مقامات الجوادي [6]:
الطيب ونعيمة،يوم النهر

حدّث الطيب قال: أرسلت إلى نعيمة ابنة عمّي في يوم قائظ كأنه جحيمٌ مُسْعرةٌ أن ادركيني عند النّهر نبترد ونلهو ،وماهي إلا أن رأيتها مقبلة تحثّ الخطى وَجِلَةً تخشى أن يراها من يفشي سرّها عند هنيّة أو عند أمّها فينالنا منهما العقاب الشديد وكانتا قد حذرتانا مغبة اللقاء بعد أن شببنا على الطوق وكعبت نعيمة وغدت صبية هيفاء وحُجبت عنّي،قال الطيب: ماأن أدركتني نعيمة عند ضفة النهر حتى رمت بنعليها بعيدا وألقت بنفسها في الماء وأسلمت نفسها للتيار يحملها وقد غمرها الماء حتى لا يظهر منها إلا شبح غائم وسط اللجة،فخفت أن يغلبها التيار فيجرفها إلى الأعماق، فألقيت بنفسي وراءها ،ولمّا أدركتها احتضنتها ورفعتها إلى سطح الماء لتتنفس ، فطوقتني بذراعيها وراحت تخبط بساقيها وترفع عقيرتها بالغناء وتحثني أن أغني معها وأخبط بساقيّ مثلها ،ثم طلبت مني أن أحملها فوق كتفيّ وألقي بها إلى الماء كما كنت أفعل بها ونحن طفلان غرّان ، قال الطيب:لقد والله لهونا يومها كما لم نله من قبل، وأطلقنا حنجرتينا بالغناء حتى بحّتا،وتعانقنا عناقا حتى كدنا نصبح واحدا،وبكينا حتى خفنا أن تجفّ مآقينا، وما هي إلاّ أن مالت الشمس للمغيب حتى طلبت منها أن نسرع بالعودة للدوّار فألقت بنفسها في أعماق اللجة فلما أعدتها للسطح همست لي أن : دع التيار يحملنا وليكن رحيلا لا عوْد بعده ،فإننا لوعُدنا للضفة لا نأمن أن يفرّقوا بيننا،ولنٓمُتْ متعانقيْن فنُبعث مٓلٓكيْن بجناحين من نور ،
ولكننا عدنا للدوار، ولم يكتب الله لنا أن نلتقي بعد يوم النهر