Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: ص.ب.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بلاد العاديين
    الردود
    302

    ص.ب.

    Name:  1466455816091.jpg
Views: 1590
Size:  43.4 KB


    ص.ب.
    رد: إلى رفيقة ..
    التاريخ: 20/6/2016
    .
    .
    إلى رفيقة الحلم، والأحلام لا تموت يا رفيقة ..
    أما قبل: فقد انتهى كل الكلام.
    أما بعد ..
    فإن هذا بوحٌ طويل، كطول يوم الغد إذ يصادف أطول يومٍ في العام. لا أعرفُ كيف يُمكن اختصاره، وكلما حاولت أن أقول "كفى، لن أسترسل" أجدني أكتب ..

    تحية تليق بكِ، وأنا التي لا أعرفُ كيف أصيغ التحايا التي تليقُ بالآخرين. تقول أحلام مستغانمي عن بطل روايتها: «الأسود يليقُ بك»، ولا أدري وسط كل هذا السواد كيف يُمكن أن أمنحكِ بياضاً، كقلبكِ، لأطمئن عليكِ وأخبركِ أن كل الأشياء الجميلة تليقُ بكِ.

    سأخبركِ شيئاً، قبل أن أجيب على تساؤلات بحريَ ونهركِ:
    كل الأشياء التي يهبها إيانا الأحبة، الأشياء الصغيرة أقصد، التفاصيل التي لا يلتفت لها أحد: ذكرى كلمة جمعتنا سوياً، ميدالية مفاتيح بلوني المفضل، زجاجة عطر بقي فيها القليل، و«توكة شعر» وقعت منكِ -بلا قصد- في شعري. الأشياء الصغيرة هذه هي الحب، الحب الذي يتوغل في القلب، فتُصبح أشياء صغيرة، كأغنية عابرة مثلاً، تثير فينا كل هذا الحنين والشوق .. والبكاء.

    أما عن النهر الذي يجري في صدركِ، ويمنحني كل هذا الحب، فإني أرجو أن أكون غريقةً فيه دوماً. أتعلمين؟ كلما تفحصتُ قلبي جيداً، حيث موطن الرفاق، أدرك أن ثمة أشياء تستحق الحياة فعلاً، ليست من الحياة نفسها، ولكنها هدية الله لنا إذ أتتنا على شوقٍ/عطش، وأنتِ دعوتي قبل الإفطار حين أقول: ذهب الظمأ، وابتلت القلوب، وثبت الحبّ إن شاء الله.
    أولئك الذين يقتربون جداً، جداً، ويستطيعون ملامسة قلوبنا، هُم وحدهم الذين نمنحهم الثقة في أن يفعلوا بقلوبنا ما شاؤوا. ووحدهم "أولاد الأصول" هُم الذين يحافظون على قلوبنا أكثر منّا، حتى لو حاولنا نحنُ العبث بها، وقتْلِها، فإنهم يمنعوننا من ذلك.

    في ثنائية النهر والسماء، فإن ثمة مرآة بينهما: يرى النهر نفسه في السماء، أزرقاً، بلونها، وبعيداً لا ينال ماءه كدرٌ مهما حاول الآخرون، وترى السماء نفسها في النهر، عذبة، بطعم النهر، قريبة، على رغم كل المسافات البعيدة. في هذا الكوكب 7 مليارات إنسان، ومن النادر جداً، جداً، أن تجد مرآتك بينهم، رغم كثرة الوجوه وازدحام الطرق؛ أمّا أن تجدَك أنتَ، بنسختكَ الأكثر طهراً، في صورة شخصٍ بعيد، أصابتكما لعنة الجغرافيا رغم كل التكنلوجيا التي يعيشها هذا العالم، فتلك منحةُ الحياة التي لا تمنحها للكثيرين.

    أحدثكِ يا رفيقة عن وطنٍ ضائع، ما عدنا نعرفُ من ملامحه شيء، سوى في بعض الولائم و "الخرفان" وكؤوس النبيذ الحلال التي تُدار على الطاولات التي يلتقي عليها الكاذبون باسم الله وباسم أمريكا ..
    أحدثكِ عن شبه قضية، بفعل نظرية التطور، أصبحت كعكة، يحاول كل فصيلٍ/تنظيم/حزب/حركة أن يأخذ حصّته الأكبر منها، وأن يمنح ولاءه وانتماءه وقرابينه لكل من يضع في جيبه دولار/تومان. عن كذبة كبيرة إسمها الوطن، لم يكن لنا يوماً ما حتى نحدّث الآخرين عنه كما تحدّثيني عن وطنكِ الذي كانت ثلاثيته «الحزب، والأسد، وفرع فلسطين»!

    حاكَ الناس من كوميديا السياسة التي نحياها أثواباً شتى، وأقنعة، وكلٌ يرتدي قناعه الذي يوائم مصالحه. وحدهم الأحرار ينتصبون كأشجارٍ أبت أن تقتنع بكلام السنابل أن الانحناء للريح سيمنع اقتلاعها. الحرية لا تُقتلع يا رفيقة ..

    قبل 20 سنة من الآن، عام 1996، وبعد هذا التاريخ بعشرِ سنوات، في 2006، كانت ذات الأسئلة، التي ما عادت تُسأل كي لا نسمع إجاباتها، تتكرر في رأس كلٍ منا، كصداع سبّبه أولاد الوطن الواحد، الأولاد الصغار أقصد، وذلك برعاية الكبار الذين يُديرون اللعبة باحترافية تامة على القطعان التي يقودونها، وبغباءٍ تام على الآخرين/الأحرار.
    الإجابات لهذه الأسئلة الملغومة تعني أن ينفجر السؤال في وجهك، وأن تحيا بحيْرتكَ الأزلية خيرُ من أن تموت في سبيل إجابة قاتلة!

    كان على الأخ أن يقتل أخاه بلا سبب، بلا أي رؤية، وكانت صيحات الموت لا تعبأ كثيراً بأجساد القتلى، تلك التي لا زالت تحمل أسئلة/جرائم لم يستطع مرتكبوها أن يدفنوها مع أجساد الأموات.
    لمفارقةٍ لا تستطيعين فهمها، فقد كان كِلا القاتليْن/المقتوليْن يصيحان "الله أكبر" في وجه كلٍ منهما، والله أكبرُ فعلاً من أن يُدنّس اسمه بمصالح البشر، لذلك فإن جهنم كفيلة بأن تجمعهما سوياً، لأن كل منهما كان حريصاً على أن يقتل/يُقتل في سبيل إعلاء خرقة ملونة يستظل براتبها يوم لا ظل آخر الشهر!
    .. وكان الكبار يجلسون بعد كل شوطٍ من الدماء في استراحة بين الأشواط المتتالية، يتبادلون النّكات والضحكات، وتتبادل أمهات القتلى السباب واللعنات عليهم، وتلوذ كل امرأة، وكل طفلٍ، بحسرته وأساه، ويلوذ شعبٌ كامل بالوجع.

    «فدوة لعيونك» يقولها العراقيون، تُشبه "تئبرني" التي يتمنى سماعها كل العرب من أفواه أهل الشام، وحلب، وحمص، ودرعا، واللاذقية، وحماة، ويقول اليمنيون «أنا أفدى قلبك» مثلها في تعز، عاصمة الوجع اليمني، وكل هؤلاء الآن يتقاتلون، عراقاً وشاماً ويمناً، وقبلهم جميعاً في فلسطين. كانت كلمات الفداء والقبر والموت فيم يبدو نبوءة مبكرة تبادلناها سابقاً كاحترامٍ وتقدير، لتصبح اليوم حقيقة، ويقتل الجميعُ الجميعَ لأسبابٍ معلومة وغير ملعومة. «يأتي على الناس زمانٌ يكثر في الهرج/القتل، فلا يدري القاتل فيمَ قتَل ولا المقتول فيمَ قُتل»، والناس سُكارى يا رفيقة، فإذا ماتوا/قَتلوا/قُتلوا .. انتبهوا!

    يحتاج القتل أبسط من الحقد، وأقل من الكراهية، يحتاجُ فقط استعداداً لأن تكون وحشاً في ثوب إنسان، أن تتخلى عن عقلكَ قليلاً، وأن تعلّمك البندقية -وهي في يد الهامل- كيف يُمكن أن تطول، فتقتل!
    يقول «صمويل كولت» بعد أن انتهى من اخترع المسدس: اليوم، يتساوى الجبان والقوي! وقد ساوت البندقية بين الجبناء الذين ما كانوا يجرؤون على التحديج، ولو بطرفٍ خفي، في وجه الأقوياء، وهنا مفهوم القوة والجُبن نسبي، فالكلاشنكوف صنع من الجميع "رجالاً"!
    ضغطة الزند التي ينطلق فيها الرصاص إلى رؤوس الذين بادلناهم العيش والملح قبل أن نبدأ بقتل بعضنا هي تلك اللحظة التي تتساوى فيها قدرة الإنسان على العيش بلا ذكريات مع قدرته على العيش بألم الذنب. في تلك اللحظة تماماً، فإن «نابض الإرجاع» لبندقيته الآلية الأوتوماتيكية يعود لمكانه لا لكي يلقّم رصاصةً جديدة في «حجرة النار»، بل لكي يُطلق النار على ضميره، فيموت .. للأبد!

    إن ألعن صفقة في التاريخ هي تلك الصفقة التي حوّلتنا إلى عبيد نعمل بنظام السخرة الأنيقة في القرن العشرين لدى مجموعة من الآلهة المصغّرة، الفراعين المدعوس على رؤوسهم من أسيادهم، حكاماً عرباً كانوا، قادة فصائل، تنظيمات، حركات إسلامية، ليبرالية، علمانية، بطيخية، وتحوّلنا -يا رفيقة- حينها إلى عبادة الإنسان، فيما كانت رسالة الأنبياء جميعاً هي الحرية في العبودية لربٍ واحدٍ فقط، وذلك كمال الحرية الذي نسيناه.

    حين أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يغادروا معه من مصر، بعضهم رفض، خوفاً، أو لأنه "ألِفَ" وضع العبودية الذي كان عليه، ويظنّ أن كل ما دونه هو مؤامرة خارجية تستهدف استقراره النفسي والمجتمعي في أن يكون ترساً صالحاً في عجلة الكبار!
    تفعل العبودية بأصحابها أكثر من ذلك، وحين سنحت الفرصة للحرية، تحوّل المظلومون الذين ذاقوا ألوان العذاب في سجون جلاديهم إلى "جلادين جدد"، يمارسون أوسخ ما تعبّأت به نفوسهم، وبلا أدنى خجل!
    وقد صدقتِ، نجح المسوخ في تحويلنا إلى «وحوش صغيرة» يخرج مخبوء صدورنا عند أول فرصة نتمكّن فيها من أن نظهر كم نحنُ بشعين .. على حقيقتنا!

    من عالم المنتديات الغابر، تعلمتُ شيئاً، وبقيتُ أخبره لكل الذين أتوا من بعدي: حافظوا على الصورة الجميلة في أذهانكم لأولئك الذين أحببتموهم بلا سبب، ولا تمنحوهم أي فرصة كي يشوهوا تلك الصورة. يقولون أن الانطباع الأساسي الذي يبقى طويلاً هو الانطباع الأول، ونحنُ نحب أولئك الذين يُبقونَ قلوبهم في ذاكرتنا طويلاً. لقد رأيتُ قلبكِ، وقد كان كافياً لي لأرى وجهكِ في المنام، وأخبركِ وأنتِ تشاغبين الصغار الذين كنا نراهم في الطريق: سنكون أحراراً حين نستطيع أن نقابل الناس .. بلا أقنعة!

    هل قرأتِ «الحب في زمن الكوليرا»؟ أظن ذلك، كل قصص الحب التي تنمو في زمن الحرب تحملُ شغفاً لا ينتهي، ذلك الحب الذي ينتصر على أزيز رصاصة ربما إن طاشت تُنهي حياة أحد المحبين، ينتصر على شراسة قذيفةٍ تنطلق لتهب الموتَ على شكل شظايا، فيجمعها العاشقون تذكارات حرب، ينتصر على حصارٍ يعزّ فيه ورق الشجر، فيتقاسمه الرفاق، وتعزّ فيه مكالمة الجوال التي لا تسمح في هذا العالم الرقمي أن يقول حبيبٌ لحبيبته "أحبكِ" بكل اطمئان. الحب ينتزع حياته من وسط موتِ الحرب يا رفيقة، وقد أُخِذَ بالقوة، وما أخذَ بالقوة فإنه يحيا طويلاً، طويلاً جداً.

    لا زلتُ أذكر صورة الثائر العاشق، ملثماً، يحمل ورقة صغيرة كتب عليها «وحدكِ، من ستعرفين عيناي .. اشتقتكِ» ووحدها التي صبرت، رغم كل الذين حاولوا أن يقنعوها بـ"لاجدوى" الانتظار، لأن الحب لا يعرف الوقت. أولئكَ اللواتي انتظرن أحبابهن أن يعودوا من السجون، كان الوقتُ يتلاشى أمام حبّهن، وفي معركة الصبر فليس ثمة أقوى من عاشقين ينتظران أن يجتمعا.

    تزوج "فلورنتينو" حبيبته بعد 50 عامٍ من الانتظار، واللهفة، والشوق، والكوليرا، والحرب، وتزوج العشّاق في (حمص) بعد حصار أربعٍ عجافٍ مرّ كل يومٍ منهم كمئة عام من العزلة. عليهم فقط أن يُخبروا الطفل الجميل حتماً، فكل طفلٍ كان ثمرة حبٍ هو جميل، عليهم أن يخبروه ذكريات الحب التي لا تنتهي، وأن يعلّموه أن ليس ثمة قوة تستطيع أن تهزم حبيبين في الحرب ..
    وودتُ يا ورد لو أني حضرتُ عرسهما، أن أحمل بندقية معهما في زفّة الكلاشنكوفات، أن أهتف مع صيحات الرفاق، وأزغرد معكِ زغاريد الماجدات اللاتي يعلّمن العالم كيف تنتصر إرادة الحياة على كل شيء.

    يقول الرفيق أدهم شرقاوي (قس بن ساعدة): «عندما تنتقلون لمنازل جديدة، ارموا فتات الخبز في الدرب المُوصلة إليها ليستدل عليكم الفرح، أما الحزن فلا تقلقوا بشأنه، إنه كالمتسول .. يملك خارطة للمدينة!»
    يعرفُ المكلومون بعضهم بالعِشْرة والألم، بجبينهم المقطّب دليلاً على أساهم، بأشيائهم التي لا يتشابهون فيها مع المترفين. قالت العرب «ليست النائحة الثكلى، كالمستأجرة»، وأولئك الذين يُمكن أن يتعاطفوا معك، دون أن يكونوا قد شعروا/يشعرون بوجعك الحقيقي، محضُ مستأجرين فقط. لذلك عرفتْكِ الغزاوية مباشرة، وألفتما الحديث، وطعم القهوة المُر، كالحياة، وأحاديث الحزن والأسى وحوارات الموتِ الأخيرة.
    وليس غريباً على بنت غزة أن تعي جيداً تلك التفاصيل الصغيرة لما يجري في الشام، حيث مهبط الروح، وليس غريباً عليكِ أن تعرفي أدق التفاصيل عن غزة، حيث مأوى الجسد.

    أتعرفين كم قصة يختزلها تقرير تامر المسحال عن معبر رفح؟ ذلك التقرير الذي لا يزيد عن 3 دقائق، اعتاده الناس، حتى ما عاد يثير شهيّتهم للوجع أو البكاء، يختصر عشرات الآلاف من الساعات التي ذاقها الناس، ولم يكتب عنها أحد أي تقرير صحفي، ولم يلتقط أي مصورٍ لها نظرة الأسى/الوداع الأخيرة، تلك التي يضنّ فيها هذا العالم السافل على فتاةٍ فُجِعَت بأبيها، فيستأثر بموت الأحبة وحده، كأيّ ساديٍ يستلذُ بمعاناة الآخرين، وتقتل الحسرة قلوب الذين تفصلهم عن الحياة بوابة واحدة عرضها 8 أمتار وطولها ألف ألف ميل من العذاب!

    لا زالت بنت "تلبيسة" يا ورد، تلك التي أخبرتُكِ عنها، تزداد جمالاً كل يوم، لا زالت تدعو من "صمصوم" قلبها على كل الذين يقفون مع المحتل، مهما تعددت أسماؤه. في خضم إفطار جميل صنعته بيديها، كانت كعادتها توزّع الحب دون حساب على قلوب اللواتي يُشاركنها المعاناة. يقول أهل "المغرب": «من لم يتزوج شامية ماتَ أعزباً»، ليس لأنهن جميلات فقط، بل إنهن يُعلّمن الجمال كيف يكون جميلاً، ولأنهن صانعاتُ الرجال اليومَ في الفيحاء والعديّة والشهباء وحوران.

    أخبرتني مروة على وجعٍ يعصر قلبها وهي تناولني إحدى قطع الحلويات: ماذا لو شكرنا جيش الاحتلال الإسرائيلي على مساعداته التي ألقاها لأهل القنيطرة المحاصَرين؟، وكانت ترمق بطرفٍ غاضب خبر شُكْرِ أحد المراهقين السياسيين لجيش الاحتلال الإيراني على خدماته لقضيته/حزبه، وهو ذاته الذي قال بعظمة لسانه الذي يستحق القطع إن إيران كانت ولا زالت "تضحك علينا"!
    وقد أخبرتكِ سابقاً ما فعلته قوى الممانعة بها وبأهلها وهي في طريقها إلى غزة.

    لماذا تأخرتُ عليكِ شهراً كاملاً كي أكتب رسالتي؟ لأن عاصفةً ما عبرت رأسي يا ورد، فبعثرت كل الأفكار، وأنا التي لو تعلمين يا رفيقة قد فقدتُ صوتي من زمن بعيد، وما عدتُ أحادث إلا الورق، والمحبرة، وبعض الخرابيش. تلك العاصفة تركت فيّ ما لا يُمكن إصلاحه/تعويضه، غير أني أحاول فقط أن أجثو على ركبتي، فيما يبدو استسلاماً، بأقل الخسائر.

    وإن كان ثمة شيء أغتسل به عقِبَ كل نهار يدنّسني فيه الآخرون، فهو رسائلكِ/دعواتكِ، تلك التي تخبّئين منها الكثير في السماء، ويرويني بها الله على شكل هدايا أفتحها وأفاجئ بجمالها، كجمالكِ يا رفيقة.
    سأموت يا رفيقة وفي صدري كلام ..
    محبتكِ المشتاقة دوماً .. رنا
    .
    .
    ص.ب.
    العنوان: إلى رفيقة ..
    التاريخ: 26/5/2016
    القريبة البعيدة ، شقيقة الروح رنا ، تحية معطرة و بعد ..
    لا أعلم يا صديقتي كيف لنقطة أن تهب النهر ارتواء ، و كيف تدس الحياة كل هذا الملح في شرايينه و ما زال عذباً سائغاً ، لكني أعلم علم اليقين أنه متواطئ مع غيمة بيضاء .. بيضاء
    و أعلم ان قطعة من السماء قريبة جداً من الخالق ، ما زالت تهوي في حبه و لا تغرق !
    و أعلم أن كل من يقترب من هالة النهر و السماء سيسعد بلا شك ،
    سيضحك بحبور و خدر ، كأنه تناول للتو قطعة من حلوى سماوية .. بنكهة غزاوية !
    أحدثك يا رفيقة عن وطن مكلوم ، كان سكانه يستعذبون الموت فداء لأحباء قلوبهم ،
    و ما فتئوا دهرا يرددون : تقبرني .. تئبشني !
    و ها نحن الآن نقتل بعضنا البعض ، لكن هذا السؤال كان يراودني كثيراً لأيام :
    عندما ينجح مقاتلونا الأشاوس في قتل أخٍ آخر لهم - كما كنا نعتقد - على الجبهة هل يقومون بدفنه و قبره حقاً !
    أم يتركون جسده ملقى على قارعة الطريق حتى يتعفن و تكتمل بذلك بروتوكولات الحقد !
    ثم أخبريني يا رنا و أنتم أسبق بالنكبة منا و أعلم بتفاصيل الأمور ؛
    هل يحتاج الضغط على الزناد إلى حقدٍ عظيم ؟
    أم يحتاج إلى عقيدة و فكرٍ مطمئن لوجوب القتل ..
    أيكون تصرفاً آلياً خالياً من المشاعر و الدوافع .. هو فقط حركة لازمة لتستمر اللعبة !
    و إن كان المقتول قد شاركنا خبزنا و حبنا .. و بكاءنا و ضحكنا ذات يوم !؟

    إننا ننجح يا رفيقة في التعاطف مع الموتى تبعا لدياناتهم و انتماءاتهم السياسية ،
    لقد كان اليهود الخنازير" حكام العرب " على امتداد سنوات متمكنين من أداء مهامهم ،
    لقد نجحوا في استخراج أحقر مكنونات النفس البشرية فينا !
    نحن صنف من البشر نعرج على هذا الكوكب .. بإنسانية مبتورة الأطراف ،
    لقد تحولنا أو حولونا - لست واثقةً تماماً - إلى مسوخٍ كريهة !

    أكتب إليك هذا الكلام المر فيما أدس قطعة من الحلوى في فمي ؛
    ما زال وزني يزداد هنا يا رنا ، في هذا المكان الذي لم و لن أحبه ، فيما يجفف الهزال أجساد أهلي في حمص ..
    إنني حقيرة جدا يا صديقتي ،
    أحقر من أن أضم شفتي لأنطق كلمة " وجع "
    أنا مترفةٌ جداً ، حتى امتعاضي و حزني هذا مترف جداً و فخم ، و لا يليق بأبناء الحرب !
    لقد قلتِ أنكِ رأيتني في الحلم جميلةً .. كنت سأنتفخ فرحا لذلك ،
    لولا أني أعلم انك لم تري وجهي في يوم ، المهم ؛
    هل أعجبتك خصلات الشعر الحمراء التي لونت بها شعري عندما لم أتمكن من التعامل مع الهالات السوداء حول عيني ، و عجزت عن كوي مزاجي المكرمش بين حاجبي .. لجأت للتضليل و تشتيت التركيز !
    إنها آلية عظيمة للتعامل مع البشر لو تعلمين .. توفر الكثير من الكلام و الشروحات ..

    ما زلت يا صديقتي منذ سنوات خمس أتحسس صدري برؤوس أصابعي ،
    فتهوي كفي !
    و أحلم كل ليلة أن أحشو هذا الفراغ بالورد و الفرح ،
    و يأبى بنو البشر إلا أن يملؤوه حجارةً و صدأ ..

    هل تذكرين يا رنا العاشقيْن اللذين فصل بينهما حصار و حرب !
    هما على وشك أن يرزقا بطفل سيكون جميلاً حتماً ..
    هو ثمرة حب و انتظار دام لأربع سنوات ، بحزنها و قهرها و جوعها ..

    منذ أيام ، التقيت في المركز التجاري بامرأة غزاوية .. ألِفنا بعضنا البعض منذ الدقائق الأولى ،
    ثم تجولنا معاً في السوق و ارتشفنا القهوة ممزوجة بالدمع ،
    حكت لي عن غزة ، و عن والدها الذي قضى على المعبر و لم تتمكن من إلقاء نظرة وداعٍ أخيرة على جسده الغالي ،
    و قصصت عليها سيرة الأرامل الجميلات في وطني ، اللاتي فقدن الفرح قبل أن يكتمل ،
    كانت دهشتي عظيمة من فهمها لتفاصيل الحرب في سورية ..
    و كانت كذلك ، عندما عرفت أني أفهم ما يجري في غزة ،
    ثم تذكرنا يا رنا .. أن الجرح لا يؤلم إلا من به ألم !
    و أن الحزن يعرف أهله ..
    ودعتها و عانقتها .. و فيها من طيب غزة - كما خُيل إلي - ما قربني إلى الإغماء حباً !
    حدثتها عنك .. و تخيلت أن لكِ صوتاً كصوتها ، و تتحدثين بتلك اللهجة المحببة مثلها تماماً ،
    و كلما ارتفعت نبرة صوتها .. تفوح من دماء وجهها رائحة الكرامة ..

    رأيتكِ فيها يا رفيقة .. لكنني ، و لأني فقدت صوتي منذ زمن ، بل ما عدت أؤمن بجدوى الكلام
    لم أكتب لك .. و اكتفيت بالحوارات الكثيفة داخل رأسي ..
    لعل شبحاً وشى لك بما سمعه في رأسي فاستحضرتِني في منامك ..

    لا كلمات جميلة أو خبراً مفرحاً أختم به رسالتي ، أصدق و أنقى من أخبرك ،
    بأنني أحبك في الله و لله .. حباً جماً يا رنا
    المشتاقة دوما .. ورد
    -
    .
    *مجاهدة،.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محترم جدا
    الردود
    1,384
    كان إخواننا من بني الساخر يتسمّرون حول مائدة مواضيعك ويتناولونها بالشوكة والسكين, أما أنا فلم أعد أذكر طقوسي في حضرة موائدك .
    وها أنت الآن تسردين هذه الخواطر والقصص , ولا وجود لنزيل, ولا حتى للنادل الذي يرتب مقاعد المائدة ويتأكـد من مستوى النظافة.
    ولكني أشعر أن الملائكة ترتاد هذا المكان ومتأكـد أيضا أن لجدران الرصيف آذان أكثر إصغاءً من أي جدار آخر في الساخر ولربما مر إنسان مثلي
    مر السحابة وهو يختبئ خلف كيبورد HP, من بلاد نائية, لا تثير سوى الأتربة والأحقاد, فوجد في نصك ما يستوجب الوقوف والتأمل,
    وبعد أن وقف وانتهى من تأملاته, اكتفى بهمهمة بسيطة , تشبه الإطراء بجميع اللهجات السوقية , ثم غادر المكان.
    وأحلم يا أمي أن أعض بأصل شجرة حتى يدركني الموت وأنا على ما أتمنى..

  3. #3
    .
    وددت لو أضع رسالة في صندوق بريدك..
    لكنني لا زلت أقنعني بأني مهذبة لا تتحدث في السياسة.. ولا تناوش الذئب!

    صندوق بريدك جميل يا رنا ودافئ.
    ___________________________________________

    من كانَ غريبًا لمرةٍ واحدة في وطنه.. سيظل غريبًا إلى الأبد.!


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بلاد العاديين
    الردود
    302
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مزار قلوب عرض المشاركة
    كان إخواننا من بني الساخر يتسمّرون حول مائدة مواضيعك ويتناولونها بالشوكة والسكين, أما أنا فلم أعد أذكر طقوسي في حضرة موائدك .
    وها أنت الآن تسردين هذه الخواطر والقصص , ولا وجود لنزيل, ولا حتى للنادل الذي يرتب مقاعد المائدة ويتأكـد من مستوى النظافة.
    ولكني أشعر أن الملائكة ترتاد هذا المكان ومتأكـد أيضا أن لجدران الرصيف آذان أكثر إصغاءً من أي جدار آخر في الساخر ولربما مر إنسان مثلي
    مر السحابة وهو يختبئ خلف كيبورد HP, من بلاد نائية, لا تثير سوى الأتربة والأحقاد, فوجد في نصك ما يستوجب الوقوف والتأمل,
    وبعد أن وقف وانتهى من تأملاته, اكتفى بهمهمة بسيطة , تشبه الإطراء بجميع اللهجات السوقية , ثم غادر المكان.
    يعتقد العارفون بالساخر أن كل نصٍ/كاتب له طقس خاص في قراءة مواضيعه، وهذا مما درَج عليه أهل الساخر وصار شائعاً بينهم.
    وأذكر، ولا زلتُ في كامل قواي الكتابية يا مزار، أني كنتُ أقرأ مواضيع الشبّاك وقصائد إبراهيم طيار حتى أحفظها!
    وأذكرُ أيضاً كل نصٍ بوقته تقريباً الذي قرأتُه فيه.

    هل جربتَ يوماً الجلوس في مقهىً مهجور ليلاً، تكتبُ على الطاولات، وتنفث عن الجدران الغبار والتراب. تكتب قصاصات الورق، والخرابيش، وتمضي؟
    تبقى الخرابيش، لا ينظفها أحد، لكن المارّين بالجوار يسرقون من الوقت ما يحتاجونه لقراءة تلك الأشياء، وينسى أحدهم تنظيف المكان أو أن يكتب أسفل الطاولة: جميل أيها العابر من هنا!
    وأعود كل ليلة للمقهى، أكتبُ ما أشاء دون أن أنتظر مرور أحدهم، لكني على يقين أن الذين جمعهم المقهى برفاقهم، وقضوا فيه أجمل الأوقات، لابد أنهم يمرون بالجوار ولو حنيناً/وفاءً لهذا المكان ..
    لأجل هؤلاء أكتب، وللعابرين بلهجاتهم السوقية، أولئك الذين يريدون أن يقولوا شكراً لنا وينسون كيف يُمكن ذلك .. وننسى أن نقول لهم ممتنون لأجل وجودكم.

    شكراً مزار، جداً.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بلاد العاديين
    الردود
    302
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة كاميليا بهاء الدين عرض المشاركة
    .
    وددت لو أضع رسالة في صندوق بريدك..
    لكنني لا زلت أقنعني بأني مهذبة لا تتحدث في السياسة.. ولا تناوش الذئب!

    صندوق بريدك جميل يا رنا ودافئ.
    لا تحاولي إقناع نفسكِ أكثر، هذه وشاية العقل للقلب، والقلب هو الذي "يقول" يا رفيقة .. ومهبط الرسائل في صناديق الآخرين!
    جميلة، وأكثر.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بلاد العاديين
    الردود
    302

    إلى متى الاعتقال ..

    Name:  146753493431.jpg
Views: 1886
Size:  68.0 KB


    ص.ب.
    العنوان: رد: إلى متى؟
    التاريخ: 02/07 - 09:37م
    .
    .
    إلى رفيقة الحريّة، والوجع، وكلاهما رفيقين لا ينفصلان، فالحرية لا تُمنح يا رفيقة، بل تُنتزع، كما الوجع حين يغرز أسنانه في أجسادنا/قلوبنا فلا يرفعها حتى تكسر أسنانه صلابة مبادئنا.
    الجميلة صابرين، واسمكِ رسمٌ للذين يريدون أن يصلوا في النهاية، فالطريق طويل، والمتساقطون كُثر، ولا يصل إلى الذين تحلّوا بالصبر والعمل.
    أما بعد، فإليكِ، وللأحرار جميعاً ..

    لا يعترفُ هذا العالم بأولئك الذين كُسرت قلوبهم، لا يتوقف حداداً من أجل أحد، ولا يقف دقيقة صمت على الذين قُتلت قلوبهم/حياتهم. حين ترين البشرية كل يوم تخطو بثقة إلى هلاكها، فإنكِ تُدركين كمّ المسافة التي جعلوها بينهم وبين الله، وقد فطرَ الله الإنسان مجبولاً على الخوف، هلوعاً، لا يؤمن إلا بما يراه، فكانت أولى مراتب المؤمنين أولئك الذين "يؤمنون بالغيب".

    كل ما تحيا البشرية فيه يقع بين الرزق والأمن. لأجل هذين المُعطيين اللذين لا ينفصلان، تُرتكب الجرائم، والحروب، ويطغى الطغاة بما في أيديهم من مال/رزق وسُلطة/أمن، فيظنّون أنهم في منَعةٍ من الفقر بأموالهم ومواردهم وجُباتهم وسحرتهم المقرّبين، وفي حصنٍ من الخوف بسلطتهم وأجهزة أمنهم/خوفهم وقمعهم وجبروتهم وتهديداتهم، ويتوه الإنسان، كل الإنسان، بحثاً عن الأولى وتحقيقاً للثانية.
    كفرت قُريش، وقد ذكّرهم سبحانهُ بنعمتين من دون كلّ النعم التي كانوا يتقلّبون فيها "فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطْعمهُم من جوعٍ وآمنهُم من خوف"، أعطاكم رزقاً على جوعٍ وتيهٍ وفقرٍ من حولكم، وأمناً على خوفٍ وحربٍ ومطامع فيكم مِن كل مَن جاوركم، ولكنكم قومٌ تجحدون!
    دارت رحى الأيام يا رفيقة، فدوام الحال من المُحال، والأيام دُول، ولو دامت لغيرهم ما وصلتهم، سنّة الله التي لن تجدي عنها تبديلاً، ولكن البشَر الحمقى يجدون عنها بدائل يظنّون أنها تمنحهم صكّ الأبدية والخلود.
    دخَل محمد صلى الله عليه وسلّم مسقط رأسه، عقر دار قريش، بعد 21 عاماً مطأطأً رأسه نصراً من الله. أغلقَ طغاة قريش على أنفسهم بيوتهم، فمن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن، ثم جاؤوا يطلبون الصدقَة من النبي، وأعطاهم الله سهماً من زكاته لأولئك المؤلّفة قلوبهم.

    أرأيتِ؟ أولئك الذين كانت تهتزّ الأرض لبطشهم وجيوشهم الجرارة، أولئك الذين سجنوا الأحرار والحرائر في زنازين الموت، لا يرون فيها نور الشمس، أولئك الذين اختبؤوا خلف قوّتهم، وأجهزتهم، وشرطتهم، وقضائهم، وأجهزة أمنهم، وجواسيسهم، و"هاكرز"هم، باتوا يخافون أن يخرجوا من بيوتهم، وصُرر الدنانير التي كانت في مجالسهم تُرمى كما لو كانت حبّات فواكه، تحوّلت إلى صدقات من النبي وصحبهِ المستضعفين.
    زار بلال حينها بطحاء مكّة، تلك التي شوَت ظهره، يمشي في عزّة وأمن، وبيده حبّات تمرٍ كانت عزيزةً يوم أن لا يُطفئ جمر النار التي تحرق ظهره إلا جلده المتساقط عليها، ترتفع رائحة الشواء، وينتشي الكفر، بينما بلال غارق في نشوته إذ مزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فكان نداء "أحدٌ أحد .. فردٌ صمد" يهزّ جنبات مكة، فتبكي حجارتها الصمّاء ولا تبكي قلوب البشر!
    مشى بلال إلى جوف الكعبة، تلك التي كانت مقرّاً أمنياً مُحاطاً بكل أنواع الأصنام، الحجرية والبشرية، كان يتفرّس في وجوه الذين مرّوا عليه وهو يُجلد وكأن الأمر لا يعنيهم حين ماتت فيهم إنسانيتهم، حدّق في الوجوه التي تعرفه جيداً، ثم ابتسم تواضعاً لله، ليرفع من وسط جنبات الكعبة أذان النصر .. "الله أكبر".

    لا يتأمل كثيرون سرّ ابتداء الأذان بهذه الجملة، وابتداء الصلاة. أتأملتِ للحظةٍ ماذا تعني "الله أكبر"؟ يقول تعالى في سورة الزُّمر التي صوّر فيها مشهد الفريقين اللذين يُساقان إلى مستقرّهما، فريق الذين اتقوا وفريق الذين جحدوا، يقول "أليس الله بكافٍ عبده"، أليس الله بكافيكِ يا رفيقة؟!
    في علم اللغة فإن هذا الاستفهام يُسمى استفهاماً تقريرياً، يختلف عن الاستفهام الذي يُتقنه الطغاة في جلسات التحقيق، فالله كافٍ عبده منهم جميعاً، الله أكبر، أكبر من الفقر إذ أقسم على رزقه "ورزقكم في السماء وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحقٌ مثلما أنكم تنطقون"؛ سمع أعرابي الآية فقال: مَن ذا الذي أغضب الربّ حتى أقسم! ويظنّ الناس أن الرزق في صورته المادية، فيخافون لأجل ذلك، ويقضون حياتهم بحثاً عنه، ويغيب عنهم أن الثبات على المبادئ رزق، والحرية رزق، ورفقة الأحرار رزق، والقلمُ الذي يُؤلم الطغاة رزق، والمنشور الذي يهزّ جنبات البغاة رزق، والتغريدة التي تُعتقلين لأجلها رزق، ونظرة التحدي في وجه المحقق رزق، ونفسيتكِ التي لن تُكسر بإذن الرزاق .. رزق.
    حين سُئل أبو القاسم عليه الصلاة والسلام عن حبّه لخديجة قال "إني رُزِقت حبّها"، وقد أخبرتُكِ قبلاً وأعيدها لكِ: إني رُزقتُ حبّكِ.

    "كافٍ عبده" .. الله أكبرُ من الخوف الذي هو سلعة الطغاة وأداتهم التي يبتزّون فيها عباده، وحُقّ على الله أن لا يجمع على عبده خوفين، فإن خوّفه الطغاة أمّنه سبحانه، وإن أمّنه الطغاة أخافه سبحانه من كل شيء، يظن كل صيحة عليه، كل كلمة، كل حرف، منشور، تغريدة، محبرة، وكلمة حق، لأن الطاغية سارق، يسرق من الناس حرّيتهم، والسارق يخشى أن يكتشف الناس حقيقته، فيبقى في خوفٍ من الأحرار .. وأمنٍ من سلطته وجبروته، وتلك معيشة الضنك التي توعّد الله بها الذين يرون الحق فيزيغون.

    وبعد أن كفى الله عبده يقول تعالى "ويخوّفونك بالذين من دونه"؛ يخوّفونكِ برزقكِ الذي يبتزّونكِ فيه، بأمنكِ الذي يُساومونكِ عليه بالسجن، بالتشهير بكِ، بتشويه سمعتك، بكل أساليب الطغاة القذرة، يستخدمونها في كل زمان ومكان، وفي كل بلدٍ، بكل ديكوراتهم الخارجية التي يصنعونها لأنفسهم ونعلمُ أنها محض أقنعة. أيخوفونكِ بكل هذا والله كافيكِ؟! فليفعلوا، وقد فعلوا برسولكِ ما هو أشنع، وقد كانت الغلبَة في النهاية للثابتين على مبادئهم/دينهم، وما يهمّ هو النهاية يا رفيقة.

    أوَيخوّفونكِ برزقكِ وقد كفاكِ الرزاق، ويهدّدوكِ بأمنكِ وقد آواكِ العزيز، ويبتزّون قلمكِ وقد حماكِ المنتقم؟! أوتستوحشين الغربة وقد آنسكِ الرحمن، وتفتقرين الرفيق وقد جاوركِ الوكيل، وتخشين دناءتهم وقد عصمكِ الجبّار؟!

    لم يشهد ياسر وسميّة دخول جحافل الأحرار من كل شيء إلا من عبوديتهم لله، لم يشهدا دخولهم إلى ذات المدينة التي عذّبتهم سياطها، وأحرقهم جمرها، وقالوا فيها لرسولهم صلى الله عليه وسلم "يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟" فردّ عليهم المؤمن بربه الذي كفاه، الحرّ الواثق بحريته "والله ليتمّن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قومٌ تستعجلون"، ووالله -يا رفيقة- ليتمّن الله الحرية، وليخلعنّ الطغاة، حتى يسير الراكبُ من غزة إلى القاهرة، ومن الرياض إلى تبوك، لا يخشى حواجز أمنية، ولا مفارز تفتيش، لا ابتزاز سَفلة، لا عيون مخبرين، ولا تخويف محققين، لا يخشى إلا الله والحبّ في غير أهله، ولكننا قومٌ مستعجلون!

    استهزأ الطاغية بياسر، وكان يصبّ النبيذ أمامه على رمل مكّة فيتبخر بعد جولة تعذيب يعطشُ لأجلها جمل، وساوم أبو جهل سمية على الكفر، على أن تبيع نفسها ومبادئها ودينها لحجارته وأصنامه التي يقدّسها ولا يسمح لأحد أن يسفِّهها بخطبة في سوق عكاظ، بمنشور، بتغريدة، فرفضت الحرّة التي تموت ولا تأكل بدينها، بحريتها، بقلمها. طعنَ المجرم سميّة في شرفها بحربته كي يشوّه سمعتها، فماتت فداءً لثباتها. ثم ماذا يا رفيقة؟ لقد خلّد التاريخ اسم ياسر بمداد من ثبات، ووزّعت سميّة شرفاً يكفي نصف نساء الكرة الأرضية، وصبرَ آلُ ياسر فكان موعدهم الجنّة، وقُتل أبو جهل، الطاغية، على يد ابن مسعود، وجزّ رويعي الغنم رأس أبرهة عصره حتى أتى به للنبي وسيفه يقطر دماً!

    سأخبركِ شيئاً .. صورة العقاب الإلهية للناس هي صورة تتعلق بالخالق، يختلف مفهومها وتطبيقها عن تصوّر المخلوق المحدود. ما ترينه شراً فذلك وفق رؤيتك للطبيعة الزمنية للأحداث، والزمن مُحدث (مخلوق) لا يسرى على الخالق الذي لا يخضع -سبحانه- لأي خطٍ زمني. تُدركين هذه الحقيقة في حياتك حين يُصيبكِ شرٌ محض -كما يُخيل لكِ- ثم تمضي السنوات لتكتشفي أنّ الله حفّك برعايةٍ منه إذ أصابك به، ولولاه لما تحقّق الخير الذي أنتِ فيه الآن، ويعتقد الطغاة أنّ ما هُم فيه من بأسٍ شديد، أموال، سلطة، وأجهزة تحميهم، يعتقدون أنه منحة من الله، وأنهم قد حازوا الخير كله، ولكن الله يُعطي كي يستدرج، وقد أقسم سبحانه بأنه سيستدرجهم من حيث لا يعلمون، من المكان الذي ظنّوا أنه نعمة، من قلب مؤسساتهم التي يظنّون أنها منيعة، من قلب بيوتهم، ومن وسط نسائهم، وإن كيده لمتين.
    قتلَ فرعون أبناء بني إسرائيل رُضّعاً، فأرسلَ الله له مَن سيقتله كي يُربّى في قصره، وظنّ قارون أن منَعَته في ماله وعصبته التي تحميه، فخسف الله به وبماله وداره الأرض، واعتقدت امرأة لوط أنها على الحق إذ تمشي مع ما يمشي به قومها، وأن طهارة زوجها ما هي إلا ضلال، وأن الذين معه ما هم إلا فئة ضالة، لا تفهم الواقع، وتستهدف ثبات واستقرار (أريحا) حيث تُقام دويلة قومها، فخسفَ الله بها وبقومها دويلتهم، ولم يُغنِ عنها أنها زوجة نبي، وأوى ابن نوحٍ إلى جبل يعصمه من الماء استهزاءً، من الأحرار، من ألسنة الحق، ومن بنادق الثورة، لجأ إلى حصنه الأخير كملاذٍ لن يصله أحد، فمات بذات الذي كان حريصاً على البقاء فيه، وقتله الماء على قمّة جبله المحصّن، وأورثَ الله عباده المستضعفين الأرض، فهي لله، يورثها من يشاء من عباده، لا عبّاد أصنامهم، وطغاتهم، ومسؤوليهم، ودويلاتهم، وحركاتهم، وتنظيماتهم، وممالكهم.

    في معارك الحقّ الكُبرى، فإن الذين استظلوا بظل أقلامهم نجوا، وإن ظنّ الناس أنهم قُتلوا. ثمنُ الكلمة يا رفيقة باهظ، ها أنتِ تدفعينه من أمنكِ وقوت عيالكِ ورغد عيشكِ وبقية ما يغرقُ فيه الذين يعيشون العبودية المقنّعة، أولئك الذين يُحاولون إقناعكِ أن لا جدوى من كل ما تفعليه، وأن لا فائدة منه، وأن كل ما تجنينه من كلمة الحقّ التي تقولينها في وجه سلطان جائر هو خسائر على المدى النظري، لكن صدّقيني، وأنتِ تعلمين ذلك، أن كل خسارةٍ نظرية على المدى المحسوس لا تساوي خسارةَ أن تحيا عبداً أبكماً لا تستطيع أن تقول ما يختلج في صدرك، أن تموت وأنتَ على قيد الحياة، وكل ما تفعله هو انتظار أن يقبروك، أن تحيا تاجراً بمبادئك، بحريتك، وأن تحيا حياة كالتي أخبرَ الله تعالى عنها عن حين وصف بني إسرائيل "ولتجدنّهم أحرصَ الناس على حياة" حياة، هكذا، نكرة، بلا أل التعريف، بلا كرامة، بلا مبدأ، بلا أي قيمة، كالبهائم يحيا ليأكل وينكح ويتكاثر ثم يموت كما تموت البعير. ألا فلا نامت أعينُ الجبناء يا رفيقة، لا نامت أعين الجبناء.

    تذكّري أن سيد الشهداء حمزة، ورجلٌ قام إلى إمام جائرٍ فنهاهُ فقتَله، ذاك أن ما يؤلم الطغاة جهاد، وأنكِ حين تُغلظين على المنافقين القول، تسخرين منهم، من أصنامهم التي ظلوا عليها عاكفين، حين تبتسمين في وجه تهديداتهم، حين "تشرشحين" كل رموزهم وأعلامهم وكاذبيهم وكهنتهم ودهاقنتهم، فإنكِ ترتقين إلى مصاف سادة الشهداء. يقول سيد قطب رحمه الله "إن كلماتنا ستبقى ميتة، أعراساً من شموع، لا حراك فيها جامدة، حتى إذا متنا من أجلها .. انتفضت حيّة، وعاشت بين الأحياء. كل كلمةٍ عاشت، كانت قد اقتاتت قلبَ إنسانٍ حي، فعاشت بين الأحياء، والأحياءُ لا يتبنّونَ الأموات" وما كان الأحياءُ يوماً يُدافعون عن الأموات، بل يُدافعون عن حقّهم في أن يكونوا أحراراً فوق الأرض، فإن لم يجدوا في ذلك حريّة، فإن باطن الأرض حينها خيرٌ من العبودية على ظهرها.

    لا بأس، سيمرّ كل الوقت، وسننسى يا رفيقة، فقط تذكّري أن العاقبة للأحرار، وأن الله أمرنا بقول الحق ولم يأمرنا أن نرى نتائجه، فإياكِ وأن يُخالجكِ يأس من كل ما تكتبين، وإن بدا لكِ صغيراً غير مؤثر، وإن زعموا أنكِ نقطة في بحرٍ لا تؤثّرين فيهم، وإن أوهموكِ أن كلماتكِ لا تزعزعهم، فإن "بسم الله ربّ الغلام" هدت أمة، والمنافقون يرون أن ما فعله أصحاب الأخدود حين آمنوا كان هلاكاً إذ حُرقوا في النار جميعاً، لكن بحسابات الله تعالى فإن الموت على الإيمان، والمبادئ، هو "الفوز الكبير " كما وصفه الله تعالى، وفي الآية التي تلتها مباشرة، توعّد الله كل أولئك الطغاة "إن بطش ربكَ لشديد"، وحين يبطش الله تعالى فإنكِ سترين ما لا تتوقعينه، وهو البطشُ الذي يشفِ صدور قومٍ أحرار، مؤمنين، ثابتين، أحياءً كانوا أو أمواتاً فائزين.

    لا بأس يا رفيقة ببعض الهدن المؤقتة، والانحناء، لا للريح، فالريح لا تقتلع الأحرار، ولكن لزرع القنبلة، وتذكري: إن فرّقتنا المسافات فقد جمعتنا الحرية، وأولئك الذين أحسوا بطعمها ما كان لهم أن يستبدلوها بالذي هو أدنى منها.
    وإن عاد الطغاة مرة أخرى، وسألكِ الصغار: إلى متى؟ فأخبريهم أن هؤلاء الخفافيش الملثمون هم أكثر الناس خوفاً، ورعباً، وأن "العَوْ" الذي في كلمات الأحرار يُخيفهم أكثر من الموت. لقد أرضعتِهم الكرامة والثبات، فلا تخافي عليهم، وإن خافوا فأخبريهم أن "خالتو رنا" تحبّكم كثيراً، كثيراً جداً، وودّت لو أن بيدها قوة، أو تأوي بهم وبأمهم إلى ركنٍ شديد، لكنها سنة الابتلاء والتمحيص يا رفيقة، وليذيقنّهم الله وأولادهم ونساءهم رعباً أضعاف ما عشناه، إن موعدهم الصبح .. أليس الصبح بقريب؟!

    أعيذكِ وصغاركِ وأهلكِ وأحبابكِ من بطشهم وجبروتهم، وأعيذكِ من اليأس، والفتنة، وأن يستسلم قلمكِ، أو يضعف قلبكِ، فإن ما أصابكِ ما كان ليُخطئكِ، وما أخطأكِ لم يكن ليُصيبكِ، واعلمي أن الطغاة جميعاً لو اجتمعوا على أن يضروكِ بشيء، فلن يضروكِ إلا بشيء قد قدّره الله عليكِ، فأقصى ما يستطيع المجرمون فعله هو تنفيذُ قدرِ الله، والله لا يكتب على عبده المؤمن إلا خيراً، وإن اجتمعوا على أن ينفعوكِ بشيء، فإن كل منفعةٍ من الطغاة تنكتُ نكتة سوداء في القلب الأبيض، حتى يستمرأ السكوت، ويقبل بالمساومة، وإنهم لن ينفعوكِ إلا بشيءٍ يوافق سياستهم وعبوديتهم التي يفرضونها على الناس. رُفعتِ الأقلام .. ووجبت الثورة.

    "أحدٌ أحد .. فردٌ صمد" والله أكبر، خيرُ حافظٍ، ورازقٍ، وحبيب.
    محبتكِ المشتاقة دوماً .. رنا
    .
    .
    ص.ب
    العنوان: إلى متى؟
    التاريخ: 24/06 - 8:33م

    #إلى_رفيقة وقد انتهى كل الكلام فعلاً ، أما بعد ..
    العالم دنيء كعادته كاذباً .. وليس ثمة أبطال في الحُب ولا في الحرب ..
    والخوف رداءٌ نزعته منذ الزمن الذي ارتطم به رأسي في الجدران .. جدران الخيبة والسجن !.
    ومنذ اليوم الذي أُلبست فيه أعماراً ومواقفاً تفوقني .. منذ اليوم الذي أُغلقت فيه الأبواب التي كانت مشرعة دائماً ،
    منذ النظرة المختلسة للمقابر ، منذ الرسائل التي مُزقت .. وجلسات التهديد والتنكيل التي كانت فيها وجوه المسخ تجلس خلف الطاولات المخصصة للآدميين !.
    منذ محاولات الهروب للاشي .. للا أحد ..
    منذ النظرة الناقصة .. والكلمة المغمسة بالدم ..
    ومنذ البوح الذي أخبرتكِ به أول مرة !.

    العالم يا رفيقة كمرابي يهودي وضيع ، يساوم تاجراً على بناته ، وأولئك الذين اكتشفوا شرفنا أرادوا اغتصابنا حتى لا نكون ضحايا للكلمة ، والكلمة شرف في هذا الزمن يا رفيقة ..
    لا نستطيع أن نكتب لبعضنا إلا على جدران الزنزانة التي حفظتُ كل أبيات الشعر ورسائل الأحبة التي كتبها الماضون على جدرانها ..
    أتعرفين أول ليلة في السجن يا رفيقة؟ باردة ، موحشة ، وحده الله هو الذي يسمعك ، ووحدها الليلة التي تدركين فيها كم أن كل الأصدقاء يتوارون فلا يبقى منهم أحد !.

    انتظرت يومين كي أتأقلم مع الظلام الذي لا ترين فيه طبق الأكل العفن الذي يقدمونه لكِ ، قرأت على جدار الزنزانة كلمة لفيلسوف اسمه " أوفيد " يقول كاتبها الذي خطها بفحمٍ يبدو أنه استطاع تهريبه (صديق الكل .. ليس صديقاً لأحد) ، ومنذ ذلك الحين أدركتُ أن عليّ أن اتخذ خليلة ورفيقة واحدة فقط ، وكنتِ أنتِ ..

    إليكِ يا رفيقتي .. أنتِ هناك بلا كهرباء أو حياة ، تمشين على حقل الألغام وأخشى كل لحظة أن اسمع خبر انفجار لغمٍ بك ، وأنا هنا بلاكِ !.

    يعزونني عتبٌ على خالي الذي أسماني " صابرين " ، وما وددتُ أن لي من اسمي نصيب فتتقصديني الرزايا والخطوب وكل الأشياء البائسة الحقيقية ، لا تلك التي يكتبُ عنها مترفو تويتر ومراهقي سناب شات !.
    كنتُ أسأل نفسي طوال فترة التحقيق والضرب والإهانة ، طوال جلسات الشبح ولعنِ الله التي كان يتفنن فيها أعداؤه ، وإن أطلقوا لحاهم و صلوا ببعضهم ، وصاموا ، وزعموا أنهم مسلمين ، كنتُ أسأل نفسي .. لماذا لم يسمّونني فرح ، أو لقاء ، أو سعاد ؟ أي اسمٍ لا يتقصدني بخطب ، كخطب أنكِ أقربُ الناس لي وأكثرهم بعداً عني !. أكثرهم استحالة .. كحلم ، كأمنية أخيرة أبثها إلى الله بعد نهاية جولة تعذيب أختلي فيها بزنزانتي مع الذي أقسم أنه سينصر دعوة المظلوم ولو بعد حين ..

    في كل مرةٍ كان خفافيش الليل يزورون بيتي ، كانت ابنتي الصغيرة تلتحف بي ، ويُمسك أخوها الأصغر بطرف فستانها ويهمس بصوتٍ ما بين البكاء والضحك " هذا العَوْ ما يخوّف يا ميمتي " .. وكان الخوف الذي في عيونهم يكفي لإخافتهم وبكائهم .. ويكفي أن أدعو عليهم من كل قلبي ..
    وفي لحظات اليأس التي أصبحت تزورني بشكل مستمر هذه الأيام ، أسأل نفسي ويسألني صغاري : إلى متى ؟ ولأني فاشلة في إجابة الأسئلة ، كما قال المحقق ذات مرة ، فإني أرد على كل أسئلتهم بابتسامة باردة وحضنٍ دافئ .. ابتسامة لا تجيب أسئلتهم ، وحضن يحتوي كل خوفهم ، لكن من يحتوي خوفي أنا .. ومن يبتسم في وجهي ؟!.

    أتقولين أنكِ محظوظة بي يا رفيقة ؟ في زمن اللارفاق وجدتكِ ، فكنتِ بكل ما تملكين رفيقة حقيقية ، رغم البعد .. رغم الحرب .. رغم الحصار الخانق .. رغم النضال .. ورغم المرض يفترسكِ يا وجعي ..
    وأولئك المترفون على أسرّتهم يجترون أحزانهم القليلة جراً ، وقد أشاحوا بوجوههم عن سلسلة انهزاماتي التي كنتُ أجهد في إخفائها إلا عليهم ..
    وحدكِ أنصتِّ بطريقة لم ولن يشبهكِ فيها أحد ، كالأمهات تماماً .. تنصتين بقلبكِ من غير بوح ،
    وفي اللحظة التي أبكي فيها على بعد 1409 كم هي المسافة الجغرافية التي تفصل بيننا ، كان قلبكِ يكتبُ لي بلا مقدمات : كيف هو قلبكِ يا حلوتي ؟. وقد أدركتُ يومها أنكِ أكثر من رفيقة .. أنتِ منحة السماء في الطريق الشاق .. أنسه وهدايته ورفيقته بعد الله تعالى .. فأينا المحظوظ بالآخر يا رفيقة ؟!

    نعم .. لم أجتز بعد ، ولم أستطع الهرب ، وحين سألني أخي من خلف القضبان التي تشاركناها سوياً عن حلمي الذي أخبرتكِ أني وجدته ، خفتُ كثيراً .. وثارت كرامتي أن أقول له أنه سُكب سريعاً على أراضي اليأس ، فقد علمني السجن الابتسامة التي تقهر السجان ، فابتسمت وتعللت بوجود البقية ، وغبت بعدها عن كل الزيارات كي لا يوجعني قلبي أكثر يا رفيقة ..
    لقد اغتيلت آمالي ، فلأدع له أحلامه على الأقل ، ألم تقولي يوماً أن الأحلام تفقد بريقها إذا تحققت ! فليتحقق حلمي ، ولو يوم واحد ، ثم ليذهب بريقه حينئذ ، فما سيمنحني هذا اليوم من سعادة كفيل بأن يجعلني الدهر أطير من الفرح ، وأي فرح يا رفيقة ..

    عدا ذلك أنا بخير يا رفيقة .. بخير من الله وحده ، ومن عباده لستُ كذلك - كما تقولين -
    الأطفال يقبّلونكِ .. والأمهات يدعون لكِ
    وأنا أحبكِ ..
    صابرين.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •