Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 40
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531

    مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ



    "مي زيادة.. أسطورة الحب والنبوغ"
    نوال مصطفى


    في هذا الكتاب:
    تبحر الكاتبة نوال مصطفى في أعماق قصة حياة الأديبة والمفكرة الفريدة مي زيادة ... وتكشف أسراراً كانت لا تزال - حتى الآن – يكتنفها الغموض وتحيطها مساحة من الضباب! فهل أحبت مي؟ ومن هو صاحب قصة الحب الأسطورية في حياتها؟! هل أصيبت الأديبة - الظاهرة – مي بالجنون في أخريات أيامها أم كانت قصة مختلفة ومؤامرة خسيسة نسجت بذكاء لإغتيالها معنوياً ثم مادياً؟
    لقد كانت مي زيادة صاحبة أشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. وكان صالونها ملتقى أدباء وعمالقة الفكر في عصرها . وكانت مثقفة من طراز فريد.. تجيد ست لغات وتصل قامتها الأدبية إلى قامات كبار رجال الفكر في عصرها.
    وهذا الكتاب إبحار عميق وترجمة صادقة لحياة مفكرة ورائدة تستحق أن تقرأ.


    (اختير كتاب: " مي زيادة .. أسطورة الحب والنبوغ " في معرض الكتاب الدولي لعام 2000 كأفضل عمل ثقافي وتلقت نوال مصطفى هذا التكريم المشرف من الرئيس حسني مبارك في الإحتفال الذي يحضره كتاب ومفكرو مصر في بداية المعرض.)



    إهداء......
    إلى إنسانة أحببتها .. دون أن أراها ..!
    إلى : مي ...

    نوال مصطفى




    تقديم


    ( مى زيادة ) شخصية فريدة في الأدب العربي . ربما كانت هي وأندريه شديد أعظم أديبتين .. ومى تكتب بالعربية وأندريه شديد تكتب روايات ومسرحيات وشعراً بالفرنسية. ومن الصعب أن تنظر إلى ( مى) أو تقترب منها دون أن يلسعك عذابها وتوجعك أحزانها وتشفق عليها.

    فقد أحاطها وحاط بها أعلام الفكر والسياسة والأدب في زمانها. فكانت حيرتها : فكلهم يحبونها ويصارحونها بذلك . وهي لا تحب واحد منهم .. أو تدعي ذلك . فقد كان قلبها في مكان آخر . ولم تشأ أن تعترف . وقد ألقى بها الصراع العنيف في مستشفى الأمراض العقلية في بيروت. وإن كان رأيي أنها ولدت في مستشفى الأمراض العقلية فليس صالونها الأدبي الذي فتحته في سنة 1913 إلا إحدى غرف التعذيب في الأساطير الإغريقية القديمة..

    وبعد أن نقرأ حياة ( مى) وأبعادها وأعماقها وأوجاعها يمكنك أن تتجه إلى ( مى) ذاتها .. مرآتها .. فتقرأ بقلمها وألمها .. ففي الحالتين سوف تجد ما يثيرك ويشغلك. فهذه الفتاة اكتوت مرتين بالنار : نار العزلة والانطواء والحرمان , ومرة ثانية بوهج أعظم المفكرين والشعراء في حياتها.. وقد واجهت كل هؤلاء وحدها وإنفردت بهم .. ثم إنفردت بنفسها تبكي حظها وموهبتها حتى إنهارت في النهاية وعادت إلى مصر وقد شابت وتحطمت وصارت رماداً للنجم الساطع : ( مى زيادة) الفلسطينية السورية اللبنانية المصرية , وحيدة الموهبة فريدة العذاب في لوحة حب وإعجاب وصدق بريشة نوال مصطفى!

    بقلم : أنيس منصور


    قبل أن تقرأ..
    لماذا هذا الكتاب عن مي زيادة؟



    تردد هذا السؤال داخلي أكثر من مرة , وفي أكثر من مرحلة من مراحل إنجاز هذا العمل.
    لماذا أكتب عن مى الآن .. وبعد حوالي ستين عاماً على رحيلها عن دنيانا؟! لماذا أكتب عن مى بعد كل ما كتبته هي عن نفسها وكل ما كتبه الآخرون عنها ؟! وهل قصة مى زيادة في حاجة إلى من يرويها بعد أن اعتلت مكان القمة في الأدب العربي المعاصر .. وملأت بنبوغها سماء الفكر والثقافة طوال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي؟! هل هي في حاجة لمن يكتب عنها؟!
    ...

    تراءت أمامي جملة موجعة كتبتها مى بخط يدها قبل الرحيل:
    أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني!
    إذن لا مفر!
    سأكتب قصتك يا مي ؛.. وستقرؤها الأجيال التي لم تقرأ لك .. ولم تستمع إلى محاضراتك وخطبك وأحاديثك . سأكتب قصتك وأروي الحقيقة الحزينة ليعرفها الذين اختلطت ملامح صورتك في عيونهم وطالها الضباب.. بعد كل ما قيل عن نهايتك المأساوية.
    سأكتب قصتك كما عشتها في كل ما خطته ريشتك.. في كل ما سكبه قلبك على الورق من آلام ووجع , وترجمه إحساسك وأناتك وعذابك المكتوم.. المكتوب!

    ***


    وبدأت الرحلة الصعبة للإبحار داخل ذلك الزمن الجميل . زمن كان للفكر فيه هيبة.. وللأدب والثقافة إحترام وإجلال . وكان المبدعون هم صفوة المجتمع.. وليسوا رجال الأعمال! زمن كان الحدث الثقافي لا يقل في أهميته عن الحدث السياسي. والمعارك الأدبية تجد من القراء مالا تجده المعارك السياسية.

    زمن مى .. والعقاد .. وطه حسين .. وجبران خليل جبران .. وأحمد شوقي .. وأحمد لطفي السيد .. ومصطفى صادق الرافعي .. وإسماعيل صبري .. وحافظ ابراهيم .. وخليل مطران.

    زمن الإبداع والفكر والثقافة حينما ملأت أنواره نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين. زمن ارتفعت فيه هامات العبقريات المصرية في كل المجالات : الأدب .. الموسيقى .. الغناء .. الشعر .. الطب .. الهندسة .. زمن الابداع الكلي .. فالابداع لا يتجزأ .. وشعاعه يمتد ويسري في شرايين المجتمع.

    وزمن مى هو ذلك الزمن الجميل .. وكانت هي زهرة هذا الزمان .. والمرأة الوحيدة التي تألقت وتفردت وسط باقة من العمالقة الرجال في عصر لم يكن مسموحا للمرأة بأن تخرج للحياة العامة. ولم يكن متاحاً لها أن تلتقى بالرجال في ندوات ثقافية أو ملتقيات أدبية.

    كانت مى ظاهرة أدبية.. ثقافية .. أنثوية .. إنسانية! هكذا أراها .
    ظاهرة أدبية.. لأنها كتبت بالفرنسية .. وترجمت عن الألمانية.. وعلمت نفسها اللغة العربية فقرأت القرآن والشريعة – رغم أنها مسيحية – وكتبت العربية بلغة هي مزيج فريد من كل اللغات التي أتقنتها وقرأت وكتبت بها.. ونستطيع أن نطلق عليها لغة مى أو مفردات وقاموس مى الخاص . فلأسلوبها هذه النكهة الخاصة جدا التي لا تجدها إلا في سطورها وصورها التعبيرية ومفرداتها.. ووصفها الدقيق للمشاعر الإنسانية التي تتميز به الآداب الأوربية.

    وهي ظاهرة ثقافية .. لأن ثقافتها انفتحت على عدة لغات فقرأت بالفرنسية والألمانية والإيطالية والعربية .. وتنوعت قراءاتها في فروع الثقافة المختلفة : فلسفة .. أدب .. شعر .. فن تشكيلي .. موسيقى .. تراث .. آثار .. قرأت مى في كل هذا .. وبكل اللغات..!

    وهي ظاهرة أنثوية .. لأنها صنعت من نفسها نموذجاً غير مسبوق بين نساء عصرها وحتى في الأجيال التي تلت جيلها . فقد كسرت حاجز التمييز بين الرجل المبدع والمرأة المبدعة.. التقت بمفكري عصرها ورواده من الرجال وحاورتهم وناقشتهم في كل القضايا الأدبية والفكرية بندية ومقدرة عالية. وذلك في صالونها الشهير الذي كان منارة إشعاع وثقافة في المجتمع المصري في ذلك الوقت.

    وهي ظاهرة إنسانية .. لأن مى كما قالت عن نفسها تمثل النموذج " الأيدياليزم " في الحياة .. أي المثالي المفرط في افتراض حسن نوايا البشر . وهي ظاهرة إنسانية أيضاً لأن نشأتها الدينية المتزمتة في مدارس الراهبات أورثتها التزاماً دينياً أخلاقياً صارماً .. فلم تعرف تحرر العواطف كما عرفت تحرر الفكر والإبداع . ولم ير هذين الخطين بتواز داخلها . بل كثيراً ما اصطدما وتناقضا .. وتصارعا!

    وهي ظاهرة إنسانية كذلك.. لأنها لم تعش حياة كاملة أبداً بل عاشت دائماً نصف حياة ! خافت من الحب.. وخافت أن يجرها إلى الخطيئة .. وفي نفس الوقت لم تجد القلب الحقيقي الذي يحتضن مخاوفها ويضمها بصدق .. وكان ذلك سبب كارثة حياتها.

    وكان قدرها أن تصاحب الوحدة منذ طفولتها المبكرة .. ثم في نهايات أيامها المأساوية . وبينهما عاشت سنوات المجد والشهرة والتألق والنجاح .. سنوات عاشت فيها تحت الأضواء والناس من حولها . ورغم كل هذا كانت تعيش وحدة من نوع آخر .. وفراغ نفسي وعاطفي وروحي شديد القسوة.

    ***


    لهذا أكتب عن مى .. أكتب قصتها ليس فقط من واقع ما قرأت لها وعنها .. ولكن من داخل كاتبة . امرأة تدرك معنى أن تكتب امرأة وأن تخرج عن الإطار المألوف والسائد والعادي! وفي مجتمع يسوده الرجال.. وتعرف كم تتضاعف معاناة هذه الكاتبة إذا كانت من الطراز " الأيدياليزم" الذي كانته مى!!

    ولهذا كان هذا الكتاب.......

    ***


    اخترت أن أبدأ فصول الكتاب بطفولة مى .. تلك الفترة التي أثرت على كل حياتها فيما بعد .. حيث ألحقها والدها إلياس زيادة الفلسطيني الجنسية بمدارس الراهبات الداخلية .. بعيداً عن دفء الوطن وحضن الأسرة . ولا أعرف لماذا كانت هذه القسوة التي زرعت مشاعر الوحدة والخواء العاطفي في قلب الصغيرة النابغة وهي لا تزال طفلة..!

    ولدت مى أو ماري إلياس زيادة وهذا هو اسمها الحقيقي في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1886 لأب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية .. وقضت سنوات عمرها الأولى في مدارس داخلية في لبنان , ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر في عام 1908 .. كان عمرها اثنين وعشرين عاماً .. فتاة في ريعان الشباب .. وظلت في مصر – التي كانت تعتبرها وطنها الأساسي- حتى توفيت في 18 اكتوبر عام 1941 .

    ولذلك ظل شعور " اللامنتمية" يلازم هذه الكاتبة الفريدة.. فالأقطار الثلاثة التي تنتمي إليها : لبنان .. فلسطين .. مصر كل منها يفتخر بأنها واحدة من نوابغه .. لكن أحداً من تلك الأوطان لم يعطها ما تستحق من تكريم حتى الآن.

    وكثيراً ما عبرت مى بقلمها عن هذه الغصة وتلك المرارة التي تشعر بها نتيجة لهذه الغربة الدائمة وعدم الانتماء . فكتبت في أحد مقالاتها ذات مرة تقول : " أين وطني"؟! ولدت في بلد , وأبي من بلد , وأمي من بلد , وسكني في بلد , وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد . فلأي هذه البلدان أنتمي , وعن أي هذه البلدان أدافع؟!

    أما الفصل الثاني .. فيروى قصة قدومها إلى مصر مع والدها , والاستقرار فيها , وبداية التفاف كبار رجال الفكر حولها كظاهرة فريدة في الأدب العربي. ثم التقائها بأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد الذي احتضن نبوغها , وكان له الفضل في إقناعها بالكتابة باللغة العربية ودراسة الأدب العربي . وأهدى إليها القرآن الكريم ومجموعة من كتب الأدب لتبدأ مشوارها مع اللغة العربية قراءة وكتابة.

    وساعدت مى التي كانت تُدرس اللغة الفرنسية لبنات صاحب جريدة " المحروسة" في بداية سنوات حياتها في مصر في تدعيم الثقة بين والدها وصاحب المحروسة.. وبعد فترة بسيطة تركها صاحب الجريدة لوالد مى إلياس زيادة ليكون صاحبها ورئيس تحريرها.
    وهكذا بدأت عملها الصحفي في جريدة المحروسة من خلال باب ثابت كانت تكتبه تحت عنوان " يوميات فتاة" .

    وفي الفصل الثالث .. تفاصيل ما كان يدور في صالون مي أشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. وكيف وصف رواد الفكر والأدب والفن هذا الصالون.

    الفصل الرابع.. نقرأ عن مشاهير الأدباء والشعراء الذين أحبوا مى.. وكيف أحبها كل منهم وعبر عن هذا الحب ومنهم : محمود عباس العقاد .. مصطفى صادق الرافعي .. إسماعيل صبري .. أحمد لطفي السيد .. أحمد شوقي .. وآخرون.

    الفصل الخامس.. يرصد ويسجل موقف هؤلاء الرجال الذين أحبوها " لكنهم لم ينصفوها" . هؤلاء الذين انبهروا بسحرها الخاص .. ونسوا الإنسانة . والمبدعة فساهموا في إطفاء الشمعة التي كانت.

    أما الفصل السادس .. فيروي تفاصيل قصة الحب الغريبة .. العجيبة التي لم يعشها في هذا الكون ربما إلا مى .. وجبران! فقد عاشا لمدة تسعة عشر عاماً من الحب والعذاب .. الاشتياق والحرمان .. اللقاء والفراق .. فقط على الورق!!

    الفصل السابع .. يتحدث عن بداية المؤامرة التي وقعت في شباكها .. وكانت السبب في مأساتها .. والفصل الثامن يروي الأيام الأخيرة التي عاشتها في بؤس ثقيل .. وعزلة تامة .. وانسحاب من الحياة في صورة رفض لأي طعام أو شراب .. واستسلام كامل للموت!

    والفصل التاسع .. يتضمن أهم ما كتبته مى من مؤلفات وكتب ومقالات .. ويحتوي على مقتطفات متنوعة مما كتبته.

    كلمة أخيرة.. أود أن أقولها في حق هذه الكاتبة الفريدة . إن مى زيادة التي كانت مشحونة بحلم التنوير والتطوير ومأخوذة بالمعرفة. ومزودة بكنوز من تراثنا ومن الآداب العالمية في آن معاً .. نظلمها إذا أطلقنا عليها " عروس الأدب النسائي" كما وصفوها في زمانها . فلقد كانت مى مفكرة من طراز فريد يندر أن نجد مثيله بين الرجال!

    والآن .. إليكم قصة مى . كما رأيتها بعين قلبي..!


    نوال مصطفى
    القاهرة – 10 ابريل 2000






    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    ملاحظة :
    جميع ما هو مكتوب أعلاه من كتاب نوال مصطفى ( مى زيادة .. أسطورة الحب والنبوغ)
    قمت بنقل وتلخيص الصفحات الأولى من هذا الكتاب كالمقدمة وتعليق الناشر والكاتبة .
    وإن أعجبكم الكتاب فسأقوم بتلخيص فصوله ونقله لكم ...وإن لم يكن كذلك فسأكتفي بقرائته وحدي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2001
    المكان
    الســـاخر
    الردود
    8,618
    اوفيليا


    نحن هنا نقرأ ونتابع مع بالغ الشكر والتقدير ..

    أجمل تحية
    --

    --
    لأننا نتقن الصمت ..
    حمّلونا وزر النوايا !!


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531

    الفصل الأول

    طفولة مي


    الليلة ترحل آخر الفتيات عن مدرسة الدير .. مدرسة عينطورة للبنات ببلدة شحتول في لبنان ..

    الليلة ستقضي " ماري " ليلتها وحيدة .. سجينة هذه الجدران المتهجمة . ستقضي الفتاة الصغيرة ذات الأربعة عشر ربيعاً ليلة العيد حزينة .. بعيدة عن بيت أسرتها البعيد في مدينة " الناصرة " بفلسطين .

    سوف تسافر ماري إلياس زيادة بخيالها ونبضات قلبها إلى حيث الدفء الساكن هناك في بيتها مع أمها التي تحبها كثيراً ووالدها الذي يغمرها بشلال من حنان .

    لكن سرعان ما يصطدم الخيال بالواقع . وتجد ماري نفسها وسط ثليج الوحدة خاصة بعد رحيل آخر صديقاتها المقربات لقضاء أجازة العيد مع الأهل . وتهرب ماري من وحدتها وآلامها مع تسلل الصباح وشروق الشمس .. تلقى بنفسها وسط الحدائق الواسعة المحيطة بالدير .. مع أصدقائها الذين لا تمل صحبتهم أبداً هوجو , لامارتين , شاتوبريان ..

    في هذا الوقت فقط ينبعث الدفء من جديد في أوصالها .. وتسري حرارة الحياة في وجدانها .. وعندما تعود إلى غرفتها بمدرسة الدير تكون قد امتلأت بمشاعر هؤلاء الأصدقاء , وغاصت في أفكارهم وأحلامهم . فتجلس .. وتكتب .

    هكذا كانت طفولة ماري التي اختارت فيما بعد الحرف الأول والحرف الأخير من اسمها فقط ليكون اسمها الأدبي : " مي " طفولة قاسية.. في مدارس داخلية للراهبات . الأولى كانت مدرسة اليوسفيات في " الناصرة " حيث ولدت بفلسطين – وطن الأم – وكانت في السادسة من عمرها في ذلك الوقت . وبعدما أنهت دراستها الابتدائية في تلك المدرسة , ألحقها والدها بمدرسة الزيارة في " عينطورة " بلبنان حيث وطنه هو .. وهناك أحست الصغيرة بانتزاع الدفء والأمان لأول مرة .. وعاشت الوحدة والقلق اللذين لازماها حتى آخر العمر.

    في مدرسة " الزيارة " أدهشت الفتاة الصغيرة مدرساتها بتفوقها في دروسها وحبها الشديد للشعر وقدرتها على دراسة اللغات , فقد أتقنت خمس لغات هي العربية , والفرنسية , والإنجليزية , والإيطالية , والألمانية .

    ويبدو أن فترة الطفولة التي عاشتها ماري زيادة بين بيروت وفلسطين سيمتد تأثيرها على حياتها كلها بعد ذلك .. وستحفر بصماتها العميقة على تكوينها النفسي والإنساني بصفة خاصة.

    فقد عاشت ماري سنوات الطفولة وبداية الشباب في مدارس الراهبات المعروفة بالشدة والحزم الذي يصل إلى حد القسوة أحياناً ..
    عاشت معظم سنوات طفولتها وحيدة بعيداً عن أمها الفلسطينية نزهة المعمر , وأبيها اللبناني إلياس زيادة المدرس البسيط .. ولأنها طفلة موهوبة , خُلِقت تحمل صفات النبوغ والتفرد فقد حولت أحزانها وحرمانها منذ طفولتها المبكرة إلى غوص عميق في دروب الفكر والثقافة ورغبة غير محدودة في الاكتشاف والمعرفة.

    تعلمت منذ البداية كيف تقهر مشاعرها , وتحاصرها .. وأمسكت بقوة لجام قلبها حتى لا يفلت من بين يديها . وينطلق صارخاً بآهاته وأناته .. بأحلامه وأوجاعه .

    وفي الوقت الذي فعلت فيه ذلك بقلبها . أطلقت لعقلها كل الحرية لينطلق ويفكر ويحلل ويكتشف ويبحر . وهنا في رأيي مكمن مأساة ماري زيادة .. أو الآنسة مي التي احتلت مكانة لم تحتلها أديبة عربية أخرى في زمانها أو في الأزمنة التي تلته .. وحتى الآن .

    الفجوة الرهيبة بين القلب والعقل ! الحصار المخيف .. والإنطلاق غير المحدد للفكر .. المحافظة الشديدة .. مع التمرد والتحرر على كل أنماط الفكر التقليدي . هكذا جمعت مي بين النقيضين .. ومن هذا التناقض الجوهري تولدت كل تناقضاتها الأخرى . وبسبب هذا الصراع الداخلي الرهيب انتهت حياتها المتوهجة بالفكر والنجاح والتألق لتلك النهاية المأساوية الحزينة .

    قصتها.. قصة تراجيدية بكل ما تحمله الكلمة . قصة امرأة توهجت كالشمس كظاهرة فريدة في عصرها .. التف حولها كبار مفكري مصر والعالم العربي .. واحترم فكرها ونبوغها الأدباء والشعراء .. ووقع في حبها الكثيرون منهم .. وكان دائماً حباً من طرف واحد ! فقلب مي كان دائماً مغلقاً .. بإحكام في وجه الجميع !!

    وكانت مي تعبر أحياناً في كتاباتها عن هذه المشاعر الحائرة فتقول : " ولدت في بلد وأبي من بلد وسكني في بلد وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد فلأي هذه البلاد أنتمي . إنما أريد وطناً لأموت من أجله أو لأحيا به ".

    لقد كانت تجيب دائماً عند السؤال عن وطنها فتقول : " أنا فلسطينية .. لبنانية .. مصرية .. سورية " وهي في داخلها لا تعرف لأي البلاد تنتمي حقاً .. وانسحب هذا الشعور بعد ذلك على البشر وعلاقتها بالناس . فرغم الشهرة العظيمة التي حققتها وزحام الرجال من المفكرين والأدباء والمبدعين الغارقين في حبها .. إلا أنها لم تشعر بالانتماء إلى أي واحد منهم .. إلا واحد هو جبران خليل جبران .. الذي أحبته على الورق فقط ! من خلال الرسائل المتبادلة بينها من القاهرة .. وبينه من المهجر حيث كان يعيش في أمريكا !!

    لا شك أن سنوات طفولة مي كانت بالغة التأثير في حياتها كلها بعد ذلك .. وربما كانت الجوانب الإيجابية أيضاً خلال تلك الفترة قوية وعميقة .. فقد أجادت مي اللغة الفرنسية إجادة تامة وحفظت الكثير من الأشعار الفرنسية خاصة أشعار الرومانسية مثل : لامارتين وديه موسيه , وتعلمت التمثيل والموسيقى والعزف على البيانو .. كما تعلمت ركوب الخيل ومارسته في وديان وسهول لبنان ..

    وقبل أن نترك الحديث عن طفولة مي لا بد أن نذكر أنها فقدت شقيقتها الوحيد في طفولتها ... وكتبت لتعبر عن مشاعرها تجاه هذا الشقيق تقول :
    " إلى العينين التي أطبقهما الموت قبل أن ألثمهما .. إلى الابتسامة التي لا أعرف منها إلا خيالاً .. إلى الاسم العذب الذي لا تهمس به شفتاي دون أ، تملأ عيني الدموع .. إلى الطفل الذي رحل إلى خالقه ويتم فيّ عاطفة الحب الأخوي الأخوي , فحرمني من حنو الأخ وقبلته وابتسامته ودمعته .. إلى أخي الوحيد الذي تقاسم الأثير والثرى !

    ***
    To be or not to be
    That is the question


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    فينيسيا

    أهلاً وسهلاً بك عزيزتي
    وأتمنى أن ينال الكتاب إعجابك

    شكراً لك و لمرورك الرائع


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531

    الفصل الثاني

    مي ... في مصر



    ما أن انتهت مي من كلمتها في الاحتفال المهيب حتى ضجت القاعة بالتصفيق .. وكادت جدران المكان تهتز من حرارة التأثر وشدة إعجاب الحاضرين بنبوغ وتألق وسحر إلقاء وبلاغة الخطيبة الصغيرة.

    كان ذلك في احتفال أقامته الدولة برعاية الخديوي عباس لتكريم الأديب الكبير خليل مطران . وبعث الكاتب المهاجر إلى أمريكا جبران خليل جبران بكلمة ليلقيها أحد الأدباء نيابة عنه في هذه الأمسية الهامة .. والتي أقيمت في الجامعة المصرية في ابريل عام 1913 بمناسبة الإنعام عليه بالوسام المجيدي الثالث ..

    قرأت مي كلمة جبران بأسلوب جعل من كل كلمة نبضة تطرق قلوب مستمعيها ومن كل سطر ومضة تلمع في عقول الحاضرين فتحفز عقولهم لتتأمل وتحاور ذلك الفكر الفريد .

    ***


    خرج الحاضرون جميعاً من الاحتفال لا يذكرون إلا اسماً واحداً هو " مي " صاحبة الصوت العذب والإلقاء المعبر عن كل كلمة , والفكر الرصين العميق الذي ظهر بوضوح في تعقيبها على كلمة جبران خليل جبران بعد أن انتهت منها .

    ومنذ تلك الليلة في عام 1913 بدأت خيوط الشهرة تنسج حروف هذا الاسم الذي لم يكن معروفاً بهذا الاتساع والانتشار من قبل . وبدأ الجميع يتساءلون عن هذه الأديبة الشابة .. التي تتمتع بجمال الشكل وجمال الروح .. وروعة العقل وعذوبة الصوت معاً!!.

    من هي ؟!

    ومع هذه الأسئلة الكثيرة تكونت صورة هذه الفتاة .. وعرف الجميع حكايتها.

    عرفوا أنها جاءت مع والدها المدرس المغمور إلياس زيادة من لبنان وأمها نزهة معمر وهي فلسطينية الجنسية . جاءوا إلى مصر بحثاً عن فرصة عمل في الصحافة كان يبحث عنها الأب .. ورحل إلى مصر مصطحباً عائلته وراء هذا الأمل .

    كان ذلك عام 1908 .. وكانت مي في ذلك الوقت في الثانية والعشرين من عمرها . شابة مليئة بالحيوية والحماس .... تعشق الكتابة والصحافة , تجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة , ثقافتها رفيعة , قرأت لأشهر الكتاب العالميين كما قرأت لابن الفارض والمعري والمتنبي .

    وبدأت الصغيرة تبحث عن عمل مناسب لإمكاناتها المتميزة .. تستطيع من خلاله أن تساعد والدها في بداية حياته الجديدة في مصر . وكان والدها في ذلك الوقت قد تعرف على إدريس راغب باشا صاحب جريدة المحروسة .. وعمل معه في الجريدة .. وفي نفس الوقت قامت مي بتدريس اللغة الفرنسية التي تجيدها لابنتي إدريس باشا .

    اقتربت مي من عائلة إدريس راغب باشا وتوطدت علاقتها بها من خلال الصداقة العميقة التي نشأت في ذلك الوقت بينها وبين ابنتي إدريس باشا .. وبعد فترة منح الباشا جريدة " المحروسة " لإلياس زيادة .. تقديراً لهذه الصداقة الغالية واعترافاً بفضل مي في تعليم بناته.

    وفجأة تبدل حال العائلة ! من الفقر إلى اليسر المادي . كما انتعشت صلات إلياس زيادة وزوجته وابنته وتوطدت بالوسط الثقافي في القاهرة ... وبدأت مي بالكتابة في جريدة المحروسة . واختارت اسم " يوميات فتاة " عنواناً لباب ثابت كانت تحرره في " المحروسة " . كانت تختار الموضوعات الحية التي يتجادل بشأنها الناس وتدفع بآرائها الحكيمة والجرئية في آن معاً . فارتبط بها القراء , وراحوا يبحثون عن كتاباتها التي كانت تمثل فكراً جديداً في مجتمع مغلق خاصة بالنسبة لنساء عصرها .

    وكتبت مي ديوان شعر بعنوان "زهرات حلم " باللغة الفرنسية .. وكان هذا الديوان أول إنتاج أدبي لها أصدرته باسم مستعار هو " إيزيس كوبيا " وليس باسم مي . كان ذلك عام 1911 .. أي بعد ثلاث سنوات من إقامتها بمصر .

    وبدأت أنظار عمالقة الأدب والفكر في ذلك الوقت تتجه إلى هذه الكاتبة الصغيرة التي أعلنت منذ بداياتها عن موهبة فريدة . تحمس لها أحمد لطفي السيد ويعقوب صروف صاحب مجلتي المقتطف والمقطم , وشجعاها على التزود في دراسة اللغة العربية والخط العربي والقرآن الكريم .

    وأطاعت التلميذة الصغيرة الأساتذة الكبار .. فقرأت بدأب , وعكفت على دراسة الفلسفة الإسلامية واللغة العربية والتحقت بالجامعة المصرية الأهلية لمدة ثلاث سنوات من عام 1911 حتى 1914 . وأثناء هذه الفترة كتبت مي في العديد من المجلات المعروفة إلى جانب مجلة " المحروسة " . كتبت في مجلة "المقتطف" و " السياسة الأسبوعية " و " الهلال " و " المرأة الجديدة " وغيرها .

    وابتكرت مي باباً جديداً في الصحافة المصرية عندما طلبت منها جريدة السياسة الاسبوعية الكتابة فيها . أطلقت عليه اسم " خلية نحل" . كانت تتلقى أسئلة القراء والقارئات وتصيغها صياغة صحفية سليمة .. ثم تطلب من القراء جميعاً أن يشاركوا في الإجابة عن الأسئلة .. وتتلقى إجابات القراء .. وتختار أفضلها ثم تصيغها وتنشرها.

    جذب هذا الكتاب القراء وارتبطوا بها وبالجريدة .. وكانت سعيدة بتحرير هذا الباب لأنه يقربها من أفكار الناس . وأحلامهم وآلامهم . آرائهم واختلافاتهم .وكانت تجد في هذا كله مادة حية غنية وحقيقية استعانت بها في فهم الكثير من أمور الحياة .. واستلهمت بعض الأفكار الجيدة فكتبت عنها في مقالاتها بعد ذلك آراء وتحاليل عميقة .

    وفي عام 1922 قدمت جريدة "الاهرام" لها شقة من مبانيها القديمة بشارع علوى تقديراً لظروف معيشتها البسيطة حيث كان دخلها من الكتابة وصحيفة " المحروسة" ليس بالقدر الذي الذي يسمح لها بالسكن بشقة في وسط البلد .

    وكتبت مي في الاهرام مقالات هامة .. أحياناً تكتب المقال الافتتاحي للجريدة .. وأحياناً مقالات في صفحة المرأة .

    وفي هذه الشقة بدأت " مي" إقامة أول صالون ثقافي أدبي دعت إليه بعد الكلمة التي ألقتها في الجامعة المصرية بالنيابة عن جبران خليل جبران في مناسبة تكريم الشاعر خليل مطران والكلمة البديعة التي عقبت بها على كلمة أديب المهجر جبران.

    بعدها.. وعندما لمست تعلق القلوب والعقول بها أعلنت في تلك الليلة دعوتها لجميع الحضور للاجتماع في بيتها كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع . وكانت هذه اللحظة من ليلة 24 إبريل عام 1913 مولداً لصالون مي .
    To be or not to be
    That is the question


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531


    الفصل الثالث


    صالون .. مي


    كانت مي فتاة جميلة .. جمالها شرقي يرتدي مسحة من أخيلة الغرب .. وكانت جاذبيتها ليست في جمالها فحسب .. بل في عقلها الذي كان يبهر عمالقة الفكر والأدب في هذا العصر . ومنهم الدكتور طه حسين والمفكر عباس محمود العقاد والكاتب مصطفى صادق الرافعي وخليل مطران وأحمد لطفى السيد وعدلي يكن وغيرهم كثيرون.

    كانت في عيونهم جميعاً شعاعاً جميلاً .. يتدفق فكراً وأدباً وثقافة مع لطف في الأخلاق وأسلوب مهذب .. أنيق في الترحيب والاستقبال .. فكان بيتها ملاذاً للجميع لا تحت تأثير مشاعرهم التي تحركت نحوها .. بل أيضاً تحت تأثير هذا الجو العقلي الذي كان من النادر جداً وجوده عند غالبية نساء ذلك الزمان .

    كان عصر الحجاب .. حجاب الوجه وحجاب التقاليد الاجتماعية الصارمة خاصة تجاه المرأة وخروجها العام إلى المجتمع . وكانت مي التي نشأت في الاوساط المارونية ذات الثقافة الأوربية مختلفة تماماً عن صورة المرأة الشرقية في هذا الوقت .. فجذبت العقول كما جذبت القلوب .

    وكانت مي الفتاة الشابة القادمة من لبنان هي الوحيدة في عصرها التي استطاعت أن تحرر فكرها وحياتها من أسلوب الحياة السائد بين النساء في ذلك الوقت في مصر.

    ولكن كيف ولدت فكرة الصالون في خاطر مي ؟

    تأثرت مي بتجربة شهيرة في مطلع النهضة الأوربية خاصة في عصر لويس الرابع عشر في فرنسا حيث كان صالون مدام ريكاميه .. وكانت سيدة على جانب كبير من العلم والذكاء جعلت من إحدى غرف بيتها منتدى لتحريك الأفكار وتبادل الرؤى الثقافية والفكرية وعرفت هذه الغرفة بـ " الغرفة الزرقاء" . كما كان هناك صالون آخر شهيراً هو صالون مدام دوستايل .

    وتأثرت مي كثيراً بصالون مدام دوستايل من حيث اهتمام مناقشاته وندواته بالتراث العالمي كله , فقد كانت مي تتقن عدة لغات قراءة وكتابة .

    لم يكن هذا هو السبب لوحيد الذي دفع بالفكرة إلى رأس مي .. بل جاء الإيحاء من أستاذها أحمد لطفي السيد الذي كان من أهم الذين تأثرت بهم مي , وتتلمذت على أفكارهم وطاعت نصائحهم . والتأثير الأكبر الذي أحدثه أحمد لطفي السيد في حياة مي هو تشجيعها على دراسة اللغة العربية وإتقانها وكذلك قراءة القرآن والفقه الإسلامي , وهذا ما شجعها على الكتابة باللغة العربية بعد أن كانت تكتب فقط باللغات الأجنبية التي تجيدها . وكان أول ديوان لها باسم " زهرات حلم" باللغة الفرنسية.

    ويبدأ في مايو 1913 أشهر صالون أدبي شهده القرن العشرون صالون مي .. ليكون ملتقى كبار مفكري وأدباء وفناني مصر وسوريا وكبار الأدباء الأوربيين الزائرين لمصر .

    كيف كان شكل صالون مي؟.. ماذا كان يدور في أمسيات الثلاثاء الفريدة ؟ كيف كانت نجمة الأدب والفكر تشرق بذكائها ونبوغها خلال تلك الأمسيات .. وكيف كانت تخلب عقول وقلوب كبار مفكري عصرها ؟ ماذا لو أدرنا عجلة الزمن لنعود إلى الزمن الجميل . ونستمع إلى ضيوف مي من عمالقة الفكر والأدب وكيف وصفوا هذا الصالون الأدبي الفريد..

    •يصف الكاتب اللبناني سليم سركيس صالون مي فيقول :

    مساء كل ثلاثاء يتحول منزل إلياس أفندي زيادة صاحب جريدة " المحروسة" إلى منزل فخم في باريس .. وتتحول مي التي لا تزال في العقد الثاني من عمرها إلى مدام دوستايل , أ, ولادة بنت المستكفي , أو وردة اليازجية في شخص ومدارك الآنسة مي , ويتحول مجلسها إلى فرع من سوق عكاظ , وتروج المباحث العلمية والفلسفية والأدبية في مجلس يحضره إسماعيل صبري , وشبلي شميل , وخليل مطران , وأحمد زكي اشا . هؤلاء جميعاً يهزون بأحاديثهم ومناقشاتهم أغصان شجرة ذات ثمر . ويحركون وردة ذات أريج , والآنسة مي بينهم تناقش هذا , وتدافع عن ذاك..

    •ويصفها المفكر الكبير محمود عباس العقاد فيقول:

    كل ما تتحدث به مي ممتعا كالذي تكتبه بعد روية وتحضير , فقد وهبت ملكة الحديث في طلاوة ورشاقة وجلاء , ووهبت ما هو أدل على القدرة من ملكة الحديث وهي ملكة التوجيه وإدارة الحديث بين مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثقافة والمقال , فإذا دار الحديث بينهم جعلته مي على سنة المساواة والكرامة وأفسحت المجال للرأي القائل الذي ينقضه أو يهدمه وانتظم هذا برفق ومودة ولباقة ولم يشعر أحد بتوجيه الكلام منها , وكأنها تتوجه من غير موجه , وتنتقل بغير ناقل وتلك غاية البراعة في هذا المقام.

    •ويتحدث عميد الأدب العربي طه حسين ن ذكرياته في صالون مي .. فيقول :

    كان الذين يختلفون إلى الصالون متفاوتين تفاوتاً شديداً فكان منهم المصريون على تفاوت طبقاتهم ومنازلهم الاجتماعية وعلى تفاوت أعمارهم , وكان منهم السوريون ومنهم الأوربيون على اختلاف شعوبهم وكان منهم الرجال والنساء وكانوا يتحدثون في كل شيء ويتحدثون بلغات مختلفة وبالعربية والفرنسية والانجليزية خاصة .

    ولكن كيف وأبن بدأ أهم وأشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. صالون مي ؟

    كانت البداية في الحفل الكبير الذي أقيم في بهو الجامعة المصرية لتكريم الشاعر خليل مطران بمناسبة الإنعام عليه بوسام رفيع .. وبعد أن ألقت مي كلمة الكاتب المغترب جبران خليل جبران نيابة عنه . خطفت القلوب واستأثرت على العقول .. وبعد أن عقبت على كلمة جبران . اشتعل حماس الجمهور لهذه الأديبة الشابة .. وصارت منذ تلك اللحظة حديث الناس.

    في هذه الليلة دعت مي الحاضرين إلى الصالون الأدبي الجديد الذي قررت أن تقيمه في بيتها مساء كل ثلاثاء . في بيتها بشارع مظلوم وهكذا بدأ صالون مي الذي استمر لفترة طويلة حوالي ربع قرن يجمع عمالقة الفكر والثقافة والسياسة والأدب .. وتدور في أمسياته أعمق وأغنى المناقشات والحوارات .. ويتبارى الكتاب والشعراء والفلاسفة في عرض أفكارهم وثقافاتهم ورؤاهم المختلفة .. وتحول هذا الصالون إلى منبر قوي يدعم تيار الفكر والثقافة الذي كان مزدهراً في ذلك الوقت , ويسهم بدور هام في تحريك الأفكار وشحذها وتفاعلها الايجابي فأثرت الحياة الأدبية في مصر وغيرها من بلاد العالم العربي.

    وكان المترددون على ندوتها يتحدثون في شتى الموضوعات الفكرية والأدبية . يتكلمون بالعربية أو بغيرها من اللغات الأجنبية , أما مي فكان حديثها دائما باللغة العربية الفصحى .

    ووصف العقاد الأحاديث التي كانت تدور في ندوة مي بقوله : لو جمعت هذه الأحاديث لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة " العقد الفريد " و " مكتبة الأغاني " في الثقافتين الأندلسية والعباسية .

    ورأى هؤلاء المفكرون في مي الشخصية الفريدة التي جمعت بين الثقافة الرفيعة والأخلاق الفاضلة فازدادوا إيماناً بضرورة تعليم الفتاة وتشجيعها على الثقافة وصقل الذات بالمعرفة .

    وأطلق عليها أدباء ومفكرو عصرها العديد من الألقاب منها : الأديبة .. النابغة .. فريدة العصر .. ملكة دولة الإلهام .. حلية الزمان .. الدرة اليتيمة .. وغيرها من الألقاب التي تعكس قدر الاحترام والإجلال اللذين حظيت بهما مي من كتاب عصرها.

    ولكن ورغم كل هذا التوهج واللمعان في سماء الفكر والأدب .. هل كانت أديبتنا النابغة سعيدة ؟ هل أضاءت تلك الشمس المشعة حياتها .. أم أشرقت فقط في حياة الآخرين ؟! واحترقت هي ؟! هذا ما سوف نعرفه في الفصول القادمة ..!
    To be or not to be
    That is the question


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المكان
    في المدينة التي لم تسم عـبثًا ...قـاهـرة
    الردود
    1,000
    العزيــــزة على الدوام ( أوفيليا)



    جهد كبير ... تستحقين الثنـــاء عليه ...........


    أرجو أن أقرؤه ذات يوم

    شكــــرًا لكِ .....

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    حالم

    شكراً لمرورك وأعتقد أنك ستجد فيه ما يستحق القراءة
    وعلى فكرة هو لا يتجاوز المئة صفحة فقط..
    واهلا بك

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    [B]السلام عليكم ورحمة الله
    شكرا لك على هذا الجهد الرائع الذي أسعدني كثيرا وسأقوم الآن بطبعه وقراءته لأني منذ مدة أود أن أقرأ شيئا عنها.
    جراك الله خيرا .....وحبذا لو تتحفنا بشئ من كتاباتها أو رسائلها ....

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    بين مي وجبران


    1- من مي إلى جبران

    11 آذار 1925

    صديقي جبران

    لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكة , وهو

    الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن

    تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع

    الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل ...

    لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته ! .. أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه ...

    ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة , ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا .

    مي زيادة



    2- من جبران إلى مي

    9 شباط 1919

    لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع

    وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي

    كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب .. تلك الأشباح

    التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة

    بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله ! .

    هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها .

    هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .

    جبران خليل جبران

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    بين مي وجبران.....شيء قليل ليس عندي سواه


    1- من مي إلى جبران

    11 آذار 1925

    صديقي جبران

    لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكة , وهو

    الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن

    تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع

    الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل ...

    لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته ! .. أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه ...

    ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة , ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا .

    مي زيادة



    2- من جبران إلى مي

    9 شباط 1919

    لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع

    وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي

    كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب .. تلك الأشباح

    التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة

    بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله ! .

    هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها .

    هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .

    جبران خليل جبران

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    نشيد الربيع

    أهلاً وسهلاً بكَ / بكِ بيننا
    بالنسبة لرسائل مي وجبران فيحوي هذا الكتاب على بعض هذه الرسائل وستقرأها بإذن الله عندما أصل للفصل السادس
    أما بقية الرسائل فلدي تقريبا جميع رسائل جبران أما رسائل مي فللأسف لم أستطع الحصول عليها حتى الآن
    وسأقوم بنقل بعض منها بعد أن أنتهي من الكتاب
    وبالنسبة لكتابات مي فيوجد أيضاً قسم خاص في هذا الكتاب لعرض مقتطفات من أعمالها سأقوم بانتقاء بعضها ونقلها لك بكل سرور
    شكراً لمرورك وإضافتك


    أختك أوفيليا
    To be or not to be
    That is the question


  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    هذه مجموعة من الكتابات بين نثر وشعر عثرت عليها في صفحة صنعها أحدهم ثم لم أعد استطيع الوصول إليها الان ، لكني بحمد لله كنت فد حفظته،
    ورجائي ان يكون فيما أضيف أنسا لقارئه ، وألا يكون فيه تعد على صاحبة الموضوع الأصلية ،
    رحلة بور سعيد - الإسكندرية

    مكثنا في بورت سعيد يومين وفي ميناء الإسكندرية يومين, ولا تسل عن الزيارات الطبية فإِنها متواترة تضحك وتغضب. لكن نظرة واحدة إلى البحر تنسيني هذه الحوادث الصغيرة فأعود إلى التأمل في لجج المياه المتدافعة.

    وكم تمنيت أن أكون رجلاً لأكون بحريًا وكاتبًا, مثل بيير لوتى أحد أعضاء الأكاديميا الفرنساوية الذي لم ينظم شعرًا. ورغم ذلك فهو شاعر في نثره كلما جرى قلمه على صفحات الأوراق.

    هم سعداء حقّا أولئك الذين يقضون شطرًا من حياتهم تائهين على الأمواج! غرفتهم المتحركة تجول بهم في العالم, وعيونهم تنفتح أبدًا على شواطئ غريبة جديدة فتانة.

    البحر يمثل لهم عظمة الله, والبقاع الواسعة المتنوعة المحتويات تريهم شطرًا أكبر من آثار قدرته. كما أنها تزيدهم معرفة بالإنسان وأخلاقه وعاداته وممكناته.

    فى كل بحّار ترى شاعرًا وفيلسوفًا وعالمًا. البحَّار كالجندي الرجل كل الرجل عندما يخلص في حب مهنته. في عينيه ترى صورة الزوابع التي شهدها كما ترى في عيني الجندى صورة المعامع التي اقتحمها, وهو كالمياه في لينه ومثلها في بطشه.

    فى ساعديه وروحه قوة اكتسبها من مقاتلة العناصر الهوجاء. وفي أفكاره حرية المياه وعمقها. وفي قلبه عبادة البحر مملكته وملكوته.

    ***




    البحر!... هو أحد أقانيم حبي وحبي مثلث الأقانيم: السماء والبحر والعيون.

    السماء حيث تتوه النجوم عن أبصارنا الضعيفة مواصلة حركتها الدائمة. السماء حيث تتمشى الغيوم وتبتسم ربة الجمال. السماء حيث ينطق البدر صامتًا وهو سائر لتكميل دورته بين رفرفة الأرواح وحومة الخواطر. والبحر شقيق السماء ومرآتها حيث ينعكس أثيرها ونجومها وأنوارها, حيث تسبح الأسماك العجيبة الأجناس والألوان والحيوانات العظيمة. البحر شقيق السماء وصورة الأبدية مثلها.

    والعين مرآة القلب ونافذة الروح. فيها تتمشى الأفكار وفيها تتصور العواطف والأميال, وعليها ترتسم التأثيرات, ومنها تطل خيالات الآمال وبوادر السرور والابتسام.

    والعين كذلك صورة الأبدية الصغرى لأنها مرآة الروح, والروح مجموع الأبدية...

    ***




    طال سهري آخر ليلة وأنا أمشي على سطح المركب أودّع المياه وقد اعتدت منظرها في الضوء وفي الحلك. طال سهري أفكر أني لن أراها قبل مجىء الصيف المقبل. وشعرت بالحزن يدفقُ في جوانحي أسفًا على الأموات (وهذا الشهر شهرهم) الراقدين تحت الثرى لا يرون بدائع الكون...

    ... أيتها العيون المحوِّلة نظرك عن أرضنا! على أي آفاق تفتحين جفونك? وماذا ترين هنالك, يأيتها الأحداق الشاخصة? هل بين ظلام الأبدية وظلام أرضنا تشابه وانتساب? وهل أنوار دياركم تماثل أنوار ديارنا?

    أين تنظرين وماذا ترين? ألا صدقتنا الخبر يا عيون الموتى?

    ***




    إِيه مصر العزيزة, عليك ألف تحية وسلام! بلاد الشمس والنور الباهر, مرضع الحنطة والأثمار, مغذية القطن ومروية النباتات, مقلع المرمر والصوان, مملكة الهياكل والتماثيل والأعمدة. محراب الآلهة, مكمن الأرواح, معقل الخلود, خزينة الذخائر الغالية, جنينة الأفراح والتغاريد, حديقة الورد والفل والبنفسج, سلام عليك وعلى نيلك, على لغتكِ وأهليك, وسلام على سهولك الفيحاء.

    ... أرض الفراعنة والبطالسة ومن همْ أقدر من بطليموس وفرعون? في سمائك تتجاوب نبرات العزِّ ونفحات الأسرار! أنت متحف الرموز والإشارات حيث أشباح لهب المشاعل على الجدران توقظ الآلهة الهاجعة في هياكلك! ها قد عدتُ إليك فإِذا بقلبي يمتدُّ لك بساط صلاة وتضرُّع..

    عادت روحي إِلي مصر فدعوني أجلس وراء تلال الرمال حيث يقطن السكوت غير المتناهى! دعونى أنفرد في وحدة الأفق وأناجى أبا الهول!
    ألحان الخريف

    طافت في الجوّ روح الخريف, يا سوريا,

    وعلى ضفاف النيل أنشأت ربة الشعر تشدو,

    فخالجني الشعور بالوحشة

    لاغترابي عن سحرِك البعيد, الخفىّ

    وها يعاودني ذكرُ ربيعك البهيج,

    وعهدُ الساعات المفعمة هناءً وصفوًا

    ساعات خلت من الغموم والدموع

    ولكن سرعانَ ما تولّت!

    وفى تبلبل مخيلتي وازدحامها

    يتجلى لي من لبنانك الوسيم

    رسمٌ نمَّقَته آلهةُ الفنون

    تحت سماءٍ صافية, وزرقةٍ فاتنة

    فألمح الأرز الرفيع الذرى

    تتمايل أغصانه سامقةً نحو العلي

    تُلامِسُ أطلس الجوّ بأطرافها الخضراء العسلية,

    لَمْسَ قلمٍ يخطّ على الصفحة النظيم...

    وإني, يا لبنان, لأحدّث نفسي بحديث صيفكَ,

    وأسمعُ صدح أطيارك في حدائق حفلت بالورد,

    وأستعيد نداءات القلوب, ذات الحبّ الراسخ العنيد

    التي ذاقت نشوة الطرب في ظلّ أحراجك,

    وتمتلكني حاجات النفوس الغضّة النقية

    من ظمأٍ إلى الحب, وركونٍ إلى الإيمان,

    وثقةٍ بالأملِ, والصدقِ والامتثال,

    ويقينٍ بذيوع العطف, وخلودِ الصلاح!

    كنت في المدرسة, وسنّي دون الخامسة بعد العاشرة

    ومشهد الأمواه يعرض لناظريَّ رُؤى الفراديس

    فتهتزّ نفسي وتسمو وتطير... ومنذ ربيعَيْن اثنْينْ

    لم تَنْسَى مني الشجن, يا هذه الهزّة الشعرية!

    كالشمسِ والصَحْوِ للدَّجَنِ والمطر سحرُهُ

    وكالسعادةِ والهناءِ وللغَمِّ لذاذاتُهُ

    أيها الخريف! يا موسم الصفائح والمعالم فوق القبور

    وموسم الأشرطة والأزهار المبلّلة بالدموع

    وموسم أشجار السَّرْوِ الساجعةِ في المدافن

    وموسم تفطّر القلوب حسرةً وأسىً!

    يا مَوْسِمًا لا يُنسى

    مما نستحضرهُ حيال مضاجع الراحلين

    إذ تتلمّس أيدينا دقائِقَ ما لا يُلْمَس

    من أشتات الآمالِ المبعثرةِ الزاوية!

    يا موسم الشكاية, والعويل والانتحاب

    بعد الضَّحِكِ الذي انقضى ولن يعود,

    وموسم اليأَس الذي يُفجعُ الفؤاد

    إزاء عمق المسافة, وجور الزمان,

    ها هي ذي روحك الموزّعة الشائعة

    تتجمعُ لندائي, وتفزعُ للتذكارات الرهيبة,

    فما أنتَ إجمالاً, يا أيهذا الخريف

    إلا موسم الأجفان المسبلة الجامدة






    نشيد نهر الصفا

    *\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/*

    أنهر الصفا! جئتك تعبة الروح والجسد معًا.

    قرأت خلاصة الأحوال الحاضرة فدّوى في مخيلتي هدير المدافع, وتمثلت لناظرى صور الحرب المخيفة. ثم قصدت الاجتماعات فملأ أذني ضجيجها التافه, وضجرت نفسي من معانيها السطحية ومراميها الخبيثة. عجبت لبلاهة الإنسان وركاكة ميوله وفتور همته. إذ ذاك سمعت اسمك الموسيقيّ فأحببته لأن فيه جمالاً وعذوبة وسلامًا.

    لقد أحرقت قدميَّ الرمال الحارة, ومزّقت يديَّ أشواك الحياة, فجئت أستخلص من أعشابك بلسمًا لجروحي. تعلق بأهدابي غبارُ المادة محاولاً إخفاء الجمال المعنوي عن عينيَّ, فأتيت أغسل أهدابي بمياهك المقدسة.

    جئت لأرطب يديَّ وعينيَّ برضابك العذب.

    ثقُل فؤادى عليّ, فأسرعت لأبعث به معك إلى روح البحر العظيم الذي يناديك من عمق أعماق زرقته البعيدة.

    أنت ابن الغيوم, وألعوبة الحرارة الهوائية, وضحكة المادة الدائمة, وقهقهة الجو بين الهضاب والأودية. أنت قبلة الشمس للبحر. أنت أنشودة الجبل في الوادي. أنت الروح الصغيرة المسرعة إلى أحضان الروح الكبيرة.

    أنت عميق كأسرار الجنان, عذبٌ كنظرات الولهان, وفي اسمك ألوان وألحان.

    أنت تهلمم تهلمم: هلمم: دعاه قائلا له: هلمَّ. بى, أيها النهر, فخذنى معك بعيدًا عن الحياة وضوضائها, خذنى معك... لكن, ما هي نسبتى إليك?

    أنت مجموع سوائل لا وجدان لها, ولا قلب يخفق بين أجزائها. وأنا... أنا شيء آخر. أنت لغز بين البحار والآفاق, وأنا لغز بين الحياة واللانهاية. أنا أعرف أني لا أفهمك, وأشعر بجهل الإنسان وشقائه, أما أنت... ما لنا ولك?

    سيري, أيتها المياه, سيري واتركيني. اسقي النباتات والأعشاب, ضعي لآلئ في ثغور الورد, رطبي صدر الأرض الملتهب, ترنمي في وحدة الوادي, اسردي حكايتك التي لا تنتهي, اندبي هللي, اصرخي اهمسي, أنشدي انحبي, اطربي احزني, كل هذا ننسبه إليك. نحن أبناء النشوة والكآبة.

    سيري. أيتها المياه. ودعيني أبكى. لقد تلبد جو فكري بالغيوم القاتمة. وقلبي - ما لك وله! - منفرد حزين...



    -----

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المكان
    قمــــ ــر14
    الردود
    2,054
    قممممه في الجهود المبذوله ..




    شكرن أوفيليا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531


    الفصل الرابع


    الذين أحبوا " مي "


    قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن ينفث في الجماد حياة . هكذا كتبت مي في إحدى مقالاتها وهكذا كانت هي في حياتها القصيرة بقياس الزمن . الغنية .. العميقة بقياس القيمة والآثار الباقية.

    ولعل معظم الرجال الذين التقوا بها سواء مباشرة أو عن طريق القلم والأوراق .. أحبوها ! واختلفت ملامح تلك العواطف وطرق التعبير عنها باختلاف شخصية كل منهم .. ودرجة اقترابه من فهم شخصية مي و تركيبتها الفكرية والإنسانية .

    وأغرى هذا الجانب الهام من حياة مي الكثير من الكتاب والباحثين للغوص في تفاصيله ودقائقه وصولاً إلى الحقيقة وإجابة للسؤال الحائر :

    من هو الرجل الحقيقي في حياة مي ؟ أو من هو الذي فاز بقلب مي وسط كل هؤلاء الرجال المحترمين ؟

    هل هو العقاد ؟ هل هو ولي الدين يكن ؟ هل كان مصطفى صادق الرافعي ؟ هل كان أنطون الجميل ؟ أم خليل مطران ؟ هل كان أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد أم الشاعر أحمد شوقي أمير الشعراء ؟ هل كان الشاعر إسماعيل صبري أم الشيخ مصطفى عبد الرازق , هل كان هو الدكتور طه حسين أم الشاعر جبران خليل جبران ؟

    كثير من أعلام عصرها نسجت حولهم القصص والحكايات تربط بينها وبين كل منهم . وأطلق الناس لخيالهم العنان ليختلقوا العديد من قصص الحب في حياة مي . وكان الكثير منها من وحي الخيال والقليل منها حقيقي .

    يقول الكاتب مارون عبود : كل من رأى مي , وكل من شهد مجلسها أحبها . أما هي فظلت كسنديانة صامدة وكالجبل ما يهزه ريح .

    كان الكاتب المفكر عباس محمود العقاد .. وهو من ألمع مفكري عصره لا ينكر حبه لمي , وقد لمح له كثيراً في روايته سارة وأعطى مي اسماً مستعاراً هو هند . وعرفها العقاد في البداية عن طريق مقالاتها في الصحف ثم من كتبها . وبدأت علاقتهما بالخطابات هو من أسوان بلدته التي يقيم بها قبل استقراره في القاهرة .. وهي من القاهرة حيث استوطنت مصر بعد قدومها من لبنان بصحبة والديها.

    وعندما عاد العقاد من أسوان سارع بزيارة مي يملؤه الشوق والحنين إلى تلك الشخصية التي فتنته قبل أن يراها !

    وتقارب الأديبان : العقلان والقلبان . لكن حب العقاد لمي كان مختلفاً عن حب مي للعقاد . كان العقاد يؤمن بطوفان المشاعر وتوحد الحبيبين نفساً وروحاً وجسداً .. وكانت مي تؤمن بالحب الصافي , السامي .. العفيف الذي يرتفع عن رغبات الجسد ويسمو إلى عالم الروحانيات وصداقة الفكر.

    ولا شك أن العقاد احترق بحب مي في صمت والدليل على ذلك قصائده الكثيرة إليها التي تحمل كل مشاعر الحب والتتيم بها .

    ويقول الكاتب عبد الفتاح الديدي : يبدو أن هذه الفتاة لعبت أخطر دور في حياة العقاد لأنها أعطته السعادة ومالم يكن يخطر له على بال , ولكنها وقفت أمامه نداً لند وناوأت رجولته وسطوته وكبرياءه . وصدمت أحلام العقاد بفرديتها واستقلالها وشبابها المتأنق المدرك لأصول العلاقات.

    وسئل العقاد مرة كيف كان يجمع بين حبين في وقت واحد: حب مي وحب سارة؟ فأجاب عن هذا السؤال قائلاً : إذا ميّز الرجل المرأة بين جميع النساء فذلك هو الحب .. وقد يميز الرجل امرأتين في وقت واحد .. لكن لا بد من اختلاف في النوع , أو في الدرجة, أو في الرجاء , فيكون أحد الحبين خالصاً للروح والوجدان , ويكون الحب الآخر مستغرقاً شاملاً للروحين والجسدين .. أو يكون أحد الحبين مقبلاً صاعداً , والحب الآخر آخذاً في الإدبار والهبوط . أما أن يجتمع حبان قويان من نوع واحد في وقت واحد فذلك ازدواج غير معهود في الطباع , لأن العاطفة لا تقف ولا تعرف الحدود .. وإذا بلغت العاطفة مداها جبَّتْ ما سواها .

    ويصف العقاد في روايته " سارة" طبيعة علاقته بمي دون التصريح باسمها .. بل اختار لها اسماً مستعاراً هو : هند . فيقول : كان يحبها الحب الذي جعله ينتظر الرسالة أو حديث التليفون كما ينتظر العاشق موعد اللقاء , وكانا كثيراً ما يتراسلان أو يتحدثان , وكثيراً ما يتباعدان ويلتزمان الصمت الطويل إيثاراً للتقية واجتناباً للقال والقيل وتهدئة من جماح العاطفة وإذا خافا عليها الانقطاع.

    ولكنهما في جميع ذلك كانا أشبه بالشجرتين منهما بالإنسانين يتلاقيان وكلاهما على جذوره , ويتلامسان بأهداب الأغصان , أو بنفحات النسيم العابر من هذه الأوراق إلى تلك الأوراق .

    كانا يتناولان من الحب كل ما يتناوله العاشقان على مسرح التمثيل , ولا يزيدان . وكان يغازلها فتومئ إليه بإصبعها كالمنذرة المتوعدة , فإذا نظر إلى عينيها لم يدر أتستزيده أم تنهاه , ولكنه يدري أن الزيادة ترتفع بالنغمة إلى مقام النشوز .

    وكان يكتب لها فيفيض ويسترسل , ويذكر الشوق والوجد والأمل , فإذا لقيها بعد ذلك لم ير منها ما ينم عن استياء , ولم يسمع منها ما يدل على وصول الخطاب , وغنما يسمع الجواب باللحن والإيماء دون الإعراب والإفصاح .

    وربما تواعدا إلى جلسة من جلسات الصور المتحركة في مكان لا غبار عليه , فيتحدثان بلسان بطل الرواية وبطلتها , ويسهبان ما احتملت الكناية والإسهاب , ثم يغيران سياق الحديث في غير اقتضاب ولا ابتسار .

    وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة , لا يزالان يحومان في نطاق واحد , ويتجاذبان حول محور واحد , ولكنهما يحذران التقارب .. لأنه اصطدام ؟

    ولم تكن هي لتعتقد الرهبانية فيه , ولا تزعم بينها وبين وجدانها أنه معزول عن عالم النساء . غير أنها لم تكن تحفل اتصاله بالنساء ما دام اسمهن نساء , لا يلوح من بينهن اسم امرأة واحدة , وشبح غرام واحد . فإن اسم النساء في هذه الحالة لا يدل على معنى , ولا انتقاص فيه لما بينهما من رعاية واستئثار.

    كانت الخطابات المتبادلة بين مي والعقاد ثروة أدبية .. فكرية .. إنسانية ودليل في نفس الوقت على رابطة متينة قوية بين الطرفين .
    يحدثنا أحمد حسين الطهاوي عن ذلك في كتابه : " غرام مي وجبران بين الحقيقة والخيال " .. فهو يلاحظ في رسائلها الغرامية إلى جبران أنها كانت تعيش شبه حالة حب مع عباس محمود العقاد استناداً إلى رسائل اكتشفها طاهر الطناحي وتقول في إحداها :
    وكانت مؤرخة في 20 أغسطس ( آب) 1925 :

    إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت القصيدة التي أرسلتها لي , وحسبي أن أقول لك أن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان .

    بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد , منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة " المحروسة" . إن الحياء منعني , وقد ظننت أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك . والآن عرفت شعورك , وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران .. لا تحسب إنني اتهمك بالغيرة من جبران , فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني , كما أنني لم أراه إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف .

    سأعود قريباً إلى مصر , وستجمعنا زيارات وجلسات أفضي فيها لك بما تدخره نفسي , ويضمه وجداني , فعندي أشياء كثيرة أقولها لك .

    وفي قصة " سارة" التي كتبها العقاد .. وروى فيها حبه لامرأتين هما " سارة " و"هند" .. وصفها فقال : إحداهما حولها نهر يساعد على الوصول إليها .. والأخرى حولها نهر يمنع من الوصول إليها وكان يقصد بالأخرى مي .

    وقال العقاد عن مي ذات مرة :

    لقد كانت متدينة تؤمن بالبعث .. وأنها ستقف بين يدي الله يوماً , ويحاسبها على آثامها , فكانت برغم شعورها بالحياة, وإحساسها العمق الصادق , وذكائها الوضاء , وروحها الشفافة , ورقتها وأنوثتها تحرص على أن تمارس هذه الحياة بعفة واتزان .

    وكتب العقاد في مي العديد من القصائد التي تظهر بوضوح ذلك الحب الذي ملك وجدانه .. حبه لمي . ومنها قصيدة بعث بها إليها في روما حيث كانت تقضي أجازة صيف عام 1925 . وخلال تلك الفترة تبودلت الرسائل بينهما كلها تنم عن شوق مكبوت من الطرفين ..

    مي .. ولطفي السيد


    كان أستاذ الجيل أحمد لطفي شغوفاً بالأدب العربي وكان محامياً .. وتولى رئاسة تحرير جريدة " الجريدة" لعدة سنوات .. وكانت بداية معرفته بمي في لبنان . كان يقضي أجازة الصيف في بيروت وكانت هي هناك مصادفة . وبينما كان يتناول عشاءه في الفندق .. لمح بالغرب منه فتاة شرقية الملامح تتحدث بفرنسية طلقة مع قنصل فرنسا في مصر , وتدافع عن المرأة الشرقية وحقوقها بحماس.

    لفتت نظره هذه الفتاة فسأل صديقه الذي كان بصحبته

    من هذه الفتاة ؟

    فأجابه خليل سركيس :
    إنها ماري زيادة بنت الصحفي المعروف إلياس زيادة صاحب جريدة " المحروسة " .. وبعد أن انتهت مقابلة مي مع القنصل تقدم إليها خليل سركيس الذي كان يعرفها شخصياً .. وقدمها إلى أحمد لطفي السيد .

    وبدأ اهتمام أحمد لطفي السيد بمي .. كما قدرت مي هذا الاهتمام وتلك الرعاية تقديراً كبيراً . فأهدت إليه كتابها " ابتسامات ودموع" عندما عادت إلى مصر .. وعاد هو كذلك وكان الكتاب ترجمة لرواية ألمانية .

    وتابع أحمد لطفي السيد مقالاتها التي كانت تكتبها في جريدة والدها " المحروسة" تحت عنوان " يوميات فتاة" . ولاحظ لطفي السيد أن أسلوب مي متأثراً كثيراً بثقافتها الغربية , فوجهها إلى الاهتمام باللغة العربية , ونصحها بقراءة الأدب العربي .

    وذات يوم التقت به في إحدى الجلسات فقال لها :

    لا بد لك يا آنسة من تلاوة القرآن الكريم , لكي تستفيدي من بلاغة معانيه , وفصاحة أسلوبه .

    فقالت له مي :
    ليس عندي نسخة من القرآن .

    فقال لها :

    أنا أهدي لك نسخة منه !

    وبعث إليها الاستاذ لطفي السيد في اليوم التالي نسخة من القرآن الكريم مع كتب أخرى في الأدب العربي.

    وتعترف مي بفضل لطفي السيد عليها فتقول :

    ابتدأت أفهم من لطفي السيد اتجاه الإسلوب العربي , وما في القرآن من روعة جذابة ساعدتني على تنسيق كتابتي ورقي أسلوبي.

    وتبادلت مي مع أستاذها لطفي السيد الرسائل الأدبية التي احتوت آراء وخواطر وأشجان كل منهما .. كما تخللتها الكثير من العواطف النبيلة والمشاركة الوجدانية الحقيقية .

    في 15 مايو 1913 كتب إليها من مصيفه بالإسكندرية خطاباً جاء فيه :

    جاءني كتابك , فتشممته ملياً , وقرأته هنيئاً مريئاً , وإني ممتنع نهائياً عن أشرح لك العواطف. وكل ما يأذن لي تهيبك أن أبوح به هو أني من الصباح إلى هذا المساء وأنا وحدي , فلم أستطع أن أمسك القلم , لأجيب عليه بصراحتي العادية , فما وجدت بداً من الركون إلى أسلم الطرق , وهو أن أحفظ لنفسي وصف الاغتباط الذي نالني من هذا الكتاب.

    اعترفي بأنك كنت في ساعة من ساعات تجلياتك حين كتبت لي هذه الرسالة , ان فيها أفكاراً ومرامي ذات وزن كبير , وفيها مقاصد ومعان تكاد تطير من خفتها , أو تذوب من رقتها . أجناية أن أتحدث بهذه السابغة ؟!! إلا أن للأرواح أيضاً غذاء يتنزل عليها من مكان أسمى من مكانها العادي , وهزة تأخذها حين تتقابل جاذبيتها . لعل ذلك هو سر السعادة الإنسانية التي يلتمسها الناس , فلا يعرفون طريقها .

    وكانت مي سعيدة باهتمام أستاذها أحمد لطفي السيد , فحافظت على علاقتها به ودعمتها بكل المودة والاحترام والاهتمام .. وكانت تستقبله مع أصدقائها المقربين في غير أوقات الصالون.

    ودامت هذه العلاقة قوية .. حقيقية تجمع بين أستاذ وأديبة موهوبة .. تحمل له العرفان بالجميل والاحترام والمحبة .

    مي .. ومصطفى صادق الرافعي


    عاش الكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي قصة حب كبيرة مع مي زيادة .. لكنها كانت قصة حب من طرف واحد هو مصطفى الرافعي !

    فقد احترق الرافعي حباً وهياماً بمي وتوهم أن مياً تحبه وهو مالم يكن صحيحاً.

    ولكن هذا الحب الكبير أنتج كذلك أدباً غزيراً وجميلاً . فكتب الرافعي لـ مي مجموعة كبيرة من الرسائل تشكل وثائق أدبية وشخصية هامة حول حياة كل منهما .

    ورغم أن الرافعي كان يفهم شخصية مي جيداً وقال ذات يوم في وصفها :

    إن كل من حادثها ظن أنها تحبه , وما بها إلا أنها تفتنه.

    وكانت مي تراسل الرافعي كما كانت تفعل مع معظم أدباء صالونها المقربين . ولكن رسالة من رسائلها كانت توحي بشيء خاص بينهما قالت فيها :

    أتذكر إذ التقينا وليس بنا شابكة , فجلسنا مع الجالسين , لم نقل شيئاً في أساليب الحديث , غير أننا قلنا ما شئنا بالإسلوب الخاص باثنين فيما بين قلبيهما ! وشعرنا أول اللقاء بما لا يكون مثله إلا في التلاقي بعد فراق طويل , كأن في كلينا قلباً ينتظر قلباً من زمن بعيد .. ولم تكد العين تكتحل بالعين حتى أخذت كلتاهما أسحلتها . وقلت لي بعينيك .. أنا .. وقلت لك بعيني : وأنا .. وتكاشفنا بأن تكاتمنا وتعارفنا بأحزاننا , كأن كلينا شكوى تهم تهم أن تفيض ببثها .. وجذبتني سحنتك الفكرية النبيلة التي تصنع الحزن في نفس من يراها .. فإذا هو إعجاب , فإذا هو إكبار , فإذا هو حب .

    وهذه الرسالة شكك بعض النقاد في أن مي زيادة أرسلتها فعلاً إلى الرافعي .. بل قالوا إنه هو الذي تلبس أسلوب مي وكتب الرسالة إلى نفسه !!

    وعن مي كتب الرافعي ثلاثة كتب من أروع ما كتب هي : " رسائل الأحزان " .. " أوراق الورد " .. و " السحاب الأحمر " .

    وكان يعيش الرافعي – الذي يكبر مي بأكثر من ثلاثين عاماً – في طنطا مع زوجته وأولاده العشرة . وكان يحضر صالون الثلاثاء الأسبوعي في بيت مي قبل الجميع , وهو في كامل أناقته , وكانت مي تستقبله بحفاوة واحترام , وتوليه عناية خاصة , ولكن رغم كل ذلك .. لم يكن هو الحبيب الذي ملك قلبها.

    مي .. وإسماعيل صبري


    كان شيخ الشعراء إسماعيل صبري من أكثر رواد صالون مي حرصاً على حضور كل أمسياته .. وفي إحدى هذه الأمسيات مرض , ولم يستطع الحضور .. فإذا به ينظم أبياتاً تدل على حب وتتيم بمي .. وبكم إحساسه بالندم والحزن لأنه سيخسر ليلة من لياليها التي تروي روحه وتمتع نظره وتشبع فكره ووجدانه .. فيقول الشاعر إسماعيل صبري :

    روحي على بعض دور الحي حائمة *** كظامئ الطير حواماً على الماء
    إن لم أمتع بمي ناظري غداً *** أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء


    وهذه قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي يصف فيها أيضاً افتتانه بمي كأديبة وكامرأة:

    أسائل خاطري عما سباني *** أحسن الخلق أم حسن البيان ؟
    رأيت تنافس الحسنين فيها *** كأنهما لمية عاشقان
    إذا نطقت صبا عقلي إليها *** وإن بسمت إليَّ صبا جناني
    أم أن شبابها راث لشيبي *** وما أوهى زماني من كياني


    ***


    أحبوها جميعاً .. كل بطريقته وأسلوبه .. أحبوا الشعاع المشرق .. الشمس التي يغمر نورها الجميع .. لكنها كانت تملك داخلها قمر معتم .. يملؤه الفراغ والغربة .. والبحث عن الحب الحقيقي .. الذي تمنت أن تجده ... !
    To be or not to be
    That is the question


  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    سرنوة

    بتمنى يعجبك الكتاب

    منورة

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531

    الفصل الخامس

    مي .. التي لم ينصفها الرجال !


    لم ينصف مي كاتب أو أديب من رجال عصرها ! هذه حقيقة بكل أسف فرغم التتيم والانبهار الذي سيطر عليهم جميعاً بشخصية مي وثقافتها الفريدة .. وروحها الشفافة . إلا أنهم جميعاً رأوها من الخارج .. لم ينفذ أحدهم إلى أعماقها ليقرؤها جيداً .. ويفهمها . ربما لو فعل أحدهم ذلك لأحبها أكثر ..

    وهذه كانت بداية المحنة الكبيرة التي عاشتها مي في الفصل الأخير من حياتها المعذبة . محنة أن يشعر إنسان معجون بالإحساس بزيف المشاعر أو سطحيتها . إنه شعور يلسع الروح , ويوجع القلب المرهف .

    ربما فهمتها أكثر أديبات جيلها والأجيال التي تلتها .. ربما كان هناك خيطاً مشتركاً من الألم الشخصي جمع بينها وبين بنات جنسها ممن احترفن الكتابة , وعشقن القلم والأدب .. ربما كان الوجع واحداً رغم اختلاف الظروف والشخصيات .. المكان والزمان . لذلك حللت الكثيرات من الاديبات والكاتبات الوجع الحقيقي الذي عاشته مي .. وتشابهت رؤية كل منهن في الكثير من الجوانب .

    فقالت عنها الدكتورة عائشة عبد الرحمن .. المعروفة بـ " بنت الشاطئ ":

    أنا ما عرفت مي هذه التي يعرفها الناس ويتحدثون عنها . لكني عرفت مي الإنسانة الشهيدة !

    فليحدثكم سواي عن عبقريتها ونبوغها وفجيعة الأدب فيها .. أما أنا فأحدثكم عن مي الفتاة الإنسانة التي عاشت وأحبت وتعذبت وكابدت .. ثم قضت فاستراحت .

    غيري يسكب الدمع لموت مي . وأنا أسكب الدمع على حياة مي , وما حياتها إلا قصة استشهاد طويل !

    إن أكثرهم قد رآها في هالة من أضواء الشهرة , يتوجها إكليل من المجد وتضج حولها صيحات الهتاف , فهل منكم من غالب الأضواء فرأى في إهاب الكاتبة الشهيرة , الإنسانة التي تتألم وتتوجع وتتلوى والناس من حولها يهتفون لها !!؟

    لقد ضاعت إنسانية مي وتجوهلت , وفنيت في غمار الشهرة وهي حية , فهل نضيعها وهي ميتة ؟

    كلا ! إنني أكشف اليوم عن جراحها , وأفضى عنها ثوب الكاتبة , لتشهدوا الإنسانة المتألمة الشاكية الضالة المحبة المحرومة !

    وبدأت " بنت الشاطئ" تحكي قصة مي :

    لقد جاءت إلى هذا العالم طلعة , فيها من التطلع فوق ما في الناس تلفتت واستشرفت , وسارت وتقدمت ... ومضت كالشعلة تضرب بالأرض فتتلهب ! رأت أفواج الناس يندفعون في سباق مجنون . إلى الشهرة , والمجد , والمال .. ولمحت في عيونهم بريق الرغبة والظمأ . فاندفعت في موكبهم , ووثبت إلى الطليعة , ووقفت في آخر الشوط تلهث . فرأت الهرة التي جن بها الناس ملء يديها . ورأت المال الذي فتن الناس ملء راحتيها .. ولكنها افتقدت سعادتها في هذا كله فآبت بالخيبة والفشل ! والناس من حولها يهتفون لها !

    ربحت السباق . ولكن نفسها تيقظت تسألها أين سعادتها ؟! ويالهول هذه اليقظة في إنسانة ذكية الفؤاد .. كبيرة القلب , ملتهبة الحس !

    لقد عبرت مي عن مأساتها في سطور من كتابها : " ظلمات وأشعة " فقالت :
    وقفت عند كوة الحياة , وإذا بالناس يمرون .. ثم أوحى إلى بأن هناك وجوداً غير ملموس يدعى السعادة , وشعرت بإحتياج محرق إلى التمتع بها , ولما انتهى دور الوقوف في الكوة , وجدتني بين الجماهير ووجهتي مرقص الحياة جاهلة من ذا يسيرني .. فتناولني حيناً دوار الاختلاط بالجمع الكبير .. ولم يفتأ ذلك الوحي المعذب يهمس في سورته , وذلك الاحتياج المتوهج يضرم فيَّ ناره , ففهمت أمراً آخر وهو أنه حيث تكون العاطفة متيقظة مرهفة , فهناك النزاع الأليم والاستشهاد .. وإذا رافقتها الأنفة وشرف السكوت على مضض الحروق والكروب , فهناك مأساة تتجدد مع الأيام .

    كان الناس يظنونها سعيدة وهي في قمة المجد والشهرة بينما هي تناجي نفسها وحيدة تقول :

    أي شمس تغيب فيك أيتها الفتاة , ولماذا يشجيك المساء لتغشى عينيك هذه الكآبة الربداء ؟ لقد انتعشت جميع الأشياء , أما أنت فتلوبين جائعة عطشى , وراء الملل والسآمة وهيج فيك واحتدام !

    إخبريني ما بك .. لماذا أراك ترقبين ما ليس بالموجود وتشتاقين ما ليس بالبادي ؟ وإذا تحولت عنك إلى مرآتي , رأيت هناك وجهك مفجعاً حزيناً

    جميع الأشياء انتعشت , وأنت .. أي علة تضنيك فتلوبين وتتأوهين ؟

    ***


    هكذا عاشت مي تفتش في الحياة عما لا تجد , وتنادي من لا يجيب . كانت تفتقد سعادة الإنسانة الطبيعية ومشاعر الأنثى . وتصرخ في أخريات سنوات حياتها ..

    أنت أيها الغريب ! سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق الأماني .. وأبثك شكوى أحزاني , أنا التي تراني طيارة طروباً .. وأحصي لك الأثقال التي قوست كتفي وحنت رأسي منذ فجر أيامي , أنا التي أسير محفوفة بجناحين متوجة بإكليل !

    وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة , أنا الني تتخيل فيّ قوة الأبطال ومناعة الصناديد !

    هذه صلاة الإنسانة المشردة المتعبة , رفعتها إلى الغريب , ولكن الغريب لم يلب النداء ! ومضت المسكينة تكابد وتتجلد وتموت !

    مي مزقها الظمأ والبرد والحرمان .. فتألمت .. وتعبت .. ثم صرخت !

    وقالت عن نفسها : أنا لغز حي تائه , تلبد جو فكري بالغيوم وقلبي منفرد حزين ... أراني في وطني , تلك الشريدة الطريدة التي لا وطن لها ! أنا وحدي , وحدي في الدنيا , تلك التي لا وطن لها !

    صرخت مي لكن صرخاتها تاهت وسط صيحات الهتاف بمجدها .. وتألمت .. لكن أوجاعها ذابت في شعاع الشهرة .

    لم ير الناس على رأسها إلا عظمة المجد بينما هي تنزف دموع قلبها من الداخل .. وتقول في سطورها :

    جاء المساء مرة أخرى .. جاء المساء وتبعه الليل . وعيناك قرب السراج جامدتان جمود من يتأمل جثة , فأشعر بأن شيئاً فيك أمسى جثة !

    ونجد كاتبة أخرى هي غادة السمان تبدي وجهة نظرها في أسباب مأساة مي فتقول :

    أرى في ( أيام العز ) التي عاشتها في منتداها بداية لمأساتها وآلامها وجحيماً من نوع خاص لا تقل عزلتها الروحية داخله عما عرفته في المستشفى العقلي الذي تم زجها فيه .

    فالزحام المتملق حضور موحش , ومي كامرأة ذكية ومرهفة كانت بالتأكيد تعي وخز الاستهانة بإبداعها ككاتبة , ومعظم الذين حولها يمطرونها بزبد الإعجاب الملتبس بشخصها الناعم قبل إبداعها . وهو إعجاب متنصل منها إبداعياً , ويتجلى ذلك التنصل المتملص في لحظات الصدق النقدية المكتوبة لا المدائح الشفهية المجانية .

    نجد مثلاً عباس محمود العقاد يقول عنها :

    صيرت مي الدنيا كلها غرفة استقبال لا يصادف فيها الحسن ما يصدمه ويزعجه , أو هي صورتها متحفاً منضوداً لا تخلو زاوية من زواياه من لباقة الفن وجودة الصنعة .

    أما حين يضطر للإجابة عن سؤال حول أدب مي فنجده يقول :

    اقرأ كتابة مي لا تجد فيها ما يغضبك . (!) ليكن لك رأيك في أسلوب الكتابة أو نمط التفكير أو صيغة التعبير فما من كاتب إلا وللناس في أسلوبه وتفكيره وصيغ تعبيره آراء لا تتفق . أما الإنسان في مي ذلك الكائن الشاعر الكامن وراء الكاتب منها والمفكر والمعبر فلا يسع الآراء المتفرقة إلا أن تتفق فيه وتصافحه مصافحة السلام والكرامة.

    وهكذا نرى كيف يهرب العقاد من إبداء نقد صريح ورأي واضح في مي الأديبة والكاتبة ويخفى ذلك وراء امتداح لطفها وإنسانيتها !!

    وتقول غادة السمان :

    ولعل مي زيادة المتوجة على عرش صالونها الأدبي وعت تدريجياً وبكثير من المرارة أنه لا شيء أسوأ من العداوة إلا الود المزور والمحبة الحمقاء والعواطف الخرقاء .

    وقد عانت مي منذ بداياتها من الخلط بين جمال الكاتبة وجمال إنتاجها الأدبي والفكري . بين حضورها الأنثوي وقدراتها الإبداعية التي لا علاقة لها بالتأنيث أو التذكير .

    ولم يقتصر ذلك على حياتها فحسب .. بل امتد _ للأسف _ بعد وفاتها المأساوية فقد صدرت العديد من الكتب تحمل روايات وقصص عن عشاق مي .

    وترد الكاتبة إيلين عبود في مجلة دنيا المرأة في عام 64 على هؤلاء فتقول :
    لو أن أدباءنا أعزهم الله , تحولوا عن البحث بما يتعلق بعشاق مي إلى البحث في تراثها الأدبي على ضوء الحقبة التي عاشت فيها لأسدوا إلى روحها جميلاً , وأسدوا فضلها إلى الناشئة من فتيات وفتيان جلهم يجهلها أديبة عربية لها مؤلفاتها القيمة وخواطرها الرائعة .

    وترى غادة السمان : إن العزلة الداخلية المروعة لـمي جعلتها تهرب من المناخ الروحي الخانق للمعجبين بقشرتها إلى عالم حقيقي خيالي في آن معاً . فأحبت رجلاً من وهم وضباب ومسافات اسمه : جبران خليل جبران , وتعلقت به عبر القارات دون أن تراه ولو لمرة واحدة , ربما هرباً من كل ما تعرفه إلى ما تجهله , ومن زحام يحيط بها , يسكبها في قالب الملهمة الموحية والأنثى اللطيفة . ناسياً أنها ليست دمية وأنها بدورها تبحث عن ملهم روحي وإنسان .

    وفي معظم مدائح بعض رواد صالونها يتجلى التخلي عنها كفنان ند .. تحت ستار تمجيد أنوثتها وجمالها وحضورها الآسر .

    تلك كلها مشاعر موجعة .. آلمت مي وأوجعتها وكانت بداية النهاية لإسطورتها الحزينة . تلك الهوة بينها وبين الحب الحقيقي التي لم يملأها أحد .. فسقطت هي نفسها فيها مع موت أحبابها تباعاً .. والدها .. والدتها .. ثم جبران . وغدر الأهل وطمعهم في المال والورث .. ثم المؤامرات الأخيرة التي فتكت بها تماماً .. وقضت على البقية الباقية منها .

    لقد لقبوها بـ " عروس الأدب النسائي " .. فهل لقب أحد أدباء عصرها اللامعين بـ " عريس الأدب الرجالي "؟! إن هذا السؤال والإجابة عنه يلخص معاناة مي الحقيقية . فقد حالت أنوثتها بينها وبين النقاد والكتاب من زوار ندوتها .. ووقفت هذه الأنوثة بينها وبين إبداعها الفكري وإنتاجها الأدبي .

    فرجال عصرها انشغلوا بها كظاهرة نسائية فريدة لم يكن في ذلك العصر مثيلاً أو حتى شبيهاً لها . فكل الذين كتبوا عنها لم ينسوا أنها امرأة , فحللوها من هذا المنطلق دون حرج ناظرين إلى أنوثتها على حساب فكرها . فكتبوا عنها كلاماً لا يتصور أحد أن يكتب مثله لو كان عن رجل !

    ويقول الدكتور جوزيف زيدان أستاذ الأدب العربي بجامعة ولاية أوهايو في الولايات المتحدة الامريكية .. ومؤلف كتاب " الأعمال المجهولة لمي زيادة ":
    على الرغم من إطلاق شتى الأوصاف الرفيعة عليها مثل " الأديبة النايغة " و " فريدة العصر " و " ملكة دولة الإلهام " و " حلية الزمان " و " الدرة اليتيمة " بقيت مي في نظر المؤسسة الأدبية الرجالية امرأة حتى أطراف أصابعها يصح أن تعامل وتقدم كأية امرأة .

    يصفها – مثلاً- صديقها أسعد حسني قائلاً :

    وكانت مي على رغم سعة اطلاعها وعظيم استنارتها أبعد النساء عن " الاسترجال " وأشدهن استمساكاً بالخصائص النسوية .. بقامتها الربعة ووجها المستدير , وهي زجَّاء الحاجبين , دعجاء العينين , يتألق الذكاء في بريقها , وشعرها الطويل يجلل صفحة جبينها .

    أما سلامة موسى فيقرر : لم تكن مي جميلة ولكنها كانت حلوة !!

    ويصف فتحي رضوان لقاءه الأول بمي عندما ذهب إلى بيتها فيقول :

    حينما دققت الجرس فتحت لي الآنسة مي بنفسها , فلاحظت لأول وهلة أن لها عينين ضيقتين تبدوان للنظار كأن بهما أثراً من رق قديم , فليس فيهما شيء من الجمال . أما مي نفسها فممتلئة غير مترهلة , وأظنها أقرب إلى القصر من الطول .

    ولم يقف فتحي رضوان عند وصف شكلها وجسدها بشكل تفصيلي .. بل وصف صوتها أيضاً .. فقال :

    وصوت مي تشوبه رنه حزن لا أدري إذا كانت طبيعية أم مصطنعة , وهي تقطع عباراتها , وكأنها تلحنها وتوقعها كأغنية (!!) .

    حتى نساء عصرها تحدثوا عن مي كامرأة فقالت عنها السيدة هدى شعراوي :

    لم تكن مي على وسامتها ووضاحة وجهها جميلة بالمعنى الصحيح للجمال ( !)

    وهنا نتساءل : لماذا لم يصف أحد كاتباً رجلاً مثل هذه الأوصاف الجسدية والصوتية .. ولماذا وضعت هي تحت الميكروسكوب الرجالي .. والنسائي أيضاً ؟!.

    الإجابة عن هذا السؤال جاءت على لسان الكاتب فتحي رضوان عندما قال :

    مي كانت ظاهرة اجتماعية أكثر منها ظاهرة أدبية . فقد كانت مي آنسة لبنانية , تكتب العربية والفرنسية , وتقابل الرجال , وتتحدث إلى الأدباء وأهل الفكر , ويتحدثون إليها , وفيهم أكثر من أعزب عاش حياته بلا زوجة , وهم جميعاً بين متزوج وأعزب يضطربون في مجتمع لا تبدو فيه المرأة إلا كالطيف . وإذا أسفرت واحدة من النساء كانت كالمحجبة تماماً , لأنها لا تحسن حديثاً يشوق الرجل المثقف أو يمتعه , أو يثير خياله أو يوحي إليه أو يلهمه بفكرة أو عاطفة أو خاطره .

    إلى هذا الحد ظلم الرجال عقل مي وفكرها وإبداعها .. وتجاهلوا إنتاجها الفكري الثري والفريد .. واكتفوا بمدحها كمحدثة جيدة .. ومثقفة ملهمة .. وشخصية محبوبة !!

    لكن الإنصاف يأتي ولو بعد حين ....

    لم يأت ممن عاصروها .. لكنه أتى من أجيال متعاقبة من أحفادها وحفيداتها ممن يؤمنون بالرسالة الأخلاقية لمهنة القلم . وربما أنصفها رجال من غير عصرها لأنهم لم يقعوا تحت تأثير جاذبيتها الإنسانية والأنثوية .. بل استحوذت عليهم جاذبية أخرى أعمق تأثيراً هي جاذبية العطاء الأدبي والفكري والإنساني .

    فعكف الدكتور جوزيف توفيق زيدان على جمع الأعمال المجهولة لـ مي زيادة قبل أن تلتهمها يد الزمن والإهمال .

    ويقول في مقدمة كتابه :

    كان ذلك في ربيع عام 1990 . وكنت أتردد على دار الكتب بالقاهرة لإعداد بحث عن المسرح الشامي في مصر , عندما تيقنت أنني وقعت على كنوز مطمورة تحت الغبار آخذة بالتلف بسبب ظروف الصيانة المؤسفة للدوريات . وراعني أن من بين هذه الكنوز مقالات لـ مي ذات أهمية أدبية وتاريخية كبرى إذ أنها تلقي أضواء جديدة على تطور حياة مي الفكرية , وهي مقالات حول مواضيع شتى لم تجمع في كتاب كانت قد نشرتها في صحف يومية مثل " المحروسة" و " الاهرام" وفي مجلات مثل " الزهور" و " المقتطف" و " مجلة النهضة النسائية" و " مجلة المرأة العصرية" و " الهلال" و " الرسالة" .

    ويروي د. جوزيف زيدان تجربته الصعبة في إنجاز هذه المهمة النبيلة فيقول :

    وأكثر ما حز في قلبي أني وجدت أوراق بعض هذه الدوريات , وخاصة " المحروسة " و " الاهرام" قد أخذت تتآكل وتتفتت مهددة مقالات مي بالإضمحلال حرفياً . ومما زاد الطين بلة أن تجليد أعداد هاتين الجريدتين لم يتم أصلاً على الوجه الصحيح , ففي كثير من الأحيان نجد أن المجلد قد تعدى النهر الأول من الصفحة الأولى للجريدة فأخفاه أو أخفى جزءاً منه .

    إن مشاعر الألم والحزن التي كانت تتملكني وقتها كلما اكتشفت أن النهر الأول من كثير من مقالات مي قد التهمته خيوط التجليد تحولت إلى تصميم عنيد على إنقاذ هذه الآثار . فعكفت على العمل في هذا المشروع حتى نهاية الصيف , مصوراً ما أمكن تصويره , وناسخاً باليد مالا تصله عدسة آلة التصوير أو ما لا يمكن نقله إلى قسم التصوير لأنه في حالة من التضعضع يرثى لها . وزاد شعوري بأني في سباق مع الوقت بعد أن اتضح لي أن قسماً كبيراً من هذه الدوريات غير متوفر في أية مكتبة في العالم ما عدا دار الكتب المصرية .

    ولم يكن د.جوزيف توفيق زيدان هو الوحيد الذي بحث عن مي الكاتبة وآثارها الأدبية الفريدة.. بل صدرت العديد من الكتب لباحثات وباحثين .. وكاتبات وكتاب آخرين تبحث وتكشف الستار عن مي زيادة الكاتبة والأديبة وصاحبة أشهر صالون أدبي في القرن العشرين .. ومنها على سبيل المثال كتاب " المؤلفات الكاملة لمي زيادة " الذي صدر في جزأين وعكفت على جمعه وتحقيقه سلمى الكزبري ونشرته دار نوفل ببيروت . وكتاب طاهر الطناحي " أطياف من حياة مي" الذي صدر عن دار الهلال بمصر . وكتاب فاروق سعد " باقات من حياة مي" الذي نشر ببيروت . وكتاب محمد عبد الغني حسن " مي زيادة أديبة الشرق والعروبة" الذي صدر عن عالم الكتب بالقاهرة . وكتاب وداد السكاكيني " مي زيادة في حياتها وآثارها" الذي صدر عن دار المعارف بمصر وكتاب وديع فلسطين ” مي وصالونها الأدبي" وصدر في لبنان .وكتاب جميل جبر " مي في حياتها المضطربة" وصدر في لبنان. وكتاب عبد السلام هاشم حافظ " الرافعي ومي" وكتاب عبد اللطيف شرارة " مي زيادة " وصدر في لبنان . وكتاب كامل الشناوي " الذين أحبوا مي" وصدر في القاهرة . وكتاب منصور فهمي " مي زيادة ورائدات الأدب العربي الحديث " وصدر في القاهرة وكتاب أنطون القوال " نصوص خارج المجموعة.. مي زيادة" وصدر في لبنان وكتاب خالد محمد غازي " جنون امرأة" وصدر في مصر وكتاب د. ماجدة حمود " رواية الحب السماوي بين جبران خليل جبران.. ومي زيادة " وكتاب سميحة كريم " مي زيادة.. كاتبة عربية " وصدر في مصر وغيرها من الكتب التي تناولت حياة مي زيادة ككاتبة و إنسانة ومفكرة سبقت عصرها .. وأحرقتها الشهرة والغربة.

    وأعتقد أن كل هؤلاء حاولوا إنصاف مي التي لم ينصفها معاصروها. ولعلها الآن راضية عنا .. وهي تطل بروحها الشفافة من العالم الآخر على هذه الكتيبة من النساء والرجال .. من كاتبات وكتاب لا يزالون يبحثون عنها .. ويقتفون آثارها رغم رحيلها منذ أكثر من نصف قرن في عام 1941 .

    ولعل تلك المحاولات المخلصة في كشف أثرها في الفكر والأدب والثقافة العربية , وكذلك في تأكيد ريادتها كامرأة في تلك المجالات التي كانت حكراً على الرجال . لعل في هذا كله إنصافاً لك يا مي ..
    وإرضاء لعقلك الفريد .. وروحك الملائكية .
    To be or not to be
    That is the question


  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    مصـــــــــــر
    الردود
    15
    ophelia

    تشدني جدا هذه الشخصيات الطموحة والسير ذات القيمة والتأثير

    جذبتني شخصية مي .. وأحسها انتصارا لعقل الأنثي وفخر النساء

    أشكرك على هذا الطرح المفيد


    كل السعادة
    خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    الردود
    23
    لا نملك سوى تقديم الشكر على هذا الطرح المفيد والأكثر من الرائع

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •