Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 13 من 13
  1. #1

    الوساطة بين المتنبي وخصومه

    بسم الله الرحمن الرحيم
    المؤلف:الجرجاني
    مقدمة

    التفاضل - أطال الله بقاءك - داعيةُ التنافس؛ والتنافسُ سبب التحاسد؛ وأهل النقص رجلان: رجل أتاه التقصيرُ من قبَله، وقعَد به عن الكمال اختيارُه، فهو يساهم الفضلاءَ بطبعه، ويحنو علي الفضل بقدر سهمهِ؛ وآخرُ رأى النقص ممتزجاً بخِلقَته، ومؤثّلاً في تركيب فطرته، فاستشْعر اليأس من زواله، وقصُرتْ به الهمةُ عن انتقاله؛ فلجأ الى حسَد الأفاضل، واستغاث بانتقاص الأماثل؛ يرى أن أبلغَ الأمور في جبر نقيصته، وستْر ما كشفه العجزُ عن عورته اجتذابُهم الى مُشاركته، ووسمُهم بمثل سِمَتِه، وقد قيل:
    وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضـيلةٍ طُوِيَت أتاحَ لها لِسانَ حسودِ

    صدق والله وأحسن! كم من فضيلة لو لم تستَتِرْها المحاسد لم تبرحْ في الصدور كامنة، ومنقبةٍ لو لم تُزْعِجْها المنافسة لبقيت على حالها ساكنة! لكنها برزتْ فتناولتْها ألسنُ الحسَّد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها، وتشهَرُها وهي تحاول أن تستُرَها؛ حتى عثَر بها مَن يعرف حقها، واهتدى إليها مَنْ هو أولى بها، فظهرت على لسانه في أحسن معرِض، واكتست من فضله أزينَ ملبس؛ فعادت بعد الخمول نابهة، وبعد الذبول ناضرة، وتمكنت من برِّ والدها فنوّهت بذكره، وقدَرت على قضاء حقِّ صاحبها فرفعت من قَدْره )وعَسى أن تكْرَهوا شيْئاً وهُوَ خيرٌ لكُم(.
    ولم تزَل العلومُ - أيّدك الله - لأهلها أنساباً تتناصرُ بها، والآدابُ لأبنائها أرحاماً تتواصل عليها، وأدنى الشِّرك في نسب جوار، وأول حقوق الجار الامتعاضُ له، والمحاماةُ دونه، وما مَنْ حفظ دمه أن يُسفك، بأولى ممّن رَعى حريمه أن يهتك ولا حرمةَ أولى بالعناية، وأحقُّ بالحماية، وأجدر أن يبذل الكريمُ دونها عِرضَه، ويمتهن في إعزازها مالَه ونفسَه من حُرمة العلم الذي هو روْنَق وجْهه، ووقاية قدْره، ومَنار اسمه، ومَطيّة ذِكره.
    وبحَسَب عِظَم مزيته وعلوّ مرتبته يعظم حقّ التشارك فيه، وكما تجب حياطتُه، تجب حياطة المتّصل به وبسببه، وما عقوق الوالد البَرّ، وقطيعةُ الأخ المشفِق، بأشنعَ ذِكراً، ولا أقبح وسْماً من عقوق من ناسبَك الى أكرم آبائك، وشاركك في أفخر أنسابك، وقاسمك في أزين أوصافك، ومتَّى إليك بما هو حظّك من الشرف، وذريعتُك الى الفخر.
    وكما ليس من شرْط صِلَة رحمك أن تحيف لها على الحق، أو تميلَ في نصرها عن القصد، فكذلك ليس من حُكم مراعاة الأدب أن تعدِل لأجله عن الإنصاف، أو تخرج في بابه الى الإسراف، بل تتصرّف على حكم العدل كيف صرَفك، وتقف على رسْمه كيف وقفَك، فتنتَصِف تارة وتعتذر أخرى، وتجعل الإقرار بالحق عليك شاهداً لك إذا أنكرت، وتقيم الاستسلام للحجة - إذا قامت - محتجاً عنك إذا خالَفْت، فإنه لا حال أشدّ استعطافاً للقلوب المنحرفة، وأكثر استمالةً للنفوس المشمئزة، من توقّفك عند الشُبهة إذا عرَضت، واسترسالِك للحجة إذا قهرت، والحكمِ على نفسك إذا تحققت الدعوى عليها، وتنبيه خصمك على مكامن حيَلك إذا ذهب عنها؛ ومت عُرفْت بذلك صار قولُك برهاناً مسلَّماً، ورأيك دليلاً قاطعاً، واتهم خصمُك ما علمه وتيقنه، وشكّ فيما حفظه وأتقنه، وارتاب بشهوده وإن عدّلتهم المحبة، وجَبُن عن إظهار حُججه وإن لم تكن فيها غميزة، وتحامتك الخواطر فلم تقدم عليك إلا بعد الثقة، وهابتك الألسُن فلم تعرض لك إلا في الفَرْط والنُدرة.
    وما زلتُ أرى أهل الأدب - منذ ألحقتني الرغبةُ بجملتهم، ووصلَت العنايةُ بيني وبينهم - في أبي الطيب أحمد بنِ الحسين المتنبي فئتين: من مُطنب في تقريظه، منقطع إليه بجملته، منحطّ في هواه بلسانه وقلبه، يلتقي مناقِبَه إذا ذُكِرت بالتعظيم، ويُشيع محاسنه إذا حُكيت بالتفخيم، ويُعجَب ويعيد ويكرر، ويميل على من عابه بالزِّراية والتقصير، ويتناول من ينقصُه بالاستحقار والتجهيل؛ فإن عثَر على بيت مختلّ النظام، أو نِبَه على لفظ ناقص عن التمام التزم من نُصرة خطئه، وتحسين زلَله ما يُزيله عن موقف المعتذر، ويتجاوز به مقام المنتصر. وعائبٍ يروم إزالتَه عن رُتبته، فلم يسلّم له فضله، ويحاول حطّه عن منزلةٍ بوّأه إياها أدبُه؛ فهو يجتهدُ في إخفاء فضائله، وإظهار مَعايبه، وتتبع سقطاتِه، وإذاعة غَفلاته.
    الفريقين إما ظالمٌ له أو للأدب فيه؛ وكما أن الانتصار جانبٌ من العدْل لا يسدّه الاعتذار؛ فكذلك الاعتذار جانب هو أولى به من الانتصار، ومَن لم يفرِّق بينهما وقفت به المَلامةُ بين تفريط المقصّر، وإسراف المفرِط؛ وقد جعل الله لكل شيء قدْراً، وأقام بين كل حديث فصْلاً؛ وليس يطالَب البَشر بما ليس في طبع البشر، ولا يُلتَمس عند الآدميّ إلا ما كان من طبيعة ولدِ آدم؛ وإذا كانت الخلقة مبنيةً على السهو وممزوجة بالنسيان؛ فاستسقاط من عزّ حالُه حيْف، والتحامُل على من وُجِّه إليه ظلم.
    وللفضل آثارٌ ظاهرة، وللتقدم شواهدُ صادقة، فمتى وجِدتْ تلك الآثار، وشوهدت هذه الشواهد فصاحبُها فاضل متقدم؛ فإن عُثِر له من بعدُ على زلّة، ووحدت له بعَقِب الإحسان هفْوة انتُحِل له عذرٌ صادق، أو رُخصة سائِغة؛ فإن أعوز قيل: زلّة عالم، وقلّ من خَلا منها، وأيُّ الرجال المهذب! ولولا هذه الحكومة لبطل التفضيل، ولزال الجَرْح ولم يكن لقولنا فاضل معنى يوجد أبداً، ولم نسِمْ به إذا أردنا حقيقة أحداً، وأي عالم سمعت به ولم يزلّ ويغلط! أو شاعر انتهى إليك ذكره لم يهْفُ ولم يسقط!
    أغاليط الشعراء

    ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية فانظر هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدْح فيه؛ إما في لفظه ونظمه، أو ترتيبه وتقسيمه، أو معناه، أو إعرابه? ولولا أن أهلَ الجاهلية جُدّوا بالتقدم، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة، والأعلام والحجة، لوجدتَ كثيراً من أشعارهم معيبة مسترذَلة، ومردودة منفية، لكن هذا الظنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم، ونفى الظِّنة عنهم، فذهبت الخواطر في الذبّ عنهم كلّ مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام، وما أراك - أدام الله توفيقك - إذا سمعتَ قول امرئ القيس:
    أيا راكباً بلّغَ إخـوانـنـا مَن كان من كِندَة أو وائل
    فنصب بلغ، وقوله: فاليوْم أشْرَبْ غيرَ مُستَحقِبٍ إثْماً من اللـه ولا واغِـلِ
    فسكن أشرب، وقوله: لَها مَتْنَتان خَظاتا كـمـاً أكبّ على ساعدَيْه النّمِرْ
    فأسقط النون من خَظاتَا لغير إضافة ظاهرة.
    وقول لبيد: تَرّاكَ أمكنة إذا لـم أرْضَـهـا أو يرتَبطْ بعض النّفوسِ حِمامُها
    فسكن يرتبطْ ولا عمل فيها للَم. وقول طرفة: قد رُفِع الفَخّ فماذا تحذَري
    فحذف النون. وقول الأسدي: كنا نرقّعها وقد مُـزِّقـت واتسع الخرْق على الراقع
    فسكن نرقّعها. وقال الآخر: تأبى قُضاعة أن تعْرِفْ لكمْ نسَباً وابْنا نِزار وأنتُم بيضَةُ البَـلَـدِ
    فسكن تعرف، وقول الآخر: يا عَجَباً والدهر جمٌ عجبُـهْ من عَنْزيٍّ سبّني لم أضرِبُهْ
    فرفع أضربه. وقول الفرزدق: وعضُّ زمانٍ يا بْنَ مرْوانَ لم يدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّـفُ
    فضم مجلَّفاً. وقول ذي الخِرَق الطُّهَوي: يقول الخَنى وأبغَضُ العُجْم ناطِقاً الى ربنا صُوْتُ الحمار اليُجَدَّعُ
    فأدخل الألف واللام على الفعل. وقول رؤبة: أقْفرَتِ الوعْثاء والعُثاعـثُ من بعْدهم والبُرَق البَرارِثُ
    وإنما هي البِراث جمع برَث؛ وهي الأماكن السهلة من الأرض، وروى البَوارث وكأنه جمع بارثة.
    وقول بعض الرّجّاز؛ أنشده المفضّل: كانت عجوزاً عُمِّرتْ زمانا وهي ترى سَيْئَها إحسـانـا
    تعرفُ منها الأنفَ والعَينانا
    ففتح النون من العينانا. وقول آخر منهم - أنشده أبو زيد: طاروا عليهنّ فطِرْ عَلاها واشدُدْ بمَثنى حَقَب حَقواها
    ناجيةً ونـاجـياً أبـاهـا
    فرفع حَقواها، وحقّه النصب، كما قد نصب أباها، وحقّه الرفع. وقول الأقيشر: وقد بَدا هَنْك من المئْزرِ
    وقول نقيع بن جُرموز: أطوّفُ ما أطوفُ ثم آوي الى أمَّى ويرويني النقيعُ
    فأدخل الألف في أمّى لغير نداء ولا ضرورة.
    وغيرُ هذا مما هو أسهلُ منه قول امرئ القيس: كأن ثَبيراً من عَرانين وبْلهِ كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مزمَّلِ
    فخفض مُزَمّلا، وهو وصفُ كبير. وقول الفرزدق:
    يَدَيْ منْ كان بعد محمّدٍ وجارَيْه والمقتولِ للهِ صائمِ
    فخفض صائم. وقول رؤبة: قد شفّها النوح بمأزولٍ ضيَقْ
    ففتح الياء. ومثال ذلك مما يُخرِج الكتاب عن غرضه.
    ثم اسعرضتَ إنْكارَ الأصمعي وأبي زيد وغيرهما هذه الأبيات وأشباهها، وما جرى بين عبد الله بن أبي إسحاق الحضرَمي والفرزدق في أقواله ولحنه في قوله: فلوْ كانَ عبدُ اللهِ موْلًى هجوتُهُ ولكنّ عبدَ الله موْلى مَوالِـيا
    ففتح الياء من موالي في حال الجر، وما جرى له مع عنْبَسَة الفيل النحوي حتى قال فيه: لقد كان في معْدان والفيل شاغل لعنبَسَة الرّاوي عليّ القصـائدا
    وما كان القدماء يتّبعونه في أشعار الأوائل من لحن وغلط وإحالة وفساد معنى؛ حتى قال البرْدَخْت لبعض النحويين: لقد كان في عينيك يا حفصُ شاغل وأنف كمثلِ العودِ مما تـتـبَّـعُ
    تتبّع لحناً فـي كـلام مـرقّـشٍ وخلْقُك مبنيٌّ على اللحن أجمـع
    فعيناك إقواء وأنـفـك مـكْـفـأ ووجهُك إيطاء فأنت المـرقّـع
    وقول الأصمعي في الكميت: جُرمُقانيّ من جَراميق الشام لا يُحتجّ بشعره، وما أنكره من شعر الطّرمّاح، ولحّن فيه ذا الرُمّة.
    ثم تصفحتَ مع ذلك ما تكلّفه النحويون لهم من الاحتجاج إذا أمكن: تارة بطلب التخفيف عند توالي الحركات، ومرة بالإتباع والمجاورة؛ وما شاكلَ ذلك من المعاذير المتمحَّلة، وتغيير الرواية إذا ضاقت الحجّة؛ وتبيّنتَ ما راموه في ذلك من المَرامي البعيدة، وارتكبوا لأجله من المراكب الصّعبة، التي يشهد القلب أن المحرّك لها، والباعث عليها شدةُ إعظام المتقدم، والكلَفُ بنُصرة ما سبق إليه الاعتقاد، وألِفته النفس.

    عود إلى أغاليط الشعراء
    ثم عدتَ الى ما عدّده العلماء من أغاليطهم في المعاني، كقول امرئ القيس: وأركبُ في الرّوع خيْفانةً كسا وجْهَها شعرٌ مُنتشِرْ
    وهذا عيبٌ في الخيل. وقول زهير: يخرُجن من شرَباتٍ ماؤها طحِلٌ على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
    والضفادع لا تخاف شيئاً من ذلك. وقول سلَمة بن الخُرشُب: إذا كان الحِزامُ لقُصرَيَيْها أماماً حيث يمتسِك البَريم
    يقول: إن الحزامَ يقرب في جولانه إذا أكثر من عدْوِه فيصير أمام القصريين.
    قال الأصمعي: أخطأ في الوصف؛ لأن خيرَ جرْي الإناث الخُضوع، وإنما يُختار الإشراف في جرْي الذكور، فإذا اختضعت تقدّم الحزام، كما قال بِشر بن أبي خازم: نَسوفٍ للحِزامِ بمرفَقَيها يسدّ خَواء طُبْيَيْها الغُبارُ
    وقد ساعد متمِّمُ بن نويرة على هذا الوصف سلَمة فقال: وكأنه فوتَ الجوالِب جانِئاً رِئْمٌ تضايَفَه كلابٌ أخضَع
    فوصف الذكر بالخضوع، وإنما يُختار له الإشتراف. وكقول الجعْدي: كأن تواليهما بالضّحى نواعم جَعْل من الأثْأبِ
    والجَعْل: صغار النخل، وإنما المراد الكبار، وبه يصحّ الوصفُ فيما زعموا.
    وقول أبي ذؤيب يصف الفرس: قصَرَ الصّبوحَ لها فشُرِّجَ لحمُها بالنِّيّ فهْي تَثوخُ فيها الإصبَـعُ
    قال الأصمعي: حمارُ القصّار خيرٌ من هذا، وإنما يوصف الفرسُ بصلابة اللحم وقول أبي النّجم: تسبح أُخْراه ويطفو أوّله
    واضطراب مآخيرِ الفرس قبيح. وقول المسيّب بن علَس: وكأنّ غارِبَها رباوة مخرِمٍ وتَمُدّ ثِنْي جديلها بشَراع
    أراد تشبيه العُنق بالدّقل فغلط، كما غلط طرَفة في السُكان فقال: كسُكّان بوصيّ بدَجْلَة مُصعِد
    وإنما يريد الدّقَل. وقول امرئ القيس: إذا ما الثّريا في السماءِ تعرّضَتْ تعرُّضَ أثناء الوِشاحِ المفصَّـلِ
    والثريا لا تتعرّض، وإنما تتعرض الجوزاء. وقول رؤبة: كنتم كمن أدخل في جُحْر يَدا فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
    فجعل الأفعى دون الأسود، وهي أشدّ نكاية منه. وقول زهير: كأحْمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفطِم
    وإنما هي أحْمر ثمود. وقول ليلى، ويروى لحُمَيد: لما تخايلت الحُمول حسبتها دوماً بأيلَة ناعماً مكْموما
    والدّوْم لا أكمام له.
    هذا ما يعرفونه صباحاً مساءً. ويمارسونه على طول الدهر؛ فدعْ ما يخفى عليهم ويبعُد عن أبصارهم. كقول أبي ذؤيب في الدُرّة: فجاءَ بها ما شِئتَ من لطَميّة يدور الفراتُ حولَها ويموجُ
    فالفرات هو العذْب، والدرُّ، لا يوجد إلا في المِلْح. وقول الآخر: فيه الرماحُ وفيه كلّ سابـغة جدْلاء مُحكَمةٍ من نسْجِ سلاّمِ
    وقول الآخر: وكلّ صَموتٍ نثْلَةٍ تُبّـعـيّةٍ ونسْجُ سُلَيمٍ كلّ قضّاء ذائِل
    أرادا داود فغلطا الى سليمان، ثم حرّفا اسمه فقال أحدهما: سلاّم وقال الآخر سُلَيم، كما قال الآخر: والشيخ عثمان بن عف أراد ابن عفان. وقال الآخر: ومحوَرٍ أُخلِص من ماء اليَلَبْ
    جعل اليَلَب حديداً وإنما هي سُيور؛ كما قال غيره: لم تدْرِ ما نسجُ اليرَنْدَج قبْلَها
    فإنه ظن أن اليرندج نسج، وإنما اليرَندَج جلود. وقول الآخر: برّيّة لم تأكل المـرَقّـقـا ولم تذُقْ من البُقول الفُستُقا
    فجعل الفُستُق بقْلاً.
    وأشبه ذلك مما يكثر تعقبه، ولم نذكر إلا اليسيرَ منه فيما نريده - شككتَ في أن نفْعَ هذا الحكم عام، وجدْواه شامل، وأن المتقدم يضْرب فيه بسهم المتأخر، والجاهليّ يأخذ منه ما يأخذ الإسلامي، وأنه قول لا حظّ له في العصبية، ولا نسبَ بينه وبين التحامل.
    وليس يجب إذا رأيتني أمدح محدَثاً أو أذكر محاسن حضَريّ أن تظن بي الانحرافَ عن متقدم، أو تنسُبني الى الغضّ من بدوي؛ بل يجب أن تنظر مغْزاي فيه، وأن تكشف عن مقصدي منه، ثم تحكم عليّ حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المُقسِط المتوقّف.

    الشعر
    أنا أقول - أيدك الله - إن الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبَة مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرِّز؛ وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان، ولست أفضّل في هذه القضية بين القديم والمحدث، والجاهلي والمُخضرِم، والأعرابي والمولَّد؛ إلا أنني أرى حاجة المحْدَث الى الرواية أمَسّ، وأجده الى كثرة الحفظ أفقر؛ فإذا استكشفْت عن هذه الحالة وحدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناولُ ألفاظ العرب، إلا رِواية؛ ولا طريقَ للرواية إلا السمع؛ وملاكُ الرواية الحفظ، وقد كانت العرب تروي وتحفظ، ويُعرف بعضها برواية شعرِ بعض؛ كما قيل: إن زهيراً كان راوية أوْس، وإن الحُطيْئَة راوية زهير، وإن أبا ذؤيب راوية ساعدة بن جؤيّة؛ فبلغ هؤلاء في الشعر حيثُ تراهم، وكان عبيد راوية الأعشى ولم تُسمَع له كلمة تامة، كما لم يسمع لحسين راوية جرير، ومحمد بن سهل راوية الكميت، والسائب راوية كثيّر؛ غير أنها كانت بالطبع أشدّ ثقة وإليه أكثر استئناساً؛ وأنت تعلم أن العرب مشتركة في اللغة واللسان، وأنها سواء في المنطق والعبارة، وإنما تَفضُل القبيلةُ أختها بشيء من الفصاحة. ثم تجد الرجل منها شاعراً مُفْلقاً، وابنَ عمه وجار جَنابه ولصيقَ طُنُبه بكيئاً مفحَماً؛ وتجد فيها الشاعرَ أشعرَ من الشاعر، والخطيبَ أبلغَ من الخطيب؛ فهل ذلك إلا من جهة الطبع والذكاء وحدّة القريحة والفِطنة!

    وهذه أمور عامة في جنس البشر لا تخصيص لها بالأعْصار، ولا يتّصف بها دهر دون دهر. فإن قلت: فما بالُ المتقدمين خُصّوا بمتانة الكلام وجزالة المنطق وفخامة الشعر، حتى إن أعْلَمَنا باللغة وأكثرَنا رِواية للغريب لو حفظ كلّ ما ضمّت الدواوينُ المرويّة، والكتبُ المصنفة من شعر فحْل، وخبر فصيح، ولفظ رائع - ونحن نعلم أن معظم هذه اللغة مضبوط مرويّ، وجلّ الغريب محفوظ منقول - ثم أعانه الله بأصحّ طبع وأثقب ذهن وأنفذ قريحة، ثم حاول أن يقول قصيدة، أو يقرضَ بيتاً يُقارب شعر امرئ القيس وزهير، في فخامته وقوة أسْره، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولاً، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلباً? قلت: أحلتُك على ما قالت العلماء في حمّاد وخلَف وابن دأْب وأضرابِهم، ممن نحلَ القدماء شعرَه فاندمج في أثناء شعرهم، وغلب في أضعافه، وصعُب على أهل العناية إفرادُه وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين واستقراءُ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل. وهؤلاء مُحدثون حضريّون، وفي العصر الذي فسد فيه اللسان، واختلطت اللغة وحُظِر الاحتجاجُ بالشعر، وانقضى مَنْ جعله الرواة ساقة الشعراء.
    فإن قلت: فما بالُ هذا النّمط والطريقة، وهذه المنقَبة والفضيلة ينفردُ بها الواحد في العصر وهو مشحون بالشعر، وكان فيما مضى يشمل الدّهْماء ويعم الكافة? قلت لك: كانت العرب ومَنْ تبعها من السلَف تجري على عادةٍ في تفخيم اللفظ وجمال المنطق لم تألفْ غيرَه، ولا أنِسها سواه، وكان الشعرُ أحدَ أقسام منطقها، ومن حقّه أن يُختص بفضل تهذيب، ويُفرَد بزيادة عناية، فإذا اجتمعت تلك العادة والطبيعة، وانضاف إليها التعمّل والصنعة خرج كما تراه فخماً جزْلاً قوياً متيناً.
    وقد كان القومُ يختلفون في ذلك، وتتباينُ فيه أحوالهم، فيرقّ شعرُ أحدهم، ويصلُب شعرُ الآخر، ويسهل لفظُ أحدهم، ويتوعّر منطقُ غيره؛ وإنما ذلك بحسَبِ اختلاف الطبائع، وتركيب الخلْق؛ فإن سلامةَ اللفظ تتبعُ سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخِلقة. وأنت تجدُ ذلك ظاهراً في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجِلْف منهم كزّ الألفاظ، معقّد الكلام، وعْر الخطاب؛ حتى إنك ربما وجدتَ ألفاظه في صوته ونغمته، وفي جرْسه ولهجته. ومن شأن البداوة أن تُحْدث بعض ذلك؛ ولأجله قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ بَدا جَفا. ولذلك تجد شعر عَديّ - وهو جاهلي - أسلسَ من شعر الفرزدق ورجَز رؤبة وهما آهلان؛ لملازمة عديّ الحاضرة وإيطانه الريف، وبُعده عن جلافة البدْو وجفاء الأعراب، وترى رقةَ الشعر أكثرَ ما تأتيك من قِبَل العاشق المتيّم، والغزِل المتهالك؛ فإن اتفقت لك الدماثةُ والصّبابة، وانضاف الطبعُ الى الغزل؛ فقد جُمِعت لك الرقةُ من أطرافها.
    فلما ضرب الإسلام بجِرانه، واتسعت ممالك العرب، وكثُرت الحواضر، ونزعت البوادي الى القرى، وفشا التأدّب والتظرّف اختار الناسُ من الكلام ألينَه وأمهَله، وعمَدوا الى كل شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنَها سمعاً، وألطفها من القلب موقِعاً؛ والى ما للعرب فيه لغاتٌ فاقتصروا على أسلسها وأشرفها؛ كما رأيتهم يختصرون ألفاظ الطويل؛ فإنهم وجدوا للعرب فيه نحواً من ستين لفظة؛ أكثرها بشِع شنع؛ كالعشنّط والعنَطْنَط والعشنّق، والجسْرَب والشّوْقَب والسّلْهب والشّوْذب، والطّاط والطّوط، والقاق والقوق، فنبذوا جميع ذلك وتركوه، واكتَفوا بالطويل لخفّته على اللّسان، وقلة نبُوّ السمع عنه. وتجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعُجْمة، وأعلنهم على ذلك لينُ الحضارة وسهولةُ طباع الأخلاق، فانتقلت العادة، وتغير الرّسم، وانتسخت هذه السنة، واحتذَوا بشعرهم هذا المثال، وترقّقوا ما أمكن، وكسَوا معانيَهم ألطفَ ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيسَت بذلك الكلام الأول يتبيّن فيها اللين، فيُظَنّ ضعفاً، فإذ أُفرِد عاد ذلك اللّين صفاءً ورونقاً، وصار ما تخيلته ضعفاً رشاقة ولُطفاً؛ فإن رام أحدُهم الإغراب والاقتداءَ بمَن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلّف، وأتم تضنع؛ ومع التكلف المقْت، وللنفس عن التصنّع نُفْرة، وفي مفارقة الطبع قلةُ الحلاوة وذهاب الرونق، وإخلاقُ الديباجة.
    يتبع
    عُدّل الرد بواسطة تامر : 16-05-2004 في 07:27 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    خارج المكان !
    الردود
    3,276
    بوركت ،،

    جهودك كبيرة ،،

    سلمت

    جبرني ( الله ) بكم

    أخــتك

    محبة فلسطين
    عُدّل الرد بواسطة محبة فلسطين : 16-05-2004 في 08:27 PM
    ر.ا.ح
    ( ألا ليت قلبي كان حجرا فإهدية لطفل الحجارة فيرمي به في وجه المعتدي )

    شيء ما...............................ء !

  3. #3
    وربما كان ذلك سبباً لطَمْس المحاسن؛ كالذي نجده كثيراً في شعر أبي تمام، فإنه حاول من بين المحدَثين الاقتداءَ بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره، فقال:
    فكأنّما هي في السّماع جنـادِلٌ .......... وكأنّما هي في القلوب كَواكبُ

    فتعسّف ما أمكن، وتغلغل في التصعّب كيف قدر، ثم لم يرضَ بذلك حتى أضاف إليه طلَب البديع، فتحمّله من كل وجْه، وتوصّل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخَلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفيّة، فاحتمل فيها كل غثٍّ ثقيل، وأرْصد لها الأفكار بكل سبيل؛ فصار هذا الجنسُ من شعره إذا قرع السمعَ لم يصل الى القلب إلا بعد إتعاب الفِكْر، وكدّ الخاطر، والحَمْل على القريحة؛ فإن ظفر به فذلك من بعد العناء والمشقة، وحين حسَره الإعياء، وأوْهن قوّتَه الكَلال. وتلك حالٌ لا تهَشّ فيها النفس للاستماع بحسَن، أو الالتذاذُ بمُستظرف؛ وهذه جريرةُ التكلف! ولست أقول هذا غضّاً من أبي تمام، ولا تهْجيناً لشعره، ولا عصبيّة عليه لغيره. فكيف وأنا أدينُ بتفضيله وتقديمه، وأنتحلُ موالاتَه وتعظيمه، وأراه قِبْلة أصحاب المعاني، وقُدْوة أهلِ البديع! لكن ما سمعتني أشترطُه في صدْر هذه الرسالة أنه يُحْظر إلا إتباع الحق وتحرّي العدل والحكم به لي أو عليّ. وما عدوْت في هذا الفصل قضية أبي تمام، ولا خرجت عن شرطه أن يقول في يوصف السراج شاعر مصر في وقته:
    فلو تُبش المقابر عن زهير لعوّل بالبكاء وبالنّـحـيب
    متى كانت مَعانـيه عِـيالاً على تفسير بُقراط الطبيب
    وكيف لم يزل للشعر مـاءٌ يرِفّ عليه ريحانُ القُلوبِ
    هل تعرفُ شعراً أحوج الى تفسير بقراط وتأويل أرسطوليس من قوله: جهميّةُ الأوصاف إلا أنهم قد لقّبوها جوْهَرَ الأشياء
    وقوله: يومٌ أفاض جوى أغاضَ تـعـزِّيا خاض الموى بحْرَيْ حجاه المزبِد
    وأيّ شعر أقلّ ماء، وأبعد من أن يرِفّ عليه رَيْحان القلوب من قوله: خشُنْتِ عليه أخت بني الخُشَيْن وأنجح فيك قول العـاذِلَـيْنِ
    ألمْ يُقْنعك فيه الهجرُ حـتـى بكَلْت لقلبه هجـرا بـبَـيْن
    فهل رأيت أغثّ من بكلت في بيت نسيب! ومن قوله: أأطلالَ الرسوم لطـالَـمـا قـد أطلّت منك أجـيادُ الـظـبـاء
    بها شُغِلت دبـابـيج الـبـهـاء فضحوَة وجهها نشر الضَّحـاء
    لنـا أيام لـم تُـدْمِ الـلـيالـي بذكر البَيْن عِرنينَ الـصـفـاء
    فأضحى البينُ لا يرضَى لطَرْفي نواه بالبكـيِّ مـن الـبـكـاء
    لقد طلع الفراقُ على ابن صبْري فأثكَلـه جـلابـيبَ الـعَـزاء
    فالعجب كل العجب من خاطرٍ قدح بمثل قوله: أأيامَنا ما كُنـتِ إلا مَـواهـبـا وكنتِ بإسعاف الحبيبِ حَبـائبـا
    سنُغرِب تجديداً لعهْدِك في البُكـا فما كنتِ في الأيام إلا غـرائبـا
    ومعتَركٍ للشوق أهدي به الهوى الى ذي الهوى نُجْلَ العيون ربائبا
    كواعب زارت في ليالٍ قصـيرة يخيّلْن لي من حُسْنِهنّ كَواعـبـا
    سلَبْن غِطاء الحُسْن عن حُرِّ أوْجُهٍ تظل للُبِّ السّالِبيهـا سـوالـبـا
    وجوهٌ لو أن الأرض فيها كواكب توقّدُ للساري لكانت كـواكِـبـا
    وقوله: ولقد أراكَ فهل أراكَ بغبطة والعيشُ غضٌّ والزمانُ غلامُ
    أعوام وصْلٍ كان يُنسي طولَها ذكرُ النوى، فكـأنـهـا أيامُ
    ثم انبرت أيامُ هجْرٍ أردفَـتْ بجَوى أسى، وكأنها أعـوامُ
    ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكـأنـهـم أحْـلامُ
    كيف يتصور فيه ذلك الكلام الغثّ! وأعجب من ذلك شاعر يرى هذه الغُرَر في ديوانه كيف يرضى أن يقرن إليها تلك الغُرَر! وما عليه لو حذف نصف شعره، فقطع ألسنَ العيب عنه، ولم يشْرَعْ للعدوّ باباً في ذمّه!
    ومن جنايات هذا الاختيار على أبي تمام وأتباعِه أن أحدَهُم بينا هو مسترسِل في طريقته، وجارٍ على عادته يختلِجه الطّبع الحَضري، فيعدل به متسهلاً، ويرمي بالبيت الخَنث، فإذا أُنشد في خِلال القصيدة، وُجِد قلقاً بينها نافراً عنها؛ وإذا أُضيف الى ما وراءه وأمامه تضاعفت سُهولته، فصارت رَكاكة. وربما افتتح الكلمة وهو يجري مع طبْعه، فينظم أحسن عِقْد، ويختال في مثل الروضة الأنيقة، حتى تعارضه تلك العادةُ السيئة فيتسنّم أوْعرَ طريق، ويتعسّف أخشن مرْكب، فيطمس تلك المحاسن، ويمحو طُلاوة ما قد قدّم؛ كما فعل أبو تمام في كثير من شعره؛ ومنه قوله: لو حار مرتادُ المنـية لـم يجـد إلا الفراقَ على النفوس دلـيلا
    قالوا الرحيل؛ فما شككت بأنهـا نفسي من الدنيا تـريدُ رَحـيلا
    الصبر أجملُ غـير أنّ تـلـذذاً في الحب أحرى أن يكون جَميلا
    أتظنني أجد السّبيل الى الـعَـزا وجد الحِمام إذاً إلـيّ سـبـيلا
    ردّ الجَموحِ الصّعبِ أسهلُ مُطلبا ؤمن ردّ دمْعٍ قد أصابَ مَسـيلا
    ذكرتكُم الأنواء ذِكْرى بعضـكـم فبكت عليكم بُـكْـرةً وأصـيلا
    إني تأملت النوى فـوجـدتـهـا سيفاً على أهل الهوَى مسلـولا
    ثم عدل عن النسيب فقال: لو جاز سلطان القُنوع وحُكْمـه في الخلق ما كان القليلُ قليلا
    من كان مَرْعى عزمِه وهمومه روضَ الأماني لم يزَل مهزولا
    فهو كما تراه يعرض عليك هذا الديباج الخُسْرُواني، والوشي المنمنم، حتى يقول: لله درُّك أيُّ مِعْبـر قَـفْـرَةٍ لا يوحشُ ابنَ البيضة الإجْفيلا
    أو ما تراها لا تراهـا هـزة تشْأى العيون تعجرُفاً وذَميلا
    فنغّص عليك تلك اللذة، وأحدث في نشاطك فترة؛ وهذه الطريقة أحد ما نُعِي على أبي الطيّب، وسنقول فيها وفي غيرها إذا استوفينا هذه المقدمة. ولو لم تكن هذه الأبيات متناسقة مقترنة، ولم يكن يجمعها قصيدة، وتسمع في حال واحدة لكان أخفى لعَيبِها، وأسترَ لشيْنها؛ فإنك تعلم بُعد ما بين قوله: كادت لعِرْفان النوى ألفاظهـا من رِقّةِ الشكوى تكونُ دُموعا
    وقوله: هنّ البجاريُّ يا بُـجَـيْرُ أهدى لها الأبؤس الغُوير
    وقوله: أهيسٌ أليسٌ لجّاء إلى هِمـمٍ تغرق الأسد في آذيّها اللِّيسا
    لكنها افترقت فغابت، ولم تقترن فتُعرَف وتُشْهَر.
    ومتى سمعتَني أختارُ للمحدَث هذا الاختيار، وأبعثَهُ على الطبع، وأُحسِّن له التسهيل؛ فلا تظنن أني أريدُ بالسّمْح السّهل الضعيفَ الركيك، ولا باللطيف الرشيق الخنِثَ المؤنث؛ بل أريد النّمَط الأوسط؛ ما ارتفع عن الساقط السّوقيّ، وانحط عن البدويّ الوحشي، وما جاوز سَفْسَفة نصْر ونُظرائه، ولم يبلغ تعجرُف هِمْيان بن قُحافة وأضرابه؛ نعم، ولا آمرُك بإجراء أنواع الشعر كلّه مُجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهبَ بعضِه؛ بل أرى لك أن تقسّم الألفاظ على رتَب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحُك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك؛ ولا هزْلك بمنزلة جِدِّك، ولا تعريضُك مثل تصريحك؛ بل ترتّب كلاً مرتبتَه وتوفّيه حقّه، فتلطِّف إذا تغزّلت، وتُفخِّم إذا افتخرت، وتتصرّف للمديح تصرُّف مواقعه؛ فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميّز عن المدح باللباقة والظّرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمُدام؛ فلكل واحد من الأمرين نهْج هو أمْلك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه.
    وليس ما رسمتهُ لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختصّ بالنظم دون النثر؛ بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلافَ كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذّرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنّيت.
    فأما الهجو فأبلغُه ما جرى مجْرى الهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قرُبت معانيه وسهُل حفظه؛ وأسرع عُلوقُه بالقلب ولُصوقه بالنفس؛ فأما القذْف والإفحاش فسِباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن وتصحيح النظم.
    وإذا أردتَ أن تعرف موقعَ اللفظ الرشيق من القلب، وعِظَم غَنائه في تحسين الشعر، فتصفّح شعر جرير وذي الرّمة في القدماء، والبحتري في المتأخرين، وتتبّع نسيب متيّمي العرب، ومتغزّلي أهلِ الحجاز؛ كعُمر، وكُثيّر، وجميل، ونُصَيب، وأضرابهم، وقسْهم بمَن هو أجود منهم شعراً، وأفصح لفظاً وسبكاً؛ ثم انظر واحكم وأنْصف، ودعْني من قولك: هل زاد على كذا! وهل قال إلا ما قاله فلان! فإن روعة اللفظ تسبق بك الى الحكم، وإنما تفضي الى المعنى عند التفتيش والكشف. ومِلاكُ الأمر في هذا الباب خاصة تركُ التكلّف ورفضُ التعمّل والاسترسالُ للطبع، وتجنّب الحمْل عليه والعنف به؛ ولستُ أعني بهذا كلّ طبْع، بل المهذّب الذي قد صقله الأدب، وشحذَتْه الرّواية، وجلَتْه الفِطنة، وأُلْهِمَ الفصل بين الرديء والجيد، وتصوّرَ أمثلة الحسن والقبح.

  4. #4
    السهل الممتنع من شعر البحتري

    ومتى أردت أن تعرف ذلك عِياناً، وتستثبته مُواجهة، فتعرفَ فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضْل ما بين السمْح المنقاد والعَصيّ المستكرَه فاعمِد الى شعر البحتري، ودعْ ما يصدر به الاختيار، ويُعَدّ في أول مراتب الجودة، ويتبيّن فيه أثرُ الاحتفال، وعليك بما قاله عن عفْو خاطره، وأوّل فكرته، كقوله: أُلامُ على هواكِ وليس عدلاً إذا أحببْتُ مثلكِ أنْ أُلامـا
    أَعيدي فيّ نظرةَ مُستَثـيبٍ توخّى الأجْرَ أو كرِه الأثاما
    تَريْ كبِداً محرّقةً وعـينـا مؤرّقة وقلباً مستـهـامـا
    تناءت دارُ عَلْوة بعد قُـرْبٍ فهل ركْبٌ يبلِّغُها السّلامـا
    وجدّد طيفُها عتْباً عـلـينـا فما يعْتادُنـا إلا لِـمـامـا
    ورُبَّتَ ليلة قد بتّ أُسْـقَـى بعينيْها وكفّيْها الـمُـدامـا
    قطعنا الليل لثْماً واعتنـاقـا وأفنيناه ضمّاً والـتـزامـا
    وقوله: أُصْـفـيك أقـصـى الـود غـير مـقـلّـــلٍ إن كـان أقْـصـى الـود عـنـدك ينْـفَـــعُ
    وأراك أحـسَـــنَ مَـــنْ أراه وإن بَـــدا منـك الـصّـدودُ وبـانَ وصـلُـك أجـمَــع
    يعـتـادنـي طـرَبـي إلـيك فـيغْـتـلـــي وجْـدي ويدعـونـي هـواك فـأتـــبـــع
    كلِفاً بحبّك مولَعاًويسرّنيأني امرؤ كلِفٌ بحبّك مولَعُ
    وقوله: ردّي على المُشتاق بعضَ رُقاده أو فاشْركيه في اتّصال سُهادِه
    أسهَرْتِه حتى هجَر الـكـرى خلّيتِ عنه ونمْت عن إسعـادِه
    وقسا فؤادُكِ أن يَلينَ لـلـوْعَةٍ باتتْ تقلقل في صميم فـؤاده
    ولقد عززْتِ فهان طوعاً للهوى وجنبْـتـه فـرأيت ذُلَّ قِـياده
    مَنْ مُنصِفي من ظالم ملّكْـتُـه ودّي ولم أملك عـسـيرَ وِداده
    ما كنت أعرف غيرَ سالفِ وُدِّه فبُليتُ بعد صدوده بـبِـعـاده
    وقوله: أجدّك ما ينفكّ يسـري لـزينـبـا خيال إذا آب الـظـلام تـأوّبـا
    سرى من أعالي الشام يجلبُه الكَرى هبوب نسيم الروض تجلبه الصّبا
    وما زارني إلا ولِهْـتُ صَـبـابةً إليه وإلا قلت: أهلاً ومـرْحـبـا
    وليلتنا بالجَزْع بات مـسـاعـفـاً يريني أناة الخطْو ناعمة الصِّـبـا
    أضرّت بضوء البدر، والبدرُ طالع وقامت مقام البدر لمـا تـغـيّبـا
    ولو كان حقاً ما أتـاه لأطـفـأت غليلاً ولافْتكّتْ أسيراً مُـعـذّبـا
    علمْتُك إن منيّتِ منـيّتِ مـوعِـداً جَهاماً وإن أبْرَقْتِ أبرقتِ خُلَّـبـا
    وكنت أرى أن الصّدود الذي مضى دلالاً فما إن كان إلا تـجـنُّـبـا
    فوا أسفي حتّام أسـألُ مـانـعـاً وآمَنُ خوّاناً وأعـتِـبُ مُـذْنـبـا
    سأثني فؤادي عنك أو أتبع الهـوى إليك إن استعفى فـؤادي أو أبـى
    ثم انظر: هل تجدُ معنى مبتذلاً ولفظاً مشتهراً مستعملاً! وهل ترى صنعة وإبداعاً، أو تدقيقاً أو إغراباً! ثم تأمّل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقّدْ ما يتداخُلك من الارتياح، ويستخفّك من الطرف إذا سمعته، وتذكّر صَبْوةً إن كانت لك تراها ممثّلة لضميرك، ومصوّرة تلقاء ناظرك.
    فإن قلت: هذا نسيب والنفس تهَشُّ له، والقلب يعْلَق به، والهوى يُسرع إليه، فأنشِد له في المديح قوله: بلوْنا ضرائب مَنْ قد نـرى فما إنْ وجدنا لفَتْحٍ ضَريبـا
    هو المرءُ أبدت له الحادثـا تُ عزْماً وشيكا ورأياً صليبا
    تنقّل في خُـلُـقـي سـودَدٍ سماحاً مرجّى وبأساً مَهيبـا
    فكالسّيف إنْ جئته صارخـاً وكالبحر إن جئته مستثيبـا
    فتى كرّم الـلـه أخْـلاقـه وألبَسَه الحمد بُرْداً فشـيبـا
    وأعطاه من كل خبـر يُعـدّ حظّاً ومن كل مجد نصيبـا
    فديناك من أيّ خطب عـرا ونائبةٍ أوشكت أن تَنـوبـا
    ثم خرج الى الاستعطاف وأخذ في العتاب: وإن كان رأيُك قد حال فـيّ فألبستَني بعد بِشرٍ قُطـوبـا
    وخيّبت أسبابي النـازعـات إليك وما حقها أن تخـيبـا
    يريّبني الشيء تـأتـي بـه وأُكبِرُ قدرك أن أستَـريبـا
    وأكره أن أتمـادى عـلـى سبيل اغترار فألْقى شَعوبـا
    أُكذِّب ظني بأن قد سخِطْـتَ وما كنتُ أعهد ظني كذوبـا
    ولو لم تكن ساخطاً لم أكـن أذُمّ الزمان وأشكو الخُطوبـا
    ولابد من لـوْمةٍ أنـتـحـي عليك بها مُخطئاً أو مُصيبـا
    أيصبح وِرْديَ في راحـتـيْ كَ رنْقاً ومرْعاي محْلاً جَديبا
    أبيع الأحِبةَ بـيع الـسّـوام وأثني عليهم حبيباً حـبـيبـا
    ففي كل يوم لنـا مـوقـف يُشقِّق فيه الوداعُ الجـيوبـا
    وما كان سخطُك إلا الفـراق أفاض العيون وأشْجَى القُلوبا
    ولو كنت أعرف ذنباً لـمـا تخالجني الشكّ في أن أتوبـا
    سأصْبِرُ حتى ألاقـي رِضـا كَ إما بعيداً وإمـا قـريبـا
    أراقبُ رأيك حتـى يصـحّ وأنظرُ عطفَك حتى يَثـوبـا
    العذب من شعر جرير
    وإنما أحلْتُك على البحتريّ؛ لأنه أقرب بنا عهْداً، ونحن به أشد أُنساً، وكلامه أليق بطباعِنا، وأشبه بعاداتنا؛ وإنما تألَف النّفس ما جانَسها، وتقْبل الأقرب فالأقْرب إليها. فإن شئت أن تعرِف ذلك في شعرِ غيره كما عرفتَه في شعره، وأن تعتبر القديمَ كاعتبارِ المولَّد فأنشد قول جرير: ألا أيها الوادي الذي ضمّ سـيلُـه إلينا نوى ظَـمـياءَ حُـيّيتَ وادِيا
    إذا ما أراد الحيّ أن يتـفـرّقـوا وحنّت جِمالُ الحيّ حنّت جِمالـيا
    فيا لَيت أنّ الحـيَّ لـم يتـزيّلـوا وأمسى جميعاً جيرَةً مُـتـدانـيا
    إذِ الحيُّ في دارِ الجميع كأنّـمـا يكونُ علينا نصفُ حـوْلٍ لَـيالـيا
    الى اللهِ أشكو أن بالغـوْر حـاجةً وأخرى إذا أبصرْتُ نجْداً بَدا لِـيا
    نظرت برَهْبا والظّعائنُ بالـلّـوى فطارَت برَهْبا شُعبةٌ من فـؤادِيا
    وما أبصر النّارَ التي وضحَت لنـا وراءَ جُفافِ الطّيْرِ إلا تـمـاريا
    إذا ذُكِرتْ ليْلى أُتيحَ لي الـهـوى على ما تَرى من هِجرَتي واجتِنابيا
    حليليّ لولا أن تظنّا بيَ الـهَـوى لقُلْتُ سمِعْنا من عُـقَـيلةَ داعِـيا
    قِفا فاسمَعا صوتَ المُنادي لعـلّـه قريبٌ وما دانيتُ بـالـوُدِّ دانِـيا
    ولوْ أنّها شاءَت شفَتْـنـي بـهـيِّن وإنْ كان قد أعْيا الطّبيبَ المُـداوِيا
    فإنكِ إن تعطي قليلاً فطـالَـمـا منعتِ وحلأْتِ القُلوبَ الصّـواديا
    عِتاقِ الطّيرِ أسمَحْن بعْـدمـا شمَسْنَ وولّيْن الخُدودَ العـواصِـيا
    إذا اكتحَلَتْ عيني بعينِك مسّـنـي بخير وجلّى غَمرَةً عـنْ فُـؤاديا
    ويأمُرني العُذّال أنْ أغلِبِ الهَـوى وأن أكتُمَ الوجْد الذي ليس خافـيا
    فيا حسَراتِ القلْبِ في إثْر مَن يُرى قريباً وتلْقى خيرَهُ مـنـكَ نـائِيا
    تعيّرُني الأخلافَ ليلى وأفضلَـتْ على وصْلِ ليلى قوّةٌ من حِبالِـيا
    تخطّى إلينا من بعـيدٍ خـيالُـهـا يخوضُ خُداريّاً من اللـيلِ داجـيا
    فحُيّيتَ من سارٍ تكلّف مـوهِـنـا مَزاراً على ذي حاجةٍ متـراخِـيا
    ثم خرج فقال: وإنّي لعفُّ الفَقْرِ مشترَك الـغِـنـى سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتِمالِـيا
    وإني لأستَحْييكَ والخـرْقُ بـينـنـا من الأرضِ أن تلْقى أخاً ليَ قالِـيا
    وقائلةً، والدّمْعُ يغسِـلُ كُـحـلَـهـا أبَعدَ جريرٍ تكرِمـون الـمَـوالـيا
    فردّي جِمالَ البينِ ثـم تـحـمّـلـي فما لكِ فيهمْ مـن مُـقـام ولا لِـيا
    تعرّضْتُ فاستمرَرتُ من دون حاجتي فدونَكَ إنّي مسـتـمـرٌّ لِـحـالِـيا
    وإني لَمَغرورٌ أعلَّـلَ بـالـمُـنـى لَيالي أرجو أنّ مـا لـك مـا لِـيا
    فأنت أخي ما لم تكُـن لـي حـاجةٌ فإن أعرَضَتْ أيقنت أن لا أخـالِـيا
    بأي نجادٍ تحمِلُ السّـيفَ بـعـدَمـا قطعْتَ القُوى من محمَلٍ كان باقِـيا
    بأي سِنانٍ تطعَنُ القَـرمَ بـعْـدَمـا نزَعْت سِناناً من قناتِـك مـاضِـيا
    ألمْ أكُ ناراً يصْطَلـيهـا عـدوُّكـم وحِرْزاً لما ألـجـأتُـمُ مـن ورائِيا
    وباسِـطَ خـيرٍ فـيكُـمُ بـيمـينِـه وقابِضَ شرٍّ عنكُـمُ بـشِـمـالِـيا
    إذا سرّكُم أن تمسَحوا وجْهَ سـابـقٍ جَوادٍ فمُدّوا وابسُطوا منْ عِـنـانـيا
    أنا ابنُ صريحَي خِندِف غيرَ دِعـوةٍ يكون مكان السّيف منها مـكـانـيا
    وليس لسَيفي في العِـظـام بـقـيّة وللسّيفُ أشوى وقعةً من لِـسـانـيا
    ألا لا تَخافـا نَـبـوةً فـي مُـلـمّةٍ وخافا المنايا أن تَفـوتَـكـمـا بِـيا
    وإنما أثبتّ لك القصيدة بكمالها، ونسختُها على هيئتها، لترى تناسبَ أبياتها وازدواجَها، واسواءَ أطرافها واشتباهها، وملاءمةَ بعضها لبعض، مع كثرة التصرف على اختلاف المعاني والأغراض.
    تفاوت شعر أبي نواس
    يتبع

  5. #5
    ولو تأملت شعر أبي نواس حقّ التأمل، ثم وازنت بين انحطاطه وارتفاعه، وعددتَ منفيّه ومختاره، لعظّمتَ من قدْر صاحبنا ما صغّرت، ولأكبرت من شأنه ما استحقرت، ولعلمت أنك لا ترى لقديم ولا محدَث شعراً أعم اختلالاً، وأقبح تفاوتاً، وأبين اضطراباً، وأكثر سفسفة، وأشد سقوطاً من شعره هذا؛ وهو الشيخ المقدّم والإمام المفضّل الذي شهد له خلَف وأبو عبيدة والأصمعي، وفسر ديوانه ابنُ السكيت؛ فهل طمست معايبه محاسنَه? وهل نقص رديُّه من قدر جيده? وهل ضرّ قوله: يحميك مما يستسر بـفـعـلـه ضحكاتُ وجه لا يَريبُك مشرقِ
    حتى إذا أمضى عزيمة أمـره أخذت بسَمْعِ عدوِّه والمنطـقِ
    وقوله: يا ناقُ لا تسأمي أو تبلُغي ملكـا تقبيلُ راحته والـركـن سـيّانِ
    متى تحطّي إليه الرّحْل سالـمةً تستجمعي الخلْق في تمثال إنسانِ
    وقوله: لعمرك ما غاب الأمـينُ مـحـمـدٌ عن الشيء يعْنيه إذا حضر الفضـلُ
    ولـولا مـواريثُ الـخـلافة أنـهـا له دونه ما كان بينـهـمـا فـضْـلُ
    فإن كانت الأحساب فـيهـا تـبـاينٌ فقولُهما قولٌ وفعلُـهـمـا فـعـلُ
    أرى الفضْل للدنيا وللدين جـامـعـاً كما السهمُ فيه الفوقُ والرّيشُ والنّصْل
    وقوله: إذا نحن أثنينا عليك بـصـالـحٍ فأنتَ كما نُثني وفوق الذي نُثني
    وإن جرتِ الألفاظُ منّا بمـدحة لغيرك إنساناً فأنتَ الذي نعْنـي
    وقوله: لا أذودُ الطّيرَ عن شجَـرٍ قد بلوت المُرَّ من ثمَرِه
    خِفْتُ مأثورَ الحديث غداً وغدٌ دانٍ لمُنـتـظـره
    خاب مَن أسْرى الى ملِكٍ غير معلوم مدَى سفَـرِه
    فامْضِ لا تمْنُن علـيّ يدا منُّكَ المعروف من كدره
    رُبّ فتـيان ربَـأتـهـمُ مسقطَ العيّوق من سحَرِه
    فاتّقوْا بي مـا يَريبـهـمُ إنّ تقوى الشرِّ من حذَره
    وقوله: قالوا كبرت فقلت ما كبِرت يدي عن أن تخبّ الى فمي بالكاس
    وإذا عددت سنيّ كم هي لم أجدْ للشيب عذراً في النزول براسي
    وقوله: بانوا وفيهم شموسُ دُجنٍ تُنعِلُ أقدامَها القـرونُ
    تعومُ أعجازُهنّ عوْمـاً وتنثني فوقها المُتـونُ
    وقوله: وكأسٍ كمصباح السماء شربتُها على قُبلة أو موعد بـلـقـاءِ
    أتت دونها الأيام حتى كأنـهـا تساقُطُ نورٍ من فُتوق سمـاءِ
    وقوله: قامت تريك وأمرُ الليل مجتـمـع صبحاً تولّد بين الماء والـعـنـب
    كأن صُغرى وكُبرى من فواقِعهـا حصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذهب
    كأن تُرْكاً قياماً في جـوانِـبـهـا تواتَروا الرمي بالنشّاب من كثَـب
    وإن كان النحويون ينكرون صغرى وكبرى بغير ألف ولام.
    وقوله: فإذا علاها الماء ألبَسَهـا زبَداً شبيهَ جلاجل الحِجْل
    حتى إذا سكنت جوامحها كتبت بمثل أكارِع النمل
    خطّين من شتى ومُجتَمع غُفْل من الإعجام والشّكْل
    وقوله: فتمشّتْ في مفاصلهـم كتمشي البُرْءِ في السّقم
    ومن سلك هذا المسلك من شعره فقد صافح السماء وتناول النجوم.
    هل ضرّ قولَه هذا غَثاثةُ قوله يمتدح الأمين: فعصا نداه بـراحـتـي أعلو بها الإفلاسَ قرْعا
    وعلـيّ سـورٌ مـانـعٌ من جوده إن خفتُ كسْعا
    فلو أنّ دهْـراً رابـنـي لصفعتُه بالكفّ صَفْعـا
    وقوله: ما لرِجْلِ المالِ أضحَتْ تشتكي منك الكَـلالا
    ما لأمْوالِك مـنْ جـا ءَ احتَثى منها وَكـالا
    وقوله: أيا مَنْ وجهه الداحـي ومن منزله الماحـي
    أماليَ منـك يا ظـال م إلا اللاهي واللاحي
    وضعفُ قوله:
    ألا يا قمرَ الـدّار ويا مِسكة عطّار

    ويا نفْحة نسـرينٍ ويا وردةَ أسحار
    ويا جدول بُستـان على شاطئ أنهار
    ويا كعبَيْن من عاج ويا غـرّةَ دينـار
    ويا نرْداً لفِـتْـيان ويا لُعْبة أبـكـار
    ويا مسواك جمّاش ويا طنبور شطّار
    وقوله: قد غَنينا عن الشِّـتـا وعن اللّبْس للـفِـرا
    وعن الحشو للعِـمـا مة والكنِّ والـصِّـلا
    وعن الفرْش والوِطـا ببـيوت بـلا كـرا
    قدم الصيف بـالـولا بةِ قـدّامـه الـلِّـوا
    بالمنـاديل والـغـلا لة والنّعـل والـرِّدا
    والطنابير والـطـبـو ل وبالرقص والغِنـا
    يُحشَرُ الناس في القـيا مة مُرْداً بلا لِـحـى
    أنا مالـي ولـلـربـا ط وللغَزْوِ والـفِـدا
    لستُ ممن يطوف في عرفات ولا مِـنـى
    أركبُ المرد في الديا ر وفي المدن والقُرى
    فإذا ما تـمـنـعـوا وعصوا أبذلُ الرِّشـا
    وهو كما تراه في سُخْف اللفظ، وسوء النظم، وسقط المعنى، وقوله: حمْدان ما لك تغـضـبْ عليّ من غير مُغضـبْ
    فقد حـلـفـتُ يمـينـاً مبرورة ليس تُـكـذبْ
    فثـق بـذلـك مـنـي يا بنَ الكريم المَرْكَـبْ
    فالبحر أصبـح شـانـي والبحر أشهى وأطـيبْ
    وقـد تــآلـــيتُ ألاّ في البر ما عشتُ أركَبْ
    وقوله: ذاك الذي من يد الـل ه حار فيه القـبـولُ
    فكلّ جانب قـلـبـي شوقـاً إلـيه يمـيلُ
    ويلي! وليس يرى لي حقَّ الهوى فـيمـيلُ
    ويلي! وما هكـذا إخ وتي يكونُ الخـلـيلُ
    لم يختَـرِقْ بـيتـنـا حسناً بـودّ رسـولُ
    حتى بَدا منه مـا لـم يَفعَله قـطّ مَـلـولُ
    ولا اهتَدى باحـتـيالٍ إلـيه قـطّ بـخـيلُ
    ما أفصَح الطّرْفَ حدا للـودِّ حـين يجـولُ
    وقوله: ونائح هبّ في الغصون ضُحاً كمُنْتَشٍ موْهِناً إذا انْقَـلـبـا
    يدعو بذكر على اسمه لهوًى يذكرنا في أوانه الرّطـبـا
    وقوله: فاردُدْ عليّ حياتي عضّاً بفيك ولَحْسا
    وقوله: قد حكى البدرُ بَهـاكـا فرآه مَـنْ رآكـــا
    وازدَهى بالحُسْنِ لـمّـا صار في الحسنِ حَكاكا
    وقوله: علـيو يا ريمــوده أصبحْت لي مستعدّه
    وقد علِمت لعَمْـر الْ إلـه أنـك جَـلـده
    بالاسـتـلاب إذا مـا مشيت لي مشي نجده
    ورجرجت من وَراها أردافَ إيزارِ بنـده
    وقوله: قد صبَغتْ بنتُ الـمـدينـيه للفطر يا عبـاس فـوهـيّه
    وسلّفَتْ ماشِـطَـهـا أجـرة واشترطت في المَشْط رازيّه
    فاسلـفـوا يا قـوم فـي... من نقْدِ بيتِ المـالِ بـخـيّه
    فإنـهـا أعـشـق بـغّـايةٍ لهذه المعـصـوبة الـنـيه
    يا عمْرو ما بالُ الـمـدينـيه لا تأكل العصبان مـشْـوِيه
    ونحو هذا مما يملّ الناظر، ويضيع وقْت الكاتب. ولو وُجد لأبي الطيب بيت مثله، وحرفٌ يقاربه لعُصِب بعارِه، ولا انطلقت الألسن بعيبه، وصُدِّر به ديوان مثالبه وصحيفة مساويه.
    فإن طلبَ اللحنَ والغلط أخذ عليه مثل قوله: وضيْف كأس محدثهْ ملك تِيهُ مُغنٍّ وظَرْفُ زِنديقِ
    فسكن الهاء، وقوله: يا ربيَ الجبار. فرفع الجبار.
    وقوله: يا خيْرَ من كان ومَنْ يكونُ إلا النبيّ الطاهرُ الميمونُ
    وقوله: فلما خـشـي الإيبـا ء من صحْبٍ وجلاّسِ
    وإنما هو الإباء.
    وقوله:
    وإذا نزعتَ الى الغواية فليكُن لله ذاك النزعُ لا لـلـنـاس
    وإنما هو نزع عن الشيء نزوعاً، وأبيات كثيرة يضعفُ عذة في معظمها، وإن كان باب التأويل يتسع، ومذاهب الاحتيال في النحو لا تضيق.
    ووجد له في الإحالة مثل قوله: وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتى إنّه لتَخافُك النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ
    وقوله: حتى الذي في الرحم لم يك نطفة لفؤاده من خوفـه خـفَـقـان
    وقوله يصف الباري، جلّ أن يوصَف: إن الذي لا يخيّب سـائلـه جوهره غير جوهر البشر
    وقوله: كانت ذخيرة صانع متنوَّق
    يعنيه - جل وعز.
    ومن الخطأ في الوزن قوله: رأيت كل مـن كـا ن أحمقاً معتوهـا
    في ذا الـزمــان صار المقدم الوجيها
    يا رب نذل وضـيع نوهته تـنـويهـا
    هجوتـه لـكـيمـا أزيده تـشـويهـا
    فبعضه مستفعلن مفعول وفعول، وبعضه مستفعلن فاعلاتن.
    والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة كقوله: يترَشفْن من فمي رشَفاتٍ هنّ فيهِ أحلى من التوحيد
    وقوله: وأبهَرُ آيات التِّـهـامـيّ أنّـهُ أبوكم وإحدى ما لكُم من مَناقب
    وهو يحتمل لأبي نواس قوله: قلت والكاس على ك فَّيّ تهوي لالتثامي
    أنا لا أعرف ذاك ال يوم في ذاك الزحام
    وقوله: يا عاذلي في الدهر ذا هجْرُ لا قَدرٌ صـحّ ولا جـبْـرُ
    ما صح عندي من جميع الذي يُذكر إلا الموتُ والـقـبـرُ
    فاشرب على الدهر وأيامـه فإنما يهلـكـنـا الـدهـرُ
    وقوله: عاذلتي بالسّفاه والـزجـر استمعي ما أبثّ من أمري
    باح لساني بمضمر السـرِّ وذاك أني أقول بالـدهـرِ
    بين رياض السرور لي شيع كافرة بالحساب والحشـرِ
    موقنة بالممـات جـاحـدة لما رووه من ضغطة القبرِ
    وليس بعد الممات منقلـب وإنما الموت بيضة العَقْـرِ
    وقوله: أأترك لذة الصهباء نقـداً لما وعدوه من لبن وخمر
    حياة ثم موت ثم بـعْـث حديث خرافة يا أمَّ عَمرو
    وقد رُوي أنهما لديك الجن.
    وقوله: فدع الملامَ فقد أطعتُ غَوايتي ونبذتُ موعظتي وراء جداري
    ورأيت إيثارَ اللذاذة والـهـوى وتمتعاً من طيب هذي الـديارِ
    أحرى وأحزمُ من تنظّر آجـل ظنّي به رجْمٌ من الأخـبـارِ
    إني بعاجل ما ترين مـوكـل وسواه إرجافٌ مـن الآثـارِ
    ما جاءنا أحـدٌ يخـبـر أنـه في جنة مذ مات أو في النار
    فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما من تناول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر.

  6. #6
    تفاوت شعر أبي تمام
    ولو لزمت هذا المثال في شعر أبي تمام لتظاهرتْ عليك الحُجج، وكثرت عندك الشواهد، فقوِي في نفسك رأيي واعتقادي، وتصور لك صدقي وإصابتي؛ وإذ رأيته يقول: أموسى بنَ إبراهيم دعوة خامـس به ظمأُ التثريب لا ظمـأ الـوِرْد
    جليد على عتب الخطوبِ إذا عرَتْ وليس على عتب الأخِلاّء بالجَلْـدِ
    أأمنحُ هجْر القول من لو هجوْتـه إذا لهجاني عنه معروفه عنـدي
    كريمٌ متى أمدحْه أمدحْه والـورى معي وإذا ما لُمته لمتُـه وحْـدي
    أردّ يدي عن عِرض حرٍّ ومنطقي وأملؤها من لِبدَةِ الأسـد الـوَرْد
    فإن يك سُخْطٌ عنّ أو تَكُ هـفـوةٌ على خطأ مني فعذري على عمْد
    ويقول: ومن لم يسلِّمْ للنوائب أصبحت خلائقه جمْعاً عليه نَـوائبـا
    وقد يكْهَمُ السيف المسمى مَنيّة وقد يرجع المرءُ المظفَّرُ خائبا
    فآفة ذا ألاّ يُصادِف مضـربـاً وآفة ذا ألا يصادفَ ضـاربـا
    وقوله: أقول وقد قالوا استراحـت لـمـوتـهـا من الكرب: روحُ الموت شرٌّ من الكرب
    قد نزلت ضنْكاً من اللـحـد والـثـرى ولو كان رحب الذّرْع ما كان بالرحـب
    وكنت أرجّي الـقُـرْب وهـي بـعـيدة فقد نُقلت بعدي عن البُـعْـد والـقـرب
    لها منزلٌ تحت الثـرى وعـهـدْتُـهـا لها منزل بين الـجـوانِـح والـقـلـبِ
    ويقول: أرى الناسَ منْهاجَ الندى بعد ما عفَت مهايعُه المثلى ومحّتْ لـواحِـبـه
    ففي كل نجد في الـبـلاد وغـائر مواهب ليست منه وهي مواهبـه
    فيأيها السّاري اسْرِ غـير مـحـاذر جنان ظلام أو ردّي أنت هـائبـه
    ويقول: ذو الودّ مني وذو القربى بمنـزلةٍ وإخوَتي أسوةٌ عندي وإخـوانـي
    في دهريَ الأول المذموم أعرفهـم فكيف أنكرهم في دهريَ الثانـي
    عصابة جـاورتْ آدابـهـم أدبـي فهم إنْ فُرِّقوا في الأرض جيراني
    ويقول: فتىً مات بين الضّرب والطّعن ميتةً تقوم مقام النصر إذ فاتهُ النصـر
    لئن أُبغِض الدهرُ الخئون لفـقـده لَعَهدي به ممّن يحَبُّ له الـدهـر
    وكيف احتمالي للسحاب صـنـيعة بإسقائه قبراً وفي لحده الـبـحْـرُ
    ويقول: وما اشتبَهَتْ طريق المجد إلا هداك لقِبلة المعروف هادي
    وما سافرتُ في الآفـاقِ إلا ومن جدْواك راحلتي وزادي
    مقيم الظن عندك والأمانـي وإن قلقت ركابي في البلاد
    فيترقى في هذه الدّرج العالية، ويتصرف هذا التصرف المعجز، ثم ينحط الى الحضيض ويلصق بالتراب، ويقول: أصبحتَ نيءَ العقل فاصْل لميْسَم بيدي ألجِّ الناس في الإنضـاج
    ويقول: ألا لا يمدّ الدهرُ كفّاً بـسـيئ الى مجتدى نصر فتقطع للزّنْدِ
    ويقول: لو كان كلّفها عُبيدٌ حاجةً يوماً لزنّى شدْقَماً وجَديلا
    وأظنه لو وجد لفظة أسقط من زنّى، وأقل مناسبة للمعنى لاستعملها.
    ويقول: نمْ وإن لـم أنـم كـراي كَـراكـــا شاهـدي الـدّمـع إنّ ذاكَ كـذاكـا
    طال ضُرّي نفسي فـداؤك بـل مَـنْ أنا حتى تكـون نـفـسـي فِـداكـا
    ضاق صدري بل كيف أستطيع أن أصْ بِر إذ كـان نـاظـري لايَراكـــا
    ذهبـت مُـقـلـتـاي بـالـدّم والـدمْ عِ الى النارِ إذ نجَتْ مُـقـلَـتـاكـا
    ويقول: بنفسي مَنْ هواهُ أخي وترْبي وحِبّيه رضيعُ بنات قلبـي
    ومن قد شفّني وصبرت حتى ظننتُ بأن نفسي نفسُ كلْب
    ويقول: قسّمَتْ لي وقاسمتني بسلطـا نٍ من السحر مقلتا عبْـدوسِ
    فالقسيم القَسام عن لحـظـات منهما يختلسن حب النفـوس
    فالذي قاسمت بلحْظ إذا اللـي ل تمطى من الكرى المنفوسِ
    ولست أدري - يشهد الله - كيف تصوّر له أن يتغزّل وينسِب، وأي حبيب يستعطف بالفلسفة! وكيف يتّسع قلب عبدوس هذا؛ وهو غلام غِرّ، وحدَث مُتْرف لاستخراج العويص وإظهار المعمّى! ويقول: لم يبرح البينُ المُشِتُّ جوانِحي حتى نروّث من دمٍ مسمـوم
    ويقول: أأترك حاجتي غرَض التواني وأنت الدلوُ فيها والـرِّشـاءُ
    ويقول: ضاحي المحيّا للهجير وللقنا تحت العَجاج تخالُه مِحراثا
    ويقول: تُثَفّى الحربُ منه حين تغلي مراجِلُها بشيطـان رجـيم
    ويقول: ولّى ولم يُظْلَم وما ظُلِم امرؤ حث النّجاء وخلف التّنـين
    فهو يجعل الممدوح تارة دلواً، وتارة محراثاً، ومرة رشاء، وأخرى تنّيناً وشيطاناً رجيماً؛ وأظنه جسَر على ذلك لما سمع قول جرير: أيام يدعونني الشيطان من غزلي وهنّ يهوَينني إذ كنتُ شيطانـا
    وما أبعد ما بين الكلامين، وأشد تفاوت ما بين الموضعين! ويقول: كان الزمان بكم كلباً فغـادركـم بالسيف والدهر فيكم أشهرُ الحرم
    ويقول: فحرام عليك أن تقرعي ها مة قلبي بدمعك المهراق
    وما تكاد قصيدة من شعره تسلم من أبيات ضعيفة؛ وأخرى غثّة، لاسيما إذا طلب البديع وتتبّع العويص؛ فجاء بمثل قوله: لعمري لقد حرّرتُ يوم لقيته لو أن القضاء وحدَه لم يُبرَّدِ
    وقوله: لن يأكلوا هم ولا عشيرتـهـم ما كنزوه من صامت الحسب
    وقوله: ذلّتْ بهم عُنق الخليطِ وربما كان الممَنّع أخدعاً وصَليفا
    وقد أولع بذكر الأخدع؛ فردده في عدة أبيات لم يوفق إلا في واحد منها.
    قال: سأشكر فُرجة اللّبَب الرخيّ ولينَ أخادع الزّمِنِ الأبـيّ
    وقال: يا دهر قوّم من أخدعيك فقـد أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خرَقِكْ
    وقال: فضربتَ الشّتاء في أخدعيه ضربةً غادرتْهُ عَوْداً رَكوبا
    وقد أحسن في قوله: وما هو إلا الوحيُ أو حدُّ مرهفٍ تُميلُ ظُباه أخدَعَي كـل مـائلِ
    وقد ذكره البحتري صفحاً، فقال: عطَف ادّكارُك يوم رامة أخدَعي شوقاً وأعناقُ المطيّ قواصـدُ
    فوقع من الحلاوة والحسن في الموقع الذي تراه. وقوله: لو لم تفتّ مُسنّ المجد مـذ زمـنٍ بالجود والبأس كان الجود قد خرِقا
    وقوله: كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا فكأنما لبس الزمانُ الصوفا
    وقوله: ولديك آلات جنـوبٌ كـلـه فاحطم بأصْلبِهنّ أنف الشّمْألِ
    فإن حمَل نفسه على التكلّف، وفارق الطبع الى التعمق أراك مثل قوله: ألا سبيلَ ندًى إلا سبـيلَ بِـلَـى لو كنت حياً لأضحى للندى سُبُل
    وقوله: لو لم يمت بين أطراف الرماح إذاً لمات إذ لم يمتْ من شدّة الحَزنِ
    وقوله: أيعد التي ما قبلها أفبعدهـا مقام لحرّ قلت أنت عجولُ
    وقوله: ذهبت بمذهبه السماحةُ فالتوَتْ فيه الظنونُ أمُذهبٌ أم مذهبُ
    وقوله: المجدُ لا يرضى بأن ترضى بأن يرضى المؤمل منك إلا بالرضا
    بلغنا أن إسحق بن إبراهيم الموصلي سمعه ينشد هذا البيت، فقال له أن: يا هذا، لقد شققت على نفسك، إن الشعر لأقرب مما تظن.
    فإن أظهر التعجرف، وتشبّه بالبدو، ونسي أنه حضري متأدب، وقروي متكلف جاءك بمثل قوله: قد قلتُ لما اطْلَخَمّ الأمر وانبعثت عشواءُ تاليةٌ غُبْساً دَهـاريسـا
    وقوله: فعنيقُها يعضيدُها ووشيجُها سعدانُها وزميلُها تنّومهـا
    وقوله: إن الأشاءَ إذا أصاب مشذِّبٌ منه اتمهلّ ذُرًى وأثّ أسافِلا
    وقوله: وحادِث أخرَق داويتُه ردّاعة داهِية درْدَبيسْ
    وقوله: ومُزَحْزِحاتي عن ذراكَ عوائِقٌ أصحرْن بي للعَنقَفير المؤبّـدِ
    وقوله: مُقابلٌ في دِرى الأذواءِ منصبُـه عيصاً فعيصاً وقُدموساً فقُدموسا
    ثم لو لزم ذلك واستمر عليه ديناً وعادة، واتّخذه إماماً وقِبلة لقلنا: بدوي جرى على طبعه، أو متحضِّر حنّ الى أصله؛ لكنه يُعرِض عنه صفحاً، ويتناساه جملة، ويقول وهو يمدح خليقة: مازلت في العفو للذنوب وإطْ لاقٍ لعانٍ في جُرمه غلِـق
    حتى تمنّى الـبُـراءُ أنـهـم عندك أمسوا في القِدّ والحلَق
    فنازعه المعنى، وانفرد دونه بالعيب؛ لأن أبا دَهبل زعم أن البرآء يتمنون أن يُذنِبوا فيُصيبوا عفوة، ولا نقْص في ذلك على الممدوح؛ لأن انفراده بالعفو متعذّر، وإنما سببه الى ذلك ذنب المحرم وخطأ الجاني.
    وزاد أبو تمام فزعم أنّهم يتمنون اليُتم؛ ليصلوا الى رِفده، ويلحقوا بالأيتام في تكفّله، والممدوح ممكّن من إفاضة العدل، وبثّ العُرف، وإغنائهم عن هذا التمني الذي لا يختاره العاقل إلا بعد بلوغ الجهد منه، ووصول القُنوط الى قلبه، واستيلاء الضّنك على معيشته؛ وليس من صفة الجواد أن يعرّض مُدّاحه وقصّاده، ومن علقت به آماله، وسمت إليه همتُه لسوء الحال، ويكلّفهم الأماني الرّذْلة. وقد مدح أبا المغيث، فقال: اسقِ الرعية من بشاشتك التي لو أنها ماء لكان مَـسـوسـا
    إن البشاشة والندى خيرٌ لهـم من عفة جمَسَت عليك جُموسا
    لو أنّ أسباب العَفافِ بلا تُقًـى نفعت لقد نفعتْ إذاً إبلـيسـا
    فليتَ شعري عنه لو أراد هجوه، وقصد الغضّ منه، هل كان يزيد على أن يذم عفّته، ويصفها بالجموس والجمود، وهما من صفات البرد والثقل، ثم يختم الأمر بأن يضرب له إبليس مثلاً، ويقيمه بإزائه كُفُواً، هذا وهو يقول في مثل ذلك غير مادح، وبحيث يحتمل الاتساع ولا يضيق التصرف: عجباً لعمري أنّ وجهَك مُعرِض عنّي وأنت بوجهِ نفعِك مقـبـلُ
    أوَلا تـرى أن الـطـلاقة جُـنّة من سوء ما تجني الظنونُ ومعقِل
    ومودة مـطـويةٌ مـنـشـورة فيها الى إنجاحهـا مـتـعـلـل
    إن يُعطِ وجهاً كاسفاً من تحـتـه كرم وطيبُ خلـيقةٍ لا تـدخـل
    فلرُبّ ساريةِ الغمـام مـطـيرة جادت بوابلها ومـا تـتـهـلـل
    على أنه قد تحامل بقوله: إن يعط وجهاً كاسفاً، وبقوله في مثله: ليس يدري إلا اللطيفُ الخبـير أي شيء تُطوي عليه الصّدورُ
    فتطلّق مع الـعـنـاية إنّ الْ بشْر في أكثر الأمور بشـيرُ
    إنما البشـرُ روضةٌ فـإذا كـا ن ببـذْل فـروضةٌ وغـدير
    فتكلم بما تجَمْجِـم فـالـمـن طقُ عنوان ما يجنّ الضمـير
    فيتوصّل الى مراده أحسن ما توصل، ويعبّر عن ذات نفسه بألطف عبارة؛ وقوله: شكوت الى الزمان نحولَ جسمي فأرشدني الى عبدِ الـحـمـيد
    وإنما يُرشَد في نحول الجسم الى الأطباء، فأما الرؤساء والممدوحون فإنما يُلتَمس عندهم صلاحُ الأحوال؛ وقوله: تكادُ عطاياه يجنّ جُنونهـا إذا لم يعوّذْها بنغمةِ طالبِ
    وما بالها يحوجها الى الجنون، ويلتمس لها العُوذ والرُقى، هلاّ فاكّ أسرها، وقدم خلاصها، ولم ينتظر بها نغمة الطالب، ففعل ما قاله أبو الطيب: وعطاءُ مالٍ لو عداهُ طالبٌ أنفقتَه في أن تلاقي طالِبا
    وقد تداول الناس هذا المعنى، فقال مسلم: أخ ليَ يعطيني إذا ما سألتُـه ولو لم أعرِّضْ بالسؤال ابتَدانِيا
    وقال أبو العتاهية: وإنا إذا ما تركنا السؤال فلم نبغ نائلَه يبتَـدينـا
    وإن نحن لم نبغ معروفَه فمعروفُه أبداً يبتَغـينـا
    وقال أبو تمام: فأضحَتْ عطاياه نوازعَ شُـرّدا تسائِل في الآفاق عن كلّ سائل
    وقوله: ورأيتَني وسألتَ نفسك سيْبَـهـا لي ثم جدتَ وما انتظرتَ سؤال
    وقد زاد أبو الطيب عليهم بقوله: أنفقته في أن تُلاقي طالب
    وقوله: قلْتاً من الرّيق ناقعَالذّوب إلْ لا أن برْد الأكباد في جمدِهْ
    فقد سلك مفسّرو هذا البيت غير طريق، وقالوا فيه غير قول، فلم يزيدوا على تأكيد المحال بالمحال، وإضافة الخطأ الى الخطأ، وما معنى جمد الريق? وكيف يكون برد الأكباد في جامده دون ذائبه! وقد أعطاك أن ذوبه ناقع مرّ، وهل بعد الري برد الأكباد! وبقوله: ألذّ من الماء الزُلال على الظما وأطرف من مَرِّ الشمال ببغْداد
    فجعل الشمال طرفه ببغداد، وهي أكثرُ الرياح بها هبوباً. وقد رواه بعض الرواة أظرف؛ ولا أعرف معنى الظرف في الريح؛ وقوله: ورحبَ صدْرٍ لو أنّ الأرض واسعة كوسعه لم يضق عن أهله بـلـدُ
    وهذا المعنى فاسد؛ لأنه جعل البلادَ إنما تضيق بأهلها لضيق الأرض، وأنها لو اتسعت اتساعَ صدره لم تضِق البلاد. ونحن نعلم أن البلاد لم تخطط في الأصل على قدر سعةِ الأرض وضيقها، وأن الأرض تتّسع لبلاد كثيرة، ولاتّساع ما فيها من المدن أيضاً، وهي على حالها؛ وإنما تؤَسس وتبتدئ على قدر الحاجة إليها؛ فإذا استمر بها الزمان وكثرت العمارة، وظهر فيها ما يستدعي الناسَ إليها ضاقت، فإن جاورَتْها فُسَح وعِراص وسّعت، وإلا احتمل لها بعض الضيق؛ فلو اتسعت الأرض حتى امتدّت إلى غير نهاية وأمكن ذلك لم تزد البلاد التي تنشأ فيها على مقاديرها.
    وقوله: سبعون شهراً كلها في كلِّـه لي عائقٌ عن منزلي وبلادي
    فجعل للكل كلاً، كما جعل للدهر دهراً في قوله: تحمّلتُ ما لو حُمِّل الدهرُ شطرَه لفكّر دهراً أي عبـأَيْه أثـقَـلُ
    وقوله: رقيقُ حواشي الحلم لو أن حلمه بكفّيك ما ماريتَ في أنه بُـردُ
    والبُرد لا يوصف بالرِّقة، وإنما يوصف بالصفاقة والدّقة. وقد أقام الرقة مقام اللطف والرشاقة في موضعٍ آخر، فقال: لك قدٌ أرقّ من أن يحاكـي بقضيبٍ في النّعتِ أو بكثيبِ
    والقد لا يوصف بالرقة. وقوله: لآلٍ إذا مرّت على السمع ناسبَتْ لدقّة معنى نظمِها لؤلؤَ العِقْـد
    ومناسبة اللآلئ في دقة النظم لا يُفتخَر بها، ولا يجعل ما يناسبه في ذلك لآل؛ وإنما يشبه باللآلئ في الصفا والرونق والحسن، وقد يكون من سقط الخرز وصغاره ما هو أدقّ نظماً من اللؤلؤ؛ وقد تنظِم الأعراب تيجانها من حبّ الحنظَل، وهو أدقّ نظماً من كل جوهر نفيس، وإنما أراد ذِكر السبب الذي أفاده شبه اللؤلؤ فزلّ عنه. وقوله: من الهيف لو أن الخلاخلَ صُيِّرت لها وشحاً جالت عليها الخلاخِـلُ
    أراد وصفها بدقّة الخصر، فوصفها بغاية القصر والضئولة؛ لأن الوشاح يؤخذ من العاتق ويوشح إحدى طرفيه الصّدْر والبطن، والآخر الظهر، حتى ينتهيا الى الكشح ويلتقيا على الوِرك. وكيف حالُ من يجول الخلخال من عاتقها وكشحها، وهل تكون هذه من البشَر فضلاً عن أن تُنسَب الى الحُسن! وقوله: يَدي لمن شاء رهْنٌ لم يذُق جـرَعـاً من راحتيك درَى ما الصّابُ والعسَل
    فحذف عمدة الكلام، وأخلّ بالنظم؛ وإنما أراد يدي لمن شاء رهن إن كان لم يذق. فحذف إن كان من الكلام، فأفسد الترتيب، وأحال الكلام عن وجهه.
    وقوله: حلّتْ محلّ البِكْر من مُعطًى وقد زُفّت من المعطي زِفافَ الأيِّم
    فجعل الأيّم مقابل البِكر في التقسيم، والأيّم قد تكون بِكراً؛ وإنما هي التي لا زوج لها، يقال: آمت المرأة تئيم أيْمة. وكذلك الرجل إذا ماتت امرأته؛ وإنما لأهل اللغة قولان: أحدهما أن المرأة قد تكون أيِّماً إذا لم يكن لها زوج؛ وإن لم تكن نكِحت قطّ. والثاني أنها لا تكون أيِّماً إلا وقد نُكِحت، ثم خلَت بموت أو طلاق؛ بِكراً كانت أو غير بكر، بنَى عليها الزوج أو لم يبْنِ. ويقال: تأيّمت المرأة؛ إذا لم تُنكح بعد موت زوجها.
    فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: الأيّم أحق بنفسها من وليّها، والبِكر تُستأذن في نفسها. فقد ذهب العراقيون فيه على ظاهر اللغة؛ فجعلوا الأيّم عاماً في الثّيّب والبكر، وجعلوا اللفظة الثانية مفردة بحكم، وداخلة من الثانية في حكمها، وأبى أصحابُنا ذلك؛ فذهب الشافعي الى أن المراد بالأيّم الثيّب، وليس يُحفظ عنه، ولا يوجد في شيء من كتبه أن الأيّم والثيّب في اللغة عبارتان عن معنى واحد، فيجد العائب طريقاً الى عيبه، ولكنه لُطف في الفكر فتوصل به الى استخراج ما غمض على غيره؛ وذلك أنه رأى الخبر تضمّن ذكر الأيّم والبكر، ووجد البكر معطوفاً على الأيّم؛ وكان ظاهر الخطاب وحقيقة اللغة يقتضي تغايرَ المعطوف والمعطوف عليه. ومن الظاهر عند أهل اللسان أن الشيء لا يُعطَف على نفسه؛ هذا هو الأصل المطّرد، فإن وُجد في الكلام ما يخرج عنه، وأُصيب ما يخالف هذه القضية فزائل عن الظاهر تابع لدليله؛ كما يوجد عموم يُخَصّ، وأمر يحمل على النّدْب، وخبرٌ يراد به الأمر؛ فلا يُترك له موضوعات الأصول ولا يُعترض به على حقائق اللغة.
    يُعطف بالشيء على نفسه؛ فكذلك لا يُعطف به على جملة هو بعضُها؛ لأنه يكون معطوفاً به على نفسه وعلى شيء آخر معه.
    ولو قال قائل من أهل اللغة، موثوق بسداده: جاءني عمرو وأكرمني أبو زيد؛ لوجب أن يكون أحدُهما غير الآخر في مقتضى الظاهر؛ وكذلك لو قال: وجدت عبد الله عاقلاً وأبا محمد فاضلاً لكان المعقول منهما تغايرهما، وإن أمكن أن يكون المسمى هو المكنى.
    فلما تقرّر عنده الأصل، ووجد الأدلة تقوده إليه فصَل بين المعطوف والمعطوف عليه، فجعل الأيّم غير البِكْر؛ وليس غير الأبكار إلا الثُيَّب. وليس يعترض هذا قولُ من يزعم أنه إقرار بالعدول عن الظاهر، ومفارقة الحقيقة، فقد سلم للمخالف ورفعت المنازعة في هذه الدلالة؛ لأنا نقول: إن في الخبر ظاهرين متقابلين؛ أحدهما حقيقة الأيّم وهو انطلاقُها على كل خالية من حُرمة النكاح، والثاني ظاهر العطف ووجوب تميّز المعطوف عليه، فلما تقابل هذان الظاهران، ولم يكن من رفْض أحدهما بدّ اتّبع المتعارف، واستسلم لعادة الخطاب؛ وعادة الاستعمال في اللغات مقدمة على حقائقها، وهي أولى بالظاهر من أصولها.
    وأما أنا فأرى ظاهرَ الترتيب من ظاهر الألفاظ المنفردة، وإن كان من أصحابنا من يخالفني فيه.
    وفي الإفصاح بما أشرت إليه، وتبيين ما أجملته كلامٌ يتسع، ولا يتصل بالغرض الذي قصدناه، وإنما نبذْت منه نُبذاً اقتضاها فصلٌ أصبته لبعض من اعترض على أبي تمام، جمع فيه بينه وبين الشافعي في النكير، ووازن بين قولهما في الخطأ، ولم أستحسن ما يتسرع إليه أصحابنا من التصريح بمخالفة اللغة، والتشبّث بالشواذ المردودة، ووجدت المعنى الذي ذكرته مستقيماً على اللغة والمعقول، وكالمصرّح به في لفظه؛ فأومأت إليه.

  7. #7
    شعر المتنبي

    الى نسق الكتاب وأكتفي بما قدّمته من هفوات أبي تمام وإن كان ما أغفلته أضعاف ما أثبتّه؛ إذ البغْية فيه الاعتذار لأبي الطيب، لا النّعي على أبي تمام. وإنما خصَصْتُ أبا نُواس وأبا تمام لأجمع لك بين سيّدي المطبوعين، وإمامَي أهل الصنعة، وأريك أن فضلَهما لم يحمِهما من زلل، وإحسانهما لم يصفُ من كدَر؛ فإن أنصفتَ فلك فيهما عبرة ومَقنع، وإن لججت فما تُغْني الآياتُ والنّذر عن قومٍ لا يؤمنون.
    وقد رأيتك - وفقك الله - لما احتفلت وتعمّلت، وجمعت أعوانك واحتشدت، وتصفّحت هذا الديوان حرفاً حرفاً، واستعرضته بيتاً بيتاً، وقلّبته ظَهراً وبطْناً، لم تزد على أحرف تلقّطَتها، وألفاظ تمحّلَتها، ادّعيت في بعضها الغلط واللحن، وفي أخرى الاختلال والإحالة، ووصفت بعضاً بالتّعسّف والغثاثة، وبعضاً بالضّعف والركاكة، وبعضاً بالتعدي في الاستعارة؛ ثم تعدّيت بهذه السمة الى جملة شعره، فأسقطت القصيدة من أجل البيت، ونفيت الديوان لأجل القصيدة، وعجّلت بالحُكم قبل استيفاء الحجة، وأبرمت القضاء قبل امتحان الشهادة، فعبت قوله: فتًى ألفُ جُزء رأيُه في زمانـه وما قَلّ جُزء بعضُه الرأي أجمَعُ
    وقوله: ومن جاهل بي وهْو يجهَل جهلَه ويجهلُ عِلمي أنه بيَ جـاهِـلُ
    وقوله: فقلْقَلت بالهمّ الذي قلقل الحشا قلاقِلَ عيسٍ كلهنّ قـلاقِـلُ
    غثاثةُ عيشي أن تغثّ كرامتي وليس بغثٍّ أن تغثّ المآكلُ
    وقوله: لك الخيرُ غيري رامَ من غيرك الغِنى وغيري بغـيرِ الـلاذقـيّة لاحِـقُ
    وقوله: عظُمتَ فلمّـا لـم تـكـلّـم مـهـابَةً تواضعْتَ وهْو العُظمُ عُظماً عنِ العُظم
    وقوله: ولستَ بدونٍ يُرتـجـى الـغـيثُ دونـه ولا مُنتهى الجود الذي خلْفَـه خـلْـفُ
    ولا واحداً في ذا الوَرى مـن جـمـاعةٍ ولا البعضُ من كلٍّ ولكنّك الضِّـعـفُ
    ولا الضِّعفُ حتى يتبَع الضِّعفَ ضِعفُـه ولا ضِعفَ ضِعفِ الضّعفِ بل مثلَه ألفُ
    وقوله: قَبيلٌ أنت أنتَ وأنت منهُمْ وجدُّك بِشرٌ الملكُ الهُمامُ
    وقوله: كيف ترْثي التي ترى كلّ جفْن رَءَاها غير جفنِها غيرَ راقي
    وقلت: مازلنا نتعجب من قول مسلم بن الوليد:
    سُلّت وسَلّت ثم سَلّ سليلُها فأتى سَليلُ سَليلها مسلولا
    حتى جاء المتنبي، فملأ ديوانه من هذا الجنس، فأنسانا بيت مسلم.
    وقوله: أبا شُجاعٍ بفارِسٍ عضُدَ ال دولة فنّاً خُسْرو شَهَنْشاها
    وقوله: رِواقُ العِزّ فوقَك مسبطِرٌ ومُلكُ عليّ ابنِك في كَمالِ
    يعلِّلُها نَطاسيّ الـشّـكـايا وواحدُها نِطاسي المَعالي
    وليست كالإناثِ ولا اللواتي تُعدّ لها القُبور من الحِجال
    ولا مَن في جِنازتِها تِجار يكون وَداعُها نفْضَ النِّعال
    وقوله: أوْهِ من انْ لا أرى محاسنها وأصْلُ واهاً وأوْهِ مرْآهـا
    وقوله: كيف يقْوى بكفِّك الزّنـدُ والآ فاقُ فيها كالكفّ في الآفـاقِ
    أنت فيه وكـان كـلّ زمـانٍ يشتهي بعْضَ ذا على الخلاّقِ
    وقوله: مَبيتي من دِمِشْقَ على فِراش حشاهُ لي بحرِّ حشاي حاشِ
    وقوله: وربّما يشهدُ الطّعـام مـعـي من لا يُساوي الخبزَ الذي أكلَهْ
    وقوله: إني على شغَفي بما في خُمْرِها لأعِفُّ عما في سراويلاتِـهـا
    وقوله: لا خلْقَ أسمَحُ منك إلا عـارِفٌ بك رَاءَ نفسَك لم يقُل لك هاتِها
    وقوله: لساني وعيني والفؤاد وهـمّـتـي أودّ اللواتي ذا اسمُها منك والشّطر
    وما أنا وحدي قلتُ ذا الشِّعر كلّـه ولكن لشِعري فيك من نفسِه شعرُ
    وقوله: وشيخٌ في الشباب وليس شيخاً يسمّى كلّ مَن بلغَ المشيبـا
    وقوله: قَسا فالأُسْدُ تفزَع من يدَيْهِ ورقّ فنحنُ نفزَعُ أنْ يَذوبا
    وقوله: وسيفي لأنْتَ السّيفُ لا ما تسُـلّـه لضرْبٍ ومما السّيفُ منه لكَ الغِمدُ
    وقوله: أيفطِمه التّوْرابُ قبل فِطامه ويأكله قبلَ البلوغ الى الأكلِ
    وقوله: إذا ما لبِستَ الدّهرَ مستمتعاً به تخرّقْت والملبوسُ لم يتخرّق
    وقوله: أغرّكُمُ طولُ الجيوشِ وعرضُها عليٌّ شَروب للجـيوشِ أكـولُ
    إذا لم تكنْ لـلّـيث إلا فـريسةً غذاهُ فلم ينفَـعْـك أنّـك فـيلُ
    إذا الطّعنُ لم تُدخِلك فيه شجاعة هي الطّعن لم يُدخِلك فيه عذولُ
    إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍ ففي الناس بوقاتٌ لها وطُبـولُ
    وقوله: فكلّكم أتى مأتَى أبـيه فكلّ فِعالِ كلِّكُمُ عُجابُ
    وقوله: مُلِثَّ القَطر أعطِشها رُبوعـا وإلا فاسْقِها السمَّ النّـقـيعـا
    أسائلُها عنِ الـمـتـديّريهـا فلا تدري ولا تُذري دُموعـا
    إذا ماستْ رأيتَ لها ارتِجاجاً له لولا سواعدُها نُـزوعـا
    تألّـم درْزَه والـدّرزُ لــيْنٌ كما تتألمُ العضْب الصّنيعـا
    ذراعاها عدُوّا دُمْلُـجَـيهـا يظنّ ضجيعُها الزّنْدَ الضّجيعا
    أحبّكِ أو يقولوا جـرَّ نـمْـلٌ ثَبيراً أو ابنُ إبراهـيمَ ريعـا
    أمُنسيّ الكناسَ وحضْرَ موتـاً ووالدتي وكِندةَ والسّـبـيعـا
    وقوله: جوادٌ سمَت في الخير والشّر كفُّه سُموّاً أودّ الدهرَ أنّ اسمَه كـفّ
    وُقوفَين في وقْفَين: شُكْرٍ ونـائلٍ فناثِلُه وقْفٌ، وشُكرُهـم وقْـفُ
    ولما فقدْنا مثلَه دامَ كـشْـفُـنـا عليه فدامَ الفقدُ وانكشفَ الكشْفُ
    وقوله: ولا جلس البحرُ المحيطُ لقـاصـدٍ ومن تحتِه فرْشٌ ومن فوقِه سقْفُ
    وقوله: رجلٌ طينُه منَ العنبَر الـوَرْ دِ وطينُ الرّجالِ من صلْصالِ
    وقوله: إنّما الناسُ حيثُ أنت وما الـنّـا سُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالي
    وقوله: لا يستَكنُّ الرّعبُ بين ضُلوعِه يوماً ولا الإحسانُ أن لا يُحسِنا
    تتقاصَرُ الأوهامُ عن إدراكِـه مثلُ الذي الأفلاكُ فيه والدُنـا
    وقوله: ولذا اسمُ أغطيَة العُيون جفونُها من أنّها عمَلَ السّيوفِ عوامِلُ
    وإن كان قد تغلغل الى معنى لطيف أحسن استخراجه لو ساعده اللفظ.
    وقوله: جفَخَتْ وهُم لا يجْفَخون بهابِهم شيَمٌ على الحسَب الأغرِّ دلائلُ
    وقوله: الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُـه والماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسِلُ
    وقوله: فتبيتُ تُسئِدُ مُسئِداً في نيِّهـا إسآدَها في المَهمَه الإنضاءُ
    وقوله: كُفي أراني ويْكِ لومَك ألوَما همٌ أقام على فؤادٍ أنجَمـا
    وقوله: رماني خِساسُ الناس من صائِبِ اسْتِه وآخرُ قُطنٌ مـن يديْه الـجـنـادِلُ
    وقوله: فلولا تولّي نفسِه حمْـلَ حِـلـمِـه عنِ الأرضِ لانهدّت وناءَ بها الحِملُ
    وقوله: أنّى يكونُ أبا الـبـريّة آدمٌ وأبوك والثّقَلان أنت محمدُ
    وقوله: خفِ اللهَ واستُر ذا الجمالَ بـبـرقُـعٍ فإنْ لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقُ
    وقلت: لما أنكر عليه حاضت غيّره فجعله ذابت.
    وقوله: مُذلُّ الأعزّاءِ المُعزّ وإنْ يئِنْ به يُتمُهُم فالموتِم الجابرُ اليُتمِ
    وقوله: تحرّج عن حقْن الـدّمـاءِ كـأنّـه يرى قتْلَ نفْسٍ ترْك رأسٍ على جِسمِ
    أطعناك طوْع الدّهر يا بْنَ ابن يوسُفٍ لشهوَتِنا والحاسدُ لـك بـالـرّغْـمِ
    إذا ما ضربْت القِرنَ ثمّ أجَزتَـنـي فكِلْ ذهَباً لي مرةً منه بـالـكَـلْـمِ
    فكمْ قائِلٍ لو كان ذا الشخصُ نفسَـه لكانَ قَراهُ مكْمَنَ العسكر الـدّهْـمِ
    وقائلةٍ والأرضَ أعني تـعـجُّـبـاً عليّ امرؤٌ يمشي بوقْري من الحِلم
    وقوله: وأنّك في ثوبٍ وصدرُك فيكُـمـا علَى أنه منْ ساحةِ الأرض أوسَعُ
    وقلبُك في الدُنيا ولو دخلَت بـنـا وبالجِنّ فيه ما درَتْ كيف ترْجع
    وقوله: أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ لُيَيلَتُنا المَنوطةُ بالتّنـادِ
    وقوله: وأبعدَ بُعدَنا بعدَ التّدانـي وقرّب قُربَنا قُربَ البِعادِ
    قلت: قد جمع في هذه الأبيات وفي غيرها مما احتذى به حذوَها بين البرد والغثاثة، وبين الثُقل والوخامة، فأبعد الاستعارة، وعوّص اللفظ، وعقّد الكلام، وأساء الترتيب، وبالغ في التكلّف، وزاد على التعمّق؛ حتى خرج الى السّخف في بعض، والى الإحالة في بعض. وقلت: كيف يُعدّ في الفحول المُفلقين من يقول: جمدَتْ نُفوسُهم فلما جـئتَـهـا أجريْتها وسقيتـهـا الـفـولاذا
    فغَدا أسيراً قد بلـلْـت ثـيابَـه بدمٍ وبلّ بـبـولِـه الأفْـخـاذا
    أعْجَلت أنفسَهُم بضرْبِ رِقابِهـم عن قولِـهـم لا فـارسٌ إلا ذا
    طلبَ الإمارةَ في الثّغورِ وقد نشا ما بين كرْخايا الـى كـلْـواذا
    فكأنّه حسِـب الأسـنّة حُـلـوةً أو ظنّهـا الـبـرْنـيّ والآزاذا
    وقوله: بشـرٌ تـصـوّر غـايةً فـي آيةٍ ينفي الظّنون ويُفسِد التّـقـييسـا
    يا مَن نلوذُ منَ الزمان بـظِـلّـه أبداً ونطرُد باسـمِـه إبـلـيسـا
    إني نثرْتُ عليك دُرّاً فـانـتـقِـدْ كثُر المدلِّسُ فاحذَرِ التّـدلـيسـا
    حجّبتُها عـن أهـل إنـطـاكـيّة وجلوتُها لكَ فاجتليْت عَـروسـا
    خيرُ الطّيورِ على القُصور وشرّها يأوي الخرابَ ويسكُن النّاووسـا
    وقوله: ولعلّي مؤمِّلٌ بعض مـا أبْ لُغُ باللطفِ من عزيزٍ حميدِ
    لسَريٍّ لباسُه خشِنُ الـقُـطْ ن ومَرويُّ مرْوَ لبسُ القُرود
    وقوله: ألقى الكِرامُ الأولى بادوا مكارمَهـم على الخصيبيّ عند الفرض والسُننِ
    فهنّ في الحَجْر منه كلّما عرضَـتْ له اليَتامى بَدا بالمجدِ والـمِـنَـنِ
    وقوله: جعلتُك بالقلبِ لي عدّةً لأنّك باليدِ لا تُجعَـلُ
    وقوله:
    ونُصفي الذي يُكنى أبا الحسَن الهَوى ونُرضي الذي يُسمَى الإله ولا يُكْنى
    وقوله: وكلامُ الوُشاةِ ليس على الأحْ بابِ سُلطانُهُ على الأضدادِ
    وقوله: ليس كلّ السّراة بالرّوذَباريّ ولا كلّ ما يطـيرُ بـبـازِ
    فارسيٌ له من المجـد تـاجٌ كان من جوهرٍ على أبْرَوازِ
    فكأنّ الفَـريدَ والـدُرّ والـيا قوتَ من لفظِه وسامَ الرِّكازِ
    تقضَمُ الجمْرَ والحديدَ الأعادي دونهُ قضْم سُكّر الأهْـوازِ
    وقوله: ونهْبُ نُفوسِ أهل النّهبِ أولَى بأهل المجدِ من نهْبِ القُماش
    ومن قبلِ النّطاح وقبل يأنـي تبينُ لك النّعاجُ من الكِبـاشِ
    تُطاعنُ كلّ خيلٍ سرْتَ فيهـا ولو كانوا النّبيطَ على الجِحاش
    أتى خبَرُ الأمير فقـيلَ كـرّوا فقلت نعم ولو لحِقوا بَشـاشِ
    ويقول: مُستقـلٌ لـك الـديارَ ولـو كـا نَ نُجوماً آجُرُّ هـذا الـبـنـاء
    ولـو أنّ الـذي يخِـرّ مـن الأمْ واهِ فيها مـن فِـضّة بـيضـاءِ
    أنت أعلى محـلّةً أن تُـهـنَّـى بمكانٍ في الأرض أو في السماءِ
    ولك الناسُ والـبـلادُ ومـا يسْ رَح بين الغبراءِ والخـضـراءِ
    يفضحُ الشّمسَ كلما ذرت الشـمْ سُ بشمْـس مُـنـيرةٍ سـوداءِ
    إنما الجِلدُ ملبسٌ وابيضاضُ الـنْ نَفْسِ خيرٌ من ابيضاضِ القَبـاءِ
    ويقول: ما أنصفَ القومُ ضُبَّـهْ وأمّه الطُّـرطُـبّـهْ
    رمـوا بـرأسِ أبـيه وناكوا الأمَّ غُـلُـبّـهْ
    فلا بمن مات فـخـرٌ ولا بمن نيك رغْبَـه
    وإنما قلـتُ مـا قـل تُ رحمَةً لا محـبَّـهْ
    ما كنـت إلا ذُبـابـاً نفتكَ عـنّـا مِـذبّـه
    وكنت تنخَـر تـيهـاً فصرتَ تضرِط رهْبَه
    وإنْ بعُـدنـا قـلـيلاً حملْت رُمحاً وحرْبَـه
    ويقول: قد بلغتَ الذي أردت من البرّ ومن حقّ ذا الشّريف عليْكـا
    وإذا لم تسِرْ الى الدار في وقْ تِك ذا خِفتُ أن تسير إليكـا
    وقلت: وهو أكثر الشعراء استعمالاً لذا التي هي للإشارة، وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلّف، وربما وافقت موضعاً يليقُ بها، فاكتست قبولاً؛ فأما في مثل قوله في هذين البيتين: ومن حق ذا الشريف عليكا؛ وفي وقتك ذا، وقوله: لو لم تكن من ذا الورى اللّذْ منك هوْ عقمَتْ بمولِد نـسـلِـهـا حـوّاء
    وقوله: عن ذا الذي حُرم الليوثُ كمالَه يُنسي الفرسيةَ خوفَه بجمالِـه
    وقوله: وإن بكيْنـا لـه فـلا عـجـبٌ ذا الجزْر في البحر غيرُ معهودِ
    وقوله: ذا الذي أنت جدّه وأبوه دِنيةً دون جدّه وأبـيه
    وقوله: أفي كل يومٍ ذا الدُمُستُق مُقدمٌ قفاه على الإقدام للوجه لائِمُ
    وقوله: أبا المِسك ذا الوجهُ الذي كنت تائِقاً إليه وذا الوقتُ الذي كنت راجيا
    وقوله: نحن في أرض فارسٍ في سُرور ذا الصّباح الذي بُـرَى مـيلادُهْ
    كلمـا قـال نـائلٌ: أنـا مـنـه سرَفٌ، قال آخر: ذا اقتصـادُهْ
    وقوله: فإن يكنِ المهديّ من بان هـديُه فهذا وإلا فالهُدى ذا فما المَهدي
    وقوله: يعلِّلنا هذا الزمان بذا الوعْـدِ ويخدَع عما في يديه من النّقدِ
    وقوله: وهذا أوّل الناعين طُـراً لأولِ ميتَةٍ في ذا الجلالِ
    وقوله: فإن أتى حظُّها بـأزمِـنَةٍ أوسعَ من ذا الزّمانِ أبداها
    وقوله: حلفَتْ لذا ذركاتُ غُرة ذا في المهد أن لا فاتَهم أملُ
    فهذا صالح، وقوله: فبعْدَه وإلى ذا اليوم لو ركضـتْ بالخيلِ في لهَواتِ الطّفلِ ما سَعلا
    فهو - كما تراه - سخافةً وضعفاً، ولو تصفّحت شعره لوجدت فيه أضعاف ما ذكره من هذه الإشارة؛ وأنت لا تجد منها في عدة دواوين جاهلية حرفاً، والمحدَثون أكثر استعانة بها، لكن في الفَرْط والنّدرة، أو على سبيل الغلط والفلتة.
    وقلت: احتملنا له ما قدّمناه على ما فيه من فنون المعايب، وأصناف القبائح؛ كيف يُحتمل له اللفظُ المعقّد، والترتيب المتعسَّف لغير معنى بديع يفي شرفُه وغرابتُه بالتعب في استخراجه، وتقوم فائدة الانتفاع بإزاء التأذي باستماعه، كقوله: وفاؤكُما كالرّبْعِ أشجاهُ طاسِمُه بأن تُسعِدا والدّمعُ أشفاه ساجِمُهْ
    ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المُفرط، فيشك أن وراءَها كنزاً من الحكمة، وأن في طيّها الغنيمة الباردة؛ حتى إذا فتّشها، وكشف عن سترها، وسهِر ليالي متوالية فيها حصل على أن وفاء كما يا عاذليّ بأن تُسعِداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارُساً ازددت له شجْوا؛ كما أن الربع أشجاه دارسُه.
    فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهِل لأجلها النَسْج، ويفسِد النظم، ويفصِل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدّم ويؤخّر، ويعمّي ويعوّص! ولو احتمل الوزن ترتيب الكلام على صحته فقيل: وفاؤكما بأن تسعِدا أشجاه طاسِمُه كالربع، أو وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه، لظهر هذا المعنى المضْنون به، المتنافَس فيه؛ فأما قوله: والدمعُ أشفاه ساجمُه فخطاب مستأنَف، وفصلٌ منقطِع عن الأول، وكأنه قال: وفاؤكما والربع أشجاه ما طسم، والدمع أشفاه ما سجَم.
    وكذلك قوله: أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادٍ لُييلَتنا المنوطةُ بالتّنـادِ
    تعرّض فيه لوجوهٍ من الطعن: منها قوله: سُداس، وقد زعموا أنها غير مروية عن العرب، وإنما رُوي أُحاد وثُناء وثُلاث ورُباع وعُشار، وهذه معدولات لا يُتجاوز بها السماع، ولا يسوغ فيها القياس.
    ومنها أنه أقام أُحاداً وسُداساً مقام واحد وستة؛ والعرب إنما عدلوا به عن واحد واحد، واثنين اثنين، ولذلك لا يقولون للاثنين والثلاثة، هذا ثُناء وهذا ثُلاث؛ وإنما يقولون: جاء القوم أُحاد ومَثنى وثُلاث: أي واحداً واحداً، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة؛ وبذلك نطق القرآن، قال الله تعالى: )قُل إنّما أعِظُكم بواحِدةٍ أن تقوموا للهِ مَثْنى وفُرادَى(. أي اثنين اثنين، وقال تعالى: )فانْكِحوا ما طابَ لكُم من النّساءِ مثْنى وثُلاثَ ورُباع(، أي اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً.
    ومنها أنه صغّر الليلة، ثم وصفها بالطّول، ووصلها بالتّنادِ، حتى احتاج الى إطالةِ الاعتذار الى التناول والاستشهاد. وأنت إذا امتحنْت الذي عزاه لم تجد أكثر من أواحِدة ليلتُنا هذه أم ستّ ليال في واحدة وهل يساوي ذلك - وإن عُرض سمْحاً مطاوعاً ووُجد سهلاً مُواتياً - أن يُفتَتح به قصيدة، أو تُعقَد عليه قافية! وما باله خصّ سُداساً، وعُشارٌ أكثر إن أراد التكثير! واجتماع عشر ليالٍ أطول من اجتماع ست. فإن ادعى مُدّع أنه أراد استيفاء ليالي الأسبوع، فجمعها في الست والواحدة، فكملت سبْعاً استدلّ النابهُ على ضعف بصره بالحساب؛ لأن الستّ في الواحدة ستّ، فأين السابعة? ولمَ اقتصر على الأسبوع وهو يريدُ المبالغة في الطول? وهلا بلغ أقصى ما يحتمله الوزن وأكثر ما يُمكنه النظم! فإن توسّعت في الدعاوى فضلَ توسّع، ومِلتَ مع الحيْف بعض الميل حتى تناولت طائفةً من المختار، فجعلتَه في المنفي، وأخذْت صدْراً من الجيد فجعلته مع الرديء - ولسنا نُنازِعك في هذا الباب - فهو باب يضيق مجالُ الحجةِ فيه، ويصعبُ وصول البرهان إليه. وإنما مدارُه على استشهاد القرائح الصافية، والطبائع السليمة، التي طالت مُمارستُها للشعر، فحذقَت نقدَه، وأثبتت عياره، وقوِيت على تمييز، وعرفت خلاصه، وأنما نُقابل دعواك بإنكار خصْمك، ونُعارض حُجّتك بإلزام مخالفك إذا صِرنا الى ما جعلتَه من باب الغَلط واللّحْن، ونسبتَه الى الإحالة والمناقضة، فأما، وأنت تقول: هذا غثٌ مستبرَد، وهذا متكلّف متعسّف، فإنما تخبِر عن نُبوِّ النفس عنه، وقلّة ارتياح القلب إليه.

    والشعر لا يحبَّبُ الى النفوس بالنظر والمحاجّة، ولا يحلّي الصدور بالجِدال والمُقايسة؛ وإنما يعطِفها عليه القبول والطّلاوة، ويقرّبه منها الرونق والحلاوة؛ وقد يكون الشيء متقَناً مُحكماً، ولا يكون حُلواً مقبولاً، ويكون جيداً وثيقاً، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً.
    وقد يجدُ الصورة الحسنة والخِلقة التّامة مقلية ممقونة، وأخرى دون مُستحلاة موموقة؛ ولكل صناعة أهلٌ يُرجع إليهم في خصائصها، ويُستَظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها.
    ومما أُنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار، غير لاحقة بالإحسان، وأن منها ما غلب عليه الضعف، ومنها ما أثر فيه التعسّف؛ ومنها ما خانه السّبك؛ فساء ترتيبه، وأخلّ نظمه. ومنها ما حمل عليه التعمّق؛ فخرج به الى الغَثاثة والبرْد، وإن كان أكثرُها لم يأتِ من قِبَل المعنى وشرفه، وكنا نجد لكل واحد منها مثالاً يحسّنه، وشبيهاً يعضده ويسدده: ولكن الذي أطالبك به وأُلزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة، ولا تقدّم السُخْط على الرحمة، وإن فعلتَ فلا تُهمِل الإنصاف جملة، وتخرج عن العدْل صِفراً؛ فإن الأديب الفاضل لا يستحسن أن يعقد بالعثرة على الذنب اليسير من لا يحمد منه الإحسان الكثير؛ وليس من شرائط النَّصفة أن تنعى على أبي الطيب بيتاً شذّ، وكلمة ندَرت، وقصيدةً لم يُسعِده فيها طبعُه؛ ولفظةً قصرت عنها عنايته، وتنسى محاسنَه، وقد ملأت الأسْماع، وروائعه وقد بهرت. ولا من العدل أن تؤخره الهفوةُ المنفردة، ولا تقدمه الفضائل المجتمعة، وأن تحطه الزلةُ العابرة، ولا تنفعه المناقبُ الباهرة.
    وكيف أسقطته عن طبقات الفحول وأخرجتَه من ديوان المحسنين لهذه الأبيات التي أنكرتَها، ولم تسلّم له قصب السّبْق ونصال النضال، وتُعَنْون باسمه صحيفة الاختيار لقوله: هو الجدّ حتى تفضُل العينُ أختَهـا وحتى يكون اليومُ لـلـيوم سـيّدا
    وما قتل الأحْرار كالعفْو عـنـهُـم ومن لك بالحُرّ الذي يحفَـظُ الـيَدا
    إذا أنت أكرَمت الكريمَ ملـكـتَـه وإن أنت أكرمْتَ اللـئيم تـمـرّدا
    أزِل حسَد الحُسّادِ عنّي بكبـتِـهـم فأنت الذي صيّرتَهم لـيَ حُـسَّـدا
    وما أنا إلا سمهـريٌّ حـمـلـتَـه فزيّن معروضـاً وراع مُـسـدَّدا
    أجِزْني إذا أُنشِدْت شِعراً فـإنّـمـا بشِعري أتاكَ المادِحـون مـرَدَّدا
    ودعْ كلَّ صوتٍ دون صوتي فإنّني أنا الصائحُ المَحكيُّ والآخرُ الصّدَى
    تركتُ السُرى خلفي لمَن قلّ مالُـه وأنعلْتُ أفراسي بنُعماكَ عسْجَـدا
    وقيّدتُ نفسي فـي ذَراك مـحـبّةً ومن وجدَ الإحسانَ قـيْداً تـقـيّدا
    إذا سأل الإنسانُ أيامـه الـغِـنـى وكُنتَ على بُعدٍ جعلتك مـوعِـدا
    وقوله: وأطمعَ عامرَ البُقيا علـيهـمْ ونزّقها احتمالُك والـوقـارُ
    وكانت بالتّوقّف عـن رَداهـا نُفوساً في رَداها تُستـشـارُ
    وكنت السّيفَ قائمـهُ إلـيهـا وفي الأعْداء حدُّك والغِـرار
    وظلّ الطّعنُ في الخيْلَين خَلساً كأنّ الموتَ بينهمُ اختـصـارُ
    مضوْا مُتسابقي الأعضاء فيه لأرؤسِهمْ بأرجُلِهـم عِـثـار
    إذا صرفَ النهارُ الضّوءَ عنهم دَجا ليلان: ليلٌ والـغُـبـار
    وإن جُنحُ الظلامِ انجابَ عنهمْ أضاءَ المشرفيّة والـنـهـارُ
    إذا فاتوا الرِّماح تناولـتْـهـم بأرماحٍ من العطشِ القِفـارُ
    يرون الموتَ قُدّاماً وخلْـفـاً فيختارون والموتُ اضطِرارُ
    إذا سلك السّماوةَ غـير هـادٍ فقتْلاهُمْ لـعـينـيْهِ مـنـارُ
    فمن طلب الطِّعان فذا علـيٌ وخيلُ الله والأسَلُ الـحِـرارُ
    يراه الناسُ حيثُ رأتْه كعْـبٌ بأرضٍ ما لنازِلها استِـتـارُ
    بنو كعْبٍ وما أثّـرْتَ فـيهـم يدٌ لم يُدْمِـهـا إلا الـسِّـوارُ
    بها من قطْعه ألـمٌ ونـقْـصٌ وفيها من جلالَتِه افتِـخـارُ
    لهم حقٌ بشِركِك فـي نِـزارٍ وأدنى الشِّرْكِ في نسبٍ جِوارُ
    لعلّ بنيهُمُ لـبَـنـيكَ جُـنـدٌ فأوّل قُرَّحِ الخيلِ المِـهـارُ
    وقوله: نزَلوا في مصارِعٍ عـرفـوهـا يندُبـون الأعـمـام والأخـوالا
    تحمِلُ الريح بينهم شعَـرَ الـهـا مِ وتُذري علـيهـمُ الأوصـالا
    تُنذِر الجسـمَ أن يُقـيم لـديْهـا وتُريه لكلّ عُـضْـو مِـثـالا
    أبصَروا الطّعْن في القُلوب دِراكا قبل أن يُبصِروا الرّماح خَـيالا
    ينفُض الرّوْعُ أيدِياً لـيس تـدري أسُيوفـاً حـمـلْـن أم أغْـلالا
    وإذا ما خلا الجـبـانُ بـأرضٍ طلب الطّعْنَ وحْدَه والـنِّـزالا
    إنّ دون التي على الدّرْب والأحْ دَبِ والنّهرِ مِخلَـطـاً مِـزْيالا
    غَصَبَ الدّهرَ والمُلوكَ علـيهـا وبَناها في وجْنةِ الدّهـرِ خـالا
    إنما أنـفُـسُ الأنـيس سِـبـاعٌ يتفارسْن جـهْـرةً واغـتِـيالا
    من أطاقَ التِماس شيءٍ غِـلابـاً واغتِصاباً لم يلتمِـسْـهُ سـؤالا
    وقوله: قادَ الجيادَ الى الطِّعان ولـم يقُـدْ إلا الى الـعـادات والأوطـانِ
    إن خُليَتْ رُبطَتْ بآدابِ الوغـى فدعاؤها يُغني عـن الأرْسـانِ
    في جحْفَل ستَر العيونَ غُـبـارُه فكأنّـمـا يُبـصِـرْن بـالآذانِ
    يرْمي بها البلدَ البعيد مـظـفّـرٌ كلُّ العـبـيد لـه قـريبٌ دانِ
    حتى عبرْن بأرسَناسَ سَوابـحـاً ينشُرنَ فيه عَمائِمَ الـفُـرسـانِ
    يقمُصنَ في مثل المُدى من باردٍ يذَرُ الفُحولَ وهنّ كالخِـصـيان
    بحـرٌ تـعـوّد أو يُذمُّ لأهـلِـه من دهْره وطوارِقِ الحِـدثـانِ
    فتركتَـه وإذا أذَمّ مـن الـوَرى راعاكَ واستَثْنى بني حـمْـدانِ
    نظروا الى زُبَرِ الحديد كأنـمـا يصعدْن بين مناكِبِ العِقْـبـانِ
    وفوارِسٍ يُحيي الحِمامُ نفوسَهـا فكأنها ليست مـن الـحـيوانِ
    مازِلتَ تضربُهم دِراكاً في الذُرى ضرْباً كأنّ السيف فيه اثـنـانِ
    خصّ الجماجمَ والوجوهَ كأنّـمـا جاءتْ إليك جسومُهم بـأمـانِ
    وقوله: لو كلّتِ الخيلُ حتى لا تحمّـلُـه تحمّلَتْه الى أعـدائه الـهِـمَـمُ
    يحُبٌ تمرّ بحِصن الرّانِ مُمسكةً وما بها البُخلُ لولا أنهـا نِـقـمُ
    وشُزّبٍ أحمت الشِّعرَى شكائمها ووسّمتْها على آنافِها الـحـكَـمُ
    ترمي على شفَراتِ الباتِراتِ بهم مكامِنُ الأرض والغيطانُ والأكَمُ
    وما يصدُّك عن بحرٍ لهم سَـعةٌ وما يردّك عن طوْدٍ لهم شمَـمُ
    ضربْتَه بصدورِ الخيلِ حـامـلةً قوماً إذا تلِفوا قُدْماً فقد سلِمـوا
    وفيها: هنديةٌ إن تصغِّرْ معشَراً صَغُروا بحدِّها أو تعظِّمْ معْشَراً عظُمـوا
    قاسَمتَها تلَّ بِطريقٍ فكـان لـهـا أبطالُها ولك الأطفالُ والـحُـرَم
    وقد تمنّوا غَداةَ الدّرْب في لجَـبٍ أن يُبصروك فلمّا أبصروك عَموا
    فكان أثبتَ ما فيهم جُسـومُـهُـم يسقُطنَ حولكَ والأرواحُ تنهـزِمُ
    إذا توافقتِ الضّرْبات صـاعـدةً توافقتْ قُلَلٌ في الجوّ تصـطـدِمُ
    لا يأمَلُ النفَسَ الأقصى لمُهجتِـه فيسرِق النّفَسَ الأدنى ويغتـنِـمُ
    ألقَتْ إليك دِماءُ الرومِ طاعتَـهـا فلو دعوْت بلا ضرْبٍ أجـابَ دمُ
    يُسابقُ القتلُ فيهـم كـلّ حـادثة فما يُصيبهُـم مـوتٌ ولا هـرَمُ
    ألهى الممالكَ عن فخرٍ قفلْتَ بـه شُرْبُ المُدامةِ والأوتارُ والنّغـمُ
    مقلَّداً فوقَ شُكَّرِ الله ذا شُـطَـب لا تُستَدامُ بأمضى منهما النِّـعـمُ
    : يا أعدلَ الناس إلا في معاملـتـي فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكمُ
    إذا رأيت نـيوبَ الـلـيثِ بـارزةً فلا تظنّنّ أن الـلـيثَ يبـتـسـمُ
    ومهجةٍ مُهجتي من همِّ صاحبِـهـا أدركتُها بجـوادٍ ظـهـرُه حـرمُ
    رجلاه في الركضِ رِجْلٌ واليَدان يدٌ وفعلُه ما تُريدُ الـكـفُّ والـقـدَمُ
    يا من يعزّ علينا أن نـفـارقـهـمْ وِجدانُنا كل شيء بعـدَكـم عـدمُ
    ما كان أخلقَنا منـك بـتـكـرِمةٍ لو أنّ أمرَكمُ مـن أمـرِنـا أمَـمُ
    إن كان سرّكمُ ما قال حـاسِـدُنـا فما لجُـرحٍ إذا أرضـاكـمُ ألـمُ
    وبيننا لو رعـيتُـم ذاك مـعـرفةٌ إنّ المعارِف في أهل النُهى ذمَـمُ
    ما أبعدَ العيبَ والنُقصانَ من شيَمي أنا الثُريّا وذانِ الشّـيبُ والـهـرمُ
    ليتَ الغَمامَ الذي عندي صواعـقُـه يُزيلهنّ الى مَـنْ عـنـدَه الـدِّيَمُ
    شرّ البلادِ مكـانٌ لا صـديقَ بـه وشرّ ما يكسِبُ الإنسان ما يصِـمُ
    وشرّ ما قنصَتْه راحتـي قـنَـصٌ شُهْبُ البُزاةِ سواءٌ فيه والـرّحَـمُ
    ويقول: الناسُ ما لم يروك أشبـاه والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ
    والجودُ عينٌ وأنت ناظرها والبأس باعٌ وأنت يُمنـاهُ
    تُنشدُ أثوابُـنـا مـدائِحَـه بألسُنٍ ما لـهـنّ أفـواهُ
    إذا مررنا على الأصمِّ بها أغنَتْه عن مِسمَعَيْه عيناهُ
    يا راحِلاً كلّ من يودِّعُـه مودِّعٌ دينَـه ودُنـــياهُ
    إن كان فيما نراه من كرَمٍ فيكَ مزيدٌ، فزادَك اللـهُ
    وقوله: وفارسُ الخيل من خفّت فوقّرهـا في الدّرب والدمُ في أعطافِها دُفَعُ
    فأوحَدَته وما في قـلـبِـه قـلـقٌ وأغضبتْه وما في لفـظِـه قـذَعُ
    قاد المقانِبَ أقصى شُربِها نـهَـلٌ على الشّكيم وأدنى سيرِها سـرَعُ
    لا يعتَقي بلدٌ مسـراهُ عـن بـلـدٍ كاموتِ ليس لـه ريٌّ ولا شِـبـعُ
    يطمِّع الطيرَ فيهم طول أكـلِـهـم حتى تكادَ على أحـيائِهـم تـقـعُ
    ذمّ الدُمُستُق عينيه وقد طـلـعـت سودُ الغَمام فظنّوا أنـهـا قـزَعُ
    فيها الكُماة التي مفطومُهـا رجـلٌ على الجياد التي حولـيُّهـا جـذَعُ
    كأنها تتلقـهـم لـتـسـلُـكـهـم فالطّعن يفتح في الأجواف ما تسُع
    إذا دعا العِلْجُ عِلجاً حال بينـهُـمـا أظْمى تُفارِق منه أختَها الضِّـلَـعُ
    لا تحسبوا من أسرْتُم كان ذا رمَـقٍ فليس يأكلُ إلا الميتةَ الـضَّـبُـعُ
    وإنما عرّض الله الجـنـودَ بـكـم لكي يكونوا بلا فسْل إذا رجعـوا
    وهل يشينُك وقتٌ أنـت فـارسُـه وكان غيرُك فيه العاجزُ الضّـرعُ
    من كان فوق محلِّ الشمسِ موضعُه فليس يرفعُـه شـيءٌ ولا يضـعُ
    لا يُسلمُ الكرّ في الأعقابِ مهجتَـه إن كان أسلمَها الأصحابُ والشِّـيَعُ
    وما حمِدتُك في هوْلٍ ثـبـتّ لـه حتى بلوتُك والأبطالُ تمـتَـصِـعُ
    فقد يُظنّ شُجاعاً مـن بـه خـرَقٌ وقد يُظنّ جبانـاً مـن بـه زمَـعُ
    وقوله: خليليّ إنـي لا أرى غـير شـاعـرٍ فلِمْ منهمُ الدّعوى ومنّي القـصـائدُ
    فلا تعجَبـا إن الـسـيوفَ كـثـيرةٌ ولكنّ سـيفَ الـدولة الـيوم واحـدُ
    له من كريم الطبع في الحرب منتضٍ ومن عادةِ الإحسانِ والصّفحِ غامـدُ
    ولما رأيتُ الـنـاس دون مـحـلّـه تيقنت أن الدهر لـلـنـاس نـاقـدُ
    ومن شـرفِ الإقـدامِ أنّـك فـيهـم على القتل موموقٌ كأنّـك شـاكِـدُ

    *b

  8. #8
    سرقات المتنبي

    وهذا ما ادُّعي على أبي الطيب فيه السّرقة، وما أُضيف إليه مما عثرت به: قال أبو تمام - وقد روى هذا البيت لبكر بن النَّطاح، وقد دخل في شعر أبي تمام: ولو لم يكن في كفهِ غيرُ نفسه لجادَ بها فليتّق اللهَ سـائلُـه
    قال أبو الطيب: يا أيّها المُجْدَى عليهِ روحُـه إذ ليس يأتيه لها استِـجْـداءُ
    احمَدْ عُفاتَك لا فُجِعْتَ بفَقْدِهم فلَتَرْكُ ما لم يأخذوا إعْطـاءُ
    وبيت أبي تمام أو بكر بن النّطاح أملحُ لفظاً وأصحّ سبكاً. وزاد أبو الطيب بقوله: إنه يجدي عليه روحه. ولكن في اللفظ قصور، والأول نهاية في الحسن، ثم نقل المعنى عن الروح الى الجسد، فقال: لو اشتهَتْ لحْمَ قاريها لبـادرَهـا خراذِلٌ منهُ في الشِّيزَي وأوصالُ
    وهذا هو الأول، ومن جاد بأوصاله فقد جاد بروحه، وكأنه من قول ابن الرومي: لو حزّ من جسمه لسائِلِه أنفَسُ أعضائِهِ لما ألِما
    ثم كرره وغيّره بعض التغيير فقال: مِلت الى من يكادُ بينَكُما لو كُنتما السّائلَيْن ينقسِمُ
    ثم لاحظ هذا فأخفاه؛ وأحسن ما شاء، فقال: إنّك من معشرٍ إذا وهبـوا ما دون أعمارِهم فقد بخِلوا
    فجاء به معنى مفرداً، وهو من باب السماحة بالرّوح. والغرض واحد. ومن هذا المعنى قول بكر بن النَّطاح: ولو خذلَتْ أموالُه فيضَ كفّه لقاسم من يرجوه شطْرَ حياته
    قال أبو تمام: لو حار مُرتادُ المنيّة لم يجـدْ إلا الفِراقَ على النّفوس دَليلا
    قال أبو الطيب: لولا مُفارقَةُ الأحباب ما وجَدتْ لها المنايا الى أرواحِنا سُبُـلا
    وقال الأعشى: لو أسندْتَ ميْتاً الى نحرِها عاشَ ولم يُنقَل الى قابرِ
    وقال أبو الطيب: فذُقْتُ ماءَ حياةٍ من مقبَّـلـهـا لو صابَ تُرباً لأحْيا سالفَ الأممِ
    وهذا معنى متداوَل بعد الأعشى، وقد قيل فيه ما كثُر.
    قال أبو العباس الناشئ الأكبر: لفظي ولفظُك بالشّكوى قدِ ائتَلَفا يا ليتَ شِعري فقلْبانا لمَ اختَلفا
    قال أبو الطيب: أبدَيْتث مثل الذي أبديتُ من جزَعٍ ولم تجِنّي الذي أجنَنْتُ من ألَـمِ
    والأول أملح لفظاً.
    قال محمد بن داود: كأنّ رقيباً منكِ يرْعى خواطِري وآخرَ يرعى ناظري ولسانـي
    وإنما أخذه من قول العبّاس بن الأحنف: أقامتْ على قلبي رقيباً وناظري فليس يؤدّي عن سواها الى قلبي
    قال أبو الطيب: كأنّ رقيباً منكِ سدّ مسامِـعـي نِ العذْل حتى ليس يدخُلُها عذْلُ
    أبو تمام: مُتواطئو عقبَيْكَ في طلبِ العُلا والمجدِ ثمّتَ تستوي الأقـدامُ
    قال أبو الطيب: رأيتُ عليّاً وابنَـه خـيرَ قـومِـه وهم خيرُ قومٍ واستوى الحرُّ والعبدُ
    وأعاده فقال: حتى يُشار إليكَ ذا مولاهُمُ وهمُ الموالي والخليقةُ أعبدُ
    قال أبو تمام: غرّبَتْه العُلا على كثـرةِ الأه لِ فأضحى في الأقرَبين جنيبا
    فليَطُلْ عمرُه فلو ماتَ في مرْ وَ مُقيماً بها لمات غـريبـا
    وقال أبو الطيب: وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطَني إنّ النفيسَ غريبٌ حيثما كـانـا
    وبيتُ أبي الطيب أجودُ وأسلم، وقد أساء أبو تمام بذكر الموت في المديح، فلا حاجةَ به إليه؛ والمعنى لا يختلّ بفقده، ومن مات في بلده غريباً فهو في حياته أيضاً غريب، فأي فائدة في استقبال الممدوح بما يتطيّر منه! قال أبو تمام:
    كفى فقتْلُ محمد لكَ شاهـد أنّ العزيزَ مع القضاء ذَليلُ
    قال أبو الطيب: ألا إنما كانت وفاةُ محـمّـد دَليلاً على أنْ ليسَ للهِ غالبُ
    قال كُثير: أريد لأنسى ذكرَها فكأنما تمثَّلُ لي ليلَى بكلِ سبيلِ
    وقال أبو نواس: ملكٌ تصوّرَ في القلوبِ مثالُه فكأنّه لم يخلُ منه مـكـانُ
    قال أبو الطي: كذب المخبِّرُ عنك دونَك وصفُه منْ بالعراقِ يراك في طرْسوسا
    فقصّر، لأنه اقتصر على مَن بالعراق، وعمّ أبو نواس القلوب والأماكن، وبين اللفظين بوْن في الجزالة والصّحة؛ وقد كرّره واستوفى، فقال: هذا الذي أبصرتَ منه حاضراً مثلُ الذي أبصرتَ منه غائبا
    ثم مثّل فقال: كالبدرِ من حيثُ التفتّ رأيتَه يُهدي الى عينيك نوراً ثاقِبا
    قال عبد الله بن محمد المهلّبي: ما كنتَ إلا كلَجْم مـيتٍ دعا الى أكله اضطِرارا
    وقال أبو الطيب: غيرَ اختيارٍ رضيتُ برّكَ بـي والجوعُ يُرضي الأسودَ بالجيَفِ
    وقريب منه قول أبي عليّ البصير: ولكنّ البلادَ إذا اقشعـرّتْ وصوّح نبتُها رُعِي الهشيمُ
    ومنه قول الآخر: فلا تحمَدوني في الزيارةِ إنني أزورُكمُ إذ لا أرى متعلِّـلا
    وهذا مما قدمتُ لك ذكرَه من اختلاف صور الأمثلة على المعنى الواحد.
    قال أبو تمام: هانت على كلّ شيءٍ فهو يسفكُها حتى المنازلُ والأحداجُ والإبـلُ
    قال أبو الطيب: فما أمرّ بربْـعٍ لا أسـائِلـه ولا بذاتِ خِمارٍ لا تُريقُ دمي
    جعل أبو تمام كل شيء يسفك دمه، وجعل أبو الطيب ذات خمار تريق دمه، فاقتصر على بعض تلك الجملة.
    قال بشار: إذا أنشَد حـمّـادٌ فقُل أحسنَ بشّارُ
    وقال أبو هفّان يهجو ابن أبي طاهر: إذا أنشدكم شِـعْـراً فقولوا أحسنَ النّاسُ
    وقال أبو تمام مثله في غير هذا المعنى: ومهما تكنْ من وقعَةٍ بعدُ لا تكنْ سوى حسَنٍ مما فعلْتَ مـردَّدِ
    فقال أبو الطيب: أجِزني إذا أُنشِدْتَ شعراً فإنما بشِعري أتاك المادِحون مردَّدا
    وقال أبو تمام: وكانت وليس الصُبحُ فيها بأبيض فأمست وليس الليلُ فيها بأسودِ
    وقال أبو الطيب: فالليل حين قدِمتَ فيها أبـيضٌ والصُبْحُ منذ رحلْتَ عنها أسودُ
    وقال أبو تمام: لبستُ سواهُ أقواماً فكانوا كما أغنى التّيممُ بالصّعيد
    قال أبو الطيب: وزارَك بي دون الملوكِ تحرّجي إذا عنّ بحرٌ لم يجُز لي التّيمـمُ
    قال ابن الخياط: لمسْتُ بكفّي كفَّهُ أبتغي الغِنـى ولم أدرِ أنّ الجودَ من كفِّه يُعدي
    فلا أنا منهُ ما أفادَ ذوو الغِـنـى أفدْتُ، وأعْداني فأتلَفْتُ ما عندي
    قال أبو تمام: علّمني جودُك السّماحَ فما أبقيْتُ شيئاً لديّ من صلَتِكْ
    وقال آخر: لستُ أُضحي مصافحاً لسلام إنني إن فعلتُ أتلَفْتُ مالي
    فنقله أبو الطيب الى الزمان، فصار كالمعنى المنفرد، فقال: أعْدى الزمنَ سخاؤهُ فسخا به ولقد يكون بهِ الزمانُ بخيلا
    وأما بخل الزمان فمن قول أبي تمام: هيْهاتَ لا يأتي الزمانُ بمثلِه إنّ الزمانَ بمثلِه لبَـخـيلُ
    أبو تمام: لمّا انتضيتُك للخُطوبِ كفيتَهـا والسيفُ لا يكفيكَ حتى يُنْتضى
    أبو الطيب: وما الصارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه إذا لم يفارِقْه النِّجادُ وغمـدُه
    أبو تمام: فاضت سحائبُ من نَعمائه وكـفَـتْ بؤساً على البؤس حتى اجتثّتِ البؤْسا
    قال أبو الطيب: نقَمٌ على نِقَم الزّمان يصُبُّهـا نعَمٌ على النِّعمِ التي لا تُجحَدِ
    أبو تمام: كتبْتَ أوجهَهُم مشْقاً ونمـنَـمةً طعْناً وضرْباً يفُلّ الهامَ والصُّلُفا
    قال أبو الطيب: وكلّ فتًى للحُرب فوق جبـينـه منَ الضّرْبِ سطْرٌ بالأسنّة معجَمُ
    العتّابي: فإنّ جسيماتِ المعالي مشـوبةٌ بمستَودَعاتٍ في بُطونِ الأساوِدِ
    أبو الطيب: تُريدين إدراكَ المعالي رخيصةً ولا بدّ دون الشّهْدِ منْ إبرِ النّحْل
    قال أبو تمام: لا يحسَبُ الإقلالَ عُدْماً بل يرى أنّ المُقِلّ منَ المروءةِ معـدِمُ
    فقال أبو الطيب - وهو منقول: وربّ مالٍ فقيراً من مـروّتِـه لم يُثرِ منها كما أثرى منَ العدَمِ
    أبو تمام: هم صيّروا تلك البروقَ صواعقاً فيهم وذاك العفوَ سوطَ عـذاب
    قال أبو الطيب: ولما سقى الغيثَ الذي كفَروا به سقى غيره في تلكَ البـوارِق
    وقد ألمّ بألفاظه فقال: ليتَ الغمامَ الذي عندي صواعقُه يزيلهُنّ الى منْ عنـدَهُ الـدِّيَمُ
    فأما صريحُ المعنى فمن قول أبي تمام: فلو شاءَ هذا الدهرُ أقصرَ شرَّهُ كما قصُرَت عنّا لُهاهُ ونائلُـهْ
    قال أبو تمام: تلْقى السّعودَ بوجهِه وتجـيئه وعليك مَسحةُ بغضةٍ فتحَبَّبُ
    قال أبو الطيب: فإنّك ما مرّ النّحوسُ بكوكبٍ وقابلْتَه إلا ووجهُك سعـدُه
    أبو تمام: إن حنّ نجدٌ وأهلـوهُ إلـيكَ فـقـد مررتَ فيه مرورَ العارضِ الهطِلِ
    أبو الطيب: وليستْ من مواطِنِه ولكنْ يمرّ بها كما مرّ الغمامُ
    أبو تمام: وأنا الفداءُ إذا الرماح تشاجـرَت لك والرماحُ من الرماح لكَ الفِدا
    أبو الطيب: ولك الزمانُ من الزمانِ وقايةٌ ولك الحِمام من الحِمام فداءُ
    أبو تمام: لبسَ الشّجاعة إنها كانت لـه قِدْماً نَشوغاً في الصِّبا ولدودا
    أبو الطيب: ألِفَ المروّةَ مذْ نشا فكأنّـمـا سُقيَ اللّبانَ بها صبيّاً مُرضَعا
    أبو تمام: أيقنْتَ أنّ من السّماحِ شجاعةً تُدمي وأنّ من الشجاعة جودا
    أبو الطيب: هو الشجاع يَعدّ البُخلَ من جُبُنٍ وهْو الجوادُ يعدّ الجبنَ من بخَلِ
    وقال في أخرى: فقلت: إنّ الفتى شجاعَـتُـه تُريه في الشُحّ صورةَ الفرَقِ
    وقد لوحظ في هذه الأبيات قول مسلم؛ إذ بيّن أنّ الشجاعة جود بالنفس في قوله: تجودُ بالنّفس إذ ضنّ الجوادُ بهـا والجودُ بالنّفسِ أقصى غايةِ الجودِ
    عبد الله بن طاهر في السيف: أخو ثِقةٍ أرضاهُ في الرّوعِ صاحِباً وفوقَ رضاهُ أنّني أنا صاحـبُـهْ
    أبو الطيب في الرمح: وأسمَرَ ذي عِشرين ترْضاهُ وارِداً ويرْضاكَ في إيرادِه الخيلَ ساقِيا
    وأصله من قول موسى بن جابر الحنفي، وهو من خفيّ الأخذ: فلا أسلمَتْنا عنـد قـوم حـفـيظةٌ ولا نحنُ أغمدنا السيوفَ على وتْرِ
    عبد الله بن طاهر: إنّ الفتوحَ على قدرِ المُلوك وهمْ ماتِ الولاةِ وأقدامِ المـقـادير
    أبو الطيب: على قدْرِ أهل العزْم تأتي العزائم وتأتي على قدرِ الكِرام المكارمُ
    العباس بن الأحنف: بكت غيرَ آنسةٍ بـالـبُـكـا ترى الدمعَ في مُقلتَيها غريبا
    أبو الطيب: أتتهُنّ المصائب غـافِـلاتٍ فدمْعُ الحزنِ في دمْعِ الدّلالِ
    فزاد وأحسن وملح بذكر الدّلال.
    منصور بن الفرج: حلّ في جِسميَ ما كا نَ بعينيكَ مُقـيمـا
    البحتري: وكأنّ في جسمي الذي في ناظرَيكَ منَ السّقَمْ
    أبو الطيب: أعارَني سُقمَ جفنَيهِ وحمّلَـنـي من الهوى ثِقلَ ما تحْوي مآزِرُه
    فاختصر وأحسن وأورد البيت في نصف مِصراع.
    أبو عُيينة: لو كما تنقُصُ تزدا دُ إذَنْ نلتَ السّماءَ
    فنقله أبو تمام: أمَا لو أنّ جهْلَكَ كان عِلْماً إذنْ لنفَذْتَ في عِلمِ الغُيوبِ
    أبو الطيب: ولو نقصْتُ كما قد زِدْتَ من كرمٍ على الورى لرأوْني مثلَ شانِيكا
    فزاد بقوله: لرأوني مثل شانيكا.
    قال جرير: كأن رءوسَ القومِ فوقَ رماحِـنـا غداةَ الوَغى تيجانُ كِسرى وقيصَرا
    مسلم: يكسو السيوفَ نفوسَ النّاكثينَ به ويجعلُ الهامَ تيجانَ القنا الذُّبُل
    وقريب منه قول أبي تمام: أبدلْتَ أرؤُسَهم يوم الكريهة من قنا الظّهورِ قَنا الخطّيِّ مدَّعَما
    وقد عدّ هذا من سرقاتِ أبي تمام، ولست أراه كذلك؛ لأنه ليس فيه أكثر من رفع الرءوس على القنا، وهذا معنى مشترَك لا يسرق، فأما إبدالُ القَنا بقنا الظهور فلم يعرِض له مسلم ولا جرير، وهي ملاحظة بعيدة. وأقرب من ذلك إليه قول أبي تمام: من كلّ ذي لِمّةٍ غطّت ضفائرُها صدْرَ القناةِ فقد كادت تُرَى علَما
    ومثله قول أبي الطيب: مبَرْقِعي خيلِهم بالبيضِ متّخذي هامَ الكُماةِ على أرْماحِهم عذَبا
    قال البحتري: متسرّعين الى الحُتوفِ كأنها وفْرٌ بأرضِ عدوِّهم يُتنهَّبُ
    قال أبو الطيب: بكلّ أشعَثَ يلْقى الموتَ مُبتسماً حتى كأنّ له في قتلِـه أرَبـا
    وإنما نقل البحتري كلام أبي تمام: مُسترسلينَ الى الحُتوفِ كأنّما بين الحُتوفِ وبينَهم أرحـامُ
    وقال البحتري أيضاً: تسرّع حتى قال من شهِدَ الوغى لقاء أعادٍ أم لقـاء حـبـائب
    ونحوه قول أبي تمام: حنّ للموتِ حتى ظنّ جاهلُه بأنّه حنّ مُشتاقاً الى الوطنِ
    فأخذه أبو الطيب فقال: مُقيمٌ من الهيجاءِ في كل منـزلٍ كأنّك من كلِّ الصّوارمِ في أهْلِ
    البحتري: تعْنو لهُ وُزَراءُ المُلْكِ خاضِعَةً وعادةُ السيفِ أن يستخدِمَ القَلما
    أبو الطيب: حتى رجعْتُ وأقلامي قوائلُ لي المجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للقلَمِ
    اكْتُبْ بِنا أبداً بعدَ الكتـابِ بـه فإنّما نحن للأسيافِ كالـخـدَمِ
    بعضهم: أُحامقُه حتى يقـولَ سـجـيّةٌ ولو كان ذا عقلٍ لكُنتُ أُعاقلُهْ
    أبو الطيب: وخلّةٍ في جليسٍ أتّقـيه بـهـا كيْما يُرى أننا مِثلانِ في الوهَنِ
    أبو تمام: نوالُك ردّ حُسّادي فُلـولاً وأصْلحَ بين أيامي وبيْني
    وله: كثُرَت خطايا الدّهر فيّ وقد يُرى بنَداك وهو إليّ منـهـا تـائبُ
    أبو هفان: أصبحَ الدهرُ مسيئاً كلـه ما لَه إلا ابنُ يحيى حسنَهْ
    أبو الطيب: أزالَتْ بكَ الأيامُ عتْبى كأنّمـا بنوها لها ذنْبٌ وأنت لها عُذر
    النّمري: وقَفْتُ على حاليْكُما فإذا النّدىعليك أميرَ المؤمنين أميرُ
    أبو تمام: ألا إنّ النّدى أضحى أمـيراً على مالِ الأميرِ أبي الحسينِ
    أبو الطيب: أميرٌ أميرٌ عليه النّـدى جوادٌ بخيلٌ بأنْ لا يجودا
    أبو تمام: وترْكي سُرعةَ الصّدرِ اغتِباطاً يدلّ على موافـقَة الـورودِ
    وقال أيضاً: همَمي معلّقةٌ عليك رقابُها مغلولةٌ إن الوفاءَ إسـار
    ألمّ به أبو الطيب فقال وأحسن: وقيّدتُ نفسي في ذَراك محبّة ومَن وجد الإحسانَ قيْداً تقيّدا
    وقد قال: وما قيّدت من صُعلوكِ قوْم بنيلِ الرّزْق تُخرِجه الرِّقاع
    البحتري: أضرّت بضوءِ البدرِ والبدرُ طالعٌ وقامت مقامَ البدرِ لمّا تـغـيّبـا
    وهذا معنى متداوَل، وهو أحسنُ ما جاء فيه، وأشدّ استيفاء واختصاراً.
    وقال أبو الطيب فأتى بالمصراع الثاني: وما حاجةُ الأظعانِ حولَك في الدُجى الى قمرٍ ما واجِدٌ لـك عـادِمُـهْ
    يزيد بن الطّثريّة: وليس قليلاً نظرةٌ إن نظرْتُها إليكَ، وكلا ليس منك قليلُ
    إسحاق الموصلي: إنّ ما قلّ منكَ يكثرُ عندي وكثيرٌ من المحبِّ القليلُ
    أبو الطيب: وجودُك بالمقامِ ولو قليلاً فما فيما تجودُ به قليلُ
    بعض العرب - وهو عروة بن الورد: تقول سُليمى لو أقمْتَ بأرضِنا ولم تدْرِ أنّي للمُقامِ أطـوِّفُ

    دفاع المؤلف عن أبي الطيب

  9. #9
    تفقدت ما أنكرَهُ أصحابُك من هذا الديوان، بعد الأبيات التي حالُها من امتناع المحاجة فيها، وتعذّر المخاصمة عليها ما وصفْت فوجدته أصنافاً، منها ألفاظ نُسبَت الى اللّحن في الإعراب، وادُّعي فيها الخروج عن اللغة، ومعان وصِفَت بالفساد والإحالة، وبالاختلال والتناقض، واستِهلاك المعنى؛ وأخرى أنكِر منها التقصير عن الغرض، والوقوفع دون القصد. وأعيَب ما فيها ما عيبُه من باب التعقيد والعويص واستهلاك المعنى وغُموض المراد؛ ومن جهة بُعدِ الاستعارة، والإفراط في الصنعة، وقد حكيْت في كل باب منها ما علِقتُه من كلام أصحابك، وما قابلهم به خصومُك، ورأيت السّلامة في أن أقتصر من هذه الوساطة على حُسن التبليغ، وحسن التأدية، وتقريب العبارة، وجمع المتفرِّق، ثم أقف منكما حجْزةً، وأخرُج عنكما صفراً؛ قد أدّيتُ عن كل فريق ما تحملتُه، وسلمتُ من الميل فيما تكلّفته.
    وكما لا أحكم على خصمك بالخطأ في كل ما يذكره، فكذلك لا أبعدُك من الصواب في أكثر ما تصفه. وجملة القول في هذه الأبيات وأشباهها أنه لو وُفّي فيها التهذيب حقه. ولم يُبخَس التّثقيف شرطَه لانقطعت عنها ألسُن العيب؛ وانسدّت دونها طرُق الطعن، ولدخَلتْ في جملة أخواتها، ولجرتْ مجرى أغيارها؛ ولاستغنت عن تكلّف البحث والتّنْقير؛ واستغنى خصمك عن تمحّل الحجج والمعاذير. لكنا لم نجد شاعراً أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع، بل قلّما تجد ذلك في القصيدة الواحدة، والخطبة الفردة؛ ولا بد لكل صانع من فترة، والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال؛ ولا يدوم في الأحوال على نهج. وقد قدمنا لك في صدر هذه الرسالة من شعر أبي نواس وأبي تمام وغيرِهما ما مهّدنا به الطريق الى هذا القول، وأقمناه علَماً يرجَع إليه في هذا الحكم، وأعلمناك أنه ليس بغيتنا الشهادة لأبي الطيب بالعصمة، ولا مرادُنا أن نبرّئه من مقارفة زلّة، وأن غايتنا فيما قصدنا أن نلحِقَه بأهل طبقته، ولا نقصّر به عن رتبته، وأن نجعله رجلاً من فحول الشعراء، ونمنعك عن إحباط حسناته بسيئاته، ولا نسوّغ لك التحامل على تقدّمه في الأكثر بتقصيره في الأقل، والغضّ من عامّ تبريزه، بخاص تعذيره. ومتى وجدتك تحتمل للفرزق قوله: وما مثلُه في الناس إلا مُمَلَّكاً أبو أمه حيٌ أبوه يقـاربُـه
    وقوله: ما بالمدينة دارٌ غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا
    وقوله: فإنّ التي ضرّتْك لو ذقت طعمَها عليك من الأعباء يوم التخاصم
    وأشباهها. وإن لم تحتمِله لم تتعمدْه بالعيب، ولم تتناول قلائدَه بالغضّ، ولا تسلك بأبي الطيب هذا المسلك، وتحمِله على هذا المنهَج علمتُ أنّك متعصّب مائل، ومتحامل جائر.
    وقد حدثني بعض أهل الأدب أنه حضر عند أبي الحسن بن لنْكَك البصري - وكان على فضله في العلم، وتقدُمه في الأدب - شديد التحامل على أبي الطيب، وهو يذكر شيئاً من شعره حتى انتهى الى قوله: بقائي شاء ليس همُ ارتحالا
    فجعل يعجِّب من هذا المصراع من حضره ويقول: هل رأيتُم أشد تعقيداً وأظهر تكلفاً، وأسوأ ترتيباً من هذا الكلام! قال: فقلت له: هب الأمر على ما ادّعيته، وأنّا سلّمنا لك ما زعمته، أين أنت من قوله في إثر هذا البيت: كأنّ العيسَ كانت فوقَ جفني مُناخاتٍ فلمّا ثُـرْنَ سـالا
    قال: فاستشاط غيظاً، ثم قال: هذا المصراع يسقط دواوين عدة شعراء! فإنْ كان هذا الحكم سائغاً، وكان ما قاله مقبولاً، فإن أحد أبيات الفرزدق يُسقط شعر بني تميم جملة؛ فقد ترى ما بينَها من الفضل في النقص، وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم. ولو كان التعقيدُ وغموضُ المعنى يُسقطان شاعراً لوجب أن لا يُرى لأبي تمام بيت واحد؛ فإنا لا نعلم له قصيدة تسلم من بيتٍ أو بيتين قد وفَر من التعقيد حظهما؛ وأفسد به لفظهما، ولذلك كثُر الاختِلاف في معانيه، وصار استخراجها باباً منفرداً؛ ينتسِب إليه طائفة من أهل الأدب، وصارت تُتطارح في المجالس مطارحة أبيات المعاني، وألغاز المُعمّى.
    وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر؛ ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر، ولم تفرَد فيها الكتب المصنّفة، وتُشغل باستخراجها الأفكار الفارغة.
    ولسنا نريدُ القِسم الذي خفاء معانيه واستتارُها من جهة غرابة اللفظ وتوحش الكلام، ومن قبل بُعد العهد بالعادة وتغيّر الرسم، كاختلاف الناس في قول تميم بن مقبل: يا دار سلمى خلاء لا أكلِّفها إلا المرانةَ حتى تعرِفَ الدِّينا
    فإن الذي خالف بين أقاويلهم فيها هو أنهم لم يعرفوا المرانة، فقال قائل: هي ناقته، وقال آخر: هي موضع دار صاحبته، وقال آخر إنما أراد الدوام والمرونة.
    .
    .
    .
    .

    .فأما كتابُنا هذا فقد وفّيناه حقه، وبلغنا به نهايتَه، وآتينا على ما وصلت الطاقةُ إليه، وما أسعفَنا الإمكانُ به؛ فإذا زادنا النظرُ والفكرُ والمطالعةُ والبحث بعضَ ما يليق به أضفناه إليه؛ وإن أفادنا غيرُنا منه ما قصّر علمنا عنه استفدناه وأعظمنا النعمةَ فيه، وعرفنا لصاحبه فضلَ التقديم، ولرجعنا له بحق التعليم. وبالله نستعين على كل خير، وإياه نسأل التوفيق، ونستوهب العِصْمة والتسديد، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.

  10. #10
    الفاضلة محبة
    كل الشكر لاطرائك
    مع عظيم الامتنان لتواجدك
    ودمت

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    الدمام
    الردود
    59
    بصراحه الموضوع روعه :x:


    يعطيك ألف عافيه


    تسلم الأيادي

    وسلامتكم
    أثر الحبر يجرح .... لصار بخط الزين

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2001
    المكان
    الســـاخر
    الردود
    8,618
    عرض جميل وجهد كبير
    كل الشكر لك أخي تامر

    أجمل تحية
    --

    --
    لأننا نتقن الصمت ..
    حمّلونا وزر النوايا !!


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2002
    المكان
    القاهرة
    الردود
    2,844
    جميل!
    لله درك

    نور

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •