.

- " ماذا تفعل يا صغيري ؟ " .

- " أرسم كما ترى ! ".

يتناول بعض الأدوات : " هل تمانع ؟ " . .

يشير له الفتي ، فيتأمل رسومه ، تختمر صور جديدة في ذهنه ، على الحائط يرسم شخصا يسجد لصرصار ، لا يتمالك نفسه فيضحك بصوت عال : " هيء هيء هيء ها " . . ينظر الفتى له بدهشة ثم ينظر للحائط ويسأله : " لماذا يسجد الرجل للحشرة ؟ أليس هذا كفر ؟ ألا تعلم أن السجود لله وحده ؟! " . .
يرمقه بنظرة عجيبة ، يتلفت حوله ، يقترب منه ويدق عنقه بكل برود . .
يسقط الفتى جثة هامدة ، يسحبه بعيدا ويواريه . .

يعود ويتأمل الجدار بفخر ونشوة ، ثم يتأمل ما رسمه الصبي ، شيء دائري يطير في السماء ويضرب كوكبا كما يبدو عليه تنين مجنح ينفث النار ، ( يا لخيال الأطفال ! آسف يا صغيري ولكنها الحياة ولها ضحايا وأنت قد ساقك الله في طريقي ) . .

يبقى في البلدة عدة أسابيع وشهور ، يرسم على جدران كهوفها وخراباتها ونواحيها المهجورة بعيدا عن أعين الناس ، بينما يبحث الناس عن ابن كاهن المدينة المفقود . . يغادر إلى بلدة مجاورة ومعابد مهجورة . . لا يزال يرسم ، لا يزال يتجول .


* *


( أوه ! ) كتاب عتيق باليونانية القديمة مع بعض اللاتينية ، إنه يجيد حتى اللغة البابلية ، يتأمل الكتاب في شهوة ، كأنه غانية حسناء متغنجة ، يضعه بحرص على الطاولة ، تسول له نفسه بعض العبث ، يسيل لعابه . .
يحضر كوبا من الزنجبيل الساخن ، يعيد نسخ الكتاب ، باستثناء العديد من الصفحات ، والفقرات ، والجمل المنتقاة . .
ينهمك الليل كله في تنقيح ذلك وصياغة نصوص جديدة تحل محلها . .

( أحيانا تغيير حرف واحد يقلب المعنى أو يغيره كليا ! قمة الإبداع بأقل جهد ! يا لموهبتي يا لعبقريتي التي لا يشاركني فيها أحد من القطيع ! هيء هيء هيء ) . .

" ولقد كانت الآلهة الجبارة تسكن في شواطيء البحر المتوسط حامية للثغور اليونانية من هجمات الفرس والبرابرة وكان ... "
يتوقف بغضب ، يرمق النص الأصلي بنظرة جانبية ، ثم يراجع ما سطره للتو ، تندفع يده فجأة كصقر منقض وتمزق الصفحة إربا ، يحدق في ثقوب سقف غرفته المتهالكة ، ( حسنا الآن جعلت الإله الواحد آلهة عدة ، لا إله واحد ، بل جعلت الملائكة آلهة ، وليكن ملاك الرعد هو إله الصواعق مثلا ، حسنا ، سأفكر في وظيفة مناسبة له ولهم لاحقا ، لكن هل يليق بآلهة أن تسكن المياه على شواطيء بحر ؟ كان الله عرشه على الماء حقا ، لكن ، لا ، لا ، فلتسكن الآلهة هناك ، فوق ، في العلياء والأعالي في جبال الأوليمب ، هذا يعطي مصداقية أكثر للقاريء ) . .

يعاوده الحماس ، يبدأ من جديد ، تتكاثر الأفكار ، يتدفق الإبداع ، تتراقص شياطين وحيه ، ( ولم لا أجعل الإسكندر شاذ جنسيا ؟ ماذا لو طمرت نبأ قرنيه ؟ بل أجعله مصاب بجنون العظمة والتأله ؟ نعم ، لم لا ؟ ما المانع ؟ فكرة مثيرة وتعطي أبعادا لشخصيته ، هيء هيء هيء ) ، يشرق الفجر ، ها قد كتب كتابا كاملا دسما مع بعض المسودات المتناثرة هنا وهناك . . يشعر بالفخر والرضا .

يدس الكتاب الأصلي في حقيبته بحرص شديد ، يغادر البلاد ، إنه يعرف كيف يوصل النسخة الجديدة المنقحة كما يسميها إلى أيدي الناس والعلماء عبر الآفاق ، هذه لعبته التي لا يجاريه فيها مخلوق كما يؤمن ، ويعرف أكثر كيف يستحوذ على الكتاب الأصلي لنفسه ، هناك ، في مكانه الآمن ، وسط مجموعاته الكاملة المنتقاة من الأعمال الدينية والأدبية والتاريخية الأصلية التي جمعها واقتناها بكل الوسائل عبر قرون ، ( آه يا كنوزي العزيزة ، اشتقت لكِ ! أنا قادم إليكِ مع ضيف جديد ثمين ! ) ( هف هف . . هيء هيء هيء ) . . لا يزال يلهث ويبتسم .


* *


- " أما يكفيهم النبوة ، أما والله لقد علا نجمهم في الأفاق ! "
- " مولاي ، دع الأمر لي ، أنا أكفيكهم ، فإني والله قد عركت الأمر وخبرته مرارا ، وإن في نواحي البلاد رجل حكيم من أرباب الصنعة وأولي الرأي فدعني أناجيه ولنجزل له العطاء " .

يزن كيس الذهب بيد ، وكيس الفضة بيد ، ينظر للمبعوث مليا ، يبتسم : " أمر مولاي ، أعطني سبعة أيام وثمانية ليال ولا تزد أعطيك بعدها الخبر اليقين " ، يمسك بالقلم والصحف ، يغادر المبعوث ، بينما ينهمك ، تصاغ في رأسه عشرات الأقوال وينتقي منها ما يشاء بكل يسر وسلاسة ، يلبس بعضها بعضا بحبكة ، قبل أن تتحرك يده ويخط : " عن ... عن ... عن ... عن ... أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو كاشف رأسه أن ................... " ، لا يزال يكتب ، بعد أسبوع كان وبوسائله الخاصة التي لا يجاريه فيها أحد ينشر ، هذا الحديث هنا ، ثم ذلك الحديث هناك ، كقطرات تنساب رويدا ، لا يهمه الزمن ، لا يوقفه الزمن ، إنه يعتمد على الزمن ، زاره المبعوث ليشكره ، " بل الشكر لك ولمولاي أعزه الله وأطال عمره ونصره على أعدائه " ، ( والشكر لكم حقا يا حمقى العصر على الذهب والفضة وعلى هذه الفرصة الذهبية التي كنت أنتظرها هنا بفارغ الصبر ) يبتسم ظاهره بامتنان وود ، وباطنه يضحك ساخرا مودعا المبعوث ، بعد أسابيع كان يغادر المدينة على ظهر حصانه ليبدأ حياة جديدة في مكان آخر .


* *


يحرك إصبعه في الهواء ، كأنه يكتب في الفراغ ، ينتظر الأفكار أن تتداعى . . الآن يكتب :
" يا محروس خذ الفلوس وافرض المكوس ويا ابن محمود العز ابعد عن العنزة تأتيك العزة ، ويظهر لابس الطربوش بريش منفوش فيأكل الكعك المغشوش . .
جردبيس برديس طمطم جلفن شردم ، فإذا وعيت فكل ولا تسل . . "
ينفجر ضاحكا ، يسقط الورق من يده ويتناثر رويدا حول رأسه ، ويسقط هو أرضا ويقهقه حتى تهتز رجليه ( ما هذا الهراء البديع الذي أكتبه ، هيء هيء هيء كما أنا عبقري قد خلت القرون من قبلي ) . .

يستعيد تماسكه ، " هف هف " يلهث قليلا ، وتهدأ أنفاسه ، يقلب الورق الرديء ، لا يزال ذهنه يبحث عن إضافة جديدة . .

تلمع عيناه الدامعة من فرط الضحك ، يمسك بالقلم ويده ترتعش من فرط الانفعال والحماس ، يكتب في سطور وصفحات أخرى :
" وذلك قبل خروج ابن الأوغاد مالك العباد هادم اللذات حفيد بغداد وليس هو السندباد فيملك البلاد ، وتزدان طنجة وفاس بأشجار الخوخ ولا يتوقف صاحب الشمروخ عن الشموخ فهو شارخ يرمم الشروخ ولا يدوخ وفي كل حائط كوة وفي كل كوة هوة والذي خلق الجماد إنه هو هو " . . لا يستطيع التماسك فينفجر ضاحكا مرة أخرى ، يكافيء نفسه برشفة خمر معتق رغم أنه لا يشربها إلا فيما ندر ، رقصة سومرية تعلمها يخلطها مع رقصة منغولية شاهدها لدى مغول ثلج الشمال لن تضره كمكافأة يجزي بها نفسه بين كتابة وأخرى ، يقف في منتصف الغرفة ، يرقص حتى ينسى ، وينسى حتى يتذكر ، ويبدع ، ويؤلف . .

يكتب ، ويكتب ، أياما وليالي ، يلف الورق الأصلي القديم ، مع أوراق قديمة كثيرة خطها بيده ، يدس البعض هنا والبعض هناك وسط نسخ أصلية قديمة منتقاة بعناية تركها عامدا ، مجموعة داخل صندوق ، مجموعة في إناء ، يدفن بعضهم بحيث يمكن لأحدهم يوما اكتشافهم ، يخفي غيرهم في كهف حيث يمكن لأحدهم يوما اكتشافهم ، بعد أيام غادر المدينة على حماره المحمل بأوعية من المخطوطات الأصلية التي ستنضم إلى مقتنياته الأخرى ، يبتسم ، ينظر خلفه للمدينة ( وداعا أيها البلهاء ! أو إلى لقاء فحتما سأعود يوما لكن ليس على حمار ) . .


* *


- " دكتور ماركو ، ما تقييمك لهذه النسخ التي تم اكتشافها من الكتب ؟ " . .
- " الحقيقة إنه كشف هام للمجتمع العلمي ، والنسخ المكتشفة هي فعلا تعود لقرون عديدة وتأكدنا أنها ما قبل الميلاد ، وهي من الأهمية بمكان حيث أنها تلقي نظرة وصورة أكثر عمقا على العصر الهليني والتراث الإغريقي وتعطي جانب من الصورة عن تاريخ الآلهة المعبودة لديهم و حكام وملوك اليونان خاصة الإسكندر الأكبر المقدوني وهو ما يوضح لمحات من جنون العظمة لديه وتألهه وميوله الجنسية الشاذة وكذلك ...... " .


* *


تلفح الشمس رأسه ورؤوسهم بينما يهتف بحماس ويشير بيده وهو يشرح للفوج السياحي : " وهنا كما ترون يظهر رمزية وتقديس حشرة الجعران في الحضارة الفرعونية القديمة وقد ......... " .

على شبكة الإنترنت ، في إحدى المنتديات الأجنبية ، يتناقش شاب أمريكي مع مجموعة من الأعضاء من جنسيات مختلفة ، بعضهم جاء بصور لرسوم ونقوش مصرية قديمة على أنها نبوءات عن كوكب غامض يؤذن بنهاية العالم ، رأيه أن هذا كلام طائش لا أساس له ، يرد عليه عضو فرنسي أن الأمر حقيقة وسر تخفيه الحكومات ، يتدخل أحدهم ويطرح فكرة أن الرسم يظهر كما يبدو طبقا طائرا فهل وصلت الحضارات القديمة وعلى رأسها المصرية لهذا الحد من التقدم العلمي ؟ مشارك آخر يسألهم : " ولماذا لا تكون الصورة عن المستقبل لا الماضي ؟ " ، يرد أحدهم ساخرا أنه ربما كان كل ذلك خيالا جامحا فقط أو حلم ساور أحد البدائيين وأنهم يضيعون وقتهم في رسم ناتج من إسراف أحدهم في تعاطي الحشيش . .


* *


يهرش رأسه مجددا ، ويرشف رشفة من القهوة ، يحك جبينه بمؤخرة القلم ، الساعة الواحدة صباحا ، لا زال يحاول الخروج من المأزق ( الكلاب ! الحمقى ! حفنة الجهلة ! ) ، ( كيف يجرؤون على إحراجي ؟ وهل كل من قرأ كتابين أصبح يسأل ويفكر ويعترض ؟ الجهلة ! ) ، يحاول حتى الآن البحث في عدة مسائل دينية مستندة على آيات قرآنية وأحاديث نبوية ، لا يريد أن يبدو رده ضعيفا ، ( الناس لم تعد كالسابق ) ، الناس اليوم تقرأ ، تفكر ، تحاور وتناور ، ولا تستسلم بسهولة ، ولا تبيع نفسها وعقلها هكذا ، بين مخلص ومغرض ، الزمن مختلف ، ليس كلهم هكذا ولكن بعضهم كما يعتقد ، لا يزال يفكر كيف يوفق بين عدة أحاديث نبوية متعارضة مع بعضها بل ومع القرآن نفسه ، يخوض الآن في المتن ، في السند ، يراجع علوم الرجال والجرح والتعديل ، يفتح المجلدات والكتب الصفراء ويشق بطون الكتب ، هناك شيء غير منطقي بالنسبة له ، ( هناك شيء غامض ! ) ، لا يستطيع تحديد المكمن ، عقله في مرحلة الشلل الآن ، مجهد ، لا مزيد من التفكير ، منهك ومستسلم ، ( لن أقدر على أن أخرج وأقاوح ! حتى الآن لن أقدر ) ولا يستطيع أن يخرج للناس ويقول أن هذا الحديث أو ذاك مكذوب موضوع غير صحيح بينما هو مختوم بختم هذا الراوي المعتمد أو ذاك ، لن يرحمه الشيوخ ، ولا أتباعهم من الناس الذين لا يريدون التفكير والبحث ويفضلون الانسياق والانقياد ويرتاحون لمن يفكر عنهم ويتحمل عنهم وزر التفكير ، ولو ذهب في جلسة خاصة مع أحد شيوخه الكبار وأخبره بما في صدره لربما رجمه وطرده أو على أحسن الأحوال لأمره بالسكوت ونسيان الموضوع والالتفات لشأنه الخاص ، يتذكر مواقف مشابهة في شبابه ( خليك في حالك ! إنت يعني هتصلح الكون ! يا مؤمن : ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم ! ) ، يلقي رأسه للخلف على مسند كرسيه . . لا يعرف ماذا يفعل الآن .


* *


يعد كتابا جديدا يشمل بحثا عن المخطوطات العربية المتناثرة هنا وهناك ، وسط تحليله النصوص يتوقف عند عبارات وجملة مبهمة تماما ، منها جملة ، لا يعرف كيف يفسرها ، ( ما معنى ألا يتوقف صاحب الشمروخ عن الشموخ ؟ ) ، يسأل نفسه ، يراجع أدبيات الفكر الصوفي والمدارس الغنوصية وخلافه ، يثابر شهورا لعله يظفر بنفحة من التعاريف عن دلالة الشمروخ ، لم يصل لشيء . . قرر أن يدلي بدلوه ويجتهد رأيه : " ولعل صاحب الشمروخ هو كناية عن حاكم بلاد المغرب الأقصى في سياق النبوءة ، حيث أن جميع المقاطع قبلها وبعدها ....... " ، بعد أسابيع كان الكتاب يطبع وينزل الأسواق في مختلف البلاد العربية ، أسابيع أخرى بدأ الناس في الأوساط ذات العلاقة ومن قرأوا الكتاب يتحدثون عن نبوءة الأمير المغربي الشامخ ذو الشمروخ ، شهور أخرى مرت وكانت قد وصلته أنباء أن سلطات الأمن المغربية اعتقلت بضعة أشخاص بعضهم ادعى أنه صاحب الشمروخ ، وبعضهم توجست الأجهزة الأمنية المغربية خيفة أن يكون هو صاحب الشمروخ ، الموعود .


* *


" (هف هف) . . هيء هيء هيء ها " . .


.