يوميات أبي الالحاد أو الكوميديا الالحادية رحلة عجيبة في تلافيف ظاهرة شرذمة الغربان الناعقة والضفادع المنقنقة التي تحمل راية الالحاد العربي الانترنيتي والتي أصبحت تطل بمناقيرها وذيولها من قنوات الخسة. رحلة قطعت طرفا كبيرا منها مبحرا على أمواج الساخر في زمانه الاول, وهئنذا أضع بين أيديكم مشهدها الختامي, مشهد:
58-محطة النهاية


قضى بطلنا الأسطوري ليلة أخرى في العراء المادي, إنه هناك كالخرقة البالية في أصل شجرة, انتشلته ترانيم العصافير من مملكة النوم, إنه يعجب أشد العجب لهذه الحيوانات الصغيرة, كيف تنشد أنغام البهجة في هذا العالم الكئيب,ليتها تعزف له سيمفونية من قاموس الحزن, لعلها تهيجه على البكاء, ما أحوجه أن يبكي فجيعته وضيعته وغربته.

لفحت شمس الصباح وجه أبي الإلحاد, فتح عينيه ليبصر عالما تنكّرت له ذراته, علقت بذهنه شذرات حلم غريب يتكرّر, رأى نفسه يخوض بحرا متلاطما في ليلة حالكة, كان كل شيء في حلمه أسود قاتما, البحر والليل وثبجه, وأشد من ذلك كله ظلمة نفسه.

لم يجزع صاحبنا من دنو هلاكه, بدا كأنه كان على موعد مع البحر لن يخلفه, أغمض عينيه لعله يرحمه فيبتلعه ويريحه من رحلة الضنك الأرضي, أو يقذف به بعيدا إلى أحد الأكوان المتوازية, لكنه وجد نفسه فجأة يمتطي كلبا أبيض, رأى نفسه ممسكا بلسانه حتى بلغ به الشاطئ, ياله من حلم غريب, والأغرب أنه حلم يرى أجزاء متفرقة منه في كل مرة, كأنها قطع وعاء خزفي متناثرة, أو كأنه دعاية شريط سينمائي صممت بعناية, وصففت لقطاتها الآسرة لتستحوذ على قلوب الجمهور, فيتشوف إلى مشاهدة الشريط بأكمله.

جلس صاحبنا القرفصاء وأمسك بوجهه بين كفيه, نفض التراب عن خده, أخذ نفسا عميقا وشرع يترنم على نسق العصافير من فوقه:
صحيت يا طير ويا ريتني ما صحيت
غدرت بيا الدنيا وناسها وما شكيت
عشت وشقيت ويا ريتني ما دريت
درست وتعلمت وجادلت وقاسيت
ضاع شقاي وما بقي غير عسى وليت
قولوا للبحر راني راجع للبيت
يا بحر ليتك تقبلني عندك يا ليت
كفور غروا كفرانه منه عانيت
يا بحر لا تلفظ عظامي بما جنيت

لم يدر صاحبنا كيف خرجت هذه الكلمات من فيه, بل لم يدر كيف تحدر الدمع من عينيه, لم يبك منذ طفولته. لقد علم الآن كيف سيسدل الستار على رحلته الأرضية التعيسة المضنية.

مضى عليه شهر آخر وهو يتجرع أبشع تجليات العالم المادي, تشرد جسدي وفكري, هزمك التطور يا أبا التطور, انطفأت فوانيس التنوير يا أبا التنوير, لعلك لم تؤد ثمن الفواتير, هل تحسب نفسك في فندق تقيم فيه الدهر بالمجان؟ انتهى فرز الأصوات في لعبة الانتخاب الطبيعي, والنتيجة أنك حثالة لا تصلح لشيء, ماذا تنتظر؟ هل تنتظر طفرة تطورية تهب حياتك معنى؟ سيطول انتظارك يا مسكين, هذه الآليات الداروينية ليست عجولة أبدا, أنت قطعا لا تريد أن تنتظر بلايين السنين.

عزم صاحبنا أن ينسحب من حلبة الصراع المادي, إنه لم يعد يطيق نفسه, لم يعد يحتمل هذه الآلة الداروينية التي لم تقنع بكينونتها الشيمانزية, عليه الآن وقد حسم أمره, أن يجد وسيلة لإطفاء هذه الآلة المزعجة إلى الأبد.

الإلحاد يأتيك أول الأمر كأنه امرأة متبرجة في كامل زينتها, متفلسفا متمنطقا مترنما بأهازيج التنوير والحداثة والتحرر. لكنه يخبرك من أول يوم بأن وجودك لا معنى له ولا مغزى, وأنك لا تختلف عن الحشرات والبهائم في الجوهر, الآن وصل الباص الإلحادي إلى محطة النهاية يا أبا الإلحاد, انتهت الرحلة, إما أن تنزل أنت, أو ينزل الإلحاد.

عجيب أمر الإنسان, حتى حين يجزم أن حياته صفر من المعنى, فيقبل على الانتحار, فإنه يجتهد أن يجعل لانتحاره معنى, فيتخير كل شيء بدقة, الزمان والمكان والوسيلة. ما دام الإنسان عندكم معاشر الملحدين المتاعيس آلة بيولوجية, فلماذا يكتسي التخلص منها كل هذه الملامح الميتافيزيقية؟ هل رأيتم قط أحد يأخذ سيارته الخردة لمستودع المتلاشيات, محاطا بالطقوس الجنائزية, والمشاعر الميتافيزيقية؟

اغتسل أبو الإلحاد صبيحة يوم جميل ولبس ثيابا نظيفة, مشى يجر رجليه كأنه يحمل أوزار السنين المتطاولة, يمم شطر البحر, نظر إليه في هيبته وجبروته, إنها محطة النهاية, تمتم: "عم قريب ينتهي كل شيء.."
"رجاء خذني يا بحر, فقط خذني, ستحظى ببعض البروتين الحيواني, لكن رجاء إياك وإياك أن تفكر للحظة في أن تصنع بي ما صنعت بدب دارون, لا أريد قوائم إضافية ولا أجنحة ولا شيء, هل فهمت.."

طالما راودته فكرة موتة رحيمة, حبة أو جرعة سم تفصل الأسلاك الداروينية بين جثمانه ورأسه, لكنه نبذ هذه الفكرة, وقرر أن تكون نهايته درامية مثل أبطال الأساطير القديمة.

تخيل معلق كرة يصرخ كالمجنون في بث مباشر ينقل للمشاهدين تفاصيل المباراة النهائية:

" مشاهدينا الأعزاء, نتابع معكم اللحظات الأخيرة من الوقت "بدل الضائع" من نهاية دوري الأبطال الملاحدة الصناديد... أبو الإلحاد في مواجهة أبي الإلحاد, وأبو الإلحاد في مواجهة البحر, إنها مباراة ثلاثية الأبعاد, من فريقين, بسبب شيزوفرينيا الفريق الأول... من سينتصر يا ترى؟ تابعونا لحظة بلحظة...

يتقدم أبو الإلحاد في مواجهة تشكيلة دفاع البحر, يتردد أبو الإلحاد قليلا, لكنه يتمالك نفسه ويمشي بخطى ثابتة, يا له من موقف مهيب, يا له من مستوى عال من الروح الرياضية الإلحادية, اللاعب المخضرم يقدم نفسه قربانا للوهم الإلحادي كما سبقه إلى ذلك ألوف من هذه المدرسة الكروية العريقة, التي تجعل اللاعب نفسه كرة متدحرجة, الآن يقوم أبو الإلحاد بعملية اختراق ناجحة لدفاع الخصم, يا للعبقرية, يا للإبداع, اكتب يا تاريخ, يا سلام يا أبا الإلحاد, مباراة تاريخية بامتياز..."

خاض صاحبنا البحر, تلطمه أمواجه, خيل إليه أن الزبد من فوقه أنياب وحش كاسر يوشك أن يلتهمه, بدأ الماء يغمره, والملوحة تملأ فمه, صرخ صوت هادر من أعماقه: "لا تفعل, إياك أن تفعل, ما زال هناك أمل, ستشرق شمس يوم جديد من أجلك, لا تقطع على نفسك خط الرجعة... ربما كان هناك إ..."

لكن المرارة في نفس أبي الإلحاد, والأسى المضطرم في أحشائه جعلته يقدم ولا يحجم, صدمته موجة عاتية جعلته عاليه سافله, تدحرج في الرمل, وجذبه البحر جذبة كأنه دخل في بالوعة, أدركته نزعة حب البقاء فانتفض يريد السطح ليظفر بشيء من الهواء, لكن البحر ألقى عليه بكلكله كأنه جمل هائج, بدأ جوفه يمتلئ بالماء, ثم انقطع الإرسال...

شعر صاحبنا بشيء خشن لزج يلامس وجهه, فتح عينيه بصعوبة, فوجد كلبا يلعق وجهه, ويجره من ثيابه, شعر بالتقزز من لعاب الكلب الذي يسيل على خديه, فغلبه القيء, فقذفت بطنه قربة الماء المالح التي ابتلعها بالليل, سعل سعالا شديدا وشعر بإرهاق شديد, أغمض عينيه من الإعياء ومن وهج الشمس الطالعة, لكن الكلب شرع يلعقه من جديد, ويجره, وينبح نباحا شديدا كأنه يصرخ به أن يفارق موضعه, زحف أبو الإلحاد على بطنه قبل الشاطئ, وكلما توقف ليسترد أنفاسه نبح به الكلب حتى قطع عشرات الأمتار, فاستلقى على الرمال وهو يلهث وينظر إلى السماء...

ظل هنالك ممددا وهو يسمع هدير الموج, نظر تجاه البحر فإذا به قد امتد إلى الموضع الذي كان به قبيل قليل. تتتم يخاطب نفسه: "واعجبا, إن هذا الكلب قد أنقذك من موت محقق."
لفظتك الدنيا يا تعيس فطلبت الفناء في البحر فلفظك أيضا!
يبدو أنك أمر من العلقم يا فارس الإلحاد, إن البحر نفسه على عظم خلقه لم يستسغك في بطنه.
غفا إغفاءة استرد فيها أنفاسه, وأدار فيها شريط الأحداث العجيبة المتتالية منذ الليلة الفارطة.. فتح عينيه فإذا الكلب بين يديه كأنه يحرسه, أمعن النظر فيه وشعر بشيء لم يشعر به منذ سنين, شعر بحب عارم يغمر قلبه, ود لو يعانق هذا الكلب الأبيض, ارتعشت مفاصله, نعم إنه أبيض, تماما كما رآه في حلمه الغريب مرارا, فتح عينيه ينظر إليه فخيل إليه أنه يرى العالم لأول مرة كما هو, يبدو أن البحر قد خدش نظاراته المادية, أو لعله ذهب بها إلى غير رجعة, شعر بزلزال يعصف بتصوراته وأفكاره وأوهامه فيذرها هباء منثورا. جلس كأنه رضيع خرج من رحم البحر لا يعلم شيئا, نظر في نفسه وفيما حوله, فرأى ذات عاقلة تفترش الأرض وتلتحف السماء, شعر بالفرح لنجاته, وبالألم لما اصابه, هذا الحلم العجيب هو الحبل السري الذي يوشك أن يخرجه من ظلمات حياته البائسة الأولى ليبحث له عن حياة أخرى, كأن البحر أراد له أن يغتسل من أدران نفسه المستكبرة المارقة المستعلية, ويزيل عن سمعه وبصره الغشاوة, ويمحق من عقله أوهام المعرفة الزائفة.
من أين جاء ذلك الحلم العجيب الذي تحقق أمام عيني رأسه برموزه وتفاصيله؟
كيف يكون العالم ماديا تتجدد أحداثه وفق قوانين مادية صارمة صماء عمياء بكماء ثم يحدث شيء مثل هذا؟
وضع يده على رأس الكلب يربت عليه, فانسل من بين يديه واختفى بعيدا.
جلس صاحبنا منهك القوى, تذكر طفولته وأحلامه, تذكر أمه وأباه, تذكر زوجه وأصحابه, تذكر مشيه إلى المدرسة في الأيام الباردة, تذكر رائحة غبار الطباشير في الأقسام المكتظة, تذكر لعبه في الحارات الضيقة, تذكر ضيعته وتيهه في دهاليز الشبكة العنكبوتية, تذكر كيف أحاله الإلحاد كومة من البؤس تتدرحج على أرصفة الحياة بلا غاية, تذكر كيف جاء لينسلخ من الحياة فاستمسكت به الحياة قائلة له: " ويحك يا جويهل, أو تحسب أن لك أو لي أو للبحر شيئا من الأمر؟ متى تفهم؟ متى تبصر؟ متى تعقل؟"
جلس يبكي في صمت حتى جف دمعه, إن في البكاء لسرا, وإن فيه لرحمة, شعر أن المرارة التي ظلت تكتنف قلبه وتخنق أنفاسه قد خفت كثيرا.

تمتم: "نعم هناك إلـه... العلم بهذا الذي حدث كان سابقا للحدث نفسه..." تنهد وشعر بإن هذا الإقرار اللفظي أعطاه راحة لم يشعر بها منذ زمان بعيد.. نبت صوت في رأسه:
" لكن ربما كان هذا كله وهما, انظر إلى نفسك, ألقى بك البحر هنا, وأنت في صدمة, ليس هنا من كلب, إنها هلاوس.."

نظر حوله فلم ير للكلب من أثر, كاد يشك في عقله لولا أنها نظر في كفه, فوجد شعيرات بيضاء من وبر الكلب العجيب.
نظر إليها وهو يقول: "لن تخدعيني بعد اليوم أيتها النفس الماكرة االمتكبرة... اليوم ولدت من جديد.. لا كبر بعد اليوم.."

شعيرات كلب بإلحاد هوت,
شعيرات كلب ونفس غوت,
ردت كل برهان وما ارعوت,
حلم به انكسر الصنم,
حلم به الليل انصرم.

قام يمشي ويمسح عينيه وهو يهمس بصوت حزين: يا رب تعبت, يا رب اهدني...