم الآذان
لم يفعلها قبل ذلك
هل يتحمل جسده الفاني هذا الجنون

يمد يده ناحية السماء
يركز بأقصى طاقته
و يحاول أن يجذب صاعقة لتشحن قواه
هل يتحمل فيصبح لا يقهر أم ماذا يحدث ؟
مهما حدث فلن يصبح أسوأ مما سيلحق به لو وقع في أيديهم
يصرخ صرخة مريعة و يده تفتح على اتساعها
لتنجذب الصاعقة بالفعل ليديه
تتوقف الطلقات
تتسع الأعين على آخرها مما تراه أمامها
ذلك المشهد الأسطوري
الشاب الواقف أمامهم و عامود الطاقة النازل من السماء يسري في جسده الذي يتوهج أمامهم
يستمر الوضع لدقيقة
يزداد توهج جسمه
يغشى العيون لون أبيض ثم ينفجر كلفح حرارة في وجوههم
لينتهي الموقف بتوقف المطر و اختفاء الشاب !!!

هل كان هذا حلما ؟؟
أعمدة الإضاءة المتناثرة حولهم و عرباتهم المكسرة دليل أن هذا لم يكن حلما !
.. كابوسا على الأرجح
و تم التخلص منه !!