Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1

    Lightbulb مستودع القراءة.!



    ابن السّلطان الضّالّ



    حين ارتفع السلطان المحمودي فوق الأعناق كانت له مواصفات ثلاث يجب أن تجتمع لكل سلطان: قاض يأتمر بأمره، وأثر يخلد ذكره، وابن يرث عرشه. وكان "الصارمي إبراهيم" هو الوريث والمشكلة في ذات الوقت.


    وقف أمام أبيه. لم يحضر اجتماعهما إلا القاضي "ابن البارزي". الشخص الوحيد الذي لم يكن يفترق عن السلطان ولم يكن يخفي عليه سراً. قال الصارمي دون أن يأبه بوجود القاضي:

    - لقد نويت أن أتزوج يا أبي.. استبشر السلطان خيراً. استعرض في ذهنه بسرعة كل الأمراء الذين لم يكن ينوي خنقهم في المدى القريب وهو يتساءل.. بنت من منهم تصلح لأن تكون زوجة للصارمي. ولكنه واصل القول كأنه يقرر حقيقة لا رجعة فيها:

    - سأتزوج "عائشة" بنت تاجر القماش في الموسكي.

    وصرخ السلطان على الفور:

    - رقبتي دون ذلك.

    كان القاضي والسلطان فزعين. وظل الصارمي هادئا. كان السلطان يعرف منذ وقت مبكر أن ولده يهبط إلى حواري القاهرة. يجلس في مقاهي الغورية. ويشاهد "المحبظتية" في بركة الفيل ويلاعب الفتوات والعياق. كان يعتقد أنها نزوة. حالة من الملل يعاني منها من يعيش طويلا وسط أروقة القصور. فالهبوط للحواري لا يليق بأي مملوك فما بالك إذا كان ابن السلطان، قال الصارمي وهو يستعد للانصراف:

    - إذا لم أتزوجها فلن أتزوج أبداً.

    وانصرف. واستدار السلطان صارخا:

    - ماذا أفعل يا قاضي القضاة.هل أضعه في السجن حتى يفيق..

    قال القاضي بفصاحة:

    - وهل تريده أن يكون أكثر عنداً. قربه من الحكم ورقِّه. اجعله مقدم ألف.

    كان المنصب لا يزال أكبر منه. ولكن السلطان كان يريد من العامة أن يخافوا منه. لا أن يألفوا إليه. فطن السلطان فجأة إلى أن الزمان قد استطال وأن الصارمي قد كبر.

    أصبح "الصارمي" مقدم ألف. لبس الزرد وتقلد السيف. وظل متباعداً عن أبيه. انشغل بمماليكه وبلعب الكرة مع الرفاق. وأهداه السلطان جاريتين واحدة سوداء وأخرى بيضاء ولكنه أعادهما إلى أبيه دون تعليق.

    ثم جاءت أيام الطاعون.

    لعنة مختبئة في شقوق أرض مصر من أيام موسى فرعون. تستيقظ فتحول الناس الذين عاشوا طوال عمرهم تحت الشمس إلى حيوانات مرعوبة تختبئ في الظلام تغمر أجسادهم بالقروح السوداء وتجعل شعرهم دائم التساقط وتحول الأظافر إلى ما يشبه المخالب. وفور أن أعلن عن ظهور أولى بوادر الطاعون أصدر السلطان أوامره فهبط جنوده على الأسواق وصادروا كل ما فيها من ثمار "اللارنج" وهو ثمرة لاذعة الطعم تشبه البرتقال. كان الأطباء قد أكدوا للسلطان أن التهامه هو وسيلته الوحيدة للنجاة من مخالب الطاعون. بعد ذلك أغلقت أبواب القلعة وأعلن المؤيد أنه لن يقابل أحداً ولن يلمس أحداً وسوف يقتصر نشاطه فقط على التهام اللارنج.

    ولكن إبراهيم الصارمي فعل غير ذلك. أخذ المماليك الذين تحت إمرته وهبط بهم إلى الحواري كدأبه دائما. بدأ يواجه الطاعون. طاعون المرض وطاعون الناس. هاجم مخازن التجار وأخرج المؤن التي كانوا قد أخفوها حتى تباع بأعلى الأسعار. ثم بدأ يخلي البيوت ويحرق الجثث ويطهر أماكن المرض بالجير الحي. لم يكن يهدأ طوال النهار. وكان في الليل ينام على الأرض أو على ظهر جواده. بدأ المماليك الذين خلفه في التساقط ولكنه لم يتراجع. أحرق جثثهم وجثث خيولهم. كان يمرق في المدينة مثل حلم غير آبه بلمسات الموت الأسود الغادرة. يقتحم أشد أحياء المدينة فقراً وتعاسة. يحمل الغذاء للأحياء. والجير الحي للموتى.

    وفي ذات ليلة رقد وهو يهذي باسم عائشة. كانت هذه هي لحظات ضعفه الوحيدة. وتجمع الفقراء. أحاطوا بالمسجد الذي كان ينام فوق إحدى حصائره وهم يتساءلون في حسرة: ماذا يحدث بعد أن يدفع الصارمي الثمن؟.. ولكن الصارمي لم يمت. استيقظ مع ضوء الشمس. كانت المدينة هادئة. لم يرتفع فيها عويل جديد. ولم تلق في طرقاتها جثة متفحمة. تراجع الطاعون أمام الصارمي. دفعت المدينة الثمن غاليا. ولكنها نجت كما تعودت أن تنجو ودخل الطاعون شقوق الأرض ونام حتى يأتي الأوان.

    فتحت القلعة أبوابها. كان السلطان قد أتى على آخر ثمرة من اللارنج وما زال يرتعد، ظل يرفض مقابلة الصارمي لمدة ثلاثة أيام حتى تأكد تماما أنه خال من المرض. كان شاحبا وهزيلا كأنه مات وبعث في التو. هتف به السلطان غير مصدق:

    - كيف فعلت هذا بنفسك. كيف أضعت نضارتك وسط حواري الحرافيش؟..

    قال الصارمي: وهل كنت تريد أن تحكم شعبا من الموتى؟

    واستدار لينصرف فجأة كعادته. ولكنه توقف ليقول قبل أن يخرج:

    - لا تقلق من مسألة زواجي. ذهبت عائشة. أخذها الطاعون فيمن أخذ.


    المجد للسلطان. والحزن للصارمي

    إن كل شيء يبدأ بالحلم وكل حلم هو ضرب من الخيال. ولكن حلم المؤيد تحول إلى حقيقة مؤكدة. كان مملوكا صغيراً عندما تمرد ووضعه السلطان في سجن "خزانة شمايل" الموجود بجانب باب زويلة. كانت زنزانته مفروشة بهشيم عظام الذين سبقوه. وجدرانها مغطاة بعرقهم وعطنهم. وأقسم المحمودي وهو في قمة يأسه أنه لو أنقذه الله من هذا المكان فسوف يهدمه ويبني بدلا منه مسجداً، ولأن الأيام لا تلد إلا كل غريب فقد تحقق حلم السلطان ووقف يشرف بنفسه على عملية هدم السجن.

    الجدران سميكة ومتماسكة. المعاول تهوي فينبعث الشرر وتتصاعد رائحة العفونة ثم تكشف عن جوف السجن المظلم. عن جدران الزنازين السوداء بها عليها من عطن وما في شقوقها من فئران وأوبئة. عن مخلوقات غريبة يبهرها ضوء الشمس. وتنتفض أجسادها حين تشم الهواء النقي.

    وعندما اكتملت عمارته لم ينس أن يسرق الباب الرئيسي من مسجد السلطان حسن. والمنبر المنقوش من جامع قوصون. ثم جمع الأعيان والأمراء وهتف في قاضيه المفضل ابن البارزي:

    - قد جعلتك خطيبا لهذا المسجد..

    وقف القاضي ينادي للصلاة واصطف الجميع انتظاراً لأن يتقدمهم السلطان. ولكنه لم يتحرك من مكانه. بقي مقيداً في جلسته مربد الوجه وآلام المفاصل تعصف به.أعاد القاضي الأذان دون جدوى وزأر السلطان كأنه أسد حبيس ولم يبال به الصارمي. هرع الأمراء. حملوا المقعد الذي كان السلطان يجلس عليه. أشار لهم أن يصعدوا به إلى القلعة. واستقبلته جموع الناس في الخارج وهم يهتفون فيه في شماتة. صاح أحدهم:

    - اهبط من على رقابنا يا سلطان..

    زام السلطان وشرع الجند السياط ولم يتراجع الرعاع. هتف آخر:

    - إعط الصارمي العرش يا سلطان.

    وأشرع الجند الرماح ولم تهدأ الصيحات الغاضبة من باب زويلة حتى القلعة. كانت أشد وطأة عليه من آلام المفاصل. كلهم عرفوا بعجزه فاستأسدوا عليه. صعد الأمراء به السلالم الحجرية إلى الحريم فصرخ يأمرهم أن يتجهوا به إلى قاعة العرش. أجلسوه عليه ووقفوا جميعا بين يديه. دبت في نفسه بعض الراحة وخف الألم. كلهم حفروا خلفه حتى القاضي. الوحيد الذي لم يبال بمأساته هو إبراهيم الصارمي. الوحيد الذي كان في حاجة ماسة إلى ولائه في هذه اللحظة. حدق في الأمراء بغضب فارتعشوا.. كانوا يتساءلون على من منهم سوف يلقي السلطان ذنب آلام مفاصله ويقوم بخنقه؟..

    لم تنفع دهون التمساح التي جاءت من السودان. ولا زيوت الهند. ولا "لبخة" أعشاب وادي النطرون. صرخ في الأطباء أن ينفضوا من حوله. وتقلب في سريره وحيداً. كل يوم يحملونه من الفراش إلى العرش. ومن العرش إلى الفراش. النهار مؤلم والليل أشد ألما.ولم يأت الصارمي. جاءت قهرمانة القصر بعد أن يئس الجميع. قالت:

    - رجل مثلك لا تلزمه دهون. إنما تلزمه امرأة..

    ثم جاءت بجارية لم ير السلطان مثلها. نضرة كالفجر ومع ذلك تجيد كل فنون العشق. لمسته فبدأ صدأ السنين الذي تراكم على مفاصله في الذوبان. انبعثت من خلايا نفسه رغبة حارة أنهكتها الطموحات. انسربت حياة جديدة من جسدها الغض إلى جسده الهرم. انبعثت من قطرات العرق الساخن. تلاطمت الدماء في العروق الواهنة فانتفضت وتقلصت. ألما ومتعة. عاد السلطان صغيراً ورقدت المدينة تحت قدميه صغيرة أيضا ومرتجفة. هكذا يستطيع أن يحكمها إلى الأبد..

    ولكنه ذات يوم رآها تطل من النافذة التي تشرف على ساحة القلعة. كان مسترخيا فوق سريره عندما أحس فجأة أنها ليست معه. اكتسى وجهها بوهج من نوع خاص وبدا في عينيها بريق نافذ. تتطلع في استغراق إلى الخارج كأن هناك شيئا قد أخذ كل مجامع جسدها إلى الخارج. خيل للسلطان أن خلاياها كلها تتحفز للانطلاق. نهض ونظر إلى حيث تتطلع. كان هناك إبراهيم الصارمي يروض أحد الجياد. عاري الصدر. يمسك عنان الجواد في يد. ويمسك سوطا في اليد الأخرى والجواد يصهل ويرفع قوائمه إلى أعلى فتتحفز كل عضلات الصارمي وهو يشد عليه ويقترب من رأسه فتختلط أنفاسهما معاً وتخرج منهما رائحة نفاذة من العرق الحي. ولم تفطن الجارية أبداً أن السلطان واقف أمامها يتطلع إليها.

    قال القاضي ابن البارزي:

    - وقع المحظور وتآلفت قلوب العامة من حوله فأرسله بعيداً عن موطن الفتنة.

    كان السلطان في حاجة ماسة إلى نصيحة القاضي.

    وأعلن في المدينة كلها أن "الصارمي" سوف يخرج على رأس "تجريدة" لقتال أمراء الشام الذين خرجوا على طاعة السلطان. كان الخبر مفاجئا. والأمراء بعيدون وأقوياء بحيث يجب أن يخرج لهم السلطان بنفسه حتى يحدث وجوده الرهبة في نفوسهم. ولكن الصارمي قبل المهمة دون مناقشة وبدأ يختار الذين سوف يرافقونه في التجريدة. اختار المماليك الذين رافقوه أيام الطاعون لأنه أدرك أن الموت أصبح مستعصياً عليهم.

    إن للصارمي أموراً غريبة. لقد بدأ العامة يتطوعون لمصاحبته. الرعاع الذين كفوا عن القتال منذ أن خرجوا مع السلطان قطز لمحاربة التتار. استيقظوا فجأة وقرروا أن يشاركوا الصارمي. توافدوا على ساحة القلعة وهم يحملون السيوف الصدئة وقضبان الحديد والسلاسل والعصي. أعداد بلا حصر. معظمهم حفاة لا يركبون شيئاً.

    ثم خرجت "التجريدة" وعلى رأسها الصارمي. وظل السلطان يراقبهم بوجه جامد. لم يلتفت الصارمي إليه، ولى جواده إلى قلب المدينة فخرج العامة إليه يحملون سعف النخل والورد والرياحين وظلوا يودعونه حتى أول الصحراء. وفي المساء جلس السلطان. وجلست إليه الجارية وعلى وجهها علامات الانكسار. قال لها السلطان:

    - هل عاشرت إبراهيم الصارمي؟..

    قالت: كنت محظية من محظياته.

    فلم يعد قادراً على الاقتراب منها بعد ذلك. أحس أن الصارمي لم يرحل بعيداً. بقي يلاحقه. في عيون العامة كأنهم يتهمونه. وفي كلمات الأمراء وهم يداهنونه. جميعهم كانوا يعرفون في صمت وتواطؤ أن التجريدة كانت مأساة وأن السلطان قد أرسل ابنه وجزءاً من جيشه في مهمة انتحارية لا عودة منها..

    لكن للصارمي أموراً غريبة. فقد استطاع بجيشه الهزيل أن يقتحم أسوار "صفد" وحملت النجابة الرسائل إلى القاهرة فلم يصدقها السلطان. كان متأكدا أن "التمرغا" أمير صفد مقاتل شرس لا يستسلم بسهولة. فما الذي جعله ينهار أمام جيش جله من الهواة. أخفى السلطان الرسائل وحجز الرسل في مكان أمين. ومنع مدافع القلعة من الانطلاق كعادتها عند أي بشارة وعادت آلام المفاصل تلح عليه. ولم تخفف الجواري من آلامه شيئا. كأنهن جميعا كن يعانين من برودة غياب الصارمي.

    قال القاضي للسلطان محاولا أن يطمئنه:

    - مازالت هناك حمص وحلب ودمشق. سيعود مخذولا وسينفض عنه العامة ولن ينال منك إلا بقايا فتات العرش.

    ولكن حمص - عليها اللعنة - سلمت هي أيضا مفاتيح أبوابها.

    كان إبراهيم قد تخلق بطلا رغما عنه. وكان يجب أن تسقط حلب ودمشق لأن للصارمي أموراً غريبة.


    العشاء الأخير للصارمي

    شم الناس رائحة الصارمي قبل أن تعلن أخبار عودته. وسمعوا وقع سنابك جواده قبل أن يظهر قادماً من ناحية الصحراء. خرجوا يستقبلون جيشه الغريب. أكثره من الفلاحين والرعاع وأقله من المماليك. جيش كبير لم يألفه أحد. أصاب كل أمراء الدولة الكبار بالفزع. حملوا محفة السلطان وهبطوا به أسفل القلعة ووقف يستعرض الجيش المنتصر. كان جيشا خشنا بلا أبهة ولا بهرجة. أعلامهم بقايا من مزق الملابس وأسلحتهم متنوعة من كل المواقع التي اقتنصوها منها. كان وجه الصارمي جامداً. أكثر سمرة مما يليق بمملوكي. تباعدت الملامح بينهما ولم يعد أي منهما يشبه الآخر. توقف الصارمي أمامه وحنى رأسه ولم يستطع السلطان النهوض كي يحتضنه ولكن مدافع القلعة أطلقت أخيرا وهلل الرعاع في فرح طاغ وقال السلطان:

    - سوف تكون أتابك عسكر الديار المصرية. أما الليلة فسوف أقيم لك مأدبة في القصر الأبلق.

    لم يبد على الصارمي أنه تأثر.. هل كان هذا الثمن أقل مما يريد؟. تراجع الصارمي واحتوته جموع الناس. تداخلوا في العسكر. وتداخل العسكر فيهم. وتحولوا إلى كتلة واحدة متشابهة الملامح. أقامت لهم المدينة طقسها الخاص وظل السلطان وحوله الأمراء وخلفهم البيارق يرتعدون في الفراغ الطلق.

    قال السلطان للقاضي: أنا خائف.

    وقال القاضي للسلطان: الجميع خائفون.

    قال السلطان للقاضي: كيف أتصرف؟.

    قال القاضي للسلطان: أنت سلطاني وأنا طوع بنانك ولكن ليس للمماليك إلا طريقة واحدة يتصرفون بها في مثل هذه الأمور.

    كانت المأدبة حافلة. حضر كل رجال الدولة أولا. ثم نقلوا السلطان على محفته وأجلسوه متصلبا وجلس القاضي بجانبه. وجلس الصارمي بعيداً وفي مواجهتهما تماما. يا لهذا الوجه الجامد المليء بالحزن. كيف تدهورت الأمور إلى هذه الدرجة؟.

    أقبل الغلمان يحملون صحاف الطعام. والجواري يحملن أباريق الشراب. ولم يأكل أحد أو يشرب أحد. ثم دخل غلام أسود. يحمل طبقا من البللور عليه فطيرة محشوة باللحم. الطعام الذي يفضله الصارمي والذي تعلم أكله في الحواري التي يهبط إليها. بدأ السلطان يأكل فأكل الجميع. ازدردوا الطعام في صمت وترقب. كان بارداً ماسخاً ما عدا فطيرة الصارمي التي كان البخار يتصاعد منها وهو يغرس فيها أصابعه.

    ثم توقف الصارمي عن الأكل. لفظ اللقمة التي كانت في فمه وحدق فيهم جميعا. حدق السلطان في ابنه. فتح فمه كأنه يريد أن يقول شيئا ثم زمه بعنف كأنه يكتم صرخة. حاول أن ينهض. سار مترنحا. حاول أن يهرب منهم جميعا حتى لا يروه ضعيفا منهاراً. ولكنه سقط على الأرض. وصاح السلطان وهو جالس في مكانه:

    - خيانة.. مؤامرة..

    وانتفض الأمراء. مسحوا أصابعهم في ثيابهم ثم هرعوا يحملون جسد الصارمي الذي كان ينتفض بشدة. صرخ السلطان يأمر بحضور كل الأطباء ولكن الأمراء ساروا بالجسد مبتعدين. اكتشف السلطان أنه أصبح وحيداً فصرخ يأمر الغلمان أن يحملوه وأن يسيروا به إلى حيث يوجد الصارمي.

    كان ممدداً على الفراش. تغمر جسده الأصفر الداكن موجات متعاقبة من التشنجات، يختلج وجهه بألم مُمِضٍّ وقاس. كانوا قد خلعوا عنه ثيابه حتى يتنفس بحرية. نظر السلطان إلى جسد الصارمي العاري. لم يكن يعتقد أنه نحيل إلى هذه الدرجة. كأنه طفل صغير. استعار هذه اللحية وهذا الشارب من وجه آخر. عظام الجسد بارزة. وعروقه نافرة وحركة الأمعاء داخل البطن لا تكف عن التقلص. ود السلطان أن يمد يده ويلمسه ولكنه لم يجرؤ.. هل يموت الصارمي حقا؟.. ما أسهل أن يغتال الموت هذا الجسد الصغير. فجأة أجهش السلطان بالبكاء. أمسك يد كبير الأطباء وهو يهتف به متوسلا:

    - أنقذوه..

    وجاء كبير الأطباء ووقف أمام السلطان وهو يقول في حزن:

    - نفذ قضاء الله. فليرحمه وليرحمنا جميعا.

    ذابت الشموع على أيدي الناس. ولم يهبط الجثمان إلا في الصباح. وكان خفيفا كأنه لم يعش يوما ولم يهنأ يوما. لا لمسة من العشق. ولا لحظة من الزهو. جاء الذين حاربوا معه وحملوا جثمانه. وجاء الذين صاحبوه والتفوا حوله. وظل السلطان فوق محفته بعيداً وعاجزاً. أخذوه إلى الحواري التي أحبها وتمهلوا في كل الأماكن التي تعود أن يجلس فيها وكبروا عندما تذكروا ضحكاته. وموكب السلطان يتبعهم صاغراً. حوارٍ لم يرها من قبل رغم أنه يحكمها. وأناس لم يشهد مثلهم رغم أنه يملك رقابهم. يرددون التكبيرات في حرقة. تعويذة تدفع عن نفوسهم انكسار الحزن. وعندما وصلوا إلى القرافة الموجودة في باطن المقطم وبدا القبر أمامهم فاغر الفم أخذوا جميعا يصرخون في لوعة: ما أفظع أن تدفن حلما وأن تبقى الشمس ساطعة ويبقى الكون قائم الأركان.

    ظل السلطان خافض الوجه. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه أو مصافحته أو تعزيته. كان مهدود الحيل. منكس الرأس. جلس منزويا في المسجد. وصعد القاضي ابن البارزي صديقه وصفيه إلى المنبر كي يخطب خطبة الجمعة وذكر قصة النبي عليه السلام عندما مات ابنه وذكر كلماته الأخيرة:

    - إن العين لتدمع. وإن القلب ليحزن. ولا نقول إلا ما يرضي الله.

    وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

    ورفع السلطان المؤيد رأسه وحدق في القاضي طويلا ثم هتف من بين أسنانه في صوت ممرور سمعه كل من حوله:

    - يغريني على ولدي ثم يندمني عليه. والله لن تفلت بها أيها القاضي.

    محمد المنسي قنديل

    ___________________________________________

    في هَذا الشِّتاء.. هلْ ستترك لنا الطائرات الحربية براحًا في السَّماء كي يمرُّ المَطر.؟


  2. #2

    عرب ما بعد السقوط



    نحن جميعا عرب ما بعد السقوط. منذ أن تهاوت آخر معاقلنا في غرناطة وفي كل يوم تنفتح في جلودنا ثغرة جديدة. تسقط مدننا من الداخ قبل أن تنطلق المدافع. وقبل أن يفكر العدو في أقتحامها. كنا نأخذ الجزية فأصبحنا ندفعها. وكنا نشحذ السيوف فتركناها صدئة على الجدران. وكنا نملك ناصية الخيل فهبطنا نسوسها. استباح الجميع أسوارنا فأصبحنا نعيش في مدن آيلة للسقوط.
    سمع محمد بن الغافل الأذان وهو يجتاز الأسوار، يسري في هداة الليل مختلطا بتأوهات الطيور. فيه شيء من الانكسار. الأسوار ترتعش ، والمدافع متأهبة. ورغم ذلك لم ير أحد الباب الصغير وهو يفتح وآخر ملوك غرناطة يخرج منه. كان ابن الغافل - عين عيون الملك - هو الذي يعرف سر وجود هذا الباب هو الذي يحمل حلقة مفاتيحه الصدئة.
    كان الباب صغيراً حتى أن الملك وحاشيته اضطروا للترجل ومروا أولا ثم مرت الجياد خلفهم وعلى مدى الأفق كانت جيوش " قشتالة" التي حاصرت المدينة طويلا كتلة من الظلام الرمادي. كانوا معهم على نفس الأرض دون أسوار. توقف الملك أبو محمد الصغير وتوقف خلفه أمه وزوجته وهما تتبادلان نظرات الكراهية كأنما لم يكفهما ما حدث. التفت الملك إلى المدينة التي تخلى عنها وبدأ يبكي. كان نشيجه هو الصوت الوحيد الذي يخدش صمت الفجر المهيب. وقالت الأم في صوت حانق:
    - ابك كالنساء، على ملك لم تصنه كالرجال.
    وأحس أبن الغافل فجأة أنه يجب ألا أن يتبع هذا الملك. كانت المفاتيح في يده والمدينة خلف ظهره، ومهما فعلت بها المدافع الإيطالية فلن يتبع هذا الملك. ملك مهزوم، قاد المدينة إلى الموت ولم يكف عن البكاء عليها. استدار ابن الغافل بجواده. لم يلتفت خلفه، ولم يعرف إن كانوا قد فطنوا إلى تراجعه أم لا.
    لم يعترض الباب الضيق على عودته ، واستقبلته غرناطة بنفس الصمت المرتجف. ترجل من على جواده ونزع خوذته وألقى سيفه. محا من على جسده كل شارات الملك السابقة ، وداعا يا بني الأحمر، هذه أيام الإسبان، ملوك قشتالة بسيوفهم وصلبانهم ، لن يفعل شيئا، كل ما في الأمر أنه لن يغادر غرناطة أبداً، ولن يوقن بشيء بعد اليوم.
    الناس يخرجون من صلاة الفجر منكسي الرءوس، والقناديل داخل المساجد تشع مثل شموس صغيرة مختبئة. فكر أن يدخل ويؤدي هذه الصلاة الأخيرة يودع بها كل الأيام الماضية ولكنه لم يجرؤ على مواجهة القبلة والمحراب ونظرات الشيخ الزبيري. لم يكن أمامه إلا أن يذهب إلى منزله ويجلس منزويا في أحد الأركان حتى يتقرر مصيره في ضوء النهار.
    وجاء الصباح يعري لحم المدينة الخانقة. فتحت غرناطة أبوابها ولم يكن أمامها إلا أن تفتحها. انهارت الأسوار التي صمدت على مدى 22 شهراً تحملت فيها الحصار والجوع ودوي المدافع. كانت المدافع الإيطالية الضخمة من طراز " لومباردو" قد جاءت عبر عشرات الطرق والجسور والموانع الجبلية. قادها المرتزقة من فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وقام بتمويل رحلتها كل يهود أوربا. كانت غرناطة تبدو كأنها لن تسقط أبداً. تدفق إليها عشرات الآلاف من سكان الأندلس يحاولون إنقاذ آخر المدن من السقوط والتمسك بآخر أهداب الحلم، ولكن الحلم الأندلسي تحول إلى كابوس. عجزت مدافع المدينة التي جاءت من دمشق عن رد المهاجمين، كانت واسعة الفوهات، تتقيأ البارود أكثر مما تقذف به. كانت معركة غرناطة محسومة مهما طالت المدة، فقد تساقطت كل المدن الأخرى وكفت جيوش المغرب عن عبور "العدوة" وأصاب الصمم آذان مماليك مصر. وبدت غرناطة بعيدة كأنها لم تكن.
    أصدرت مفاصل أبواب غرناطة وهي تفتح صوتا كالأنين، واندفع جنود قشتالة مثل الجراد. اقتحموا المدينة بدروعهم البراقة وأعلامهم الملونة ورائحتهم الثقيلة التي تشبه العطن. ثم اندفع القساوسة يرفعون الصلبان ويرددون الصلوات. ثم أقبلت الملكة إيزابيلا وبجوارها الملك فرناندو. كانت نحيفة وطويلة وشاحبة. عيناها لا تكفان عن الدوران في محجريهما، تحاولان تقدير قيمة الغنيمة التي حصلت عليها، والملك بجانبها ينؤ تحت ثقل الدروع التي يرتديها. أسد حبيس لن يرتاح حتى يفلت منها ويهدم المدينة على رءوس أهلها. التراتيل تعلو وشوارع المدينة خالية من سكانها. أغلقوا الأبواب وحاولوا ألا يروا وألا يسمعوا كأنهم ينفون عن أنفسهم وصمة السقوط. وصل الملك والملكة إلى قصر الحمراء. كان خاليا، فيه بهاء حزين. مازال يحمل شعار بني الأحمر الذين فروا هاربين "ولاغالب إلا الله..". كان القصر مغلوبا على أمره، وحمل القساوسة صليبا كبيراً من الفضة وصعدوا به إلى أعلى وثبتوه في مقدمة القصر حتى يراه أهل المدينة أجمعون، ويعلموا أن آخر الاحلام الأندلسية قد ماتت.
    في حضرة الكاردينال
    اقتحموا بيت ابن الغافل مع اقتحام المدينة. كان متأهبا، خبأ كل شيء ولم يعد هناك ما يدل على هويته. التف الجنود حوله وحاصروه برماحهم. وجوه غاضبة ولحى حمراء تتوهج وسط العتمة. كانت أسنة الرماح على وشك أن تنغرس في لحمه. تقدم أحد القساوسة وحدق فيه باشمئزاز قائلاً:
    - أنت مسلم نتن.. أليس كذلك..؟
    قال ابن الغافل: أجل، ولكن جدي الأول كان مسيحيا طيبا، ولابد أن جدي الثاني كان كذلك، ولا أعرف شيئا عن جدي الثالث.
    انفرجت أسارير الراهب عن ابتسامة متشككة وقال:
    فماذا أنت في أعماق قلبك؟
    قال ابن الغافل: إنني لا أؤمن بشيء، ولكن ربما استيقظت داخلي خلايا الإيمان التي ورثتها عن أجدادي.
    ظل القس ينظر إليه غير مصدق، ثم أشار له أن يتبعهم فتبعهم. ضوء الشمس قوي والهواء راكد والمدينة عفنة كأن بيوتها قد امتلأت بالقتلى. كان هناك من هم مثله، يتبعون الجند والقساوسة. لا بد أنهم رددوا نفس الكلمات وكذبوا ذات الكذبة. ساروا إلى ساحة المسجد الكبير وابن الغافل منكس الرأس، لايريد أن يتعرف على أحد ولا يريد لأحد أن يتعرف عليه. أوقفهم القس صفا واحداً وهو يهتف بهم:
    - سوف تنتظرون قدوم نيافة الكاردينال "خمينث".
    رفع ابن الغافل رأسه فرأى معاول الهدم وهى تهوي على مئذنة المسجد، ورأى عمالا آخرين يشدون حبلا يرفعون به جرساً ثقيلاً فوق قبة المسجد، وآخرين يواصلون محو الآيات المحفورة على الملاط. ثم خيم صمت مفاجئ، وخرج من باب المسجد قس آخر، بالغ الطول والنحافة يمتاز عن بقية القساوسة بعباءته الحمراء في لون الدم. سار ببطء يتبعه رتل من الرهبان. فكر ابن الغافل، لاشك أن هذا هو الكاردينال. نظراته ثاقبة كالصقر يسلطها عليهم يبحث في داخلهم عن ذلك المسيحي القديم أو المسلم المرتد.
    أشار الكاردينال فاندفعت من داخل المسجد مجموعة من الجنود يحملون أكواماً من الصحاف، ذخيرة مكتبة المسجد الكبير، نسخ القرآن والأحاديث والفقه والسير. ألقوا بها على الأرض وظلوا يوالون إخراجها من المسجد حتى صنعوا منها كومة عالية، ثم تقدم الكاردينال بنفسه وتناول شعلة من أحد الجنود وأضرم النيران في الكومة. ارتجف ابن الغافل. تلوت الأوراق وتصاعدت رائحة المداد المختلطة بالزعفران وخشب الصندل. تذكر آخر صلاة للجمعة، والمصلين بملابسهم البيضاء، والصحاف مفرودة أمامهم، وهم يتمتمون بالآيات في همس خافت فيتكون من جماع هذا الهمس ما يشبه حفيف أجنحة الطيور وهى تنطلق للسموات البعيدة. ألسنة اللهب تزداد اتقاداً والدخان تحرق خلاياهم والسناج يسود وجوههم، وهم جميعاً واقفون عاجزين عن الحركة، والكاردينال يحدق فيهم أكثر مما يحدق في النار التي تبدو كأنها لن تخمد أبداً.
    وأخيراً، بعد أن تحول كل شيءإلى سناج التفت الكاردينال إليهم. كانت النار قد عمدتهم وطمس السناج ملامحهم القديمة وقال:
    - ستنقلون من بيوتكم القديمة إلى بيوت أفضل، بعيداً عن أحياء المسلمين القذرة. سوف نساعدكم حتى تكونوا مسيحيين طيبين.
    ثم توقف أمام ابن الغافل، كأنه يحفظ ملامحه، ثم قال له في اهتمام:
    - ماذا كنت تعمل من قبل؟.
    كأن الكاردينال كان ينفذ داخل طويته. لم يقدر على الكذب، قال:
    - كنت عين عيون الملك.
    اتسعت ابتسامة الكاردينال:
    - سوف أتذكر هذا بالتأكيد.
    ورفع الصليب الفضي الذي كان يحمله في يده، وقربه من وجه ابن الغافل الذي أرخى عينيه حتى لا يقابل نظرات الكاردينال، ثم مد شفتيه ولمس الصليب البارد.
    راكب الأسد
    قال له الكاردينال:
    - آن لك أن تتزوج يا ألفونس. زواجك من إسبانية نبيلة سوف يحميك من خطر الردة.
    ووضع يده على رأسه يباركه فارتجف ابن الغافل. هذا هو اسمه الجديد. ومع ذلك فإن العالم مليء بالحمقى الذين لم يغيروا أسماءهم ولم يكفوا عن التمرد. صودرت بيوتهم ونقلوا إلى الأحياء الفقيرة وخطفت أولادهم ليتحولوا إلى شمامسة، وانتزعت الارض التي يملكونها والثروة التي يتاجرون فيها، ومع ذلك ظلوا يرفضون الانصياع والدخول في دين السادة الجدد. كان الكاردينال قد حرم عليهم أشياء كثيرة، حول مساجدهم إلى كنائس، وأغلق الحمامات، ومنع لبسهم للون الإليض وألغى كل بنود المعاهدة التي وقعها الملك الصغير- آخر الحمقى- مع الملكة المجيدة إيزابيلا، كان الكاردينال يبسط ظله على المدينة وابن الغافل يمشي في ظله. عبر المسافة الصغيرة من أن يكون عين الملك إلى عين الكاردينال. كانت المدينة مليئة بالكفار، والكاردينال كان صبوراً عليهم أكثر مما ينبغي. استدعى الفقهاء وأغراهم وناقشهم طويلا. حاول أن يقنعهم أن الله يقف دائما بجانب المنتصر، وما دامت المسيحية قد انتصرت فهي الحق. ولكنهم أخذوا يناقشونه ويفندون حججه، وهتف الكاردينال في حنق:
    - هؤلاء الأغبياء، إنني أتمالك نفسي في صعوبة ويجب أن ألجأ معهم إلى العنف. قال ابن الغافل: فلتناقش شيخهم " الزبيري " لو اقتنع فسوف يقتنع الجميع.
    كان ابن الغافل يتوق لأن يعلن الزبيري تنصره. لو فعل ذلك فسوف ينعدل ميزان الكون ويكتسب كل شيء شرعيته. أسرع الجنود فأحضروا الشيخ العجوز وبدأوا يناقشونه. كانت المسافة قصيرة جدا، خطوة يكفي أن يخطوها الشيخ فيصبح كاردينالا بدلا من أن يكون فقيها، ولكنه رفض. هبطوا به من بهو المسجد الذي أصبح كنيسة إلى القبو الواسع الذي بني تحتها منع عنه الطعام والماء. ثم بدأت عمليات التعذيب. رأى ابن الغافل أضلاع الشيخ وهي تعتصر، وجلده وهو يكوى بالحديد المحمي. كان العذاب أليما. لماذا لا يستسلم؟ لماذا ينتفض جسده هكذا ثم يسكن تماما؟.
    كان أهالي المدينة قد تجمعوا يطالبون بعودة شيخهم. أخذوا يصيحون في غضب، ولكن الكاردينال خرج إليهم وهو يقول: بشراكم. لقد رأى الزبيري حلما يدعوه للدخول في النصرانية، ورفع إلى السماء كما رفع المسيح.
    وصاح الناس في غضب جارف. تفجرت في داخلهم كل المرارات وكل قسوة الحصار. أخرجوا السيوف الصدئة والبنادق القديمة والسكاكين المثلومة واجتمعوا في حي "البيازين". أقاموا المتاريس واشتبكوا مع الجنود، ورأى ابن الغافل وجه الكاردينال ممتقعا وهو يطلب منه أن يعرف من هم رءوس هذه الثورة. كانت طاقة الغضب تعم المدينة كلها. حاصروا قصر الحمراء وطالبوا برأس الكاردينال في مقابل رأس الشيخ الزبيري. وظل الكاردينال مختبئاً في القبو حتى أرسلت إيزابيلا المزيد من جنود قشتالة.
    كان الرد رهيبا. تحول حي "البيازين" إلى بحر من الدماء، وقتل جنود قشتالة كل من وجدوه أمامهم دون تمييز. اختلطت جثث الشيوخ والأطفال والنساء. كل الذين عجزوا عن الهرب دهستهم الخيل، وأعلنت إيزابيلا أنه يجب تقديم كل رءوس الثورة إلى محاكم التفتيش. وازدادت سلطة الكاردينال، أصبح هو المفتش الأعظم الذي أنيط به أن يحمي حق المسيح على الأرض، وانتشر قساوسته في كل أرجاء المدينة يقبضون على أي أحد لمجرد الشبهة.
    صاحب السلطان كراكب الأسد، الناس تهابه وهو أدرى بما به. لا يذكر ابن الغافل من قال هذه الكلمات، ولكنها كانت تامة الانطباق عليه. لذا فقد قبل الزواج على الفور. كانت زوجته سمينة، كريهة الرائحة، بالغة العنوسة، ولكنها كانت تمت بصلة قرابة إلى المفتش الأعظم. قشتاليه أصيلة، لا تستحم إلا فيما ندر، وتأكل اللحوم نصف نيئة، وتكره الخضراوات والفاكهة وسماع أي كلمة بالعربية، فهل يمنحه هذا بعضاً من الأمان؟.
    كان ابن الغافل يعيش كابوسه اليومي الخاص وهو يخوض في أقبية محاكم التفتيش. كانت قد استطالت وتلوت كالثعابين تحت سطح المدينة. وفي كل يوم تبتلع أجساد العاجزين عن التواؤم الروحي ولا تلفظهم إلا موتى. كان مفتشه الأعظم يجد متعة خفية في عمليات القتل البطيء وهو يستمع إلى التأوهات والصوت الخافت لتكسر العظام أو يشم رائحة اللحم المحترق. كان ابن الغافل خائفا من أن يكون مصيره يوما ما على آلة من مثل هذه الآلات التي تفنن المفتش في ابتكارها.
    كان خائفا، ولكنهم لم يكونوا خائفين. هدأت الثورة داخل المدينة كي تبدأ في الجبال المحيطة بها. ثار أهالي جبل البشرة والجبل الأحمر، اعتصموا بمساكنهم وسط الصخور الوعرة. لم تكن مدافع "لومباردو" التي هزمت غرناطة قادرة على التعامل معهم. توجه إليهم جيش بقيادة أهم قواد قشتالة "الونثو دي إجيلار" الذي أثبت صلابته على مدى أربعين عاما في محاربة الأندلسيين. ولكن الصخور كانت في انتظاره، سلاح الأهالي الوحيد الذي وهبته لهم الطبيعة. انهالت على جيش "الونثو" ودفن هو تحتها. كانت ضربة هائلة لم تصدقها إيزابيلا فأرسلت زوجها فرناندو على رأس جيش أكثر قوة ولكنه لم يكن ليجرؤ على صعود الجبال أو مواجهة الصنخور، ولجأ إلى الأسلوب الذي يجيده: الحصار الشامل والطويل. كان يعرف أنهم يعيشون في هضاب وعرة، ماؤهم نادر وطعامهم قليل، وكان الزمن في صالحه. مات كل مالدى أهل الجبال من حيوانات، وجفت المياه الشحيحة ويبست الخضرة، كان الخيار أمامهم محدداً إما التنصير، أو عبور البحر إلى بلاد الإسلام البعيدة.
    وبعد شهور طويلة لم يكن أمامهم إلا أن يستسلموا. بدأت صفوفهم الطويلة تهبط من بين فجاج الصخور، نسور ذابلة تعاني من شظف الجوع، رفضوا التنصير وفضلوا السير إلى مصيرهم المجهول. وكان المفتش الأعظم سعيداً، وكان ابن الغافل مازال يسأل نفسه: وماذا لو تطامنوا ورضوا؟ هل كانوا سيتركونهم أم سيبحثون لهم عن حجة أخرى ينتزعونهم بها من ديارهم.
    نوع من التطهر
    ثم حانت لحظة الميلاد. خرج الطفل من رحم المرأة الإسبانية كالزهور تخرج من أرض سبخة. تولدت حياة غريبة من أجساد متنافرة. انحنى ابن الغافل ورفعه بين يديه ورغما عنه تمتم ببعض الآيات القرآنية، ثم فطن إلى أن زوجته تراقبه بعينين متفحصتين تحاول أن تقرأ حركة شفتيه. رسم علامة الصليب على صدره في ارتباك ثم خرج يعدو. أخفض رأسه إلى الأرض خوفاً من أن يقابله أحد قساوسة محاكم التفتيش فيقرأ أفكاره. شاهد نجوم السماء بعيدة، متألقة وغير خائفة. يا إلهى، كيف تخلقت هذه الحياة الجميلة، وكيف نبض بها جسد المرأة، وما هذه الغمغمات الخفية التي تدور حوله في الفضاء. ذكرى ضائعة، شيء ما تبدد واستعصى على الموت. نام على حافة النهر ثم استيقظ فجأة. تذكر التقويم القديم الذي رآه ذات مرة أمام الكاردينال قبل أن يحرق. اكتشف أنه قد حفظ منه معارج القمر وغرات الشهور. عرف يومها أنه في شهر رمضان فتعمد أن يأكل ويشرب أمام الجميع. كانت الخمر تقلص معدته ولكنه شربها، ولحم الخنزير يثير غثيانه ولكنه التهمه. ولم تغادر أيام التقويم مخيلته. نظر إلى السماء يبحث عن أثر القمر، ثم بدأ يعد على أصابعه كل الأيام التي توالت والأسابيع التي انصرمت. أيكون هذا هو فجر أول يوم من أيام العيد، وهذه الأصوات التائهة هي بقايا التكبيرات القديمة. كيف استطاعت هذه الأصوات الضائعة أن تقاوم الاندثار بعد أن انهار كل شيء.
    تسلل عائداً إلى بيته. كانت نائمة والطفل هاجع بجوارها وهو يبتسم. أي حلم يدور في رأسه الصغير، أتراه هو أيضا سمع نفس الأصوات. مد يده وحمله إلى صدره. سار به عبر الشوارع والساحات إلى الحارات الضيقة والأحياء القديمة. سار إلى حي "البيازين". انحدرت به الدروب، احتوته بيوت الحي المتلاصقة، أدخلته في رحمها. سمع نبض الأدعية وهي تسري في عروقه. نثار من الكلمات العربية البديعة المحرم النطق بها. رائحة الميلاد ودفء الأفراح القديمة. ثم سمع صوت التكبيرات. كان موقنا أنها موجودة وحقيقية، آتية من خلف جدران صخرية سميكة، خافتة وعذبة ومتواصلة. دار حول الجدران حتى رآهم أمامه جالسين- رجالا ونساء- في ثياب بيضاء، كما كانوا دائما وكأن الإسبان لم يوجدوا "الله أكبر كبيراً.. والحمد لله كثيراً.. وسبحان الله بكرة وأصيلاً " جلس وسطهم وهو يردد الكلمات دون وعي حتى فرغوا.
    التفتوا إليه. لم يتعرفوا على وجهه، أو ربما تجاهلوا هويته القديمة. قدموا له أطباق اللبن والعسل. وبدأ الطفل يبكي فهرعت إليه بعض النسوة وحملنه بين أيديهن وبدأن يهدهدنه. وصاحت إحدى النساء:
    - هذا الطفل المسكين لم يختن بعد.
    وقال شيخ عجوز يشبه الشيخ الزبيري تماما:
    - اليوم نقوم بختانه ونحتفل به.
    كان الطفل يصرخ والجميع يهللون في فرح وهم يرددون التكبيرات وكان ابن الغافل سعيداً. احتضن الطفل المرتجف وقد تطهر تماما، تطهرا معا، جديدان تماما. لم يدخلا هذا العالم الملوث ولم يسقطا خلف الأسوار، ولكن الوقت كان يمضي، ولحظات العيد تفر من بين أصابعهم. كان عليهم جميعا أن يخلعوا ثيابهم البيضاء وأن يكفوا عن الحديث بالعربية. وأن يعودوا إلى حياة الخوف في شوارع المدينة. انتهى الطقس كالحلم. وكان على ابن الغافل أن يحمل ابنه ويعود به.
    شوارع خالية. لا صوت إلا صوت قدميه وهما تتثاقلان فوق الأحجار البيضاء. كان الطفل نائما. ذهب الألم وحلت عليه السكينة. دخل البيت فوجدها متيقظة في أنتظاره. كان المفتش الأعظم بذاته يقف خلفها. حدقا فيه بنظرات وباردة. مدت يدها فأعطاها الطفل. اقترب المفتش ومد أصابعه الشبيهة بالمخالب وكشف عن جسده. تأمل آثار الختان وقال في صوت بارد:
    - كنت أعرف منذ البداية أن في أعماقك مسلما لا يستحق سوى الموت.









    محمد المنسي قنديل
    ___________________________________________

    في هَذا الشِّتاء.. هلْ ستترك لنا الطائرات الحربية براحًا في السَّماء كي يمرُّ المَطر.؟


  3. #3

    Exclamation


    الرحلة الأخيرة للمسعودي


    دفع الزنجي عصاه الطويلة في صدر المسعودي وهو يصيح فيه:
    توقف.. لن تخطو إلى المدينة قبل أن تدفع المكوس، فقط الزنوج يحق لهم دخول المدينة بالمجان.
    أخرج علي بن الحسن المسعودي آخر ما في جيبه من دراهم، قطعا من الفضة غير مضروب عليها أي اسم، كل ما تبقى من رحلته الطويلة، ولكن كان عليه أن يدفع أي شيء ليعود للبصرة، سيدة مدن الحزن، نخيلها المحترق يجعلها متشحة بثوب من الحداد الدائم، والناس في أزقتها منكسرة نفوسهم، يتلمسون طرقهم بين جثث معلقة، وروائح عفنة، وذباب طنان، وزنوج.. زنوج.. زنوج.. يختالون في الطرقات بعباءات من حرير، يضعون على جلودهم أغلى العطور، لعلها تخفي رائحة الفضلات الملتصقة بأجسادهم. يتحرشون بالنساء، يكبسون عليهن في أي وقت ومكان، سواء كن حرائر أو جواري. أصبحت البصرة ليست هي البصرة، فإلى أي مدى تغيرت بغداد؟ حين قرر الرحيل منذ أربعين عاما، كانت البصرة في أوج ازدهارها، والسفن التي تزدحم في مينائها قادمة من كل مكان، من سواحل بلاد الزنج حتى الصين، كانت البصرة هي مدخلهم إلى قلب العالم، إلى بغداد التي لا تهدأ ولاتنام.

    لكن المسعودي كان يستعد لمغادرتها بعد أن أحس أن زمنها قد انتهى، وأن عالمها الذي كان راسخا أصبح يميد تحت قدميه، حدث ذلك حين رأى القبة الخضراء وهي تتهاوى أمام عينيه، كانت القبة هي مركز بغداد، تظلل القاعة التي يحكم منها الخليفة عالمه الممتد، كان المسعودي يجلس مثل كل يوم في مدخل حي الوراقين، يكتب فصول كتابه "أخبار الزمان" والقبة شامخة أمامه، راسخة كالقدر المحتوم لبني العباس، تحيط بها الرايات السوداء، كل شيء كامل البهاء، دائم البقاء، كأن العباسيون سيكونون شهودا على قيام الساعة، ولكن القبة أصدرت صوتا بعث الرعب في نفوس الجميع، تشققت وتباعدت أحجارها المحكمة البناء، تفرقت بلاطات القيشاني الخضراء، تفتت النقوش المتداخلة، تحللت الجدران التي تحملها، ثم بدأت تغور إلى الأسفل، ارتطمت بالأرض في صوت هائل، ألقى المسعودي بالريشة والرقعة من يديه وظل جامدا مشدوها من هول الحدث وجسامته، أدرك أن هذه هي لحظة نهاية أخبار الزمان التي يدونها، نهاية دولة بني العباس، حتى بعد أن نجا الخليفة ببدنه، بدا واضحا أنه قد فقد قوته وسلطته ورهبته وديمومة سلطانه تحت الركام، استولى جنوده من الترك المجلوبين على مقاليد الأمور، فقد العالم ثباته، وجد المسعودي أن عليه أن يرحل، لم يستطع أن يبقى في بغداد بعد أن أصبحت مدينة باهتة توشك على الاختفاء.

    رحلة الأهوار
    على شاطئ نهر ابن الخصيب، واحد من عشرات الأنهار التي تتفرع من الفرات، كان هناك قارب ضخم في انتظارهم، يجلس على مجاديفه زنوج أشداء.
    تعجب المسعودي من قدرة الزنوج الذين يقومون بالتجديف، كيف يعرفون وجهتهم بدقة وسط هذه المصيدة من الأنهار؟ اشتدت الريح، أحس بجسده يرتجف رغما عنه، بعد هذه الرحلة الطويلة لا توجد إلا مياه الخليج المالحة، وبدأت العتمة تطغى على كل شيء، وبعد سير حثيث ظهرت لمحة من الضوء في نهاية الأفق، لسان من لهب منعكس على صفحة الماء، ثم بدأت العديد من المشاعل تبزغ من ظلمة الليل، صف طويل منها، كأنها أفق متصل من اللهب، بدأ المسعودي يميز السور الممتد، وهو يشق كتلة الظلام عاليا ومهيبا، هل هذه هي المختارة التي كانوا يحدثونه عنها، تلك المدينة الخفية التي يجلس فيها المتمرد الأكبر؟
    صاح ابن آبان يطلب من الحراس أن يفتحوا الأبواب، لا بد أنهم كانوا يحفظون نبرة صوته، فقد أسرعوا رغم الظلام بفتحها، وبدت خلفها وجوه الجنود السود وهم يقبضون على الرماح، كان المتمردون قد اختاروا عاصمتهم بعناية بعيدا عن سطوة الخليفة.
    كان المسعودي جائعا ومتعبا، ولكنهم واصلوا السير وهو بينهم، شاهد سلسلة من الأكواخ الخشبية المتتابعة، سكانها سود وعرب وأخلاط من البشر، نسوة وأطفال، أجسادهم ضامرة وعيونهم مليئة بالخوف، لم يكونوا جميعا محاربين، كان بينهم كثير من العجزة، والشيوخ، أجساد منهكة، أكلها الشقاء المتواصل، كانوا يجلسون نفس الجلسات المنكسرة، رءوسهم محنية، وعيونهم خابية النظرات. مازالوا خائفين، كل غريب قادم إليهم يذكرهم بدنيا السادة التي هربوا منها، يدركون أنهم يعيشون فترة مؤقتة من الحرية، كانوا رغما عنهم ينتظرون اللحظة الذي ستصل فيها جيوش بني العباس، جيوش السادة، لتدمر مدينتهم وتعيدهم لعالم العبودية من جديد.

    خليفة الزنج
    سار به ابن آبان إلى مبنى وسط المدينة، جدرانه الخارجية من جذوع النخل، وغرفه من السعف المجدول، اجتازا ممرات صفراء مائلة للخضرة، تضيئها مشاعل مرتعدة، ويقف فيها حراس من الزنج. وصلوا إلى قاعة صغيرة، وطلب منه ابن آبان أن ينتظر فيها حتى يستأذن له في الدخول إلى "علي بن محمد" خليفة الزنج.
    ظل المسعودي منتظرا، بالرغم من تعبه وإنهاكه، لم يكن يستطيع التغلب على فضوله ورغبته في اكتشاف ماهية هذا المتمرد الجديد، ولابد أن الخليفة قد لاحظ إمارات الحيرة التي على وجهه فقال له:
    - هل كنت تظن أن كل أتباعي من الزنج والسود، أتباعي هم كل الفقراء والمستضعفين، الزنج الذين كانوا يحملون السبخ وفضلات السادة، والعرب من اقنان الأرض الذين كانوا ينظفونها من الملوحة، ولا يأخذون نصيبهم من ثمارها، والفرس الذين بنوا هذه الدولة ثم انقلب الترك عليهم، كل هؤلاء انضموا إلي لنقيم عالما جديدا تعلو فيه كلمة المستضعفين، هل يمكن أن تكتب هذا في تاريخك، أم أنك فقط مشغول بتاريخ خلفاء بني العباس؟
    قال المسعودي بصوت متحشرج: لقد غادرت بغداد منذ زمن بعيد، ولم أعرف إلى أين آلت الأمور.
    - تركتها وهي غالبة وعدت إليها وهي مغلوبة، ماذا فعلت في رحلتك الطويلة هذه؟
    بلع المسعودي ريقه ولم يدر إلى أين يمكن أن يؤدي هذا الحوار، قال:
    - لم أفعل غير أنني طفت في أرض الله ثم سكت المسعودي مجهدا، والرجل يحدق فيه متأملا دون أن يظهر على وجهه أي انفعال، اكتشف المسعودي انه كان يحاول أن يبهره دون جدوى، كان واضحا أن العالم الخارجي لا يؤثر فيه، قال متسائلا:
    - فهل رأيت ظلما كالذي رأيته هنا في أرض السواد؟
    قال المسعودي: رأيت أن الظلم هو القاعدة والعدل هو الاستثناء.

    بذور التمرد
    أشار الخليفة فنهض الجميع وانصرفوا دون كلام، حتى ابن آبان وقف مترددا قليلا ثم انصرف وعلى وجهه علامات الحيرة، أشار ابن علي للمسعودي فجلس أمامه،ثم قال ببطء:
    ـ عندما كنت أنت تكتب تاريخ ولاية المستنصر، كنت أنا في قبو بأحد سجونه، وكان يمكن أن أتعفن فيه حتى الموت، لولا أن الرعاع والجوعى ثاروا في شوارع بغداد، واقتحموا السجون واخرجوا كل من فيها من سجناء، أقسمت ساعتها ألا أتيح الفرصة لبني العباس حتى يضعوا أيديهم علي مرة أخرى، قبل ذلك كنت شاعرا من شعرائهم، أتزلف إليهم بالقصائد في بلاط سمراء، فلم يجدني ذلك نفعا، كرهت الجميع، وبالأخص نفسي، لأنني استسلمت لهم طويلا، غادرت بغداد وأنا مشحون باليأس والحنق،قررت أن ألعب نفس لعبتهم، اخترعت نسبا شريفا بجلت به نفسي، وأعلنت من البحرين دعوتي لكل المستضعفين حتى يناصروني، أيقظت فيهم حلمهم الأبدي، حلم الإمام العادل، أنا لست خائفا من أن تكتب هذا في تاريخك، ولا أريدك أن تكون تابعا من أتباعي، ولكن أريدك أن تساعدني في المحافظة على هذا الحلم.
    قال المسعودي: وكيف ذلك أصلحك الله؟

    قال ابن علي: لقد حشد الخليفة المطيع لله كل مالديه من جيوش، سحبهم من الثغور والأمصار وحشدهم تحت قيادة أخيه الموفق للقضاء علي أنا ورفاقي، ولو دخل الروم بغداد اليوم فلن يجدوا من يقاومهم، ولكن الموفق أكثر عندنا من بغل، لن يسمح بوجودنا إلى جانب السادة، ونحن أيضا لا نريد أن نكون بجانبهم، كل مانريده هو وطن صغير نعيش فيه، سأترك لهم البصرة وسأقنع بالمختارة وبقية الأرض جنوبا حتى البحرين، أرض قفر، حرها قائظ، ولكنها خالية من كل أنواع السادة، فليتركوها لي، وليرحلوا، لقد مللنا القتال، كما مللنا الشقاء اليومي، أذهب للموفق وقل له ذلك؟
    قال المسعودي: وما أدراك أنه سيقتنع بكلامي؟
    - سيفعل ذلك لأنه لا يستطيع الوصول إلي، وهذه الأنهر تحميني من جيوشه، يمكنه أن يعلن للجميع أنه انتصر علي، وحاصرني في تلك البقعة المهجورة، ولن أعارضه في ذلك، سألزم الصمت، يكفيني ما حصلت عليه دون أي نية في التوسع، هل تقوم بذلك من أجل كل هؤلاء المضطهدين؟
    حمل المسعودي خرجـــه وخــــرج من المدينة، لــــم يـــتعرض له أحد،تركه الزنـــوج يمر، واصـــل السير على قدميه حتى تباعدت مزارع النخيل، بدت عند حافة الأفق رايات العباسيين السوداء على ضفة الفرات، ظهرت الخيام المتراصة بجانب بعضها البعض كأنها بلانهاية، في وسطها آلاف من السيوف والرماح منتصبة ومتقاربة الأنصال، تبدو كأنها تتهامس حول المعركة القادمة، وفي النهر سفن ضخمة مطوية الأشرعة، ولكنها تبدو متحفزة ومتأهبة، الآن فقط، أدرك المسعودي سبب خوف ابن علي من المعركة القادمة. ذكر المسعودي اسمه لأحد الجنود وطلب منه أن يقوده إلى الموفق، نظر الجندي إلى ملابسه المشعثة في ازدراء، ولكنه قادة إلى خيمة فاخرة في المنتصف، مصنوعة من قماش يقاوم الحريق، لم ير المسعودي مثيلا لها إلا في بلاد الصين العجيبة، كانت الخيمة من الداخل حمراء كالجمر، وكان الموفق بجسده الضخم جالسا وأمامه طبق هائل من فواكه كل المواسم، وقد أخذ من كل نوع فيه قضمة، نظر إليه المسعودي بهدوء يخالطه الازدراء وهو يقول:
    - أظنك تحمل رسالة إلي يا مسعودي؟
    قال المسعودي مدهوشا: أصلح الله الأمير.. كيف عرفت ذلك؟
    - عيوني التي لا تنام داخل البصرة هي التي أبلغتني.. رأتك ترحل مع قائدهم وتعود وحدك، ذكرت لي اسمك ووصفك والخان الذي حللت فيه فجلست هنا أنتظرك ؟
    وقف المسعودي حائرا لا يدري ماذا يقول، رفع الموفق أصبعه السمينة وواصل القول:
    - لا تنقل إلى شيئا أقل من استسلامهم غير المشروط...وحرق مدينتهم وعودة العبيد إلى أسيادهم. قال المسعودي: أعز الله الأمير، لم تبق لي شيئا، الرجل يطلب وهذه كلماته هو، وليست لي أن تتركه في حاله في تلك البقعة النائية من جنوب العراق، ويعد في مقابل ذلك آلا يتحرش بجند الدولة.. أو يحاول التوسع

    أربد وجه الموفق واعتدل في جلسته وهو يصيح:
    - أنت يامسعودي.. برجاحة عقلك وكثرة أسفارك.. جئت تحمل لي هذا الكلام الفارغ، أي دولة هذه تلك التي تترك قطعة من أرضها لعبيدها؟! وأي أمير أكون حين أتفاوض مع هؤلاء الزنوج، تحدث فيما يفيد.. أنت الآن وحدك تعرف مكان المدينة المختارة، وأنت الآن عليك أن تجلس وترسم خريطة دقيقة لها حتى لا يضل جنودي الطريق إليها وسط متاهة الأنهار..
    بهت المسعودي، اكتشف أن الرجل يريد أن يحوله ببساطة إلى عين من عيونه، يجعله يخون سر الرجال الذين ائتمنوه على مدينتهم، وحملوه رسالتهم، كان الموفق يترقب كلمته في ثقة من لا يرد له أمر، قال المسعودي:
    - لا أعرف مكانها حقا، تشابهت علي الأنهر وأحراش الغاب، وهبط الظلام علي فطمس كل معلم.
    زمجر الموفق غاضبا: أنت تكذب وتعرف أنك تكذب.. ولكني موقن من أني سأجعلك تتكلم.
    فوجئ المسعودي بالحرس يهجمون عليه، طرحوه أرضا في حركة واحدة، انهالوا عليه باللكمات والركلات من كل جانب، غمر الألم جسده، تحطمت ضلوعه، وتساقطت أسنانه، وسمع الموفق وهو يقول:
    - أنا لست بقية بني العباس أرعي الكتبة والمتكلمة.. أنا أضعهم على الخازوق حتى تخرج أرواحهم وأخلص العالم من ثرثرتهم.
    شهق المسعودي، وحين رأي طرف الخازوق النحاسي اللامع، هتف متوسلا وباكيا:
    - أرحموني يرحمكم الله.. سأرسم الخريطة.. وافعل كل ما تريدون، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
    ___________________________________________

    في هَذا الشِّتاء.. هلْ ستترك لنا الطائرات الحربية براحًا في السَّماء كي يمرُّ المَطر.؟


  4. #4
    عشاء برفقة عائشة


    تقافزت سيارة الأجرة بين الحفر. دمدم السائق غاضبا: "ياست. لاأعتقد أنه يمكن أن يكون وسط هذه الحارات مطعم محترم على الإطلاق.." ردت عليه عائشة في صوت حازم: "امض للأمام واستدر يساراً" ثم التفتت إليّ وهي تقول: " لا أحب سائقي الأجرة عندما يتدخلون"
    هذا هو موعدنا الأول. وكنت قد تركت لها حرية اختيار المكان فاختارت هذا المطعم. لم أسمع به ولاسائق التاكسي. لكنها المرة الأولى التي أجلس معها بتلك الدرجة من القرب. خصلات شعرها تلامس وجهي أحيانا وأشم رائحة عطرها دائما. يرتاح جسدها الدافىء للحظة وجيزة مستندا إلي وهي تتطلع من نافذتي للتأكد من المكان. تتداخل الحارات وتضيق المسالك وتتقارب الجدران وتتعرى من الطلاء وتتصاعد روائح الطعام والعطن، دون أن أجرؤ على سؤالها إن كانت متأكدة من وجود هذا المطعم. كنت مشغولا بما سيحدث فيما بعد. هل نذهب عندي إلى غرفتي الضيقة، أم عندها، في مسكنها الذي لا أعرف عنه شيئاً ؟.

    دخل السائق إلى حارة أكثر ضيقا. فلم نعد نرى السماء. لم يعد غير أطفال مذعورين يمرقون من أمام السيارة يخرجون من أبواب لانراها ليدخلوا أبوابا أخرى لانراها. هتفت أخيراً.. "توقف هنا.. وصلنا..".
    توقف السائق بسرعة قبل أن تغير رأيها. وأسرعت أنا بالنزول وأعطيته ضعف الأجرة حتى يكف عن تذمره ووقفت هي حابسة أنفاسها، مثل طفلة تترقب، أزاحت الورق المفضض عن هدية عيد ميلادها.

    إذا كان هناك مطعم بالفعل فمن الصعب التعرف عليه. لا لافتة ولاعلامة تدل على ذلك. مجرد صف من البيوت القديمة. استبدل جدار منها بواجهة زجاجية معتمة. مغبرة ومطموسة. لاتستجيب للضوء ولاينعكس عليها صورة أو ظل أو خيال. ليس فيها إلا ذلك الاستواء المحايد الممتد وسط الثقوب والشروخ المتعرجة التي تملأ جدران البيوت الآيلة للسقوط من حولها. ولكن هناك بابا صغيرا. بجانبه أصيص من نبات داكن الخضرة. حين لمسته اكتشفت أنه غير حقيقي. معدن بارد. الباب نفسه يتسع بالكاد لدخول شخص واحد في المرة الواحدة. فكرت أنها ربما قد حضرت إلى المطعم منذ زمن بعيد قبل أن يصيبه البلى والشحوب. وربما تحاول الآن ـ في لقائنا الأول ـ أن تستعيد ذكرى أولية شاحبة.

    تقدمت وفتحت الباب وهي تصيح في جذل: "هيا". أسرعت بالدخول خلفها. رن جرس لعله كان معلقا خلف الباب. فوجئت بنفسي في لحظة وجيزة داخل المطعم. ظللت واقفا حتى أتبين تفاصيله من خلال العتمة التي تحيط بالمكان والأصداء لاتزال تصلصل. كنت أتوقع شيئاً مختلفا ومفاجئا. ولكن وجدت ـ بالفعل ـ مطعما. واسعا ومعتما مليئا بالمناضد المتراصة. عليها مفارش بيضاء ناصعة لحد التوهج. بعضها خال. وبعضها يشغله زبائن. اثنان على كل منضدة وبينهما شمعة مضاءة وكل شيء مغلف بضباب رائق شفيف كأننا نقف على حافة حلم ما.

    لم أكن أرتدي الثياب المناسبة. كان كل رواد المطعم يرتدون ثيابا رسمية وعائشة أيضا ترتدي ثوبا صيفيا خفيفا موشى بالأزهار يكشف عن عنقها وذراعيها. لايتناسب إلا مع مطعم للوجبات السريعة، ولكنها بدت كزهرة متألقة وسط كل هذه الألوان الباهتة.
    لم أفطن للرجل الطويل الأصلع بحلته الرسمية السوداء إلا عندما أصبح بجانبي تماما. تأملنا بوجه جامد الملامح وهو يقول:
    ـ مائدة لاثنين ياسيدي..
    صوته غريب كأن بداخله فراغاً يرتج فيه الصوت فيخرج مصحوبا بصدى خافت. لم أجب، ولم تكن هناك ضرورة للجواب. سار أمامنا بخطوات متصلبة دون أن يصدر صوتا عن وقع قدميه. رفع بعض الزبائن رءوسهم ورمقونا بنظرات خاطفة ثم عادوا للمضغ والتهامس. أشار الرجل إلى منضدة بجانب الحائط. هزت عائشة رأسها وهي مبتسمة وأشارت إلى منضدة أخرى بجانب الواجهة الزجاجية التي تفصل المطعم عن الشارع. بعيداً عن الزبائن. كانت راغبة في حديث طويل لايستمع إلينا فيه أحد. تردد الرجل لبرهة كأنه يقيس كل الاحتمالات ثم سار حتى توقف أمامها.

    ابتسمت عائشة في انشراح وهي تأخذ مقعدها:
    ـ أرأيت...
    حتى الآن لم يكن هذا ماتخيلته عن لقائنا الأول. كنت أريد أن أبدو مهذبا وأحصل على رضاها الكامل. ابتسمت ولكن السؤال أفلت بالرغم مني:
    ـ هل أتيت إلى هنا كثيراً قبل الآن؟
    رفع الجميع رءوسهم من على المناضد مرة أخرى. رمقونا بنظرة عاتبة. هتفت عائشة في همس:
    ـ اخفض صوتك. هذا المطعم مثل المكتبة يجب عدم التحدث فيه بصوت عال..
    هكذا أكثر حميمية.. هذه هي الفكرة.
    لم تفطن لسؤالي. أم لعلها تجاهلته. تأملتها عبر المنضدة. بيننا شمعة مطفأة ووردة حمراء وحيدة . لمستها فسرت في بدني رعدة مفاجئة مثل تيار كهربي. هتفت:
    ـ ماهذا.. وردة من المعدن؟
    قالت عائشة: هذه مجرد بداية. كل شيء هنا مثير ومختلف.
    راقبت مايحدث في الجانب الآخر من خلال الزجاج. وجوه العابرين تبدو شديدة القرب. امرأة عجوز تحدق في مباشرة. وجهها مليء بالأسى والخوف.
    ألتفت إلى عائشة أستنجد بها:
    ـ لماذا تحدق فيّ هذه المرأة بتلك الصورة؟
    قالت بهدوء: هي بالتأكيد لاتراك. هذا الزجاج لايكشف عما في الداخل.
    جاء نادل آخر ووقف بجانبي دون أن أسمع صوت قدميه. لم يبتسم. أخرج قداحة من جيبه وأشعل الشمعة. كان هذا أفضل ماحدث حتى الآن. انعكس ضوء اللهب على وجه عائشة فانبعث من عينيها تألق طافح بالفرح. قلت:
    ـ أو تعرفين ياعائشة.. ضوء الشموع يزيد من جمالك.
    ابتسمت وهي تقول: أوتعرف.. إنها كلمات جميلة. لكنها عادية. انتظر قليلاً ربما قلت شيئاً مميزاً.
    وقف نادل أخر بجواري. لم أدر إن كان قد استمع لكلماتها الساخرة أم لا. وجه جامد. كدأبهم جميعاً ليس جمود التأدب والترفع عن التبسط مع الزبائن. ولكنه جمود حقيقي. ملامح يابسة وساكنة على تعبير واحد. وضع قائمتي طعام أمامنا وانصرف دون صوت. فتحت القائمة. حاولت فك طلاسم الحروف والأرقام ، عبثا حاولت أن أعرف شيئاً عن أصناف الطعام أو أسعارها. همست عائشة:
    ـ لاتحاول. لن تستطيع قراءتها. الأفضل أن نترك لهم أمرنا. يقدمون لنا شرابهم وأطباقهم الرئيسية. هذا أسهل لنا ولهم. دع القائمة جانبا.
    وضعت القائمة وحاولت أن أنظر إلى عينيها مباشرة لعلي أقتنص نظرة حقيقية. لم تكن تجلس ساكنة. أدارت وجهها. جاء نادل أخر يمسك بالقلم ونوتة الطلبات. ناولته عائشة قائمتي الطعام وهي تقول:
    ـ احضر لنا شراب اليوم. وطبق اليوم. اثنين من كل صنف.ثم استدارت نحوي ونظرت هي إلى عيني مباشرة وهمست:
    ـ والآن ماذا ?.. هل نويت التخلي عن غموضك وتخبرني من أنت؟
    قلت مدهوشا: أنا الغامض أم أنت.. أنا حقا لاأعرف عنك أي شيء.
    ردت ببساطة:
    ـ جميع من في المؤسسة التي نعمل بها يعرفون عني كل شيء. إنني تزوجت وطلقت مرتين. قصة عادية ومألوفة وسخيفة أيضا. تجدها في زوايا القراء في أي صحيفة. الأسباب تختلف أحيانا. يمكن أن أكون أنا امرأة فاسقة. ويمكن أن يكون هو زوجاً شرساً. ولكن لاجديد دائما في أمثال هذه القصص.. ماذا عنك أنت؟
    كانت تنظر مباشرة إلى عيني. إلى داخلي. لم أتوقع نظرة بهذه الحدة. أدرت وجهي فرأيت رجلا آخر يحدق فيّ من خلف الزجاج. برغم أن الظلام قد هبط في الخارج فإن ملامحه كانت جلية. حانقة وغاضبة. كأنه يدعوني للانصراف. أدرت وجهي وبدأت رعدة خفية تسري في جسدي. اكتشفت أن أمامي كوبا زجاجيا به مشروب متداخل الألوان وعلى حافته شريحة من البرتقال مركبة بعناية. أمامها كوب آخر. وهي مازالت بنفس جلستها المتحفزة. مقوسة الكتفين قليلا للأمام، مرفقاها على المنضدة وفتحة ثوبها تظهر قمتي ثدييها بوضوح. تولدت داخلي رغبة عابرة سرعان ما انطفأت أمام عينيها المتحفزتين. تناولت من الكوب رشفة سريعة وحاولت القول:
    ـ أنا أكثر منك وضوحاً. لايوجد في حياتي تفاصيل. لم أتزوج. لم أطلق. ليست لي تجربة مثيرة ولاحكاية..
    توقفت. شعرت بطعم الشراب وهو ينزلق إلى معدتي. مزيج من عصير الفاكهة. والتوابل. والكحول. كلا. هناك طعم آخر. أشبه بالزيت. أمسكت نفسي حتى لاأتقيأ. ونظرت إليها. ردت عليّ بصوت خافت. حاد:
    ـ هذه هي المشكلة. لاتفاصيل. هل يمكن أن تكون هناك حياة بلا تفاصيل؟ يعني هذا أن لديك سراً تحاول إخفاءه. أو ربما شيء تخجل منه. ما الذي يجعـلك مثلا تجلس في أصغر غرفة في المؤسسة.

    أحسست أني متهم. بحثت في ذاكرتي عبثا عن أي تفاصيل ولو كانت تافهة:
    ـ أنا مجرد محاسب. عملي لايحتاج إلا إلى حيز ضيق. ليس عندي إلا بضعة دفاتر مليئة بالأرقام والجداول. لاجديد. قبلها كان هناك محاسب آخر يجلس على نفس المكتب ويعمل في نفس الدفاتر. عندما مات أخذت مكانه. ولكن أراه كل صباح عندما أتأخر قليلا. يجلس على المكتب ويقلب الدفاتر ربما ليتأكد من جودة عملي. وما إن يراني حتى يتبدد. يذوب. يترك المكان دون ضجة أو اعتراض كل مافي الأمر أن المقعد حين أجلس عليه يكون بارداً قليلاً.
    لم أعد أستطيع التوقف عن مواصلة تناول المشروب برغم مافيه. أحاول التغلب على طعم الزيت في معدتي بقول أي شيء. والنُدْل حولنا لايكفون عن الحركة. وكبيرهم الأصلع يومىء فقط برأسه ليوجههم. لم ينهض أحد من الزبائن. ولم يدخل أحد. لم أسمع صوت الجرس طوال هذه المدة. بدا واضحاً أن كلماتي الأخيرة لم تستأثر باهتمامها لأنها عادت تلح في السؤال:
    ـ قبل أن تتوظف.. ألم تكن على قيد الحياة؟
    ـ طبعا.. ولكن.. ليس في مكان محدد. أديت الخدمة العسكرية مثلا.. عاصرت حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
    بدا الحماس يدب في صوتها قليلاً:
    ـ هل شاركت في القتال؟
    ـ كنت محاسباً.
    هتفت في خيبة أمل: في الجيش أيضا ؟!
    ـ لماذا يبدو هذا غريبا. حتى الجيش في حاجة إلى محاسبين. كنت محاسباً في مخازن العتاد. أحسب عدد القذائف والألغام وطلقات الرصاص والصواريخ والطوربيدات التي تطلق في كل معركة أو مناورة أو تدريب. كنت أعرف باشتداد القتال عندما تزداد الطلبات عندي. كنت أعرف حسابات كل معركة بمنتهى الدقة.
    قالت: بما في ذلك عدد القتلى؟

    كنت قد بدأت في التضايق من طريقتها في توجيه الأسئلة:ـ كيف لي أن أعرف عدد القتلى. كل مرة كان يأتيني جنود مختلفون. في كل مرة أتأمل وجوههم على أمل أن أتعرف أحدا يعود إليّ من جديد ليخبرني عن سير المعارك ولكن أحداً منهم لم يعد مرة أخرى. وفي النهاية كنت أدرك أن الطلقات هي دائما أهم من الجنود.. بالنسبة لي على الأقل.
    شعرت بالسخونة تصعد من معدتي إلى رأسي. طفلة صغيرة تحدق في من خلف الزجاج. فاغرة الفم. مدهوشة من شيء ما. التفت إلى عائشة. الشمعة التي بيننا متوهجة ولكنها لم تنقص. طرفها المدبب مازال كما هو. والخيط الناشب فيه النار لم يحترق. وهي تتأملني. مستمتعة بمظاهر الحيرة التي تبدو على وجهي.. ترى لماذا دعتني إلى هذا المكان؟





    محمد المنسي قنديل (أديب مصري)
    ___________________________________________

    في هَذا الشِّتاء.. هلْ ستترك لنا الطائرات الحربية براحًا في السَّماء كي يمرُّ المَطر.؟


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    الردود
    3
    مشكووووووووور .. موووضوع رائع حقا ويستحق المشاهده

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,801
    مازلت اقرأ , رائع يا فتاة ما جلبته لنا .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  7. #7
    جميل جدا

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •