Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1

    شذرات من أقبية الأبالسة (مذكرات سجين) إعادة نشر




    مقدمة لا بد منها

    بادئ ذي بدء أنبه القارئ الكريم وأقرُّ وأعترف وأبصم بالعشرة بدل الإبهام وحدها؛ على أنني لست بكاتب ولا من هواتها، بل لم أحاول مجرد المحاولة من قبل، ناهيك أن يخطر ببالي يومًا ما أنا بصدده اليوم من إطلالة "بتفاهاتي" هاته وعرضها على من سيتيسر له الاطلاع عليها من جمهور النت الذي يتزايد عدده يومًا بعد يوم، وهي الوسيلة التي أضحت ملاذ المظلومين وصوت من لا منبر له من أبناء الملل عامة وملة الإسلام خاصة.
    لهذا فإنني أستسمح القارئ الكريم على هذا التطفل الذي أرغمتُ عليه بعد إلحاح شديد من أحد أعز رفاق المحنة والقيد الذي ظل يلاحقني لسنوات عدة مذ قراءته لبعض من خربشاتي التي كنت أخطها على ورق خاص أصنعه من علب الحليب الكرتونية بقلم رصاص لا يتجاوز حجمه عقب سيجارة كنا نخفيه بإحكام في ثقب مموّه على جدار مرحاض الزنزانة التي جمعتنا في أيام السجن الأولى، وقبل أن (تفتح لنا الدنيا ذراعيها) ونحصل على أوراق وكتب وحتى التلفاز والهاتف وبعضًا من الكرامة والآدمية التي انتزعناها بعد سلسلة إضرابات عن الطعام فقدنا فيها بعضًا من إخواننا وكيلوغرامات من أوزاننا وخرج منها الكثيرون بعلل لا تعد وشحناء كادت تعصف بالصف كان الخلاف بشأن التأصيل الشرعي للإضراب عن الطعام سببًا في انطلاقتها وإذكاء جذوتها.
    حين اقتنعت على مضض بفكرة الأخ السالف الذكر -فرج الله عنه- وجدتني قد فقدت جل تلك الأوراق التي كنت أعمد إلى نقعها في الماء بعد تمزيقها قطعًا صغيرة حتى يسهل جريانها في بالوعة المرحاض خوفًا من "حملات التتار" وهي التسمية التي نطلقها على فرق التفتيش التي يُنتقى أفرادها من بين أخبث وأقذر حراس السجن؛ فلا يتوانى الواحد منهم عن إدخال يده في ثقب المرحاض، ويقرأ بتهجٍّ علب الأدوية، ويعمد إلى خلط مسحوق الغسيل مع حصة العدس، ويقلب كل شيء رأسًا على عقب بغية الاستفزاز.
    فاضطررت إلى العودة إلى ذاكرتي المثقوبة كغربال محاولًا عصرها لمقاومة إحدى آفات السجن ومخلفاته الخطيرة على السجين وهي النسيان، مستعينًا ببعض شهادات الإخوة وتجميع وقائع وأحداث وطرائف ليكتمل هذا العمل الذي أحتسبه عند الله عز وجل. وأتمنى أن يوفي الغرض الذي كتب لأجله من فضح للظالمين، ونصرة للمظلومين واستنصارًا للموحدين، ولنقول ولنرفع عقيرتنا لمن له أذن أو أصغى السمع للنداء.

    نحن هنا.. نحن هنا.. نحن إخوانكم.. فلا تبخلوا علينا بواجب النصرة، وأقله الدعاء، والحبيب الصادق المصدوق يقول: فكوا العاني، فكوا العاني.
    أعود وأستسمح للمرة الألف القارئ الكريم إن أنا شططت في العبارة أو لم أوفق في الإحاطة بالموضوع كما ينبغي أو زللت وأخطأت فالكمال لله وحده. وكم أكون سعيدًا إن كُتب لتعليقات القراء أن تتسرب وتصلني خلف هذه الجدران بعد كل حلقة تنشر، كما كتب لمحاولتي هذه أن تتسرب خارجها. خاصة ملاحظات ونقد أهل التخصص في مجال الكتابة الأدبية علِّي أستطيع تدارك بعضٍ من أخطائي في الحلقات التي تليها. فلا تبخل عليَّ أخي وأختي بالمساعدة والنصح والتوجيه حتى يكتمل المشروع ويوفي الغرض والمأمول منه ونقتسم أجر ذلك معًا بإذن الله.






    شذرات من أقبية الأبالسة

    مذكرات ضحية من زمن الإنصاف والمصالحة المزعومة



    1
    الرابعة صباحًا.. أفقتُ مذعورًا أرتجف.. كانت الضربات القوية تهزُّ الباب هزًّا عنيفًا.. والجرس يرن دون توقف يوقظ الكامن في قلبي.. ابنة أخي الصغيرة تصرخ في هلع وتتشبث بتلابيب أمها.. شقيقتي تقف مشدوهة مصدومة كالبلهاء وكأنها فقدت صوابها.. وقع أقدامهم يزلزل سقف البيت، ينطون فوق الجدران وأسطح الجيران كأفراد عصابة سطو محترفة.. انهارت والدتي المسكينة وبدأ جسدها يرتجف وهي تبكي وتشهق بحرقةٍ لا مثيل لها من هول الصدمة مرددة: "هذا ما كنت أخشاه يا بني.. هذا ما كنت أخشاه"..
    همستُ لها بعد أن عانقتها وأنا ألهث كحصان رهان مهزوم محاولًا التخفيف عنها والتهديء من روعها، لا أدري كيف خرجت الكلمات من فمي: "لقد عادوا.. اصبري يا أمي.. اصبري فلك أجر عند الله"..
    ما إن فتح أخي الباب حتى صرعوه أرضًا على ظهره.. تدفَّقوا كالكلاب الجائعة أو الوحوش المنفلتة من أقفاصها، وبدؤوا ينشبون سكاكينهم وأيديهم في الأفرشة والوسائد، وهم يطلقون أقذع الشتائم وألفاظ السوق..
    احتجَّ أخي في أدب وخوف قائلًا: "نحن أسرة محترمة.. ولم نرتكب أي جريمة حتى تعاملونا هكذا"..
    قال أحدهم: "كلكم تكررون نفس الأسطوانة"
    -"اسألوا عنا كل الجيران.. أقسم بالله العظيم"..
    قاطعه كبيرهم مرة أخرى: "نحن لا نظلم أحدًا ولا نلفق التهم دون أدلة".. (اللي دار راسو في النخالة كينقبو الدجاج)
    شجع الحوار الهادئ نسبيًّا شقيقي وجرَّأه أكثر: "لو سمحتم أريد أن أعرف من أنتم وأريد رؤية إذن الوكيل العام بالتفتيش"..
    قهقه قائدهم ثم اقترب منه وجذبه من كم منامته صارخًا في وجهه بعنف:
    "تريد الهوية وإذن الوكيل العام يا أستاذ.. خذ ها هو هو الإذن".. وبحركة خبير متمرن صعقه بعصاه الكهربائية على خده.. خارت قوى شقيقي فسقط أرضًا مغمى عليه.. ازدادت صرخاتُ النساء والأطفال ارتفاعًا دون أن يعبأ بهم أحد..
    ثم جرُّوني إلى الخارج حافي القدمين دون أن يمهلوني لانتعال حذائي حتى..
    حاولت والدتي المسكينة التشبث بي ومنعهم وهي تبكي وتصيح: "خذوني مكانه إنه مريض إنه مريض"..
    حين فشلوا في إقناعها بأني سأعود بعد ساعتين على الأكثر لأن الأمر لا يعدو أن يكون إجراءً بسيطًا وبضعة أسئلة؛ قذفوها كالكرة في الممر المؤدي إلى الدرج وسحبوني.
    ها قد عادت الأيام السوداء مرة أخرى.. أين المفر؟ إنه قدري الذي لا مفرَّ ولا فكاك منه.. لكن ما يجري هذه المرة يبدو أنه ليس كالمرات السابقة.. الخطر ماحق.. ومنذ صدور التقرير الأمريكي الذي صنَّف أبناء هذا البلد على رأس قائمة من يعكِّرون صفو حلمهم بمشروع عالم إسلامي جديد ويضنكون عيشهم بدمائهم وأشلائهم على أرض الرافدين.. صاروا منذ ذاك الحين كالكلاب المسعورة.. "حرك السيد السوط فضاعف العبد المجهود".
    هل نصيبي أن أعاني مرة أخرى وأتعذب.. فلم أكد أصدق أن خلاصي منهم قد حان حتى وقعت بين أيديهم من جديد..
    الصدمة والمفاجأة تسيطر علي، رجحتُ أن الأمر قد كُشف.. كنت على وشك الرحيل إلى غير رجعة.. نعم إلى غير رجعة.. قررت أن أترك لهم الجمل وما حمل، وإن كنت لا أملك لا جمل ولا حمل.. بل حتى ثمن كيلو من شحم سنامه لم أجده يوم احتجته كعلاج شعبي وصف لي لتسكين آلام صدري.
    وأنا أنزل معهم الدرج.. درج البيت.. خارت قواي.. فشلت ركبتاي.. دارت بي الأرض.. تبخرت أحلامي الجميلة.. واسودَّ كل شيء أمامي.. تبًّا لهم.. لو أمهلوني أسبوعًا فقط.. أسبوعان على الأكثر.. لقبضوا على الريح، ولم يقبضوا علي.

    يتبع

  2. #2
    لا تلوموني فهي أول مشاركة لي في الساخر
    لم أعرف كيف ولا أضع الموضوع

  3. #3
    جلبة وضوضاء غير معهودة تعم الحيَّ في ذاك الوقت المتأخر من الليل.. استفاق جل الجيران بعد أن أَرغموا بعضهم على فتح أبوابهم واستعمال أسطح منازلهم للهجوم على بيتنا.. أسلوب لإرهاب الناس وإنذار لكل من تسوِّل له نفسه شيئًا. الخبثاء يعلمون علم اليقين أنني لست مسلحًا، ولا أُشكِّل أي خطر على أي أحد. والعملية لن تحتاج لأكثر من فردين فقط، أو استدعاء للمثول بين أيديهم. أنا ضعيف البنية، معتل الصحة، رغم هذا فكل أصناف السيارات هنا.. جيش من العمالقة احتلَّ المكان اختيروا بعناية، لا يقل طول الواحد منهم عن المترين، مدججين بالأسلحة.. هالني المنظر وازداد رعبي ويقيني في أنها نهايتي.
    وهم يعبرون بي الزقاق الضيق صوب السيارة التي ستقلني نحو المجهول=المعلوم.. تعالى فجأة صياح وصراخ احتجاج.. حمدت الله، لا يزال في هذه الأمة من يرفض الظلم ويجهر باللهم إن هذا منكر.
    زال عجبي حين عرفت من يكون ووصلت كلماته مسامعي.. إنه هو، عبد الله. صادفت عودته كعادته في ذاك الوقت المتأخر من الليل وجود الزوار.. منذ فتحت عيني في هذا الزقاق وأنا أعرفه على هذه الحالة.. لا يكاد يصحو إلا في رمضان.. مع ذلك كان يكن لي احترامًا خاصًّا رغم أنني في سن أصغر أبنائه الذين (حركوا)=هاجروا سرًّا للضفة الشمالية بعد وفاة والدتهم وزواجه من بدوية في سن أصغرهم.. لطالما أيقظتني الوالدة في جوف الليل للتدخل وإنقاذها من ركلاته ولكماته كلما عاد ثملًا مهزومًا في حلقات القمار.
    في اليوم الموالي كان يعتذر لي أشد الاعتذار ويعدني بالتوبة وعدم التكرار مع التزام الصلاة بمسجد الحي.
    يصرخ ويلعن.. يرغي ويزبد.. مترنحًا وزوجته تحاول ثنيه وإدخاله بيته وهي تردد محاولة إلجام فمه بكفها: (راه أحمق أسيدي ما تديوش عليه، راه أحمق وعندو وراق السبيطار) = إنه أحمق يا سيدي لا تلتفتوا لكلامه، إنه أحمق وعنده أوراق المستشفى التي تتبث ذلك.
    وهو يقاومها ويصيح: (الأحمق هو أبوك.. هذا دري زوين ما عمرنا شفنا عليه شي حاجه خايبه. غير الدار للجامع الجامع للدار.. سيرو شدوا كروش الحرام.. آش بغيتو عندو آولاد الق..) = هذا شاب طيب لم نر منه شيئًا سيئًا.. من البيت للمسجد ومن المسجد للبيت.. اذهبوا وألقوا القبض على أصحاب البطون المنتفخة بالحرام.. ماذا تريدون منه يا أبناء العاهرات..
    لم يكد يكمل حتى رُفع في الهواء.. ذاب صراخه وسبابه ونحيبه وسط هدير محرك السيارة التي أركبوني إياها..
    ستصير واقعته لا شك حديث المجالس وقد تغطي بعض الشيء على حكايتي مع إضافة المزيد من البهارات والتوابل قصد التشويق والمتعة وتجزية الوقت وقتل الفراغ.. تبًّا لهم.. لكل المهووسين المسكونين بالإشاعة والمبالغة.. حتى والدتي كادت بدورها أن تصدق ما روجوه عن وجود أسلحة ومتفجرات في العلب الكرتونية التي جمعوا فيها كل كتبي وأشرطتي وحاسوبي المتهالك، وحرصوا كل الحرص على إظهارها واستعراضها أمام الجيران قبل شحنها بكل عناية في سيارةٍ خاصة محروسة غير تلك التي أقلَّتني..كان أول ما سألتني عنه في أول زيارة لي بعد إحالتي على السجن هو محتوى العلب الكرتونية التي أخرجوها من غرفتي.
    أجلسوني في وسط المقعد الخلفي.. أحاط بي اثنان من الغلاظِ الشداد، واحدٌ عن يميني والآخر عن شمالي.. كبلوا يديَّ للخلف في عنف وقيَّدوا رجلي بأصفاد خاصة بالأقدام.. تذكرتُ زمن العبيد المرحَّلين قسرًا من أوطانهم صوب العالم الجديد أمريكا بعد الاكتشاف.. تفو.. تفو.. تفو.. ألف مرة على هذا الكريستوف كولومبوس مكتشف هذا الطاعون.
    أدخلوا رأسي في كيسٍ خانق..كلُّ شيء يتم ويسير على الطريقة الأمريكية الهليودية.. لها الريادة في كل شيء.. إنه زمن العبيد.. زمن أمريكا.. ومحاكاة أمريكا.. ونصرة أمريكا.. والويلُ والثبورُ لمن غضبت عليه اللقيطة الشرسة.. حبل صدام لا يزال متدليًا يتأرجح لتذكير كل من سوَّلت له نفسه العصيان.
    انطلقتْ كالسهم تشقُّ هدوء الليل البهيم.. رن الهاتف.. أجاب أحدهم: نعم سيدي.. نعم سيدي، الأمانة معانا.. كن هاني سيدي.. بعد انتهاء المكالمة أنزلوا رأسي بين ركبتي بعنف وشدة.. تقوَّس ظهري.. ضغطوا عليه بقوة مع كلمات تحذيرية.. كلما حاولت التململ زاد مَن بجواري في الضغط عليَّ أكثر وضرب بقبضة يده الغليظة على قفاي.. (نزل لمك راسك لتحت..)
    رن المحمول من جديد.. (نعم سيدي احنا في الأوتوروت)=الطريق السيار.. عرفتُ الوجهة، زاد هلعي وانقباض صدري.. خفقان قلبي.. وبدأ مغص بطني الفظيع في مثل هذه المواقف.. يبدو أن القوم مستعجلون متلهفون للقائي.
    تمتمتُ ببعض الأدعية: أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق.. اللهم إني أجعلك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم.. أحسَّ بي من بجانبي فخاطبني ساخرًا: (سمعنا باش نقولو وراك آمين)=سمِّعنا لنؤمن على دعائك.
    غص ما تحت السماوات وفوق الأرضين بعيون المخبرين..
    لكل إنسان لدينا تهمة تمشي ويمشي معها ألف كمين..
    نصفها في داخل السجن ونصفٌ خارج السجن سجين...

    ...... يتبع

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    جميل يا طيب .
    أتابعك .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  5. #5
    ليتني رحلتُ معه ولم أتأخر..
    "نموت مع الرجال خير لنا من هذا الجحيم الذي لا يطاق".. هكذا كان يحدثني ويكرر على مسامعي صديق المحنة الأولى (ع) منذ أطلقوا سراحنا بعد ثلاثة أشهر من العتمة والعذاب والبشاعة.. هنيئًا لك يا (ع ) لو كنتَ هنا لساقوك لكن يبدو أنني سأؤدي نيابة عنك، والأداء لا شك أنه سيكون عسيرًا هذه المرة.. رأيت ذلك في عيونهم ولمسته من تصرفاتهم وشراستهم.
    "لم تعد البلد بلدنا والأرض أرضنا، أصبحنا كالمصابين بالجذام المعدي.. الكل صار يفر منا خوفًا من الشبهة ومن بطش خفافيش الظلام.. حتى الأقارب يخافون من زيارتنا، ويتحرجون من زيارتنا لهم وصلة أرحامهم بل إن بعضهم يفكر في تغيير اسمه العائلي"..
    كنت أتهمه بالمبالغة وأنعته بالموسوس حين كان يحدثني أنهم قد دسُّوا لنا العيون والآذان في كل مكان، وكان يُقسم لي أنهم لن يتركونا في سلام وأن التهمة لن تفارقنا حتى وإن ولجنا قبورنا.. ويستدل لي على ذلك بحادثة حسن الذي غيَّبوه شهورًا عدة، وبعد أن تركوه مات في حادثة سير غامضة على الطريق الرابط بين العاصمة ومدينة القنيطرة.. كل من شيَّعوا جنازته أو زاروا قبره للترحم عليه ابتلعهم الأخدود.
    ويتابع قائلًا: "لا تغتر أنهم أطلقوا سراحك.. والله لم يتركوك إلا ليعيدوك بملف ضخم هذه المرة بعد أن تكون طعمًا لغيرك كما فعلوا بفلان.. وفلان.. وفلان.. وعلان.. ليس أمامنا إلا أن نتحوَّل إلى جواسيس أو نرحل إلى أرض بعيدة.. بعيدة جدًّا. ثم يتابع في إلحاح وحماس محاولًا إقناعي: "أنسيت ما قاله لك (الحاج) في آخر استدعاء؟ ألم يقل لك أن من مصلحتك ومصلحة البلاد أن تتعاون معهم.. ألم تفهم ماذا يقصد بالتعاون؟"
    انتفضتُ يومًا في وجهه أو اصطنعتُ ذلك لاستفزازه ودفعه للإفصاح عما كان يدبِّره في الخفاء دون إخباري.. نفس الشيء كنت أفعله، هكذا علمتنا التجربة السابقة. المعلومة في وقتها وعلى قدر الحاجة لا على قدر الثقة. ثم شرعت أحدثه عن حب الأوطان وأسرد عليه بعض ما قاله الشعراء وكبار الأدباء في ذلك مما علق بالذاكرة من أيام الاحتفالات المدرسية بالأعياد الوطنية التي لا تكاد تنتهي من كثرتها..
    فرد عليَّ ردًّا فاحمًا: "اسمع يا أخي.. إن شعراءك هؤلاء لم يُجلسوهم على قارورة ولم يدخلوا العصي والأقلام في مؤخراتهم.. لم يحاربوهم في أرزاقهم ولم تطاردهم عيون المخبرين والجواسيس في كل مكان.. تصوَّر حتى المعلمة صارت تسأل ابنتي عن تفاصيل حياتنا ومعارفنا وطعامنا.. الحرارة أحسها هذه الأيام تقترب منا أكثر فأكثر، لم أعد أشعر بالأمان والاطمئنان هنا.. البلد صار كسجنٍ كبير ونحن في حالة سراح مؤقت فقط.. الأصدقاء يتخطفون من حولنا كما تخطف الطير، وفي صباح كل يوم تلوك الألسنُ قصة أحدهم وسيناريو اختطافه.. لا أريد أن أموت بحسرتي خلف جدرانهم" ..
    "لماذا لا نحاول المقاومة؟ نتصل بالجمعيات والحقوقيين.. نحكي لهم ما نعيشه من تضييق وحرمان حتى من كسب قوت اليوم.. ونسألهم الوقوف إلى جانبنا" ..
    قهقه في سخرية وأجابني إجابةَ قانط يائس من الجميع، لكنه واقعيٌّ ومدرك لحقائق الأمور وحجم الخطر الذي كان يتربص بنا:
    "رغم ما عانيته أراك لا تزال ساذجًا يا عزيزي. لو كنت شيوعيًّا..أو بوذيًّا.. أو شاذًّا جنسيًّا لخرجت المسيرات ونُظِّمت الوقفاتُ الاحتجاجية من أجلك ولناصرك العالم. أما وإنك قد صُلبت على لائحة المتهمين بالإرهاب فلن يبكي عليك غير أمك.. حمزة لا بواكي له يا أخي.. لا تغرنك الشعارات، انتهت سنوات وعهد الرصاص وجاء عهد الفولاذ" ..
    ثم يشرع كعادته يوضح لي الفرق بين الحديد والفولاذ وأيهما أصلب..
    "أين المفر وأي أرض تقبل أن نمشي فوقها والعالم كله قد تكالب وتعاون، حتى خلافاتهم وضعوها جانبًا لما صار العدو أمثالنا.. وآخر ما أسمعوني إياه بنبرةِ الواثقِ في نفسه قبل أن يخلوا سبيلنا المشروطَ في المرة السابقة هو: لو صعدت إلى القمر لجئنا بك في كيس مختوم محكم الغلق.. لا تحاول اللعب.. فعلها غيرك وفشلوا.. فالعالم أصبح قرية صغيرة.. ويدنا طويلة"..
    -ثم كيف السبيل والواحد منا لا يستطيع التحرك مسافة عشرين كيلو دون أن يخبرهم بذلك ويخضع لسين وجيم.. ومن أين لنا بجوازات السفر.. و.. و..
    قاطعني قائلًا، مفصحًا عما ظل يحوم حوله من مدة، وظللت أنتظره منه وأستدرجه للإفصاح عنه، مختبرًا رد فعلي ومدى استعدادي وتجاوبي مع المشروع: "ليس لنا إلا أن نلحق بمن سبقونا، بطن الأرض خير من ظهرها في زمن الذل هذا.. ميِّتون.. ميِّتون.. فلنمت بشرف بين الشرفاء".. تابع في حماس لما لاحظ اهتمامي: "بلاد الرافدين.. بلاد الرافدين.. أراها في منامي ويقظتي.. ستندم وتقتلك الحسرة إن هم أعادوك هذه المرة.. انظر حولك.. أين تعيش أنت.. ألا ترى وتسمع كل يوم سيناريوهات الخلايا المزعوم اكتشافُها والتي تتناسل ولا تكاد تنتهي تحت شعار الضربات الاستباقية؟ غدًا أو بعد غد ستكون واحدًا من أفرادها.. بل بقدرة قادر سيجعلونك أميراً على إحداها".
    واصل في حماس: "أنا أتدبر أمر الطريق والجوازات.. أما المال فنتدبره معًا".
    كنت رغم تظاهري بالتمنع واللامبالاة واثقًا في قرارة نفسي بصواب كل كلمة يتفوَّه بها المسكين، بل كنت قد بدأتُ البحث والتحري عن الطريق والوسائل الموصلة إلى هنالك، خاصة بعد أن وصلتني رسالة (خ) الإلكترونية المشفرة والتي جاء فيها بعد مقدمة ملؤها الشوق والمحبة والترغيب في اللحاق بالقافلة:
    ".. تحررت من الخوف، العقبى لكم.. العقبى لكم.. تصوَّر رغم حمم النيران التي تقذف بها أحدث آلياتهم على رؤوسنا ورغم الموت الذي يحيط بنا في كل ناحية.. وجحافلهم وعملائهم.. رغم كل شيء أقسم لك أنني أحس بالحرية والأمن أكثر بكثير مما كنت أحسه وأنا معكم هناك".
    ثم ختم رسالته بقوله: "لا تصدقوا أبواقهم المسمومة، والله إنهم بعدَّتهم وعتادهم يفرون من أمام الشباب الحافي الأقدام والذي لا يجد أحيانًا غير التمر والماء كوجبة لأيام متتالية، يفرون كالجرذان المجنونة ذعرًا.. العقبى لكم.. أوصيك لا تتأخر عند أي فرصة.. أنا الآن أشتغل في مجالي وأخرج بين الفينة والأخرى مع الشباب لصيد الخنازير وقنصها.. لا تخف، أعرف ما يدور بذهنك الآن؛ فرغم النظارات الطبية فقد أصبحتُ قناصًا ماهرًا.. نحن في نعمة وسعادة لا تعدلها نعمة في هذه الدنيا.. دعائي لكم بالفرج والتوفيق فلا تنسونا من دعائكم.
    أخوكم خ.

  6. #6
    ليتني رحلتُ معه ولم أتأخر..
    "نموت مع الرجال خير لنا من هذا الجحيم الذي لا يطاق".. هكذا كان يحدثني ويكرر على مسامعي صديق المحنة الأولى (ع) منذ أطلقوا سراحنا بعد ثلاثة أشهر من العتمة والعذاب والبشاعة.. هنيئًا لك يا (ع ) لو كنتَ هنا لساقوك لكن يبدو أنني سأؤدي نيابة عنك، والأداء لا شك أنه سيكون عسيرًا هذه المرة.. رأيت ذلك في عيونهم ولمسته من تصرفاتهم وشراستهم.
    "لم تعد البلد بلدنا والأرض أرضنا، أصبحنا كالمصابين بالجذام المعدي.. الكل صار يفر منا خوفًا من الشبهة ومن بطش خفافيش الظلام.. حتى الأقارب يخافون من زيارتنا، ويتحرجون من زيارتنا لهم وصلة أرحامهم بل إن بعضهم يفكر في تغيير اسمه العائلي"..
    كنت أتهمه بالمبالغة وأنعته بالموسوس حين كان يحدثني أنهم قد دسُّوا لنا العيون والآذان في كل مكان، وكان يُقسم لي أنهم لن يتركونا في سلام وأن التهمة لن تفارقنا حتى وإن ولجنا قبورنا.. ويستدل لي على ذلك بحادثة حسن الذي غيَّبوه شهورًا عدة، وبعد أن تركوه مات في حادثة سير غامضة على الطريق الرابط بين العاصمة ومدينة القنيطرة.. كل من شيَّعوا جنازته أو زاروا قبره للترحم عليه ابتلعهم الأخدود.
    ويتابع قائلًا: "لا تغتر أنهم أطلقوا سراحك.. والله لم يتركوك إلا ليعيدوك بملف ضخم هذه المرة بعد أن تكون طعمًا لغيرك كما فعلوا بفلان.. وفلان.. وفلان.. وعلان.. ليس أمامنا إلا أن نتحوَّل إلى جواسيس أو نرحل إلى أرض بعيدة.. بعيدة جدًّا. ثم يتابع في إلحاح وحماس محاولًا إقناعي: "أنسيت ما قاله لك (الحاج) في آخر استدعاء؟ ألم يقل لك أن من مصلحتك ومصلحة البلاد أن تتعاون معهم.. ألم تفهم ماذا يقصد بالتعاون؟"
    انتفضتُ يومًا في وجهه أو اصطنعتُ ذلك لاستفزازه ودفعه للإفصاح عما كان يدبِّره في الخفاء دون إخباري.. نفس الشيء كنت أفعله، هكذا علمتنا التجربة السابقة. المعلومة في وقتها وعلى قدر الحاجة لا على قدر الثقة. ثم شرعت أحدثه عن حب الأوطان وأسرد عليه بعض ما قاله الشعراء وكبار الأدباء في ذلك مما علق بالذاكرة من أيام الاحتفالات المدرسية بالأعياد الوطنية التي لا تكاد تنتهي من كثرتها..
    فرد عليَّ ردًّا فاحمًا: "اسمع يا أخي.. إن شعراءك هؤلاء لم يُجلسوهم على قارورة ولم يدخلوا العصي والأقلام في مؤخراتهم.. لم يحاربوهم في أرزاقهم ولم تطاردهم عيون المخبرين والجواسيس في كل مكان.. تصوَّر حتى المعلمة صارت تسأل ابنتي عن تفاصيل حياتنا ومعارفنا وطعامنا.. الحرارة أحسها هذه الأيام تقترب منا أكثر فأكثر، لم أعد أشعر بالأمان والاطمئنان هنا.. البلد صار كسجنٍ كبير ونحن في حالة سراح مؤقت فقط.. الأصدقاء يتخطفون من حولنا كما تخطف الطير، وفي صباح كل يوم تلوك الألسنُ قصة أحدهم وسيناريو اختطافه.. لا أريد أن أموت بحسرتي خلف جدرانهم" ..
    "لماذا لا نحاول المقاومة؟ نتصل بالجمعيات والحقوقيين.. نحكي لهم ما نعيشه من تضييق وحرمان حتى من كسب قوت اليوم.. ونسألهم الوقوف إلى جانبنا" ..
    قهقه في سخرية وأجابني إجابةَ قانط يائس من الجميع، لكنه واقعيٌّ ومدرك لحقائق الأمور وحجم الخطر الذي كان يتربص بنا:
    "رغم ما عانيته أراك لا تزال ساذجًا يا عزيزي. لو كنت شيوعيًّا..أو بوذيًّا.. أو شاذًّا جنسيًّا لخرجت المسيرات ونُظِّمت الوقفاتُ الاحتجاجية من أجلك ولناصرك العالم. أما وإنك قد صُلبت على لائحة المتهمين بالإرهاب فلن يبكي عليك غير أمك.. حمزة لا بواكي له يا أخي.. لا تغرنك الشعارات، انتهت سنوات وعهد الرصاص وجاء عهد الفولاذ" ..
    ثم يشرع كعادته يوضح لي الفرق بين الحديد والفولاذ وأيهما أصلب..
    "أين المفر وأي أرض تقبل أن نمشي فوقها والعالم كله قد تكالب وتعاون، حتى خلافاتهم وضعوها جانبًا لما صار العدو أمثالنا.. وآخر ما أسمعوني إياه بنبرةِ الواثقِ في نفسه قبل أن يخلوا سبيلنا المشروطَ في المرة السابقة هو: لو صعدت إلى القمر لجئنا بك في كيس مختوم محكم الغلق.. لا تحاول اللعب.. فعلها غيرك وفشلوا.. فالعالم أصبح قرية صغيرة.. ويدنا طويلة"..
    -ثم كيف السبيل والواحد منا لا يستطيع التحرك مسافة عشرين كيلو دون أن يخبرهم بذلك ويخضع لسين وجيم.. ومن أين لنا بجوازات السفر.. و.. و..
    قاطعني قائلًا، مفصحًا عما ظل يحوم حوله من مدة، وظللت أنتظره منه وأستدرجه للإفصاح عنه، مختبرًا رد فعلي ومدى استعدادي وتجاوبي مع المشروع: "ليس لنا إلا أن نلحق بمن سبقونا، بطن الأرض خير من ظهرها في زمن الذل هذا.. ميِّتون.. ميِّتون.. فلنمت بشرف بين الشرفاء".. تابع في حماس لما لاحظ اهتمامي: "بلاد الرافدين.. بلاد الرافدين.. أراها في منامي ويقظتي.. ستندم وتقتلك الحسرة إن هم أعادوك هذه المرة.. انظر حولك.. أين تعيش أنت.. ألا ترى وتسمع كل يوم سيناريوهات الخلايا المزعوم اكتشافُها والتي تتناسل ولا تكاد تنتهي تحت شعار الضربات الاستباقية؟ غدًا أو بعد غد ستكون واحدًا من أفرادها.. بل بقدرة قادر سيجعلونك أميراً على إحداها".
    واصل في حماس: "أنا أتدبر أمر الطريق والجوازات.. أما المال فنتدبره معًا".
    كنت رغم تظاهري بالتمنع واللامبالاة واثقًا في قرارة نفسي بصواب كل كلمة يتفوَّه بها المسكين، بل كنت قد بدأتُ البحث والتحري عن الطريق والوسائل الموصلة إلى هنالك، خاصة بعد أن وصلتني رسالة (خ) الإلكترونية المشفرة والتي جاء فيها بعد مقدمة ملؤها الشوق والمحبة والترغيب في اللحاق بالقافلة:
    ".. تحررت من الخوف، العقبى لكم.. العقبى لكم.. تصوَّر رغم حمم النيران التي تقذف بها أحدث آلياتهم على رؤوسنا ورغم الموت الذي يحيط بنا في كل ناحية.. وجحافلهم وعملائهم.. رغم كل شيء أقسم لك أنني أحس بالحرية والأمن أكثر بكثير مما كنت أحسه وأنا معكم هناك".
    ثم ختم رسالته بقوله: "لا تصدقوا أبواقهم المسمومة، والله إنهم بعدَّتهم وعتادهم يفرون من أمام الشباب الحافي الأقدام والذي لا يجد أحيانًا غير التمر والماء كوجبة لأيام متتالية، يفرون كالجرذان المجنونة ذعرًا.. العقبى لكم.. أوصيك لا تتأخر عند أي فرصة.. أنا الآن أشتغل في مجالي وأخرج بين الفينة والأخرى مع الشباب لصيد الخنازير وقنصها.. لا تخف، أعرف ما يدور بذهنك الآن؛ فرغم النظارات الطبية فقد أصبحتُ قناصًا ماهرًا.. نحن في نعمة وسعادة لا تعدلها نعمة في هذه الدنيا.. دعائي لكم بالفرج والتوفيق فلا تنسونا من دعائكم.
    أخوكم خ.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    الله يعين . حيث في كل مكان أصبح هناك سجن وموت ، واصبحت قيمة الانسان أقل من قيمة البهيمة .
    ويقولون أن عصرنا الحديث أكثر عصور الدنيا ديموقراطية وتناول للحقوق !.

    اكمل وسنرى ونسمع ونشم ونحس معك .
    الإنسان الحر يتحرر من الدنيا بعبوديته لرب الدنيا .

  8. #8
    كانت تلك آخر رسائله، انقطعت بعدها أخباره عني.. أحسستُ حينها بغربةٍ ووحدةٍ قاتلة ظلت تحاصرني من كل الجهات.. كنتُ عن طريقه أتنسمُ أخبار الأحبة، أعيشها لحظة بلحظة.. أفرح لأفراحهم، وأحزن وأبكي أحيانًا طويلاً لأحزانهم وحسرة على عدم اللحاق بهم. حين حدثني عن ملحمة الفلوجة الأولى، وعن جوعهم وعطشهم لأيام عدة.. عافت نفسي الطعام وفقدت شهيتي.. كنت كلما جلستُ أمام المائدة تذكرتهم.. تذكرت حكاية الشباب الذين حملوا أرواحهم على أكفهم حين تطوَّعوا لخرق الحصار المضروب لجلب جرعات ماء لإخوانهم، وكيف مرُّوا من بين دبابات الصليبيين وآلياتهم وسمعوا أصواتهم وقرع أكوابهم وآنيتهم دون أن يفطنوا أو يحسوا بهم وكأنما غشيت أبصارهم وجعل في آذانهم وقر.. كانت تلك كرامة من عشرات الكرامات التي حدثني بها وعن تفكيره في جمعها وتدوينها حين يجد فرصة ووقتًا لذلك..

    رأيته في منامي بجناحين يطير ويخاطبني مبتسمًا، مشيرًا بيمينه مناديًا: الحق بنا لقد تأخرت، ولا تنس الوصية.

    استفقتُ مرعوبًا مذعورًا كعادتي مع كل حلم أتصبب عرقًا.. قلبي يخفق بسرعة وأكاد أسمع ضرباته: اللهم اجعله خيرًا. أي وصية يقصد؟! رسائله التمويهية أرسلها بانتظام لأسرته! لم أرهق نفسي في حلِّ رموز الرؤيا وتأويلها.. رأسًا توجهتُ صوب الإنترنت.. الأيقونة تشير إلى أن لدي رسالة جديدة، أحسست بنشوة من فرح لم تدم طويلًا.. لم يكن عنوان المرسل عنوانه.. وبريدي هذا لا يعرفه أحدٌ سواه.. ارتبتُ في أمرها مما جعلني أتوقف عن فتحها إلى أن استعنت بما أعرفه من إجراءات الحماية الأمنية الإلكترونية في مثل هذه الحالات.. ثم توكلتُ على الله وفتحت الرسالة.. تسمرت حينها مكاني وأحسستُ بحمام عرق بارد يغسل كامل بدني، أعدتُ قراءتها بسرعة واضطراب.. رسالة من دون مقدمات.. وجمل متقطعة.. يبدو أن صاحبها كتبها في عجلة وتوتر:

    "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أخوكم أبو ... العراقي مسؤول في هيئة الإعلام، أزف لكم نبأ استشهاد صديقكم وأخوكم (خ) الدكتور، نسأل الله أن يتقبله.. وصيته التي عهد إلي بإبلاغكم إياها هي وبعض صوره وكتاباته ستجدها على هذا الرابط.. لطالما حدثني عنك وانتظر وصولك على أحر من الجمر.. يبدو أنه رحمه الله كان يعزك كثيرًا ولك مكانة خاصة في قلبه الكبير.. أحبه الجميع هنا، مهاجرون وأنصار. منذ دخوله المبكر ارتأى الإخوة أن يضعوه في مكان يناسب تخصصه عملًا بمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وأبدع وأفاد في مجال الإعلاميات والإلكترونيات ونفع الله به إخوانه وأمته، فكان من تفانيه وإخلاصه لا ينام سوى أربع ساعات في اليوم والليلة حتى هزل جسمه وشحب لونه، فكان كلما طلب منه إخوانه أخذ قسط من راحة يجيب: الراحة هنالك في الجنة ويشير بسبابته نحو السماء.. وكان -رحمة الله عليه- يبكي بحرقة وتأثر كلما همت مجموعة من الشباب بالخروج إلى الميدان حسرة على عدم إشراكه في العمليات وشوقًا للنزال، إلى أن اختير تطييبًا لخاطره -أكثر من أي اعتبار آخر- في عملية الثأر لأعراض المسلمات التي انتهكت في إحدى البلدات.. سجد سجدة شكر وعانقني حين أعلمته ببشرى الاختيار التي كنت حريصًا على أن أكون أول من يزفها له.. لم ينم تلك الليلة من الفرح.. ضحكنا طويلًا وبدا كطفل مرح في يوم عيد أو عريس في ليلة زفافه.. ونحن نستعد للخروج انفرد بي هامسًا: "أحس أنني لن أعود" ، مدني بمفتاح صغير قائلًا: "هنا كل شيء، بريد صديق الطفولة الذي حدثتك عنه، وصيتي، صوري ومجموعة من أشعار وخواطر، أتمنى أن تلح عليه بشدة لتنفيذها حرفيًّا بحذافيرها.. دسَّ يده في جيبه، هذا مبلغ مالي بسيط أهداني إياه الأخ أبو ... الكويتي قبل استشهاده رحمه الله، نصفه سلمه لأسرة أبي ... البغدادي -وكان من أحب إخوانه إلى قلبه- والنصف الثاني اشترِ به أحذية رياضية للشباب -كنا حينها نعاني أزمة أحذية حتى لُقِّبت كتيبتنا بمجموعة الحفاة- .. أما عن قصة استشهاده فقد أبلى -رحمه الله- في ذلك اليوم البلاء الحسن وكان أسدًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. بعد ساعتين من الإثخان في عباد الصليب وأذنابهم، جاءهم الدعم الجوي والبري لفك الحصار عمن بقي منهم حيًّا وإخلاء الجرحى الذين كانوا يصرخون كالنساء الثكالى.. في مثل هذه الحالات جرت العادة أن ينسحب الإخوة في هدوء ووفق الخطة المرسومة والمدروسة سلفًا، وبعد أن تتطوع مجموعة للتغطية على هذا الانسحاب وإشغال العدو.. فكان -رحمه الله- أول المتطوعين فداءً لإخوانه وحماية لظهورهم برفقة ثلاثة شباب آخرين.. قُتل الدكتور -وهو اللقب الذي كنا نطلقه عليه- وشاب لبناني من أصل فلسطيني، وعاد عراقي جريح، وآخر فرنسي سليم. حدثنا الأخ العراقي أنه منذ الغزو الصليبي لأرض الرافدين نادرًا ما رأى رجالًا كالدكتور تقبله الله.. قاتل بضراوة حتى نفدت ذخيرته وضاعت نظاراته الطبية، وظل يناور من خندق لخندق ومن بيت لبيت لصرفهم عن الإخوة المنسحبين و *شغلهم عنهم إلى أن أصيب في كتفه وصدره. حاول الأخ الفرنسي سحبه لكنه رفض وألح عليه بمساعدة الأخ الجريح والانسحاب الفوري.. لم ينسَ رغم سكرات الموت أن يبلغ سلامه للجميع طالبًا الاعتذار والصفح عن كل ما قد يكون بدر منه في حق أحد.. ثم نطق الشهادتين وابتسم ابتسامته المعهودة التي ظلت مرسومة على محياه رغم خروج روحه.

    ختم الناعي رسالته بلا تنسوه وتنسونا من دعائكم وتنفيذ وصيته.

    أخوكم أبو ... العراقي خادم المجاهدين.

    *

  9. #9
    جميل موجع ..
    تابع إني أتابع
    يا إله الأشياء التي تحبها أمي
    أنت أحدها وأنا أحبك يا الله .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المكان
    خلف نقطة علامة التعجب !
    الردود
    116
    الباطل جند من جنود الحق وما يفعلونه يعجل بسطوع شمس الحق.

    متابعة هذا النهر الرقراق السائر في أرض الظلم بثقة الوصول.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •