Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    جنونستان
    الردود
    2,273

    الــرمــح الــمــقــدّس

    كان عزام ينظر للمشهد بالأسفل , ويبتلع لعابة بذعر , وهو متمسك بقوة بالصخور الناتئة من الجرف الصخري. ومهند الذي سبقه بالتسلق ووصل للأرض المنبسطة وضع حقيبتة الخضراء الضخمة المعلقة وراء ظهره. كان ينظر للمشهد الخلاب للصحراء من الأعلى وهي منبسطة بسلام وهيبة, ويحاول تحفيز صديقه على الصعود:
    _ لا تنظر للأسفل ! هيا بسرعة لقد وصلت !. لو رأيت المشهد من هنا لما تلكأت ثانية !.
    نظر عزام للأعلى ليرى وجه صاحبه المتحمس وأجابه وهو يتسلق بخوف
    _ لا أدري كيف استطعت اقناعي بهذه الفكرة المجنونة ! .. هذا ليس مكاني الطبيعي لأموت متحولاً "لمستحاثة" !.
    ضحك مهند عالم الآثار الذي دغدغت أذنيه سخرية صديقة البدين وقد أحمر وجهه وهو يصل بصعوبة ليلقي بجسده على الأرض. أخرج مهند قارورة ماء شربها عزام وهو يحاول التقاط أنفاسه ليقول
    _ أخبرني ما الذي يدفع رساماً مغموراً يرسم لطلاب كلية الفنون على هذه المغامرة ؟!.
    لكن مهند حينها كان قد توجه للمكان التي تسلق جالباً معه كل هذه الأجهزة والأدوات من أجله, لحق به عزام بسرعة , ليشاهد صاحبه منشغل بإخراج الأدوات والأجهزة من حقيبته. شعر عزام حينها بصدمة كبيرة داخله, فقد توقع رؤية قدور فخارية مكسورة أو قبور مبعثرة وعظام منثورة,لكنه شاهد منظراً مهيباً لصخرة عظيمة نقشت عليها رسوم كثيرة, وهي مستقرة على أرض ملساء كالرخام المصقول. تقدم نحوها وعيناه لا تغادران الصخرة. ليسمع مهند يقول له ساخراً :
    _ هاه أيها المتشائم النكد ! ألا يستحق المكان كل هذا العناء ؟
    لكن عزام لم يجب بل تابع التقدم ببطء حتى توقف أمام الصخرة وأخذ ينظر لها , ليقول أخيراً لمهند:
    _ أشرح لي هذا المكان يا صديقي !.
    مهند الذي لم ينتهي بعد من ترتيب الأدوات , أشار بيده صوب الأراضي المنخفضة الممتدة خلف الجرف الذي تسلقاه وهو يقول:
    _ أترى هذا المكان ؟ تشير الدراسات التي قمت بها والتي قرأتها أنه كان مكاناً خصباً , بل أشبه ما يكون بغابة مطرية , ونتيجة التبدل المناخي الذي عم الأرض بتلك الحقبة تعرض المكان لتغيرات قوية جداً , بداية بالفيضانات نهاية بالتصحر الكامل كما ترى الآن.
    أسند عزام ظهره على الجرف الصخري الذي خلف الصخرة الكبيرة الممتد لقمة الجبل , وأخرج كراسته , لينظر له مهند وهو يقول منتصراً:
    _ ألم أخبرك بأنك لن تقاوم ؟!.
    بدأ عزام يرسم الصخرة والمنظر خلفها , ثم اقترب منها وهو ينقل بصره حتى رأى نقشاً يظهر به مجموعة من البشر يرمون الحجارة على اشياء تبدو وكأنها حيوانات صغيرة, ثم شاهد نقشاً آخر لمجموعة من البشر يسيرون صاعدين الجبل, هنا توقف عزام وبدأ يتحسس النقوش و مهند يطلب منه ألا يفعل كي لا يفسدها, إلا أنه كان قد ذهب لعالم آخر ولزمان آخر تماماً. لقد عاد للزمن القديم قبل أن يبدأ الإنسان السير علي الأرض مدعياً القدرة والمعرفة والقوة.


    حيث وجدت عشيرة صغيرة تعيش في الأراضي المنخفضة, تعمل بصيد الطرائد الصغيرة وجمع والتقاط الثمار. وكانت الحياة سهلة وثرية للعشيرة, حتى بكت السماء ذات يوم كما تقول الجدة ولم تتوقف عن ذرف دموعها حتى سالت الأودية كما تسيل الدموع على الوجنات وأغرقت الأرض, ولم ينجو من العشيرة إلا الزمرة القليلة التي سارت مع " آنوش " , الذي كان يحذر العشيرة منذ يوم المطر الأول بأن عليهم الرحيل إلا أنهم رفضوا, وحتى حين قرروا الرحيل بعد اليوم الثالث, خالفوا رأيه بأن يصعدوا معه الجبل, وسخروا منه وهم يقولون له بأنهم يفضلون الموت بالمروج على أن تأكلهم النمور على المنحدرات. لم يكن مع آنوش سوى القليل من الرجال والكثير من العجائز والنساء والأيتام الذين تم التخلي عنهم. صعد بهم الأراضي المحرمة كما يسميها أهل عشيرته, وهي شحيحة الثمار وطرائدها كبيرة لا يمكن صيدها بالحجارة, كما أنها الوطن المثالي للنمور والسباع.

    عانت زمرة آنوش من الجوع وبدأ أفرادها الضعفاء بالموت واحداً بعد الآخر, فتجمع الرجال وتكلموا عن ضرورة الدخول للغابة الكثيفة, وهي مكان مظلم ومكتظ بالضواري. رفض أغلب الرجال الفكرة وطالبوا بالبحث عن حل آخر, إلاّ أن آنوش نهض وهو يقول :
    _لا سأذهب للغابة الكثيفة, من سيأتي معي؟.
    حل صمت عميق لم يكسره أحد, كانوا يختلسون النظرات فيما بينهم ولم يجرأ أحدهم على التحدث. أبتسم آنوش إلاّ أنه هذه المرة كان ينظر للرجال الخائفين كما ينظر للعجائز والأطفال, إنها الرحمة من تجعله شجاعاً لا القسوة.

    غادر المرتفعات ودخل الغابة الكثيفة وأعين العشيرة تراقبه, حتى غاص فيها , فلم تبقى في أعينهم سوى جرح غياب أثر رجل أحبوه كثيراً. مرت أربعة أيام بعدها يأس الناس من ترقب عودته, إلا إن الأطفال بدأوا بالهتاف قبل مغيب شمس اليوم الخامس :
    _آنوش هزم الوحوش! آنوش هزم الوحوش !.
    تجمع الناس وهم ينظرون لآنوش الذي كان يحمل على ظهره طريدة ضخمة , تقدم والناس تنظر إليه, حتى وصل إلى الصخرة الكبيرة التي يجتمعون حولها, رمى صيده على الأرض, وقال وهو ينظر لأهل عشيرته المندهشين :
    _ ما بكم ؟! تعالوا أشعلوا النار, دعونا نأكل !.

    بعدها ظل آنوش يذهب وحيداً للغابة الكثيفة, ليعود بالطرائد السمينة, وحين يسأله رجال العشيرة عن كيفية صيده لها, يجيبهم بأن عليهم أن يأتوا معه لكي يخبرهم, إلا أنهم يجبنون ويكتفون بصيد الطرائد الصغيرة عن طريق رمي الحجارة, أو بجمع الثمار القليلة. هكذا مرت الأشهر, وآنوش يصطاد لكل ضعفاء العشيرة الذي كانوا سيموتون جوعاً لولاه. وفي يوم كئيب بارد عاد آنوش للعشيرة ليلاً والناس نيام, وجسده مضرج بالدماء. رمى الفريسة تحت الصخرة الكبيرة كما يفعل دائماً. وجلس بجانبها وهو يتحسس جرحاً كبيراً في بطنه ينزف بغزارة. بعدها أغمض عينيه ونام, ولم يستيقظ أبداً.

    حين أفاقت الناس وجدوا آنوش جالساً وقد مد ساقيه وأسند ظهره على الصخرة الكبيرة وهو ممسك بعصا طويل. وحين اقتربوا منه أدركوا أنه قد فارق الحياة. بكى الناس بلوعة كما يبكي الأيتام أبائهم ولم يجرؤ أحد على لمسه ليوم كامل, حتى تقدمت زوجته وغطت جثمانه بأوراق الشجر. بعدها أفاق الرجال من صدمتهم, وحفروا للرجل قبراً تحت الصخرة الكبيرة لتصبح شاهد قبره.
    بعد سنوات انخفضت مناسيب المياه وانكشفت السهول الخصبة, وانتشرت الحيوانات العاشبة تجوب السهول الخضراء, وبدأ الناس بالنزول من الأراضي المرتفعة ليسكنوا مجدداً الأراضي المنخفضة الثرية بالخيرات وقليلة المخاطر. ولم يتبقى بالجبل سوى قبر آنوش الذي أصبح مزاراً يقصده الناس بحثاً عن شيء من الرحمة أو الشجاعة أو التوفيق الذي نبع من الرجل الذي يسكن القبر.

    مرت السنين وتزعم العشيرة فيها زعيم كان رجلاً صالحاً إلا أنه أصبح صلفاً قاسياً بعد أن بتر النمر بالأراضي المرتفعة قدمه اليسرى, والجميع يهابونه ويخافون منه لكثرة أولاده وقوتهم وكثرة ما يمتلك من الفرائس والثمار. وكانت الهجمات تأتي مستمرة على العشيرة من الجبل, حيث تهبط النمور ليلاً لتسرق الطعام أو تخطف الأطفال, أو تهاجم الغافلين من أهل العشيرة أثناء بحثهم عن الطعام أو جمع الحطب. لذا ذهب الزعيم ليزور قبر آنوش, طلباً للبركة, وقد أخذ معه أولاده ورجال القبيلة.

    حين وصلوا وجدو اليتيم المنبوذ آمونيل الذي يعيش لوحده بجانب القبر وهوممسك بعصا آنوش. صرخ الزعيم بغضب: _أمسكوا به, لقد دنس قبر جدنا !.
    هجم الرجال على الفتى الذي ذعر فترك العصا لتسقط على الأرض وتـتـكسر. بعدها غضب الرجال أكثر وصار الجميع يركضون صوبه. تسلق آمونيل الجرف الصخري الذي خلف الصخرة كالقرد وصعد فوق رأس الجبل, وحاول الرجال عبثاً التسلق, لكنهم عجزوا, فكلما حاول أحدهم التسلق, يبدأ آمونيل برمي الحجارة الكبيرة عليه, فيتقهقر خوفاً من أن تقتله الصخور المتدحرجة. حينها قالت العجوز زوجة آنوش للجماهير الغاضبة :
    _ أتركوه ! دعوا المسكين !. لقت رأيت بالحلم أنه يكسر العصا التي تقدسونها , ويخرج آنوش من قبره , ليلبس هذا الفتى فرو النمر!.
    ضجت الناس مستنكرة وبدأت كلمات السخرية والشماتة تتقافز من الجموع :
    (عجوز مخرفة..! – لولا كرامة آنوش فقط ! – اسكتي يا ..)
    حينها صرخ الزعيم بغضب مرعب :
    _ اخرسوا أيها الأوغاد ! هذه زوجة جدنا آنوش , الذي أطعم أباءكم وأمهاتكم الضعفاء حين تخلى عنهم الجميع , لينجبوكم أيتها الكلاب الناكرة للجميل !.
    ثم أردف وهو ينظر للفتى بالأعلى :

    _ دعوه ! أتركوه !, لابد أن يجوع هذا القرد يوماً ويهبط من جبله, حينها على من يراه منكم أن يقبض عليه!.
    وهكذا تم اصدار أمر بالقبض على آمونيل الفتى المنبوذ الذي دنس قبر جد العشيرة ودمر أرثاً مقدساً. وفعلاً جاع الفتى ونزل لأراضي العشيرة, ليأكل شيئاً من الطعام الذي تعطيه الجدة وقد كانت العجوز تؤوي الأيتام والمنبوذين أسوة بزوجها. وقبل أن يصل المكان الذي يقصده, شاهـَـدَهُ رجال الزعيم وأنقضوا عليه, فأمسكوه وجلبوه للزعيم. الذي نظر له باستحقار وطلب من أهل العشيرة أن يجتمعوا, وحينها خطب بهم :
    _هل تعلمون أن هذا الفتى العاصي لعشيرته قام بتدنيس قبر آنوش!.
    كان هتاف الناس واستهجانهم يعلوا كلما صمت الزعيم, ثم تابع:
    _لا لم يكتفي بهذا !, بل أنه قد كسر العصا المقدسة ..
    هنا علا هياج الناس وأصبحوا يصرخون:
    _ أقتلوا الوغد ! أقتلوه !.

    ربطوه على مدخل الغابة الكثيفة, وكانت تلك طريقتهم بتنفيذ حكم الإعدام, بأن يربط الجاني على جذع شجرة كبيرة لتأكله السباع. وأجتمع أهل العشيرة حوله وهم يشتمونه ويبصقون عليه ويسخرون منه, وحين رجموه بالحجارة تقدمت الجدة ووقفت أمامه , فتوقف الجميع فوراً وصمتوا, نظرت في وجوههم باستحقار وقالت:
    _ليس من الشجاعة رمي فتى مربوط ! لقد حكمتم عليه بالموت على هذه الشجرة, لكن ليس لكم الحق أن تقتلوه أوتؤذوه, بل الحق لسباع الغابة أن تفعل وحدها هذا.
    شعر الأكثرية بالخزي من انفعالاتهم وغادر البعض, لكن البقية بقت بمكانها حتى سمعوا صوت زئير الأسود, فخاف الجميع وغادروا المكان تاركين أمانويل وقد ربطت يداه خلف جذع الشجرة.

    تقدمت الجدة صوبه, قبلت جبينه وأرخت العقدة التي ربطت بها يديه , وهو ينظر لها بدهشة, ثم قالت :
    _ لو كان آنوش حياً لما أمر بقتل يتيم بسبب عصاً سخيف!.
    وغادرت. وهو يحاول حل العقدة بسرعة مستمعاً لصوت خطوات تقترب منه. فك أخيرا الحبل وصار يعدو على أطراف الغابة وهو يشاهد اللبؤات يركضن عن يمينه وشماله يحاولون تطويقه, ورأى ملتقى النهرين ذو التيار الجارف عن يمينه فاتجه صوبه وقفز مفضلاً الموت غرقاً على أن يكون وجبة سهلة للأسود. أخذت الأمواج الهائجة تتقاذفه بكل صوب حتى أرتطم رأسه بأحد الصخور الناتئة ليفقد وعيه..

    فوق شجرة ضخمة شامخة كان رجل يدلي قدميه من أحد فروعها وهو يقول لآمونيل الذي يبدو مطمئناً :
    _ ألم ترَ أن الحيوانات تولد ولها الأنياب والمخالب والعضلات القوية والسرعة الفائقة والآذان التي تسمع الدبيب والفرو والصوف الذي يحميها من البرد والحر , ولو لم تكن للطيور إلاّ أجنحتها لكفتها, ولكن كيف يولد الإنسان؟ يولد وهو لا يقوى إلاّ على التقام الحلمة, يولد قطعة لحم تبكي ليفضح مكان أمه لكل المفترسات, ويكبر بجلد رقيق وأسنان ضعيفة لا تقوى على تمزيق اللحم , وأضافر لا يستطيع بها حتى حفر الأرض, إنه بطيء وضعيف !.
    نظر له أمانويل وهو غير مدرك لمكانه ولا للرجل الذي يحدثه وقال
    _ هذه هي الطبيعة !
    أجابه الرجل
    _ لو كانت تلك هي الطبيعة , لما أشتهى الإنسان الضعيف لحم الغزلان التي لا يستطيع لحاقها , ولما أشتهى الثمار التي لا يستطيع الوصول إليها كالقرود, ولما أشتهى قتل النمور التي لا يستطيع حتى الهرب منها وستر جسده بجلدها الناعم, لما أشتهى ركوب ظهر الخيل , لما أشتهى الطيران كلما رفع رأسه للسماء ورأى الطيور تحلق فوقه..
    حينها سأل الفتى بحيرة كبيرة
    _ ماهي الطبيعة إذاً ..؟
    أجاب الرجل بحزم
    _ أن يفعل كل ما سبق , أن يكون الأقوى والأسرع والأجمل..
    حينها قاطعه أمانويل
    _ وكيف يصبح هكذا.؟
    نظر الرجل لآمونيل وقال له وهو يدفعه من فوق الشجرة ليسقط !
    _ فكّر بالعصا التي كسرتها !.

    بعدها فتح آمونيل عينيه ليشاهد ثعلباً صغيراً يقترب منه بحذر, أمسك بحجر صغير ورماه بضعف عليه ففر هارباً, زحف على الأرض مخرجاً جسده بصعوبة عن الشاطئ الصخري للنهر, وأسند ظهره على جذع شجرة, وأخذ يتحسس رأسه وجسده بحثاً عن جرح. بعد أن أستجمع قواه شعر بجوع شديد فنهض من مكانه وهو يبحث عن شيء ليأكله. وجد ثماراً مرة لم يستطع استساغتها, فتابع سيره بالغابة, حتى أضطر بالنهاية لأكل الحشرات والثمار التي يجدها.
    وهكذا مرت الأيام وهو يقتات على ما يجد من الثمار والقوارض , ولا يبتعد كثيراً عن مسكنه الذي كان عبارة عن حفرة صغيرة مرتفعة بساق شجرة ضخمة. وذات يوم وحين كان يسير بالغابة سمع صوت فحيح, فتوقف ونظر بحذر حوله وهو ممسك بحجر بيده, ليشاهد "النيص" وهو يهز مؤخرته ذات الأشواك الطويلة المدببة أمامه معلناً له أنه قد
    دخل منطقة صيده. تراجع آمونيل للخلف وهو ينظر بدهشة ورعب لهذا المخلوق, حينها شاهد ضبعاً قادماً من بعيد, فتسلق الشجرة واختبئ بين غصونها وهو يدرك أن الضباع لا تستطيع تسلق الأشجار. وصل الضبع للمكان, وحين شاهد النيص حاول مباغتته والانقضاض عليه, إلا أن النيص أنتبه له فوجه له مؤخرته وهزها بقوة وهو يصدر صوت فحيح مرعب, لم يبالي الضبع وحاول الدوران ليواجه النيص, إلا أن الأخير كان يتحرك معه, وبدأت المبارزة حين هجم الضبع محاولا ضرب رأس النيص, الذي استدار بخفة موجهاً مؤخرته لوجه الضبع, كان آمونيل يراقب مستمتعاً ومذهولاً , فجأة حدث شيء غريب , فقد أطلق النيص أحد أشواكه التي انغرست بأنف الضبع, أخذ الضبع يجعر مصدراً أصوات الألم والهزيمة وولى مدبراً وهو يحاول نزع الشوكة من أنفه. بعد أن غادر النيص , نزل آمونيل من الشجرة, وأخذ يبحث بالأرض حتى وجد الشوكة التي انتزعها الضبع من أنفه. كان ينظر لها وفجأة اشتعلت شرارة بعقله جعلته يتذكر الحلم الغريب الذي رآه والعصا المدببة التي كانت على قبر آنوش. شد على الشوكة بيده وتوجه نحو الشاطئ الصخري وهو يركض, وأخذ يجمع الأحجار المدببة, وحين حصل على كفايته حملها معه وعاد بسرعة لداخل الغابة وهو يجمع الأغصان القوية الطويلة. بعدها تسلق الشجرة الكبيرة التي أتخذها مأواه , وأخذ يشحذ الأغصان بالحجارة المدببة وهو ينظر لشوكة النيص التي وضعها أمامه.

    بعد العديد من المحاولات الفاشلة توصل أخيراً إلى ما يشبه إلى حد كبير عصا آنوش , وبدأ يتدرب كل يوم على رميه محاولاً تقليد النيص. ورويداً رويداً أصبح يتقن الرمي بمهارة ليصيب به أدق الأهداف. حتى أنه اصطاد به النيص نفسه من مسافة بعيدة. لذا كان يفكر وهو ينزع أشوك النيص قبل أن يشويه , بما يجب أن يسمي سلاحه هذا :
    _ أستطيع رميه, وهو مثل المخلب, ولقد رأيته بالحلم.. سأسميه : ( رمـح ) .
    وهكذا تحول آمونيل من طريدة تتحرك بالغابة بخوف إلى صياد. لكن بالغابة أسياد أقوى, هذا ما فهمه حين اصطاد طيراً كبيراً غافلاً, وحين تقدم صوب صيده فوجئ بالأسد وهو ينقض عليها ويأكله. حينها لم يشعر بالخوف ولا بالحسرة بقدر ما شعر بالغضب, لقد بدأت أفكار جديدة ذات مشاعر مختلفة عما عهده من قبل تخالجه , وكأنه أصبح يشعر بالندية لا الدونية أمام السباع.

    بعد أن مرت الأشهر وحل فصل الصيف ذهب أمانويل لزيارة قبر آنوش , وقد صنع من أجله ( رمح ) سيضعه على القبر , وهو يفكر بالكلام الذي سيقوله معتذراً من آنوش, وحين تبدت له الصخرة الكبيرة, رأى مجموعة من الرجال يركضون بذعر تاركين خلفهم رجلاً ضخماً قد سقط على الأرض. سأل أحدهم وهو يمر بسرعة :
    _ ما سبب ذعركم ؟
    _ النمر الأحمر .. إنه قادم !
    فكر آمونيل للحظة بالهرب إلاّ أنه تقدم بسرعة صوب الرجل الضخم الذي لم يكن سوى الزعيم, حمله معه محالاً الهرب إلاّ أن النمر باغته, وقفز عليه ليسقطه هو والزعيم على الأرض , تجمع أهل العشيرة لينظروا للمشهد المرعب لنهاية الزعيم والفتى أمام صخرة آنوش, لكن أحداً منهم لم يكن ليتوقع بأن آمونيل سينهض واثباً ويبدأ بحثي التراب بالهواء واصدار أصوات غريبة وقوية. كان يحاكي تصرفات السباع والضواري التي عاش معها بالغابة حين تتقابل صدفة بمكان صيد وتقوم بإصدار أصوات مختلفة ومتنافرة , كان يقوم بهذا وهو يقترب بحذر صوب رمحه المرمي على الأرض , رفع الرمح بسرعة ليسدد للنمر طعنة قوية نافذة اخترقت بطنه, حاول النمر التخلص من الرمح المغروس في جسده إلا أن أمانويل أخذ الرمح الآخر الذي صنعه هديه لآنوش ورماه بقوة ليصيب به رأسه,حينها خرالنمر ميتاً !. ذهل الزعيم وهو ينظر لجثة النمر هامدة بالأرض وآمونيل يرفسه بقدمه ليتأكد من موته, بعدها بدأ الناس يقتربون ببطء وحذر صوبهم, ثم أتى أبناء الزعيم الذين تركوا قبل قليل أباهم للموت , وحاولوا حمله إلا أنه نهرهم وشتمهم, وأسند ظهره على الصخرة الكبيرة وهو ينقل بصره بذهول وصدمة عظيمة بين أمانويل والنمر الميت. بعدها وضع أمانويل يدي النمر على كتفيه وأخذ يسحبه متجهاً نحو الغابة, حينها علا صوت أمرأه مسنة يطلب منه التوقف
    _ توقف آمونيل!
    استدار ليرى العجوز الصالحة زوجة آنوش, وهي تتقدم صوبه , والناس تنظر له بذهول ورعب. حين وصلت له كان الناس قد تحلقوا خلفها وكأنهم يخافون منه أكثر مما يخافون النمر, نظرت العجوز للفتى بفخر وحب عظيم وقالت له :
    _ ضع النمر تحت الصخرة كما كان يفعل آنوش.
    نظر لها آمونيل بحيرة, إلاّ أنه لم يفكر بلحظة أن يعصي لها أمراً , تقدم صوب الصخرة الكبيرة, والزعيم الملتصق بالصخرة كان يرى وجه النمر يظهر ويختفي خلف كتف أمانويل الأيمن, فصعقه المشهد واخذ يزحف برعب مبتعداً عن آمونيل والناس تنظر للمشهد مشدوهة ومتعجبة , هاهو جبار العشيرة يهرب من يتيمها المنبوذ. وضع آمونيل جثة النمر على الصخرة كما أمرته الجدة.
    وحل صمت هائل وكأن كل الناس والطيور والحيوانات تتشارك هذا اللحظة المذهلة, نظر أمانويل لهم وأعناقهم تتطاول له وأعينهم لا تغادره , فما كان من الجدة إلاّ أن قالت :
    _ هذا هو حلمي الذي سخرتم منه, هاهو قد تحقق أمام أعينكم!.
    حينها هتف الجميع باسمه :
    _ أمانويل قتل الوحش ! ! أمانويل قتل الوحش ! ! أمانويل قتل الوحش !.
    هزّ أمانويل الرمح بعنف وملئ رئتيه بالهواء ليصرخ بقوة :
    _ اسمعوا !
    عاد الصمت ليخيم على المكان بسرعة , وآمونيل ينظر لهم وهو يشير بيده إلى (الرمح) قائلاً :
    _ لقد كان هذا لجدنا آنوش, تركه لنا, إلاّ أنكم أخترتم تقديسه بدل استخدامه والاستفادة منه, فبقيتم كما أنتم طرائد ضعيفة تتخطفكم السباع , وقد كرهتموني وحكمتم علي بالموت , لتأكلني ضواري الغابة , حين حاولت فهمه والاستفادة منه بدل تقديسه.!
    كان بعضهم يهز رأسه آسفاً والبعض ينظر للأرض بخزي خاصة أولئك الذين رجموه بالحجارة حين ربط بجذع الشجرة, نظر لهم ثم ابتسم بانتصار وهو يقول بنبرة واثقة وصوت جهوري :
    _ هاكم أنظروا إلي أصبحت المفترس بدل أن كنت الفريسة , أصبحت الصياد بدل أن كنت الطريدة, بهذا الـ( رمح ) !
    كان الناس يتهامسون بينهم وهم ينظرون للرمح الذي لم يسمعوا به من قبل , حينها أردف آمونيل
    _ هذا ليس عصاً مقدسة, إنه سلاحكم, إنه مخلبكم , إنه أداتكم.
    حينها صرخ طفل يركب على ظهرالنمر الميت :
    _ المجد للإنسان سيّد الأدوات !.

    عاد عزام لأرض الواقع , بعد امتلأت كراسته بالرسومات على صوت صديقه المرح وهو يهتف بسعادة مشيراً إلى جهازه الالكتروني الذي دله على رؤوس رماح معدنية مدفونة تحت الصخرة:
    _ المجد للإنسان سيّد الأدوات!
    فابتسم عزام وهو لا يدري بأي زمن هو الآن..
    عُدّل الرد بواسطة البـارع : 22-02-2018 في 09:38 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المكان
    ساخرستان
    الردود
    797
    التدوينات
    22
    .

    إممممم إمممم ، جميل وسهل الهضم . .

    والحديث عن الفرائس يذكرني بدورة ودية استضافتها الإمارت سنة 1994 وضمت منتخبات مصر والإمارات وسلوفاكيا وربما فريق رابع لا أذكره ، فازت مصر بها بأهداف حسام حسن ، وفي أحد المباريات ما قبل عصر الدش والفضائيات والإنترنت كان المعلق هو مدحت شلبي وكان مع البعثة في الإمارات وفجأة تقمصته روح سندباد وأخذ يصف ما لاقوه من استقبال وحفاوة وكيف أنهم دخلوا أحد القصور وجاءوا لهم بالخرفان المشوية وكيف كانت حاجة أسطورية كده شبه ألف ليلة وليلة على حد تعبيره ، في الأيام التالية كان حديثه مثار التعليق والسخرية على صفحات المجلات الرياضية . .

    على أي حال ، الموضوع وهذه الأحاديث فاتحة للشهية لذا يرجى من أحد المشرفين أن يعزمنا على خروف مشوي من مطعم حضرموت على حساب سهيل اليماني . .
    في البدء كانت الخاتمة . .

    .



    (جميع الآراء الواردة هنا لا تعبر عن رأي كاتبها بالضرورة)

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    جنونستان
    الردود
    2,273
    حياك الله رغم الظروف

  4. #4
    غفففففففففففففففتبيلتيااااااااااااال

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    جنونستان
    الردود
    2,273
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة فاطمةخان عرض المشاركة
    عيادة مصممة خصيصاً لتحسين صحة العملاء خلال العلاج الوريدي، حقن الفيتامينات الوريدية، الحقن العضلية، علاجات مكافحة تقدم البشرة وأكثر.
    الفيتامين الوريدي
    الحمد لله على كل حال
    برضو أحسن من دعايات شركات مكافحة الحشرات

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •