ليلة خميس
التاسعة ليلا في جو بارد.. في بلدة وادعة يلفها الضباب.. في ليلة خميس، هذه الليلة الساحرة، التي تخفي ورائها للجميع ذكريات جميلة من ايام الطفولة، فهي الإجازة وهي رديف الفرح، هي الأتاري وكرة القدم، هي اجتماع الصحب والضحك، هي منادمة الخلان والأنس بهم، هي مراجعة حفظ القرآن، هي معاونة الوالد في متجره، هي اللهو والجد مجتمعان، ليلة ترتاح في النفس.. كيف لا وهي من يتبعها الجمعة..
ليلة خميس وأنّى لها أن تمر مرور الكرام.. ولكني الليلة هذه وحدي، فصاحب شهيد، وآخر في الأسر، وثالث بعيد، ورابع في سفر.. اهل وجدة في زيارة، والبيت فارغ موحش.. متدفئاً ببطانية ثقيلة في جو بارد بلا مدفأة ولا مكيف على الحار.. فهذه رفاهية لا نستطيعها، ولا كهرباء وإن استطعتها.. ولا شاشة تلفاز للتسلية فقد نهبها الحوثة في الهبة.. مع جميع الأثاث، ولو لم يكن البيت مستأجرا لفجروه.. وهل تمضي ليلتي هكذا.. كلا خلقي يأبى عليّ هذا
لا تسلية الا شاشة جوال وليل طويل، ولكن لا بد إلى التسلية من سبيل.. كيف لا والمجتمع حُوْثة.. وجوالي مليئ بأرقامهم، وبسم الله بدأت.. بمقالة عصيمية تحذر النفاق.. او هي موعظة اصدق ما يقال فيها اياك اعني واسمعي يا جارة، ظاهرها النصح، وباطنها اياكم اعني، مقالة ممتنعة، من اشباه مقالات النسخ واللصق، فأي تهمة سيأتون بها وأي عتب سيلصقونه..
وبدأت المعركة معركة الواتس الشهيرة في هذه الليلة المثيرة، ليلة الخميس.. وكتبت هذه المقالة العصماء بأسطر قليلة، وكلمات ثقيلة.. كلها حول النفاق، بدأتها بقوله سبحانه (يحسبون كل صيحة عليهم) وقد حسبوها عليهم، وهي فعلا عليهم، وختمتها بقوله جل جلاله (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) وارسلتها للجميع، والجميع عندي قيادات للحُوْثة، متسلحا بصورة محمد، الرجل الذي يكرهونه كالشيطان
وبدأت الإثارة.. ولأزيد المتعة متعة ارسلتها للجميع في محيطي وفيهم من اهل السنة البعض، وجائت الردود، وأنا ما بين ضحك وابتسامات ارى ردة فعلهم، قضيت ليلتي في متعة منقطعة النظير لما اراه من ردود الحوثة.. المتباينة.. فالغالب فيهم فهم انه المقصود.. لكن كيف يرد على رسالة - عامة - تحوي فيها النصح
فما بين سابٍّ وشاتم، وما بين رادٍّ بالقرآن كعالم..

ومضت سويعات الليلة سريعا لا احس بها، وطبعا لم ارد على احد، هي رسالة يتيمة وهو طير وقد طار.. يكفي اني بلغت منهم ما ينغص ليلهم، وأنا العارف بطبعهم

طبيعة بشرية، فكلٌّ يتحسس نقصه، فإن راسلت لصا عن السرقة، لغضب وقال منكرا اتعنيني، ولو راسلت سكيرا تحذره الخمرة ووعيد الله فيها لفعل مثل صاحبه، وبالمثل لو راسلت منافقا ديدنه الغيبة والنميمة وفكاهته القيل والقال، لانتفخت اوداجه، (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم)
بينما لو راسلت رجلا صالحا بمثل هذا، لقرأها واكتفى فما بين شاكر او داع لك بظهر الغيب.. لكنهم تماما كمقالتي التي ابتدأت (يحسبون كل صيحة عليهم) لرديء طبع سابق، وقبيح فعل فيهم متمردٍّ آبق

كانت متعة كيف أن واحدهم يرد، ثم يرد على مارد، فتارة يسب، وأخرى يمدح، ليعود للسب، والشتم والقدح..

وانتهت الليلة وما انتهت، فلا زالت ردودهم تتوالى، ولكني اكتفيت .. انتهى