حالة وفاء



كان لا بدّ من تتويج لهذه الحياة الهانئة بحملٍ جديد هو السادس بعد انقطاع عشر سنوات! مضت السنوات الأخيرة بتوافق ومحبة، رغم مشاقّ الحياة وتكاليفها، ورغم التذبذب بين الملل والسلوى، الوصل والهجران، التفاهم والتخاصم إلا أنّ أبي وأمي أصرّوا أن تكون حياتهم كما يحبّون، وبين تغاضٍ وتسامحٍ وامتنان وتقدير أضحت حياتهم تجلب السحد وكان الحمل وكانت الولادة التي أعادت لأذهانهم أيام الزواج الأولى والفرح الأول بالابن البكر مع الانتقال لبيتٍ جديد الخطوة التي توافقت مع متغيرات الحياة الجديدة، بيت أوسع بحجم الحب والدفئ في هذه الأسرة.

ولأن الدنيا من عسرٍ ويسر وحلوٍ ومر، مرضت أمّي في يومٍ واحد وأصابها سعال ليس بالشديد إلا أنها بصقت دماً! ويا ليتني نزفت دمي بدلاً من قطرة دم واحدة منها، يا ليتني سعلت حتى بصقت أحشائي قبل أن أراها حزينةً منكسرة خائفة من مرضها، ولكن أيّ فائدة ترجى من تمنّي السوء للنفّس، إلا أنّ الإنسان يستسلم للبلاء ولا يتمنّى صرفه وكأن الله عاجز عن ذلك حاشاه بل يحاول أن يجد الحلول لتحويله عمّن يحب حتى لو تمنّى أن يصيبه البلاء بدل عنه.

لا أذكر أنّي رأيت أمي بهذا الضعف والخور النفسيّ فلازمت الفراش ومصحفها، قارئة ذاكرةً خاشعة وخائفة ومتأكدة أنّ أبي يكتم سرّاً كبيراً عن مرضها، والذي حداه إلى أنّ يجلب في يوم من الأيام بعض الحلوى احتفالاً بنتائج طيّبة للتحاليل وصور الأشعة, تلك النتائج التي كان يخبئها خارج البيت في مكتبه، وما الداعي إلى ذلك سوى أنّها خطيرة؟! حاولت أن أقرأها وأفهم ما فيها ذات مرّة، فعلت وأنا مترددٌ وخائف ولا أريد أن أتأكد أن أمي ليست بخير.

ثم كان قرار الأطباء بإجراء عملٍ جراحيّ بعد شهرٍ من مرضها، كنت أرى القلق في عينيّ أبي وأعلم أنّ حقيقة مرضها أتعب قلبه وأنّه يكابد ويعاني من الكتمان.

وخلال هذه الفترة كنّا نتظاهر بأنّ الأمر عرضيّ، نتظاهر لنخدع أنفسنا ونوهمها بأن الحال ليست سيئة طالما أنّ أبي لم يصرّح بسوئها، وأن العمليّة تستحق الاحتفال لأنّها الطريق إلى الشفاء طالما أنّ أبي قال ذلك.

كنت مرافقها مع أبي في المستشفى ألبسوها لباس العمليّة وأركبوها الكرسي المدولب وساروا بها إلى المصعد وطلبوا منها خلع خاتم الزواج، خلعته بأسى ونظرت إليّ بابتسامة كانت آخر ابتسامة رأيتها على وجه أمّي.

تسمّرت في مكاني ملتاعاً أودّ البكاء، اللحاق بها، أن أضمّها وأشمّها كم استحقرت خجلي من إظهار عواطفي ولكن هكذا كنت وإخوتي تربيّنا على كتم الحب وإظهار الجفاء إلا من بعض أفعال أو تصرفات نفهمها فيما بيننا، جمدت في مكاني بحضور عمّتي فإن كنت لا أجرؤ على إظهار عواطفي أمام أمي وأبي فكيف أجرؤ أمام عمّتي والتي أفهمها أبي أن الأمر بسيط كما أفهم أخوالي الذين حضروا بروحهم المرحة بمزاحهم ونكاتهم.

ثم مضت الساعات كأنّها أيّام وطال وقت العمليّة حتى طُلب منّا أن نؤمن لها دماً فقد نزفت كثيراً، وما كنت خائفاً منه كان! الوضع خطرٌ جداً، بكيت فرحاً عندما علمت أن زمرة دمّي كزمرة دمها وأن دماءنا ستختلط وتنجيها بإذن الله ولعل تبرّعي هو من الأفعال التي تظهر العاطفة المكبوتة اتجاهها! إلا أن الأطباء رفضوا فلم أكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمري.

ثم حُلت مسألة الدم وبعد دخولها صباحاً خرجت بعد منتصف الليل زرتها وأبي ورأيتها من بعيد تتنفّس اصطناعياً في العناية المشددة لم يُسمح لنا بأكثر من نظرة وكنت راضياً بتلك النظرة الواحدة فلم تكن أمّي التي أعرفها ليست تلك ملامحها ابتعدت لا أريد أن أراها كما هي الآن، سأنتظر قدرة الله وسحر الأطباء كي يعيدوا لي أمّي التي ابتسمت لي بوجهها المنير قبل العملية.

عدت إلى البيت مع أبي وحلّ علينا الحزن وحلّت الكآبة منزلنا نمنا لأن الله رحيمٌ بعباده ولأنه يعرف الحزن الذي ينتظرنا في اليوم التالي.

ثم ماتت أمّي وماتت معها زهرة شبابي، ماتت ومات معها طيب العيش ولذة الحياة وسببٌ من أسبابها، ماتت وتركتنا أكبرنا بعمر العشرين وأصغرنا طفلةٌ بعمر السنتين ولكن قلوبنا قلوب الأطفال العطشى لمسحة رأسٍ لقبلة خدٍّ لضمّة صدرٍ لحنانِ أمٍّ! خلع أبي نظارته ورماها معلناً الوفاة وسقطنا على الأرض جميعاً ننتحب! ثم ماذا الآن يا أبي؟ من يتحمّل تبعات شخصيّتي البشعة، كنت خجلاً من إظهار عواطفي رداً على ابتسامتها وهي على كرسيها المدولب وأنا الآن أنتحب فوق رأسها وهي مكفّنةٌ على المُغتسل!

......

وبعد سبع عشرة سنة أخرى وأنا على مشارف الرابعة والثلاثين يفيض الدمع وما كتمت من مشاعر، والله يشهد أنّ تفاصيل الذكرى في بالي لا أنساها كأنّها بالأمس إلا أنّ هولها ورهبتها والقصور عن التعبير عمّا يختلج في نفسي تجعلني عاجزاً عن الكلام في ذكراكِ ويسلّي قلبي ذكر الله والدعاء: ربّ اغفر لأمّي يا غفور وارحمها يا رحيم وتب عليها يا توّاب يا كريم.