أمّي... والثوب المطرّز...



يا لجمالها ونور بهائها... وحسن طلّتها... وإشراقة بسمتها... فالشمس تسرق من بسمتها ضياء الكون... لا تلوموني... فهي أمي...

بحلّتها الرزينة... وثوبها المخملي المطرّز الجديد... فهي بالكاد أنهت حياكته... بأناملها السحرية... وببراعة فنّان... غزلتة...

وتلألأ الثوب... وأزدان... ما أن وضعته على جسدها الطاهر...

يقال أن الطفل... يوجد في مخيلته... مشاهد... تحفظ في
الذاكرة الأم... لا يمكن نسيانها حتى مع الخرف... فكيف إذا كانت الأم نفسها هي ذاكرتنا التي تحتفظ بالمشهد...

هذا من المشاهد النقيّة التي حفظته أمي في ذاكرتها... واسترجعته... قبل أكثر من ثلاثين سنة... سنوات الفطرة النقيّة... سنوات جيل البركة... قبل أن تحجّم البركة... وتباع في الأسواق... على شكل زيوت ومستحضرات طبيّة .

كنت في صغري... كما الصغار في أيّامنا هذه...

كان ثوب أمي... بما احتواه من نقوش وزخارف... يمثّل لي اللباس الشرعي والرسمي للمرأة المسلمة... حيث تفتّحت عيناي الصغيرتان على رؤيته و اعتادت واستراحت له... حيث كان دارجا في تلك الأيام... وكما أن الوالدان وأفعالهما هما المشرّع بالنسبة لي... ولسنّي الصغير الذي لا يأخذ إلاّ من ثقات .

أميّة أمي... وصغر سني... والجهل المتفشّي... هي عوامل رسم معالم هذا الحجاب الشرعي – الثوب المطرّز- في مخيلتي في تلك الأيام...

أذكر في بداية التسعينيات... بدأ ظهور العباءة المحترمة في مجتمعنا... وبدأ ينتشر... ولكن أهل الفن... من الرسامين والنحّاتين... أجادوا الرسم والوشم والتجسيد بالعباءة...

أيعقل أن نكون في زماننا هذا... زمن التكنولوجيا والانترنت والعولمة...
أكثر أميّة من أمي... مع أن العالم أصبح قرية صغيرة... بالعلم... ؟

الآن... برز عنوان وشكل ومضمون جديد للحجاب... حيث أن البنطال الضيّق والبلوزة البودي... مع إضافة بعض المحسنات للمنديل الذي يغطّي الشعر... ويظهر الأذن... أو على الأقلّ جزء منهما... هما الراعي الرسمي للحجاب... فالحجاب ينحصر بالمنديل فقط... غطاء الرأس... الكاسي العاري...

طفولتي... هي كطفولة أي طفل... نشأ في بيئتة... وترعرع فيها... وشاهد وراقب أمّه... ليأخذ منها الكثير...الكثير... فشدّني المشهد المتكرر للثوب المطرّز... وتأثرت به...

وأطفالنا... في هذا الزمن الصعب... ينشئون ويترعرعون... في بيئتهم... ويشاهدون ويراقبون أمهاتهم... ليأخذوا الكثير والكثير... والأكثر من كثير...

هل تنتظرون من طفل... اعتاد على رؤية أمّه وأخته تخرجان ببنطال ضيق وبلوزة بودي بوجود المشرّع وهو المنديل... أن يأتي بزوجة وأبنة... تلبسان الخمار... ؟

للأسف... لقد حصر المسلمون الدين في زماننا هذا... في شيئين لا ثالث لهما بالنسبة للرجل والمرأة :

للرجل...
اللحية... إذا أطلقها... فليفعل بعدها ما يشاء .

للمرأة...
المنديل... إذا لبسته... فلتفعل بعده ما تشاء .