Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: حالة وفاء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    262

    حالة وفاء

    حالة وفاء



    كان لا بدّ من تتويج لهذه الحياة الهانئة بحملٍ جديد هو السادس بعد انقطاع عشر سنوات! مضت السنوات الأخيرة بتوافق ومحبة، رغم مشاقّ الحياة وتكاليفها، ورغم التذبذب بين الملل والسلوى، الوصل والهجران، التفاهم والتخاصم إلا أنّ أبي وأمي أصرّوا أن تكون حياتهم كما يحبّون، وبين تغاضٍ وتسامحٍ وامتنان وتقدير أضحت حياتهم تجلب السحد وكان الحمل وكانت الولادة التي أعادت لأذهانهم أيام الزواج الأولى والفرح الأول بالابن البكر مع الانتقال لبيتٍ جديد الخطوة التي توافقت مع متغيرات الحياة الجديدة، بيت أوسع بحجم الحب والدفئ في هذه الأسرة.

    ولأن الدنيا من عسرٍ ويسر وحلوٍ ومر، مرضت أمّي في يومٍ واحد وأصابها سعال ليس بالشديد إلا أنها بصقت دماً! ويا ليتني نزفت دمي بدلاً من قطرة دم واحدة منها، يا ليتني سعلت حتى بصقت أحشائي قبل أن أراها حزينةً منكسرة خائفة من مرضها، ولكن أيّ فائدة ترجى من تمنّي السوء للنفّس، إلا أنّ الإنسان يستسلم للبلاء ولا يتمنّى صرفه وكأن الله عاجز عن ذلك حاشاه بل يحاول أن يجد الحلول لتحويله عمّن يحب حتى لو تمنّى أن يصيبه البلاء بدل عنه.

    لا أذكر أنّي رأيت أمي بهذا الضعف والخور النفسيّ فلازمت الفراش ومصحفها، قارئة ذاكرةً خاشعة وخائفة ومتأكدة أنّ أبي يكتم سرّاً كبيراً عن مرضها، والذي حداه إلى أنّ يجلب في يوم من الأيام بعض الحلوى احتفالاً بنتائج طيّبة للتحاليل وصور الأشعة, تلك النتائج التي كان يخبئها خارج البيت في مكتبه، وما الداعي إلى ذلك سوى أنّها خطيرة؟! حاولت أن أقرأها وأفهم ما فيها ذات مرّة، فعلت وأنا مترددٌ وخائف ولا أريد أن أتأكد أن أمي ليست بخير.

    ثم كان قرار الأطباء بإجراء عملٍ جراحيّ بعد شهرٍ من مرضها، كنت أرى القلق في عينيّ أبي وأعلم أنّ حقيقة مرضها أتعب قلبه وأنّه يكابد ويعاني من الكتمان.

    وخلال هذه الفترة كنّا نتظاهر بأنّ الأمر عرضيّ، نتظاهر لنخدع أنفسنا ونوهمها بأن الحال ليست سيئة طالما أنّ أبي لم يصرّح بسوئها، وأن العمليّة تستحق الاحتفال لأنّها الطريق إلى الشفاء طالما أنّ أبي قال ذلك.

    كنت مرافقها مع أبي في المستشفى ألبسوها لباس العمليّة وأركبوها الكرسي المدولب وساروا بها إلى المصعد وطلبوا منها خلع خاتم الزواج، خلعته بأسى ونظرت إليّ بابتسامة كانت آخر ابتسامة رأيتها على وجه أمّي.

    تسمّرت في مكاني ملتاعاً أودّ البكاء، اللحاق بها، أن أضمّها وأشمّها كم استحقرت خجلي من إظهار عواطفي ولكن هكذا كنت وإخوتي تربيّنا على كتم الحب وإظهار الجفاء إلا من بعض أفعال أو تصرفات نفهمها فيما بيننا، جمدت في مكاني بحضور عمّتي فإن كنت لا أجرؤ على إظهار عواطفي أمام أمي وأبي فكيف أجرؤ أمام عمّتي والتي أفهمها أبي أن الأمر بسيط كما أفهم أخوالي الذين حضروا بروحهم المرحة بمزاحهم ونكاتهم.

    ثم مضت الساعات كأنّها أيّام وطال وقت العمليّة حتى طُلب منّا أن نؤمن لها دماً فقد نزفت كثيراً، وما كنت خائفاً منه كان! الوضع خطرٌ جداً، بكيت فرحاً عندما علمت أن زمرة دمّي كزمرة دمها وأن دماءنا ستختلط وتنجيها بإذن الله ولعل تبرّعي هو من الأفعال التي تظهر العاطفة المكبوتة اتجاهها! إلا أن الأطباء رفضوا فلم أكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمري.

    ثم حُلت مسألة الدم وبعد دخولها صباحاً خرجت بعد منتصف الليل زرتها وأبي ورأيتها من بعيد تتنفّس اصطناعياً في العناية المشددة لم يُسمح لنا بأكثر من نظرة وكنت راضياً بتلك النظرة الواحدة فلم تكن أمّي التي أعرفها ليست تلك ملامحها ابتعدت لا أريد أن أراها كما هي الآن، سأنتظر قدرة الله وسحر الأطباء كي يعيدوا لي أمّي التي ابتسمت لي بوجهها المنير قبل العملية.

    عدت إلى البيت مع أبي وحلّ علينا الحزن وحلّت الكآبة منزلنا نمنا لأن الله رحيمٌ بعباده ولأنه يعرف الحزن الذي ينتظرنا في اليوم التالي.

    ثم ماتت أمّي وماتت معها زهرة شبابي، ماتت ومات معها طيب العيش ولذة الحياة وسببٌ من أسبابها، ماتت وتركتنا أكبرنا بعمر العشرين وأصغرنا طفلةٌ بعمر السنتين ولكن قلوبنا قلوب الأطفال العطشى لمسحة رأسٍ لقبلة خدٍّ لضمّة صدرٍ لحنانِ أمٍّ! خلع أبي نظارته ورماها معلناً الوفاة وسقطنا على الأرض جميعاً ننتحب! ثم ماذا الآن يا أبي؟ من يتحمّل تبعات شخصيّتي البشعة، كنت خجلاً من إظهار عواطفي رداً على ابتسامتها وهي على كرسيها المدولب وأنا الآن أنتحب فوق رأسها وهي مكفّنةٌ على المُغتسل!

    ......

    وبعد سبع عشرة سنة أخرى وأنا على مشارف الرابعة والثلاثين يفيض الدمع وما كتمت من مشاعر، والله يشهد أنّ تفاصيل الذكرى في بالي لا أنساها كأنّها بالأمس إلا أنّ هولها ورهبتها والقصور عن التعبير عمّا يختلج في نفسي تجعلني عاجزاً عن الكلام في ذكراكِ ويسلّي قلبي ذكر الله والدعاء: ربّ اغفر لأمّي يا غفور وارحمها يا رحيم وتب عليها يا توّاب يا كريم.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المكان
    الرّف
    الردود
    85
    كثيرا ما اذكرها حتى في الغياب الذي طال كثيرا وابتلع كل ما اذكره عنك تقريبا
    لكنني اذكرها... اذكر أني أشبهها قليلا وأنها لا تحب الثلج ..
    رحم الله قلبك يا أسمر ورحمها الله
    وغفر لي كل شيء
    ابق بخير
    ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    262
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة هباءة عرض المشاركة
    كثيرا ما اذكرها حتى في الغياب الذي طال كثيرا وابتلع كل ما اذكره عنك تقريبا
    لكنني اذكرها... اذكر أني أشبهها قليلا وأنها لا تحب الثلج ..
    رحم الله قلبك يا أسمر ورحمها الله
    وغفر لي كل شيء
    ابق بخير
    وقد كنتُ يوماً وجهك , ووجهتك , أصابعك , نافذتك , وحصونك ..الأعاصير التي تنسفك في كلّ الفصول , بكاءك المسائي , أرجوحتك , وعريشة العنب.. إلا أنّها كلماتٌ تقال كما يبدو ونزوة, تعلّقت بها كأبله وعصفت بي وعذبتني حتى هربت منها جرياً إلى الوجهة الخاطئة.

    على الله يا صديقة

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    العدية
    الردود
    262
    عندما توفت أمي كنت أتردد في الأيام التي تلت الوفاة إلى بيت جدتي وخالاتي مصطحباً أختي الصغيرة، عمرها سنتان، كنت أرجو المواساة لي ولهن باصطحابي لأختي، أجلس لبضع ساعات لا يتخللها سوى بضع كلمات ثم يخيّم الصمت والحزن، وفي أحد تلك الأيام دخلت والظلام يعمّ البيت بسبب انقطاع الكهرباء جلست وحيداً في ساحة المنزل تأتي خالة وتذهب لتأتي أخرى، يراقبونني وأختي بقلق، لم أنتبه في حينها إلى غرابة تصرفهن بل تنبهت بعد خروجي بفترة، ثم سمعت جلبةً في غرفة جدتي وأقبلن خالاتي وفي وجوههن قلقٌ رهيب، ذهلت ولم أقوى على سؤالهن عن الذي يجري بل انتظرت وكأن طامة ستقع، حتى خرجت جدتي مرتدية جلبابها وهي تصرخ بي وتطلب منّي أن أخرج حالاً من منزلها وتهددني بأنها ستأتي إليّ برجالٍ يخرجونني عنوةً إن أبَيت! لم أتوانى للحظة عن الخروج مسرعاً مع بكاء أختي وخالاتي وصدمتي لما جرى حتى أنني لم أنطق بكلمة واحدة لعدة ساعات، إن الإنسان ليقبل بالسجن/بالأشغال الشاقة/بالإعدام وإنه ليستسلم للقضاء على أن يعرف جريمته ويعترف بها، إنه ليقبل أي سلوكٍ من النّاس اتجاهه إن عرف السبب واقتنع به، ولكن لمَ فعلت جدتي بنا ما فعلت؟
    ولمَ أتذكر هذه الحادثة جيّداً بعد كل هذه المدة؟
    إني وبعد سبعة عشرة سنة، إن دخلت بيت أحدٍ وتُركت وحيداً في الغرفة أخاف أن يعود صاحب البيت ليطردني بلا سبب!

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •