هذه يومية جديدة لبطل الإلحاد الافتراضي العربي: أبي الإلحاد الرقمي, ولربما يُشكل موضوعها على من لم يحْظ منكم بنظرة إلى المجاري الفيسبوكية والتويترية التي تنشط فيها اليرقات الإلحادية العربية:


52- تجليات صرصورية



تمرّ بصاحبنا أيام سود حوالك, تضيق عليه فيها شرنقة الإلحاد, وتشبّ نار القنوط في أعماقه, فيفزع لإطفائها إلى أحد شرابين: شراب حفدة الرفيق المرعب ستالين, أو جرعة من عصارة منتديات الجرب والجذام, وكلاهما يطمس فيه نور البصيرة الإنسانية, ويجلو منه الغريزة النسناسية.

اشتد عليه الأمر ليلة, وظللته سحائب داكنة من الكآبة والحزن, فجلس إلى حاسوبه يلتهم بيتزا رديئة باردة و يحتسي قنينة فودكا وهو يتنقل بين المواقع الإلحادية و يشاهد مختارات من مواعظ شيخه دونكي حتى كاد جيش الليل يندحر, ثم شاهد شريطا وثائقيا عن الصراصير وتميزها الدارويني المذهل, بدأ خيط النور يبدد ظلام الليل فزحف صاحبنا إلى سريره سكران مكدود الجثمان ليسقط في هوة سحيقة من الهلاوس والأحلام.

رأى نفسه يدب على الأرض في خفة, فتساءل: هل عاد فتى يافعا كما كان؟ شم من نفسه ريحا نتنة خبيثة, أراد أن ينظر إلى أنامله ففزع حتى كاد قلبه ينخلع, لم ير ذراعا ولا يدا ولا أنامل, بل رأى منظرا مفزعا كريها, جرى إلى الحمام لينظر في المرآة.
بدا كل شيء في طريقه بدا ضخما, نظر إلى المغسلة كأنه يقف في أصل جبل, تسلقه في خفة حتى وقف على سطح المرآة, فوقع بصره على أبشع صورة, لقد استحال أبو الإلحاد صرصورا من جنس الصراصير المنزلية التي تستوطن المراحيض والأقبية.

هاهوذا بأرجل ستة, و رأس قبيح يعلوه قرنا استشعار, دارت به الأرض, وقال يحدث نفسه: تنفس بعمق ولا تفقد أعصابك, انظر إلى نصف الكأس الممتلئ, لا بد أن ثمة جانبا مضيئا من هذا الذي يحصل لك.
استطرد: وأي شيء يفرح به من انقلب صرصارا بعدما كان يتربع على عرش العائلة الداروينية؟
نظر إلى جسده الجديد مليا, فتبسم:
لقد صار له جناحان, كان يتمنى دوما لو يطير, لعله يتقرب أكثر إلى الإله الإلحادي وحش السباجيتي الطائر, لكنه ود لو حظي بجسد أي قريب دارويني آخر من مملكة الطيور, ولو كان غرابا أبقع.

سمع صوت قرع أقدام, دخلت أم الإلحاد فجأة, فصرخت لمرأى زوجها الصرصور, ثم ركضت لتأتي بمبيد الحشرات, أراد صاحبنا أن يتكلم فلم يستطع, يا له من غبي, ومنذ متى كانت الصراصير تكلم البشر, وهب أنها تملك ذلك, فأين المرأة التي سيحظى صرصور بمتعة محادثتها وجها لوجه؟ فلا ينتظرن مثلُه من النواعم إلا الصراخ والفرار, أو السحق والدهس.

عادت أم الإلحاد لترش الكائن المتطفل, لكن دوافع حب البقاء الداروينية جعلت أبا الإلحاد في كينونته الصرصورية يندفع صوب المغسلة, ليختفي سريعا في عالم لم تطأه قدماه من قبل, لقد ولج امبراطورية المجاري من أضيق أبوابها, ولأمر ما لم تزعجه لا الروائح الكريهة, ولا الأقذار المتعفنة اللزجة, بل إنه شعر أنه في أحسن أحواله, وأنه جزء من هذا العالم السفلي الذي ولجه لتوه. سمع صوت هدير مرعب, أوه, لقد فتحت أم الإلحاد الصنبور, خيل إليه أن شلالات نياجارا تتدفق فوق رأسه.

يبدو أن نظام المواصلات في إمبراطورية المجاري قد صمم بغاية الإتقان, هاهو صرصور الإلحاد قد بلغ الشارع الرئيسي في العالم السفلي تحت المدينة, وجد نفسه يطفو على نهر تنتهي إليه كل مخلفات المجتمع البشري الصلبة والسائلة واللزجة. استلقى على ظهره متفكرا في أمره, عجب أن كل هذه القذارة والنجاسة لا تزعجه, بل إنه يستمتع بكل لحظة يقضيها في هذا المكان, لا عجب في ذلك البتة, فهو يستعذب زياراته لمنتديات الجرب والجذام. تمتم: النجاسة؟ تعجب من بقايا الرواسب الدينية في نظرته لتجليات العالم المادي. يا لها من أوهام ميتافيزيقية بالية هذه التصورات الدينية حول الطهارة والنجاسة.

فجأة أحس بشيء يندفع نحوه, ياللهول إنه جرذ ضخم الجثة, بدا قياسا إليه كأنه ديناصور, فر صرصور عبر أحد الشقوق ليجد نفسه أخيرا بين أقرانه, لقد ولج مملكة الصراصير, كانوا بعدد الحصى يملئون الأفق, لو صعد كل هؤلاء الرفاق الداروينيين إلى سطح الأرض لاحتلوا المدينة في ساعات.

دخل إلى مقهى الصراصير, فجلس إلى نفر يتسامرون, كانوا يشربون من كأس خضراء متعفنة, علم منهم أنها من مجاري خاصة, لا تلجها إلا الخاصة, فهي غنية بالمعادن والمخدرات والمضادات الحيوية وما شئت بعد, ويعزو إليها عباقرة الصراصير خواص عجيبة, منها مقاومة سائر الأمراض والفايروسات والأسلحة البشرية الكيميائية والنووية. لكنه فهم من كلامهم أن مختبرات البحث العلمي الصرصورية لم تفلح إلى اليوم في حل معضلة الأسلحة التقليدية, التفت إلى جليسه الشاب, كانت تصفيفة قرني استشعاره مواكبة لآخر صيحات الموضة الصرصورية, همس في أذنه: عفوا, ما هي الأسلحة التقليدية؟
فأجابه مستغربا من سذاجته: النعال والأحذية والشباشب, ألم تصعد قط إلى بيوت البشر, إنها الفصيلة الوحيدة التي تنتعل أسلحتها, يا لهم من أغبياء, لو أضافوا العض بالأنياب والأضراس والقواطع إلى السحق بالنعال لقضي علينا منذ زمان بعيد, ضحك لحود الصرصور حين تصور أم الإلحاد تقضم رأسه, إنها ستموت حتما من فرط الاشمئزاز, قبل أن تموت من لوك مخ صرصور ملحد, فهي يكاد يغشى عليها حين ترى صرصورا على شاشة التلفاز في نشرة الأخبار مثلا.
ما أكثر الصراصير اليوم الذين يقام لهم ويُقعد, يلبسون أفخر الثياب, وتخلع عليهم الألقاب الرنانة, وهم في حقيقتهم كائنات صرصورية متنكرة في صور بشرية.

عقّب صرصور كهل: لم أر إنسيا يُعمل القواطع والأضراس في بني جلدتنا حتى دخلت يوما بلادا بعيدة, فوجدتهم يطهون إخواننا في القدور, ثم يجففونهم تحت أشعة الشمس, ويأكلونهم أثناء مشاهدة التلفاز كما يأكل غيرهم رقائق البطاطس.

همّ أبو الإلحاد أن ينصرف حين سمع أحدهم يتحدث عن أغرب مكان دخله, فقال: كنت قبل سنوات في بلاد بعيدة, فدخلت يوما في نفق عجيب, لعلي أنفذ منه إلى بيت أحد الأثرياء, لكن يبدو أني أخطأت التقدير, كان طويلا لا شيء فيه, ولا يفضي إلى أي مكان آخر, كنت أسمع أصوات آلات وبشر, وبين الفينة والأخرى كان ذلك النفق يهتز اهتزازا شديدا, فأظن أني سأموت, بقيت هنالك زمانا حتى كدت أهلك, ثم انفتحت يوما فتحة صغيرة فنفذت بجلدي, آه تذكرت, كان ذلك في جنيف. فغر صاحبنا فاه, ورفع قرني استشعاره تعجبا, لقد حظي لتوه بلقاء سفير الصراصير إلى مسرع الجزيئات الشهير.

انسلّ صرصور الإلحاد من بين أقرانه, جرى مسرعا ليخرج من فتحة في السقف, أشار إليه جلساؤه يحذرونه وينهونه لكنه لم ينتبه لهم, ما أن وصل إلى آخر الممر حتى حمله تيار جارف وقذفه في البحر, عندها أفاق أبو الإلحاد من كوابيسه, تحسس يديه ووجهه ورأسه, شعر بالارتياح لانتهاء مغامرته الصرصورية, وحمد الطفرات التي فضلته على الصراصير والخنافس والديدان تفضيلا.

أشعل سيجارة, ونظر إلى زوجه متسائلا: هل حقا تراني صرصورا كريها أفسد عليها حياتها؟ ألا يجدر بمن كان مثله أن ينزلق إلى عالم المجاري حتى تتوافق بيئته مع ما يعتمل في نفسه؟
تخيل الرواية الإلحادية لبداية الكون من نقطة كرأس الدبوس, رأى مركبة فضائية تحوم حول تلك النقطة السحرية, كانت الآنسة "صدفة" تمسك عجلة القيادة, تساعدها في مهمتها الآنسة "طاقة".

فجأة رأى انفجارا عظيما نجم عنه ميلاد الكون الذي بقي زمانا طويلا مكانا مقفرا حتى حلت فيه فجأة الآنسة "حياة" التي استطاعت بمعية رديفتها الآنسة "طفرة" أن تملأ أرجاء الأرض بما لا يعد ولا يحصى من الكائنات الحية. تعجب من قصة الكون الإلحادية, لكنه شعر بوخز شديد في ظهره, لم يكترث له أول الأمر, تخيل أن سن الدبّوس الإلحادي قد انغرس في ظهره, إنه الدبوس الذي يزعم قسس الضلال أن الكون كله كان كامنا في نقطة في حجم رأسه, تساءل صاحبنا: لكن من أين جاء رأس الدبوس؟ ازداد الألم, استدار وتحسس ظهره بأنامله, لقد نسيت زوجه ابرة على الفراش, هاهي ذي مغروسة في ظهره, أزالها, لكن الدبوس الإلحادي ما زال ينخر في رأسه.