Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المكان
    ساخرستان
    الردود
    584
    التدوينات
    19

    العميلة " نغم " . .

    .

    تطوح يدها . .
    عبثا تحاول ألا يجرفها التيار . .
    المياه الباردة تغمرها ، يتسرب الماء لأنفها . . تختنق . .

    " رباه . . إني أغرق " . .

    ترتجف قليلا من الماء البارد ، وكثيرا من فكرة الموت . . كيف حدث هذا ( لم أكن مستعدة لهذا ) . .
    عشرات المشاهد والأسئلة المفاجئة التي لا وقت لها . .
    تخور قواها . . يجرفها التيار كلوح خشبي تافه لا وزن له . .
    شيء ما بداخلها يصر على أن تحاول ، ألا تستسلم ، أن تتشبث بقشة لا وجود لها . .
    تخور قواها أخيرا . . ترفع يدها كأنها تودع الحياة ، إنها النهاية . .
    لم تعد تحتمل . .
    تغمض عينيها وتتحشرج أنفاسها . .

    - " تماسكي . . "

    ( هل تهلوس . . ؟ )

    - " تماسكي . . اصمدي قليلا " . .

    يد صلبة دافئة تطوق معصمها . . شيء ما بداخلها يستيقظ . .
    " لا تتركني " . . تنطقها بهمهمة مبللة بالماء المالح . .
    تجذبها اليد بقوة ، تنتشلها من أعماق الماء . . تتنفس أخيرا . .
    تسعل بقوة . . تحاول أن تبصر . . المشهد ضبابي غائم . .
    " من أنت ؟ " . .
    يتسمر الوجه الضبابي لثوان . . ثم يبدأ كل شيء في التلاشي . .
    تستعيد قواها ببطء فتهتف : " من أنت ؟ " . .
    يستمر كل شيء في التلاشي مع الضوء الباهر . . شعور الخدر يسري بجسدها . .
    تسعل عدة مرات . .
    " هه .. ؟ " تسعل بقوة ويرتجف جسدها . .
    تبدو الستائر ، تتحرك مع الريح سامحة لضوء النهار بالدخول . .
    تستعيد وعيها ، إنها في غرفتها . . تتصبب عرقا باردا . .

    " يا إلهي . . كان حلمًا آخر ، كان كابوسا " . .
    لا زالت تلتقط أنفاسها .


    * *


    - " سئمت ذلك . . لا ، لن أؤدي تلك الأغنية وتلك الكلمات وتلك الحركات الغبية " ، تهتف بغضب . .
    - " كما تشائين ، ولكنك تعلمين العواقب " .

    يغادر متجهما ، هو أحد كتّاب أغانيها ، تتبعه ببصرها إلى أن يغلق باب الاستديو . . تراه عبر الفاصل الزجاجي وملامحه تتحول كالحرباء ، يتخذ " الشكل السعيد " . . ابتساماته مع الرفاق وضحكاته التي تخفي تحت هذا المظهر أحد ضباط المخابرات المسؤولين من قسم الشفرات . .

    " يا إلهي يا له من ثعبان " . .
    تطرق برأسها في صمت . .
    إنها تعرف أنها ستؤدي هذه الأغنية المطلوبة صوتا وصورة . .
    تعرف أن اعتراضها اليائس البائس ليس إلا محاولة حياة وليدة يتم وأدها ، عبرها أيضًا . .

    ترفع نظرها إلى " الثعبان الضاحك " كما تتخيله عبر الفاصل الزجاجي . .
    لقد عشقت الموسيقى والغناء منذ كانت طفلة ، وأدخلتها موهبتها وشخصيتها المجال من أوسع أبوابه لكنها حمقاء - تلوم نفسها - لم تكن ترى سوى الفلاشات والابتسامات ومظاهر السعادة والمال ، بينما هذا قمة جبل يعلم الله ما يخفى منه . . تماما كما يتخيل الجمهور أن النجم يعيش في الجنة المفقودة . .

    يدلف مؤلف الأغاني / الضابط ثانية ليسألها :
    - " هل لا زلت عند رأيك ؟ " . .

    تمد يدها ، رأسها مطأطأ دون أن تنظر إليه ، تبدو أمام نفسها كشحاذة في رصيف الميناء . . يناولها الورقة ويغادر دون أي كلمة زائدة .

    تطالع الورقة بعيون زائغة . . نصف الكلمات - فضلا عن الحركات - لا تفهم مغزاها ولكن أخبروها أن هذا لمصلحتها وأن المعرفة على قدر الحاجة . .

    " تبًا لهذا العالم القذر " . . تمتمت ، قد تكون شفرات عمل إرهابي - معلومة عن شيء ما - تمويه - لا شيء . . أي شيء ، لا تعرف ولا تريد أن تعرف ولكن يخيفها بشدة أن تكون أداة . .
    إنهم وحوش حقيقية لا تعرف الرحمة ، وفي كل مكان كالأخطبوط . . هذا ما أدركته متأخرا ، هذا العالم - بل كل العالم - يعج بالأجهزة الاستخبارية والمنظمات والمنظمات المضادة . . كل ما يهمها ألا تتسبب في أذى لأحد ، لكن ما سيقتلها حقا لو رفضت وعاندت ثم أصيبت والدتها أو ابنها بمكروه . . ( كيف سأسامح نفسي ؟! ) . .

    تتمنى أحيانا لو أنهم أنهوا حياتها تحت ستار " الانتحار " كما فعلوا مع غيرها من النجوم فتنطفيء همومها وترتاح للأبد وتأمن على عائلتها . .
    إنها ليست مثالية . . لكنها تخشى الانجراف . .
    في قرارة نفسها تخشى كثيرا من أن تصبح عبدة كاملة العبودية . . أن تتحول تماما إلى دمية مسلوبة الإرادة حتى دمى المانيكان لها قيمة حقيقية أكثر منها . .
    لقد اختطت لنفسها خطوطا حمراء ، وتخشى يوما أن يجبروها على تجاوزها . .

    " يا إلهي ، ساعدني " . .
    تعتصر يدها الورقة أكثر .


    * *


    عدة أغاني في هذه الجولة ، ساعة من الغناء على المسرح ، يتفاعل معها الجمهور . .
    تختم بأغنية ( رسالة في زجاجة ) . .
    من الأغاني " الحرة " كما تسميها والتي يسمحون لها باختيارها أو كتابتها كنوع من التنفيس ولإبقائها ككائن حي . .
    تذكر كيف كتبتها بنهم على مدار أسبوعين ، وكأنها تكتب نداء استغاثة عاجل وتأمل أن يمر من تحت أعين وآذان القراصنة . .
    رغم قصر مدتها والتي لا تتجاوز الخمس دقائق ، إلا أنها شعرت أنها دهر . .
    كانت تحدق في وجوه الجمهور تارة وفي فرقة العزف تارة ولا تراهم ، كان جسدها معهم إلا أن ذهنها في مكان آخر حتما . .
    لم تشعر أنها انتهت إلا عندما شعرت بدمعة ما أو أكثر تتسلل على وجنتيها . .
    تنهمر دموعها وسط التصفيق الحاد . .

    دموع الفرحة والنجاح والمجد . . كما سيصفها النقاد ، وشركة الإنتاج . .
    دموع التأثر . . كما يراها الآن الجمهور اللاهي المبتهج دوما . .
    دموع الأداء التمثيلي . . كما سيصفها ضابط المخابرات المكلف بها والذي يطلق عليها لقب " سيدة الشفرة الناعمة " . .
    وحدها تعرف أنها دموعها هي . .
    تخصها وحدها . .
    ووحدها تعرف سببها .


    * *


    قلما تستقل القطار . . تفاديا للمعجبين وهربا منهم ، ولكنها في بلدة أخرى صغيرة الآن والوقت صباحا . .
    لن تجد الكثير من المعجبين هنا وفي هذا الوقت . .
    إنها مختنقة من كل شيء . .
    وتهرب . . ( ممن ؟ وإلى أين ؟ ) تسأل نفسها . .
    تتخذ مقعدا بجوار النافذة . .

    تتأمل الطريق ويجول ذهنها مع الأشجار وأعمدة الإنارة العابرة سريعا . .

    - " هبطت إليكَ من المحل الأرفعِ " . .

    تتموج الصور المسرعة في ذهنها ، تسرح أكثر بالنظر من النافذة . .

    - " ورقاء ذات تعززٍ وتمنعِ " . .

    شعور بالراحة ينتابها تدريجيا ، الراحة التي لم تجدها منذ زمن في بيتها أو مع رفاقها ، تلتفت . .
    أمامها يجلس شاب ، يضع ساقا فوق الأخرى ممسكا بآلة موسيقية وترية . .
    يعزف ويشدو بينما يستمع ركاب العربة في صمت . . كل وجه شارد . . كل وجه في عالمه . .

    - " محجوبةٌ عن كل مقلة عارفٍ " . .

    كل وجه ينظر في اتجاه ، ومن ينظرون من النافذة ربما لا يرون الطريق العابر . .

    - " وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ " . .

    شاردون ، لكل منهم قصته . . يتسرب اللحن لأسماعهم حثيثا . .

    - " وصلت على كره إليكَ وربما ،، كرهت فراقك وهي ذاتُ تفجعِ " . .

    - تلتفت وتسأل الشاب : " معذرة . . ما هذه اللغة ؟! "
    يجيب بهدوء : " إنها العربية يا سيدتي " .
    - " وما الأغنية . . ؟ "
    - " قصيدة شعرية . . لعالم وطبيب مسلم اسمه ابن سينا عاش في القرن العاشر " .
    - " جميلة . . وماذا تقول ؟ "
    - يبتسم ويهز أوتاره : " ربما هذا شيء يطول شرحه يا سيدتي ، هل عندك وقت ؟! " . .

    تحييه بابتسامة وهزة رأس ، تسند رأسها للخلف . .
    تمر الصور المسرعة بالنافذة وتختلط ببعضها . .
    تتسرب الموسيقى لأذنيها . .

    تغمض عيناها ، يغالبها النعاس . . فيما يتواصل النغم . .

    " أنفت وما ألفت فلما واصلت ،،
    أنست مجاورة الخراب البلقعِ . .
    وأظنها نسيت عهودًا بالحمى ،، ومنازلًا بفراقها لم تقنعِ . .
    حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ،، من ميم مركزها بذات الأجرعِ . .
    علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ،، بين المعالم والطُلول الخُضّع . .
    تبكي وقد نسيت عهودًا بالحمى ،، بمدامعٍ تهمي ولما تُقلعِ . .
    وتظل ساجعةً على الدمنِ التي ،، درست بتكرار الرياح الأربع . .
    إذ عاقها الشرك الكثيفُ وصدها ،، قفصٌ عن الأوج الفسيح المربعِ . .
    حتى إذا قرب المسير إلى الحمى ،، ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسعِ . .
    سجعت وقد كُشف الغطاء فأبصرت ،، ما ليس يدرك بالعيون الهُجعِ . .
    وغدت تغرد فوق ذروة شاهقٍ ،، والعلم يرفع كل من لم يُرفعِ . .
    فلأي شيء أُهبطَت من شامخٍ ،، عالٍ إلى قعر الحضيض الأوضعِ . .
    إن كان أهبطها الإله لحكمةٍ ،، طويت على الفطن اللبيب الأروعِ . .
    فهبوطها إن كان ضربة لازبٍ ،، لتكون سامعة بما لم تسمعِ . .
    وتعود عالمةً بكل خفيةٍ ،، في العالمين ، فخرقها لم يُرقعِ . .
    وهي التي قطع الزمان طريقها ،، حتى لقد غربت بعين المطلعِ . .
    فكأنها برق تألق بالحمى ،،
    ثم انطوى فكأنه لم يلمعِ . . "


    * *


    " تماسكي . . "


    .
    في البدء كانت الخاتمة . .

    .



    (جميع الآراء الواردة هنا لا تعبر عن رأي كاتبها بالضرورة)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2017
    المكان
    على البر
    الردود
    9
    حالتك أصبحت أشبه مايكون بالمنع من قبل الإدارة لإغلاق سريان التلوث البصري المؤدي للسمعي في "أفياء"

    كلاكما ترتقى لرتبة "مؤذي"

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2017
    المكان
    على البر
    الردود
    9
    يرتقِ القصد

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •