Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 22
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405

    تركي الحمد في ميزان أهل السنة والجماعة

    تأليف الشيخ : سليمان بن صالح الخراشي
    طبعا تم اختصار الكتاب
    فهذه دراسة أخرى من سلسة ( رجال وكتب في الميزان ) اخترت أن تكون من نصيب مفكر سعودي بارز ، هو الدكتور تركي الحمد ، الذي عرفه الكثير كابتاً صحفياً سياسياً ، متفرداً باطروحاته وآرائه التي تثير الصخب والضجة من حولها ، حيث تميز بصفة لازمت كتاباته وأقواله ، هي صفة ( المعارضة ) ، ( الصوت النشاز ).
    حتى قيل فيه بأنه رجل ( لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب ) !
    لهذا : فقد اخترت أن تكون هذه الدراسة من نصيبه لكي نستبين فكره الذي لم يتضح للجميع من خلال ما خطه بيده في مؤلفاته ، ولكي نعلم ما يريد الدكتور قوله أو إيصاله إلى أفراد مجتمعنا .
    وقد اخترت مؤلفين هامين من مؤلفات الدكتور ( القليلة ) رأيت أنهما يوجزان أفكاره التي يدور حولها في ( أغلب ) مقالاته لتكون ساحةّ لنقاشي معه .
    ثم أعقبت ذلك بدراسةٍ لروايته الثلاثية التي صدرت قريباً ، مع مقارنتها برواية نجيب محفوظ الثلاثية .
    وقد تعمدت في هذه الدراسة أن تكون كغيرها من دراسات هذه السلسة تتميز بالوضوح وسهولة العبارة مع الإيجاز غير المخل ، لأن القصد منها هو معرفة مراد الدكتور ثم التعقيب عليه بما يجلي وجه الحق في المسألة المطروحة دون لجوء إلى إطالة مملة أو لغة مغلقة أو نقولات مطولة .
    وقد جعلت هذه الدراسة في أربعة مباحث .
    أولاً : تعريف بالدكتور ومؤلفاته .
    ثانياً : نقد كتابه ( الثقافة العربية أمام تحديات التغيير


    تعريف بتركي الحمد (1)

    هو : تركي حمد التركي الحمد ، المشهور بـ( تركي الحمد ) من أسرة قصيمية انتقلت إلى المنطقة الشرقية ، وسكنت الدمام ، وكان والده يعمل في شركة (أرامكو ) .
    ـ من مواليد 10 /3/1952م الأردن ، الكرك " العقيلات " .
    ـ درس الإبتدائية والمتوسطة والثانوية بمدينة الدمام .
    ـ حصل على البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الرياض عام 1975م .
    ـ ثم سافر إلى الولايات المتحدة لمدة عشر سنوات كاملة ! حصل منها على الماجستير في العلوم السياسية من جامعة ( كلورادو ) عام 1979م .
    ـ ثم حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية ـ أيضاً ـ عام 1985م ، من جامعة جنوب كاليفورنيا .
    ـ عمل أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة الملك سعود منذ عام 1985م إلى عام 1995م.
    ـ ثم طلب التقاعد المبكر ليتفرغ للكتابة. !(2)
    قل للذي بصروف الدهر عيّرنا
    هل عاند الدهر إلاّ من له خطرُ
    أما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ
    وتستقر في أقصى قاعه دررُ
    وفي السماء نجومٌ لا عداد لها
    وليس يُكسف إلاّ الشمس والقمرُ
    2+2=5

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    نقد كتاب
    (الثقافة العربية أمام تحديات التغيير )

    يقول تركي الحمد في مقدمة كتابه هذا :

    ) يعيش الإنسان ( بصفته فرداً أو جماعة) ضمن محيط طبيعي واجتماعي ( (1).
    )إدراك واستيعاب هذا المحيط لا يكون إلا عن طريق وسيط معين ، ألا وهو مجموعة من المفاهيم والتصورات والمصطلحات والكلمات التي من خلالها تنتقل صورة الموضوع إلى الذهن ((2).
    ) المفهوم ليس إلا تصور ذهني يقوم بنقل الموضوع ( المحيط ) الذي هو متغير بطبيعته ، وبالتالي لا بد للمفاهيم والتصورات أن تكون متغيرة بدورها ، وإلا فإنها سوف تتحول إلى وسيط مزيف عندما تثبت في محيط متغير ((3).
    ) الإشكالية تنبع من أن الإنسان ( فرداً أو جماعة ) ينحو في كثير من الأحيان إلى تقديس الكلمات والمفاهيم والمصطلحات ، وإعطائها بُعداً ثابتاً بحيث تتحول مثل هذه المفاهيم والمصطلحات والتصورات والأحكام إلى قيد على الإدراك ، ومن ثم التمثل ، ومن ثم الحكم على الأشياء والعلاقات (4).
    ثم يؤكد تركي هذا حين يزعم ) أن الأزمة المعاصرة للثقافة ( العربية ) إنما تكمن في هذه النقطة المتُحدَّث عنها آنفاً . مجموعة من المفاهيم والتصورات والقيم اكتسبت صفة الثبات المطلق ( بل السكون ) وفقدت بالتالي الصلة مع الواقع أو المحيط المتغير فأصبح الإدراك الذي تنقله وبالتالي الأحكام الصادرة عنها إدراكاً وأحكاماً مزيفة أو مشوشة على الأقل ، وهذا ما نتبينه من خلال التعامل العربي المعاصر مع أحداث هذا العالم وتحولاته من حيث عدم القدرة على فهم مجريات الأمور وعدم القدرة على تحقيق الأهداف ، وبالتالي المراوحة في مكانك سر رغم كل دعوات النهضة والثورة والإصلاح وغيرها من اتجاهات ايديولوجية تختلف شكلاً ولكنها ذات بنية واحدة مضموناً ، حيث إنها في نهاية المطاف تتحدَّد بذات الثقافة العاملة في إطارها وتنتمي إلى ذات الخطاب وتصدر عن نفس العقل ( (1)
    قلت : فملخص أزمتنا عند تركي الحمد هو أن :
    1 ـ العالم ( أو المحيط ) من حولنا متغير .
    2 ـ إدراكنا لهذا العالم ( المحيط ) يتم بواسطة ( مجموعة من المفاهيم والتصورات والمصطلحات والكلمات ) تنقل لنا ( المحيط ) الذي هو بطبيعته متغير . إذاً :
    3 ـ لا بد أن تكون تلكم المفاهيم متغيرة ، وإلا فإنها ستتحول إلى وسيط مزيَّف إذا ( ثبتت ) و ( سكنت ) .
    4 ـ أزمتنا أننا ثبَّتنا المفاهيم وقدسناها لتكون حاكمة على الأشياء والعلاقات .
    هذا هو ملخص الأزمة في نظر تركي ، ومشكلته أنه يستخدم مصطلحات عامة وليست محددة لنتبين مقصده بكل وضوح .
    فهو ما دام قد نصَّب نفسه مفكراً يسعى إلى خدمة وطنه وأمته ومشخصاَ لأدوائها ومقترحاً حلول مشاكلها كان الأولى به أن يلجأ إلى لغة ( صريحة ) يفهمها من يوجه لهم هذه النصائح والحلول ، أما اللجوء إلى اللغة حمَّالة الأوجه فهو مما يزيد الأزمة تعقيداً ويشغل الأذهان ، يجول بها بين الظنون والاتهامات .
    وجوباً على مقولتك أو ( تشخيصك ) السابق أقول نقضاً له :
    أولاً : قولك بأن ( المحيط من حولنا متغير ) ما تقصد بالمحيط أو العالم من حولنا الذي هو متغير في نظرك ؟ وهو ما سيترتب عليه أن تتغير مفاهيمنا لأجله .
    إن كنت تقصد بهذا العالم ظواهره الجغرافية الطبيعية من حولنا فهي لم تتغير مكوناتها منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها فالسماء هي السماء ، والشمس هي الشمس ، والقمر هو القمر ، والجبال هي الجبال ، والأرض هي الأرض ، والبحار هي البحار وهكذا: الأنهار والماء والهواء والنار والشجر والحيوانات .
    كل هذا لم يتغير منذ أول مخلوق وهو آدم ـ عليه السلام ـ إلى يومنا هذا .
    وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير الأعراض الملازمة للأشياء ، من صحة ومرض ، أو سواد وبياض ، وحار وبارد ، وخشن وناعم . . . . الخ فهذه أيضاً لم تتغير منذ وُجدت الأرض .
    وأن كنت تقصد بالمحيط المتغير هو الإنسان وطبائعه المختلفة فهذه لم تتغير ـ فالإنسان هو الإنسان ، يغضب ويرضى ، ويحب ويكره ، ويفرح ويحزن ، ويسعد ويتألم .
    وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير هو ( الأخلاق ) فهذه ـ أيضاً ـ لم تتغير، والناس مجمعون عليها من قديم الزمان ، فالصدق هو غير الكذب ، والكرم غير البخل ، والشرف غير الذل ، والشجاعة غير الجبن ، والمروءة غير الخسة وهكذا .
    الناس مجمعون على مدح الأخلاق الشريفة ، من صدق وشرف وشجاعة وكرم ومروءة وشهامة ونُصرة و . .
    وهم مجمعون ـ أيضاً ـ على ذم الأخلاق الدنيئة ، من كذب ومهانة وجُبن وبخل وخسة ونذالة ومكر وخديعة و . . .
    فهذه ( الأخلاق ) لم تتغير . والناس منذ نشأتهم إلى يومنا هذا يحرصون على أشرفها ويجانبون أرذلها .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير المحللات والمحرمات ، فهذه الأصل فيها الحل كما قال العلماء (1) ، وألا يُنتقل عن هذا الأصل إلا بوحي من الله . فهو المحلل والمحرم سبحانه . وقد نهى عباده أن يحللوا ويحرموا دون استناد على الوحي ، فقال: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله الكذب } .
    فما أحله الله فهو حلال طيب .
    وما حرمه فهو محرم خبيث .
    وما كان من الأشياء محرماً ثم حُلَّل فهو حال تحريمه لا نفع للناس فيه ، وحال تحليله أصبح من الطيبات .
    وما كان منها محللاً ثم حُرَّم ، فإنه حال حله نافع للناس ، وحال تحريمه أصبح من الخبائث التي لا نفع فيها .
    إذاً فالمحللات والمحرمات تتبع الوحي ، وهي لا تتغير إلا بتغيير الوحي لها .
    فالزنا ـ مثلاً ـ محرم في جميع الأحوال ، فلا يأتي يوم يُحلَّل فيه ، لأن الوحي انقطع بعد محمد e ، الذي أكمل الله به الدين ، فالزنا باقٍ على تحريمه إلى يوم الدين.
    أما أكل لحم الحمار الأهلي ـ مثلاً ـ فإنه كان محللاً في بداية الإسلام ، ثم تغير حكمه إلى التحريم ، لأن الوحي جاء بتحريمه بعد تحليله ، بالمرجع الوحي لا تعقب السنين وتغيرات الأحوال .
    والوحي قد انقطع بوفاة محمد e ، واستقرت الأحكام بعده ، وعُرف الحلال والحرام ، وهو باقٍ على حكمه ـ من حل وحرمه ـ إلى يوم القيامة ، لا يستطيع أحد أن يغير هذا الحكم .
    نعم : قد يرتكب انسان أو دولة المحرَّم ، بل وتقر القوانين لتحليله ، كمساواة المرأة بالرجل في الميراث ـ مثلاً ـ ولكن حكمه باقٍ عند الله على الحرمة لا يغيره اجتراء الناس على ارتكابه ، وسيلاقي من ارتكب هذا المحرم جزاءه ، سواء كان ارتكابه ذلك ينم عن كفر أو معصية .
    وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير هو أمور ( العقيدة ) وما يتبعها من غيبيات ، فهذه ـ أيضاً ـ لم تتغير . فالله ـ سبحانه ـ لم تتغير أسماؤه الحسنى ولاصفاته العُلى .
    وهكذا الملائكة ، وهكذا الجن ، وهكذا الشياطين ، وهكذا الجنة وهكذا النار. . . الخ .
    كل هذا لم يتغير .
    قد تقول : بل هو متغير ، إن بعض البشر كانوا يعتقدون بإلهين اثنين ، وبعضهم بثلاثة ، وبعضهم بأكثر .
    وبعض البشر ينكر الملائكة والجن والشياطين ، أو يتأولها ، وبعضهم لا يعتقد وجوب جنة ولا نار بل يكذب بمجمل البعث بعد الموت .
    فأقول : كل هذا لم يغير شيئأ من ذلك ولو اعتقده بعض الناس . فالحق واحد لايتغير سواء عرفه الناس أم لم يعرفوه ـ وسواء اعتقدوه أم لم يعتقدوه .
    مثال ذلك : لو أن شخصاً أبرز لنا رقماً من ألأرقام ، هو رقم واحد مثلاً ، ثم قال لنا : كم هذا ؟ فقال بعضنا : أثنان ! ، وقال بعضنا : بل ثلاثة ! ، وقال آخرون بل أربعة ! ، وقال غيرهم : بل خمسة ! ، وهكذا .
    هل يُقال بأن الواحد قد تغير ؟! لا أحد يقول بهذا ، فالواحد هو الواحد ، ولو لم يعرفه الناس ، أو لم يصيبوه .
    وهكذا أمور العقيدة والغيب .
    بقي أن يقال للحمد بأن المتغير الذي يجب أن تقصده هو الوسائل أو عادات الناس .
    أما الوسائل فهي متغيرة ، ولا يجحد هذا عاقل .
    فالناس عندما كانوا يستخدمون أرجلهم أو رواحلهم في السفر أو التنقل أصبحوا يستخدمون السيارة والطيارة .
    وبعد أن كانوا يطبخون بواسطة إيقاد النار في الحطب ، أصبحوا يستخدمون الفرن بأنواعه .
    وبعد أن كانوا ياكلون في أواني قديمة أصبحوا ياكلون في أواني حديثة .
    وبعد أن كانوا يكتبون بالريشة والحبر أصبحوا يكتبون بالقلم .
    وبعد أن كانوا يتحدثون مع البعيد بواسطة رفع الصوت ، أصبحوا يتحدثون معه بجهاز يكبر صوتهم أو ينقل صوت الاخر لهم .
    وهكذا . . .
    وهذه الوسائل هي نعمة من نعم الله على الإنسان الذي وفقه لاختراعها لتسهل له أمور معيشته . وقد امتن الله على السابقين بتيسير الوسائل المريحة لهم ـ في عهدهم ـ فقال سبحانه : { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } .
    وقال: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}.
    وقال: { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .
    وهكذا أبناء هذا الزمان سخَّر الله لهم من الوسائل المريحة والميسرة لمعيشتهم الشيء الكثير ، فالواجب عليهم شكرها لتدوم وتزيد . { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} .
    وحكم هذه الوسائل أنها حلال طيب مالم يلابسها محرم .
    مثال ذلك : الساعة للرجل حلال طيب ، مالم تكن مصنوعة من ذهب ، فإنها تكون محرمة لاحتوائها على محرم ( أصلي ) وهو الذهب . وقس على هذا .
    أما عادات الناس فإنها تتبع مجتمعاتهم ، وأذواقهم ، فتختلف باختلاف البلدان ، وهي ـ أي العادات ـ قسمان :
    1ـ قسم يخالف الشرع( ) ، مثال ذلك عادة بعض المجتمعات في التحاكم إلى شيوخهم بدلاً من الكتاب والسنة ، فهذه عادة كفرية والعياذ بالله ، والواجب تغييرها ، وإرجاع الناس إلى التحاكم بالشرع ، وهكذا .
    2ـ قسم لا يخالف الشرع : فهذا يترك أمره لأهل ذاك المجتمع أو البلد ، فإن رأوا فيه نفعاً أو معيناً على منفعة أبقوه ، وإن رأوا فيه ضرراً ، أو كان معيقاً لهم عن المنافع أزالوه باحسن منه .
    مثال ذلك : عادة رجال بعض المجتمعات أو البلدان بعدم تغطية رؤسهم .أو عادتهم في تأخير جزء من المهر وهكذا غيرها من العادات التي لم يحرمها الشرع ، فهذه ترجع إلى حال الناس .
    إذن : اتضح لنا أن المتغير أمور يسيره تتبع وسائل الناس وعاداتهم ، ولكن الحمد قد ضخَّم الأمر وهوَّله على القارئ ليجعله متهيئاً لكل تغيير يريده ( المفسدون ) ، ولو كان تغييراً إلى الأسوأ والأحط والأسفل .
    وهذه ( النغمة ) التي استخدمها الحمد قد استخدمها قبله آخرون من أبالسة هذا الزمن وكبراء رهط المفسدين الذين قال الله عنهم : { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} . ولكنهم فشلوا في تحقيق مايريدون .
    ثم جاء الحمد متأخراً ليردد نغمتهم ويُرَجَّع صداهم في بلاد لا تتأقلم مع أي تغيير مفسد ، لكي يجعل لهذا التغيير ( المأمول ! ) قاعدة ( عقلية ) أو ( ثقافية ) .
    وإلا فإنه لو كان مخلصاً لدينه ، أو صادقاً مع مجتمعه لطالبهم بالالتزام بالإسلام التزاماً جاداً ، لأته يدعو إلى كل فضيلة ، ويُبعد أبناءه عن كل رذيلة ، وطالبهم ( بتغيير ) عاداتهم المخالفة اللإسلام ، أو الضارة بالمجتمع .
    ثم طالبهم وحثهم على الارتقاء في سلم الحضارة ( الدنيوية ) التي تزدهر بها البلاد ، وتترفع بها عن الاتكال على الآخرين ، من انشاء المصانع النافعة المتنوعة وتطوير لأساليبها وتسهيل لمرتاديها وتشجيعهم على خوض غمارها وجلب كل نافع لها من خبراء أو معدات متطورة ، وتوسع في مجالات الزراعة ، وتنويع انتاجها ، واهتمام بكل عقل نابه من ابنائنا ومساعدتهم على تطوير موهبتهم والتفرغ لها وجلب لهم ما يحتاجونه ، وتأمين وسائل المعيشة لهم ليُنتجوا وينافسوا غيرهم دون ( خوف ) أو ( حذر ) .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    وهكذا مطالبتهم بالاهتمام بأمر المرأة المسلمة وأن تنال حقها من العلم الذي ينفعها والمناسب لطبيعتها ، كمعرفة أمور دينها ، ومعرفة الطرق السليمة للتعامل مع الطفل منذ ولادته ، ومعرفة أساسيات الصحة ، والأجهزة المتنوعة التي تتعامل معها في البيت .ومعرفتها كل جديد مفيد لها ، كتعلم الحاسب الآلي أو الاقتصاد المنزلي ، أو فن التنسيق أو الديكور. . الخ .
    والمطالبة بأن تعمل المرأة ( المضطرة لذلك ) في ما يتوافق مع الإسلام ، ويتلاءم مع تكوينها وطبيعتها لكي تسهم في شغل وقتها بما ينفعها ويفيد مجتمعها دون أن تضطر لارتكاب محظور .
    كان الأولى بالحمد ـ وهو المفكر الذي يدعي النصح لمجتمعه ـ أن يطالب بهذا ليكون من ( المصلحين ) الذين ينفع الله بهم ويبارك في آثارهم ، ويُصلح في الآخرة بالهم .
    أما ترديد كلمة ( التغيير ) باسلوب مجمل لا ينقل معنى محدداً ، فهو من تضييع الجهود ، وتعميق جراح الأمة ، والتمهيد لها أن تتنكب سبيل الحق والفلاح في الدنيا والآخرة . وهذا ما لا نرضى للحمد أن ( يقدم ) قومه فيه .فإن ( التقدم ) أحياناً قد يقود إلى النار! قال سبحانه عن فرعون : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} .
    أما دعوة ( نسبية ) الحقيقة وهو ما يُلمح من وراء أسطر الحمد في كتاباته فيقال في رده بأن " نسبية الحقيقة" إحدى الركائز التي تقوم عليها الثقافة الغربية منذ نهضة أوروبا الحديثة ، ويربط المفكرون الغربيون بين تلك الركيزة وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمجتمع ، ويعتقدون أن تغير الحقائق الحياتية يقتضي نسبية الحقيقة ، غير أن تكوّن تلك الركيزة في الثقافة الغربية يعود إلى فترة أبعد من العصور الحديثة ويرتبط بالعصور الوسطى .
    فمن المعروف أن الكنيسة كانت تنطلق آنذاك في حكمها لأوروبا من نص "الإنجيل المقدس " والذي كان ثابتاً والذي كانت تحتكر الكنيسة تفسيره ، وعندما قامت حقائق علمية وكونية متعددة تناقض النص الثابت ، وتناقض تفسير رجال الكنيسة له وقع التصادم المريع بين الدين والعلم ، وكانت النتيجة اضطهاد رجال العلم بحجة مخالفة النص المقدس الثابت ، ولكن الكنيسة انهزمت أمام الثورة عليها وأمام حقائق العلم ، واعتبرت الثورة رجال الدين عقبة في طريق العلم والتقدم ، وصار الربط عنذئذ بين النص المقدس وثبات الحقيقة ، وكذا بين العلم ونسبية الحقيقة.
    ومنذ أن بدأ التفاعل بين الثقافتين : الغربية والإسلامية ، كان أبرز صور التصادم بين نسبية الحقيقة في الثقافة الغربية وبين النص "القطعي الثبوت القطعي الدلالة " في الثقافة الإسلامية .
    من أول صور التصادم ما أثاره طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي " عام 1926م ، فقد تعرض لنصوص قطعية الثبوت قطيعة الدلالة ، تحدثت عن ابراهيم وإسماعيل عليهما السلام للكعبة ، وتشكك في تلك الحقيقة ، وحتى في وجودهما التاريخي ، وفي هجرتها ، ورأي أن قريشاً اختلقت تلك القصة لأسباب سياسية واقتصادية ، ورأي فيها نوعاً من الحيلة لأثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية ، والقرآن والتوراة من جهة أخرى .
    ومن صور التصادم أيضاً حديث الدكتور حسين أحمد أمين في كتابه (( حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية )) عن حد السرقة الذي ورد فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة في قوله سبحانه وتعالى : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، فقد ربط الدكتور بين ذلك الحد وبين الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية آنذاك ، وبين أن العربي كان ينقل كل متاعه على راحلته ، وإن سرقته تعني كل مايملك من جهة ، وتعني هلاكه من جهة ثانية ، لذلك جاء الحكم بتلك الصورة ، لأنه مرتبط بالأموال المنقولة ، والآن أصبحت الأموال غير المنقولة أثمن وأغلى من الأموال المنقولة ، لذلك فهو يقترح تغير الحكم انطلاقاً من تغير الوضع الاقتصادي .
    أما نصر حامد أبو زيد ، فقد تحدث في كتابه (( نقد الحطاب الديني )) عن النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجالات عدة منها : صفات الله ، وفي الحسد والسحر والجن والشياطين ، وقد اعتبر أن الألفاظ الأخيرة مرتبطة بواقع ثقافي معين ، ويجب أن نفهمها في ضوء واقعها الثقافي ، وإن وجودها الذهني السابق لا يعني وجودها العيني ، وقد أصبحت الآن ذات دلالة تاريخية ، وهذا ينطلق في أحكامه السابقة من أن النصوص الدينية نصوص لغوية تنتمي إلى بنية ثقافية محدودة ، تم إنتاجها طبقاً لنواميس تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي ، وهو يعتمد على نظرية عالم اللغة (( دي سوسير )) في التفرقة بين اللغة والكلام ، وينتهي أبو زيد إلى ضرورة إخضاع النصوص الدينية للمناهج اللغوية المشار إليها سابقاً .
    أما الدكتور محمد شحرور في كتابه (( الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة )) ، فقد اعتبر أن جميع النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجال الحياة الاجتماعية: كالنكاح ، والطعام ، وفي مجال الحدود : كحد السرقة ، والزنى ، والحرابة ، والقتل العمد ... إلخ وفي مجال الأحكام : كتوزيع الميراث ، وأخذ الربا ... إلخ ، جميع تلك النصوص خاضعة لاجتهاد رسم له حدين : أدنى وأعلى ، وقد اعتبر أن سنة الرسول eهي اجتهاد محمد e لتطبيق حدود الإسلام ضمن بيئة الجزيرة العربية ، وبالتالي ، فإن تطبيقه لها ليس ملزماً لنا في شيء !
    لاشك في أن نسبية الحقيقة هي النظام الذي يشمل كل تلك الطروحات بدءاً من تشكك طه حسين في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وفي واقعة بنائهما الكعبة ، ومروراً بربط حسين أحمد أمين لحد السرقة بظاهرة الأملاك المنقولة ، وباعتبار نصر حامد أبو زيد السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظاً ذات دلالة تاريخية ، وانتهاء باعتبار محمد شحرور جواز تأرجح الحد بين اجتهادين أعلى وأدنى .. ولا أريد أن أكرر الحديث عن الخصوصية التاريخية التي جعلت ثقافة الغرب تقوم على نسبية الحقيقة ، ولا أريد أن أفصل مناقشة رأي كل كاتب فيما يتعلق بالنصوص القطعية الثبوت ، القطعية الدلالة التي تعرض لها ، ولكني أرد موجزاً مختصراً فأتساءل : هل يجوز لطه حسين أن يرد نصوصاً قطعية الثبوت قطعية الدلالة في شأن وجود إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ وفي شأن بنائهما الكعبة لا لشيء سوى لوجود أساطير مشابهة قبلها الرومان عن بناء روما من باينياس بن بريام صاحب طرواده اليونان ؟ لماذا يربط حسين أحمد أمين بين حد السرقة والأموال المنقولة ولا يربط ذلك بفعل السرقة الشنيع ، وما يشتمل عليه من ترويع وتخويف واعتداء على المسروق ، وما يصوره من طمع السارق ودناءته وتطلعه إلى ما في يد الغير بغير حق مشروع ؟ لماذ يعتبر نصر حامد أبو زيد الكلمات : السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظاً ذات دلالات تاريخية ؟ فهل نفى العلم بشكل قطعي وجود حقائق عينية لتلك الألفاظ حتى نعفي عليها ونعتبرها ألفاظاً لا حقائق لها وذات دلالات تاريخية ؟ لماذا يخضع محمد شحرور الألفاظ القرآنية للتحليل اللغوي المعجمي ، مع أن الإسلام أخرج كثيراً من الألفاظ من معناها اللغوي وجعلها مصطلحات أعطاها معاني أخرى أمثال : الصلاة ، الزكاة ، الأيمان ، الكفر ، الحد… … إلخ ، وعليه أن يحترم هذة المصطلحات عند أي بحث علمي ؟
    والآن أعود إلي نسبية الحقيقة التي تتصادم مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يؤدي إلى ثبات الحقيقة ، وأتجاوز الظروف التاريخية التي جعلت نسبية الحقيقة جزءاً أساسياً من ثقافة الغرب ، والتي تختلف عن ظروفتا التاريخية وأتساءل : هل حقاً ليس هناك ثبات في الحقيقة ؟ ومن أين جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ثقافتنا الإسلامية ؟ وما سنده الواقعي في صيرورة الكون ؟
    إن الإجابة عن الأسئلة السابقة تقتضي أن نقرر أن هناك ثباتاً في الحقيقة ، وإلا لما سميت حقيقة ، وبشكل أدق جاء الثبات في الحقيقة من ثبات بعض النواميس التي تحكم الكون ، ومن الفطرة التي قال الله عنها : {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .
    ومن مظاهر الفطرة الثابتة إلى مدار التاريخ : التعبد ، وحب التملك ، والتجاذب بين الذكر والأنثى ، وإعلاء قيم الصدق والأمانة ، وإسفال قيم الكذب والخيانة ... إلخ لذلك جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في الشريغة ليعبرعن تلك الحقائق الثابتة المنغرسة في الفطرة ، فكانت أحكام العقيدة أحكام العبادات ثابتة ، لأنها تتعلق بفطرة التعبد ، وكانت أحكام فرضية الزكاة وتحريم الربا ، وتشريع حد السرقة ثابتة ، لأنها تتعلق بفطرة حب التملك ، وكانت أحكام الخطبة والزواج والطلاق ثابتة لأنها تتعلق بفطرة التجاذب بين الذكر والأنثى ، وكانت أحكام مدح الصادقين وإجزال مثوبتهم ثابتة لأنها تتعلق ببعض الأخلاق الفطرية .
    في النهاية نقول : طالما أن هناك فطرة ثابتة لا تتغير فهناك حقائق ثابت لا تتغير، وهذا ماقادت الظروف التاريخية أوروبا لإنكاره ، وليس بالضرورة أن يكون الصواب مع أوروبا )) .
    ثم قال الحمد تحت عنوان ( الخصائص العامة للثقافة العربية ) بأن ( هناك ثقافة عربية واحدة ، وهنالك ثقافة عربية فرعية) كما أن هناك (ثقافة إنسانية شاملة ) وهناك (ثقافات قومية مختلفة ذات تباين وتمايز واضح) وهناك (الثقافات الوطنية (القطرية) والمختلفة والمتباينة) وهناك (ثقافات فرعية متباينة في ذات الإطار الوطني) .
    ثم يقول تركي : (ما نريد قوله إن المسالة ليست قطعية ومطلقة أو آحادية الجانب بحيث يمكن القول مثلاً إن هنالك ثقافة عربية واحدة ولا شيء عداها ( التيارات القومية ) أو إن هنالك تراث إنساني وحسب ( التيارات الأممية ) أو إن هناك تراث ديني وحسب ( التيارات الدينية ) أو إن هتاك ثقافة وطنية وحسب ( التيارات القطرية ) ، بل إن المسالة متشابكة ذات أبعاد تعددية وليست آحادية . نعم هناك ثقافة عربية واحدة ذات خصائص محددة ومعينة مشتركة ولكن إلى جانبها ، أو في إطارها ، هناك ثقافات فرعية لا يمكن حصرها . فعلى المستوى الأفقي هنالك ثقافات وطنية ( قطرية ) متمايزة ، وفي ذات الأقطار هنالك ثقافات إقليمية متمايزة هي الأخرى ، وعلى مستوى الإقليم هنالك تمايز أيضاً وهكذا . وعلى المستوى الرأسي (سواء على مستوى الجامعة القومية أو الجماعية الوطنية وما هو أقل من ذلك ) هنالك ثقافات متمايزة أيضاً : ثقافية قبلية ، مدنية ، جماهيرية نخبوية ، فلاحية ، عمّالية ، طلابية ، أكاديمية . . . الخ. موطن الداء والعلة ليس في التمايز والاختلاف بين الثقافات على اختلاف أنواعها ، إذ أن ذلك من طبيعة الوجود البشري على هذه الأرض ، ولكن الداء والعلة يكمنان في الوقف " الصفري " أو الآحادي من هذه الثقافات وتمايزها . وبذلك نعني أنه عندما توضع المسألة على أن الاعتراف بإحدى هذه الثقافات لا بد وأن يكون على حساب الثقافات الأخرى .
    ولتوضيح المسألة نقول : عندما يقول الأممي بثقافة إنسانية معينة شاملة : (إسلامية ، مسيحية ، بروليتارية ، . . . ، الخ ) فإن ذلك لاعيب فيه ولا تثريب ولكن عندما يقول بآحادية هذه الثقافة وإطلاقها ونفي ما عداها فإننا والحالة هذه بصدد موقف دوغماتي شوفيني مناقض لواقع الأمور وطبيعتها ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن الموقف القومي أو الوطني القطري أو نحو ذلك عندما ينحو منحىً آحادياً صفرياً . هذه هي العلة وهذا هو الداء).(1)
    ثم يقول : (خاتمة القول : هنالك ثقافة عربية مشتركة ، كما أن هنالك ثقافة وإرثاً إنسانياً مشتركاً ، ولكن في ظل هذه الثقافة المشتركة هنالك ثقافات فرعية أخرى ( أفقية ورأسية ) متمايزة ومتعددة . ويجب الاعتراف بمثل هذه التعددية الثقافية إذا كان المراد الانطلاق من أرض الواقع وآليات هذا الواقع للتحكم في تحديد مسار هذا الواقع من أجل تحقيق الأهداف والغايات المرجوة . أما إذا بقيت الآحادية هي المنهج والدوغما هي المعتقد والشوفينية هي منطق الايديولوجيا فإننا في هذه الحالة لن ندرك الواقع ولن نستوعبه ونفهمه وبالتالي لن نستطيع التحكم فيه وفي مساره ومن ثم لا أهداف تتحقّق ولا غايات تتجسّد بل تبقى طواحين الهواء ودون كيشوت (2)) (3)
    قلت :لم يأتِ تركي بجديد في هذا الموضوع ، فالجميع ـ كباراً وصغاراً ! ـ يعلمون أن هناك أدياناً وثقافاتٍ متباينة تعيش على هذه الأرض ، في زماننا هذا ، وفي الأزمان الماضية منذ أن تفرق الناس أشتاتاً بعد أن كانوا مجتمعين على دين واحد ، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    يقول الله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}.(1)
    قال ابن عباس _رضي الله عنه _ : (كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعةٍ من الحق ، فاختلفوا ، فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين) (2).
    فالناس قد كانو مجتمعين على دين وثقافةٍ واحدة قبل أن يسلك بهم الشيطان ذات اليمين وذات الشمال ويغويهم عن دينهم .
    مما ترتب عليه أن كانت الرسل تُبعث فيهم لتدعوهم إلى ما كانو عليه من توحيد ربهم ، وتردهم إلى الصراط المستقيم ، وتبشر المتقين ، وتنذر الضالين .
    ثم كان خاتمهم محمد e الذي أرسله الله رسولاً إلى الإنس والجن _ جميعاً _، وختم به الوحي ، فلا يُقبل من أحدٍ ديناً بعده سوى دين الإسلام.
    قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (1)، {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (2)، وقال : {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(3)، وقال : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (4)، وقال : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
    أما قول الحمد بأنه (يجب الأعتراف بمثل هذه التعددية الثقافية ) .
    فماذا يعني بهذا الإعتراف ؟
    إن كان يعني الاعتراف ( بوجود ) هذه التعددية ، فهذا لم ولن يعارضه فيه عاقل ، لأنه واقع بلا ريب ، يراه الجميع .
    وإن يعني الاعتراف ( بصحة ) هذه التعددية ، فهذا يحتاج إلى تفضيل :
    1 ـ إذا كان يعني بصحة تلك التعددية ، أي صحة مايعتقده أهل الأرض من ثقافات وأديان مخالفة لدين الإسلام ، فهذا ـ والعياذ بالله ـ كفر صريح ، لأنه رضي واعتراف بصحة ( الكفر ) وما عليه أهله ، وهذا مناقض للمعلوم من دين الله بالضرورة : وهو صحة الإسلام وبطلان ما عداه من أديان ، سواء كانت أديان المشركين على مختلف أصنافهم ، أم أديان أهل الكتاب (اليهود والنصارى) التي حرّفوها ثم جاء الإسلام بنسخها (1).
    وهذه –- والله - من أعظم المصائب أن يقع فيها كاتب مسلم تربى في بلاد التوحيد ، ودرس وتعلم الكتاب والسنة ، ثم بعد هذا يدعونا إلى الاعتراف ( بصحة ) ما عليه أهل الكفر من عقائد وثقافات ، وهو ـ كما سبق ـ كفر صريح تجب التوبة منه .
    2- أما إن كان يعني ( بصحة التعددية ) أي صحة ما عليه ( بعض ) تلك الأمم من تطور مادي لا دخل له بأمور الدين ، فقد أخطأ في العبارة ، وكان الأولى به أن يُطالب أمته ـ كما سبق ـ بالاستفادة مما عليه الآخرون من تطور مادي ، وهو مبذل للجميع يستطيع أن يناله من أتخد له الأسباب الموصلة إليه ، دون رضىً بأديان الكفار وثقافاتهم !.
    والذي أظنه أن الحمد لا يعني هذا وإنما يعني الاعتراف بما عند الآخرين من أديان وثقافات وأن لا نحاول أن نكون آحادي النظرة فندعوهم إلى ديننا (الإسلام)!!.
    وهذا واضح من عبارته ، لأنه عمم التعددية الثقافية ، ولو كان يعني التطور المادي ـ مثلاً ـ لخصص ذلك بالدول المتقدمة ( دنيوياً ) أو استخدم لفظ (الحضارة) بدلاً من (الثقافة ) على أقل تقدير .
    إذاً : فتركي الحمد يدعو إلى الاعتراف بوجود أديان الكفار على مختلف أجناسهم ، ويدعو المسلمين إلى عدم تغيير هذا الواقع بدعوتهم إلى الدين الحق .
    وأيضاً : يدعوهم إلى عدم الاعتزاز بالإسلام وأنه الدين الصحيح ، وأنما هو مجرد دينٍ من الأديان ، لا ينبغي لأهله الفخر به !!!
    كما سيأتي في كلام هذا (الضال ) .
    بعد هذا قام الحمد بوصف ثقافتنا العربية المعاصرة بعدة خصائص عبر نقاط متتالية .
    يقول تركي : (إذا نظرنا إلى الثقافة العربية وما يتفرَّع عنها من ثقافات فرعية رأسية وأفقية ، نجد أنها كلها ورغم تمايزها وعند مستوى معين من التجريد تتَّصف بالخصائص التالية :
    أولاً : ماضوية في مقابل المستقلة) (1)
    ومعنى هذا عند تركي : (أن المستقبل في حالة الثقافة العربية وآلية إدراكها يقع هناك في الماضي وليس هناك في المستقبل التاريخي المحسوس والمحكوم بآليات الواقع وديناميكية التحول والتغير . والعقل العربي المنبثق عن هذه الثقافة القياسية والمنبث في مختلف أوجه الفعل الإنساني ( العقل السياسي ، الاجتماعي ، الاقتصادي ، والتاريخي . . . الخ ) ينقل هذه الآلية إلى كافة تفصيلات الحياة العربية بحيث إنك قد تجد أحدهم يرفض استخدام الملعقة في الطعام مثلاً لأن الأوائل ( النموذج المتسامي ) لم يفعلوا ذلك بكل بساطة . نعم إن هذا مثال موغل في المبالغة ولكنك تجد أمثلة مشابهة تؤكد القياسية والمدرسية في الثقافة العربية بشكل عام ، وما بعض التيارات الإسلامية المغالية في إسلاميتها ، حسب فهمها وزعمها ، إلا التعبير الأشد تطرفاً لهذه الخصيصة من خصائص الثقافية العربية ، وإلا فإن المسألة عامة وشاملة وإن اختلفت درجة الاقتراب أو الابتعاد) (2).
    قلت : هذه هي الخصيصة الأولى من خصائص ثقافتنا عند تركي الحمد ، وهي أنها ماضوية ) ، أي أنها تعيش في الماضي ، وتقيس أحداث الحاضر والمستقبل على الماضي ، وهو ( النموذج المتسامي ) ، ويعني به عصر النبي e وصحابته الكرام ، رضوان الله عليهم ـ !!
    تعليقاً على هذه الخصيصة أقول :
    أولاً : إن هذه ( الماضوية ) التي جعلتها وصمة عار في جبين ثقافتنا هي مايدعونا الله إليه في كتابه الكريم ! وذلك في قوله تعالي : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر )(1) فهو تعالى يطلب منا أن يكون رسول الله e قدوتنا واسوتنا في أقوالنا وأعمالنا ، يحذرنا سبحانه من مخالفة أمره e {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (2) .
    ورسول الله e قد عاش في هذا الماضي الذي تزدريه ، وهكذا خلفاؤه الكرام الذين أمرنا e باتباع سنتهم ، وبقية الصحابة والسلف الصالح الذين أمرنا باللحاق بركبهم .
    فإن كنت يا تركي تزدري ثقافتنا بأنها ( ماضوية ) أي أنها تتخذ من رسول اللهe وهو الذي عاش في ( الماضي ) أسوة وقدوه لها في أقوالها وأعمالها فقد هويت بنفسك في مكانٍ سحيق عندما اجترأت على القول ( الكفري ) المزدري لشريعة الإسلام .
    وإن زعمت أن ( بعض ) المعاصرين قد يجتهد في أمور يزعم أنها غير جائزة لأن السلف لم يعملوها كالأكل بالملعقة ، وهو المثال الذي ذكرته ، وهو مثال في غاية الندرة لا يكاد أحد يفعله ـ فلا أدري لماذا قمت بتضخيمه وإبرازه !!؟
    فهو اجتهاد فردي يُطالب صاحبه بالدليل الشرعي عليه ، وهل هو من الابتداع في الدين أم أنه من العوائد التي لا تخالف الشرع وتتبع عرف الناس،وهذا مبحث طويل ليس هذا موضوع التعرض له .
    وإنما الاعتراض هو على تعميمك هذا المسلك النادر حتى وصمت به ثقافتنا كلها .
    ثانياً : أنك أزدريت ثقافتنا ( الإسلامية ) بأنها ( ماضوية ) أي تعتز بالاسلام وبنبيها e وبصحابته وبالسلف الصالح ، ونسيت أن الثقافات الأخرى التي تقدمت دنيوياً ، والتي قد اشرأب عنقك إليها هي أيضاً ثقافات ماضوية ، فهاهم اليهود يفخرون بدينهم وبعاداتهم في زيهم وماكلهم ومشربهم ، وهي تسبق الإسلام بمئات من السنين ، ولم تتخذ من هذه الماضوية مطعناً فيهم أو ازدراءً بثقافتهم ، ومثلهم النصاري الذين درستَ عندهم ، وهم أيضاً ماضويون باتخاذهم ( النصرانية ) ديناً لهم ، وإقامتهم كنائسها ( وتبشيرهم ) بها ، والاعتزاز بمبادئها وأعيادها ، ولم ينلهم منك ما نال أمة الإسلام من الازدراء بثقافتهم .
    بل هذه الثقافات ( الماركسية ) و ( البعثية ) و ( القومية ) وهي ما تدندن حوله ! لاتزال تفخر بروادها الذين أبلى التراب أجسادهم وتردد مقولات (ماركس)(1) ، و( عفلق)(2) و(ساطع الحصري)(3) وكأنها قرآن منزل من عند الله ! ولم ينلهم منك أي ازدراء لهذا التمجيد والدعوة لاحتذاء أفكار ( الماضين ) .
    أما نحن المسلون فيغيظك ـ يا تركي ـ أننا نتبع أفضل رسول بعثه الله إلى الناس ، بخير رسالة نزلت فيهم ، فتزعم أن هذا مما يعيبنا ويعيب ثقافتنا .
    فلا حول ولا قوة إلا بالله .
    أما إن زعمت بأن ثقافتنا ( الماضوية ) قد دخلتها البدع والخرافات ، فليس الحل بأن ننسلخ من جميع هذه الثقافة ونلغي ارتباطنا ـ والعياذ بالله ـ وإنما الحل يكون بتطهير هذه الثقافة من البدع والزيادات فيها ، والدعوة إليها صافية نقية كما أُنزلت على محمد e .
    ثالثاً : نقول لك بأن الماضي ـ سواء كان زماناً أو أفعالاً أو أقوالاًـ لايذم لأجل أنه ( ماضي ) فهذا لا يقوله عاقل ، وإلا لذممنا كل مامر من حياتنا ولو للحظات. فحياتنا الماضية مذمومة ، وحياة آبائنا مذمومة ، وحياة آبائهم مذمومة . . . وهكذا ، وهذا ـ كما سبق ـ لا يقوله عاقل .
    فالذي يوصف بالذم هو ما وقع في هذا الماضي من أقوال أو أفعال ذميمة ، أما الأقوال والأفعال النافعة فهي مما يمدح أينما وقعت ، سواءً في الماضي أم الحاضر ، والله سبحانه قد آثنى على أمم قد عاشوا في الماضي لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فقال : {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (1) .
    وعاب أمماً عاشوا في ( الماضي ) لأنهم كفروا وعملوا السيئات ، فأهلكهم ، وقال عنهم : {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (1).
    الحاصل : أن صفة ( الماضوية ) ليست صفة ذم مطلقاً وليست ـ أيضاً ـ صفة مدح مطلقاً ، وإنما الذم والمدح يتبع الأقوال والأعمال ، فما كان من الأقوال والأعمال نافعاً يرضاه الله فهو ممدوح في أي زمانٍ كان ، وما كان منها ضاراً لا يرضاه الله فهو مذموم في أي زمان كان .
    أما إن قال تركي : أنا لا أذم الماضي لمجرد كونه ماضياً ، وإنما أذم ثقافتنا لأنها اتخذت الماضي مثالاً ومقياساً تقيس به حياتها .
    فأقول : هذه أشد وأدهى لأنك عبتنا لأننا نتخذ من ديننا ميزاناً لأقوالنا وأعمالنا ، ومعنى هذا أنك تطالبنا بأن نتنكر للإسلام ولا نؤمن به ولا نلتزم بأوامره وننتهي عن نواهيه ، وهذا كفر مخرج من الملة ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ .
    ثم أخبرك أنت وأمثالك ممن يدعي أن الالتزام بالإسلام مما يعوق الأمة عن التقدم ، وهو ما تلمحون إليه ولا تصرحون ، أخبرك بأن هذه شبهة باطلة ، لأن دين الإسلام يدعو إلى اتخاذ كافة الوسائل المشروعة للارتقاء بأهله في سلم الحضارة المادية فالله يقول : {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (1) .
    وهذه القوة تشمل كل أمر دنيوي يرقي الأمة ، ويجعل أعداءها يهابونها ويقدرونها ولا يستهينون بها ، من اعتناء بالتقنية الحديثة ، والصناعات المتنوعة . . . الخ الأمور المادية التي ترهب العدو وتُعز الأمة .
    فهل عارض الإسلام ( الصحيح ) يوماً ما مثل هذا ؟ هل عارض الإسلام مثلاً انشاء المصانع وتشييد الآت الحرب أو النقل وتطوير وسائل الاتصال المتنوعة ؟
    لا . . لم يعارض هذا ، وإنما عارض أن ينتشر الفساد الفكري والأخلاقي في ديار الإسلام تحت دعاوي ( التقدم ) و( التطور )، وهو ماتسعى إليه أنت وأضرابك!.
    ثم قال تركي واصفاً ثقافتنا بالصفة الثانية : وهي أنها (اسطورية في مقابل الواقعية) (2) !
    ومعنى هذا عنده (أن ما يُميز الثقافة العربية في هذا المجال هو ميلها إلى "أسطرة " الوقائع التاريخية إن صح التعبير بشكل أكبر ، وخاصة في أعقاب ما يُسمى بعصور الانحطاط وحتى هذه اللحظة تقريباً ، إذ أن " الثبات " هو أيضاً من خصائص الثقافة العربية على اختلاف وجوهها ومستوياتها وتفرعاتها وذلك في ما يتعلق ببنيتها الأساسية . فالعقل العربي ( من ثم الثقافة العربية ) يميل إلى أن يصبغ أحداثاً تاريخية معينة بـ " الفرادة " والتفرُّد ورفعها إلى مصاحف الرمز المتسامي الذي لا يتكرر ، فتتحول هذه الأحداث وأبطالها إلى " أساطير " ( بعد الاختزال والإضافة ) لايمكن أن تتكرر في التاريخ المعلوم ولكنها تبقي أملاً وحلماً مانحاً قيماً معنية يُهتدى بها ولكن لا يمكن الوصول إليها بشكل مطلق) (1) .
    قلت : يقصد تركي بالاحداث التاريخية المعينة التي جعلتها الأمة كالأساطير هي أحداث الفتوحات الإسلامية منذ عهد النبي e ، وعهد أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ مروراً بالفاتحين من أمثال قتيبه بن مسلم ، وموسى بن نصير ، وطارق بن زياد ، ومحمود بن سبكتكين ، ونور الدين زنكي ، وصلاح الدين وغيرهم من الأبطال.
    والأمة ـ كما يعلم كل أحد ـ لم تجعل بطولات هؤلاء العظماء أساطيراً ! إنما افتخرت بها ، وتغنت بتلك لأمجاد الماضية التي اعتز فيها الإسلام ، وذل فيها أهل الكفر و ( النفاق ! ) .
    والأمة لم تقل بأن تلك الأحداث لا يمكن الوصول إليها ولا إلى مثلها ، فإن هذا من اختراعات تركي الحمد ، بل الأمة تحاول استعادة تلك الأمجاد والبطولات في كل زمان ومكان ؛ لأن الجهاد " ماضٍ إلى يوم القيامة " فلا مانع من أن تكون تلك البطولات مثالاً يحتذى في واقع المسلمين ، ولا مانع أن يتكرر مثلها ـ ولو رغم أنف تركي ! ـ .
    فلا أدري بعد هذا ماذا يعني تركي بقوله بأن ثقافتنا ( أسطورية وليست واقعية) ؟ أم أنها كذبة من كذباته يتكثر بها في كتابه (1).
    ثم قال تركي مبيناً الصفة الثالثة من صفات ثقافتنا بأنها : (أحادية في مقابل التعددية) (2) .
    أي : (إنها ثقافة تنظر إلى نفسها على أنها تتمتع بـ "فرادة " معينة تميزها عن غيرها من الثقافات . مثل هذا الموقف لا غبار ولا تثريب إذ أن التمايز صفة من صفات الثقافات في تعددها واختلافها . غير أن الثقافة العربية ، كما تطرح نفسها من خلال الخطاب والممارسة ، تتجاوز مسألة التمايز لتقول بالفرادة ومن ثم ، كنتيجة منطقية ، القول بعلوية الثقافة العربية على ما عداها من ثقافات) (1) .
    ثم يقول : (إن ما يُميَّز الثقافة العربية وانعكاساتها السياسية والاجتماعية على وجه الخصوص ، هو أن الشمولية العربية تطرح نفسها ( من خلال الخطاب والممارسة) على أنها أبدع ما بالإمكان مقارنة بالآخرين وتربط هذه الآحادية والشمولية بالمرجعية " الرمزية الماضوية " فتمنحها بالتالي نوعاً من القداسة والفردية والعلوية) (2) .
    ثم يقول : (إن كل ثقافة تلجاً إلى آلية الدفاع عن الذات بشكل من الأشكال ، وهذا حق مشروع ، ولكن الملاحظ أن الثقافة العربية في دفاعها عن ذاتها تلجأ إلى عمليات النكوص والارتداد إلى الماضوية البحتة ( انظر الخاصية الأولى ) والرفض المرضي لكل وافد أو ما يعتقد أنه وافد لا يتواءم مع النموذج ـ المرجع ( انظر الخاصية الثانية ) المحدد ايديولجياً بشكل دوغماتي مغلق . والحقيقة أن الثقافة العربية في تعاملها مع " الآخر " تقع في نوع من " الشيزوفرانيا " والازدواجية القلقة من حيث انها تعرف في داخلها أن هذا الآخر متفوق عليها ولكنها ، وفق آليات الدفاع ، ترفض هذا التفوق وتحاول أن تبرز ضعفها ( المرحلي ) بكافة التبريرات الايديولوجية والقول بأن تفوق " الآخر " هذا هو مسألة مرحلية لا تلبث أن تنتهي وتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي الذي هو علوية الثقافة العربية في نهاية المطاف . ومن ناحية أخرى ، فإن الثقافة العربية ( الذهنية العربية ) تنظر إلى الآخر على أنه " نموذج " يمكن الاستفادة منه ، ولكنها في ذات الوقت ترفضه وتحاول التمسك بأصالتها التي هي في حقيقة الأمر تلك النزعة الماضوية ( النكوصية ) المتحدث عنها سابقاً . بمعنى أنها ، أي الثقافة العربية ، تريد ولا تريد في نفس الوقت ، وهذا يُدخلنا في إشكالية ليس من السهل حلها وإن لجأ البعض إلى محاولات التلفيق والتوفيق التي ، وكما يقول الواقع المعاش ، لم تنجح كثيراً في مسعاها) (1) .
    قلت : خلاصة هذا الكلام الطويل أن تركي الحمد يخبرنا بأن لا ننظر إلى ثقافتنا ( وهي الإسلام ! ) على أنها أفضل الثقافات ! أو أنها متفردة على غيرها !! والدليل أن الغرب قد تفوق علينا !! ولا زلنا ـ كما يقول تركي ـ نبرر هذا التفوق بأنه مرحلي ، وسرعان ماتعود الأمور إلى وضعها الطبيعي وهو أن تعلو ثقافتنا عليه .
    وقد احتوى هذا القول السابق من تركي الحمد على خلط وجهل ، و (كفريات ) لا يشك فيها مسلم ، حيث زعم هذا الجهول بأن علينا أن لا ننظر إلى ثقافتنا بأنها متفردة وأنها أعلى من غيرها ، فقارن بين الكفر والإسلام ، ثم فضُّل الكفر وأهله عليه ، لأنهم تقدموا ( مادياً ) ونحن لم نتقدم بعدُ ، فلهذا هم أفضل منا ، وثقافتهم ( ومن ضمنها دينهم ! ) أفضل من ثقافتنا ( ومن ضمنها الإسلام ! ) والعياذ بالله من هذا الكفر البيِّن .
    ونسي هذا ( الأحمق ) بأن تقدم الغرب (مادياً ) لا يعني صحة ثقافته وأديانه ، كما أن تخلف بلاد المسلمين ( ماديًا ) لا يعني بطلان ثقافته ودينه ( الإسلام ) ، لأن هذا التقدم أو التخلف ( المادي ) لا دخل له بالأديان والثقافات ، فهو مبذول للجميع ، من اخذ بأسبابه وجَدَّ وثابر فقد حاز السبق فيه ومن تكاسل عن اسبابه ، وركن واعتمد على غيره فقد باء بالتخلف .
    ولهذا نجد أن بعض البلاد غير الغربية كاليابان مثلاً قد وصلت إلى قمة التقدم ( المادي ) وتفوقت على الغرب فيه ، لأنها اتخذت الأسباب الموصلة إليه من استثمار أمثل للطاقات التي أودعها الله في الأرض ، ودعم لكل صاحب عقل مبدع في مجال التقنية دون وضع معوقات أو تثبيط كما يحصل في بلاد المسلمين ، ولهذا فقد وصلت إلى ما تريد .
    وهكذا غيرها من الدول التي تخالف

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    ( الغرب ) في ثقافته، ككوريا أو الصين.
    الحاصل : أن ربط التقدم ( المادي ) بالأديان هو جهل عن حقيقة الواقع .
    ثم يُقال : بأن من تقدم ( دنيوياً ) وكان غارقاً في الكفر فهو مذموم عند الله . وقد عاب سبحانه على أقوام مضوا كانوا متقدمين ( دنيوياً ) وعمروا الأرض مالم نعمرها ، وكانوا أشد منا قوة وبطشاً ومع هذا فقد عابهم الله ، ولم يعبأ بتقدمهم ولا بحضارتهم ، لأن المعول عليه عنده سبحانه هو اتباع أمره واجتناب نهيه ، أما الحضارة والتقدم فهي موهبة لمن أدرك اسبابها وتمثل بقول الشاعر :
    وقَـلَّ من جـدَّ في أمرٍ يحـاوله
    واستصحب الصبر إلا فاز بالظفرِ
    قال سبحانه : {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(1) ، وقال تعالى : ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واقٍ ) (1) .
    وهؤلاء الكفار المعاصرون هم كأسلافهم الماضين مذمومون عند الله تعالى لكفرهم وإعراضهم عن دين الإسلام ، ولن تنفعهم حضارتهم المادية عند الله شيئاً ، قال تعالى : {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} (2) .
    فلا يجوز شرعاً وصفهم بعلو أو رفعة أو عزة لأن الله يقول {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (3) .
    فالعلو والعزة هو للمؤمنين ، وأن كانوا غير متقدمين دنيوياً ، قال تعالى : {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4) .
    فوصف الله عباده المؤمنين بالعلو والعزة ، ووصف الكافرين بالذلة ، وأخبر بأنهم : ( شر البرية ) (5) ؛ لأن المقياس عنده تعالى هو الأمر والنهي .
    وأما أمور ( الدنيا ) فهي حاصلة لمن أراد الله تحصيله إياها بفعله أسبابها .
    قال سبحانه : {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (1) .
    وليس معنى هذا أن نرضى بواقعنا ( المادي ) غير المتطور فنكون كلاً على الناس من شرق وغرب ، وإنما نجد ونسعى في سبل الفلاح الدنيوي وننافس القوم في تحصيل أسباب القوة .
    الحاصل : أن تركي الحمد قد خلط بجهل بين أمور الدين وأمور الدنيا ، فجعل التخلف الدنيوي دليلاً على التخلف الديني ! وجعل التقدم الدنيوي دليلاً على التقدم الديني! ففضل الكافرين على المسلمين ، ولم يرتض للمسلمين أن ينظروا لإسلامهم على أنه المهيمن على سائر الأديان ، وهذا ـ كما سبق ـ كفر ، لايمحوه إلا التوبة النصوح إلى الله ، والانتهاء عنه .
    ثم قال تركي مواصلاً حديثه عن ثقافتنا بأنها : (رغبوية في مقابل التاريخية) (2).
    ويعني بهذا (اسقاط رغبات الذات على أحداث التاريخ الفعلي لا المفترض ، والنظر إلى أي حدث وكل حدث على أنه يسير في صالح هذه الذات ، وهذا ما نراه واضحاً بشكل خاص في الخطاب العربي المعاصر بشكل أخص الذي يرى ، مثلاً ، في كل حادثة وأي حادثة دليلاً أو مؤشراً على سقوط الغرب أو انتصار قيم الثقافة العربية وغير ذلك) (1) .
    ثم يقول : (مسألة الرغبوية في الثقافة العربية المعاصرة خاصية ، تقودنا إلى آلية أخرى من آليات دفاع هذه الثقافة عن ذاتها في وجه الآخر المتفوق والعدو بالضرورة ، ألا وهي ما نسميه النـزعة التبريرية في هذه الثقافة . فعندما تبدو معالم ضعف معين وانكسار محدّد فإن السبب في ذلك ، مثلاً ، ليس ذات الثقافة وبعض محدداتها ولكن أمور طارئة شكلية إذا ما استبعدت فإنه لا ريب أن ذلك العقل والثقافة راجعان إلى موقعهما الذي يجب أن يكونا فيه من علوية مفترضة . وإذا لم يحدث ذلك فإن الخلل أيضاً لا يمكن في بنية العقل والثقافة ولا يعني ذلك ضرورة مراجعة هذه البنية . بقدر ما أن أصابع الاتهام تشير دوماً إلى " الآخر " العدو دائماً والذي يمنع معالجة هذه الأمور الطارئة والشكلية . بمعنى آخر ، تتحول العملية في نهاية المطاف إلى قناعة دوغماتية بأن شرط العلاج الأول هو اختفاء " الآخر " ( غائية رغبوية ) وبدون ذلك فإن كل محاولة للعلاج لابد وأن تبوء بالفشل ( فعل تبريري ) . أما ذات العقل ومكوناته وذات الثقافة المفرزة لمثل هذه التطورات ومحدداتها فإنها تبقى بعيدة عن أي اتهام وبمنأى عن أي تحليل وتعليل ونقد) (1) .
    قلت : أما مسألة سقوط الغرب ( أو الكفار عموماً ) فهي بأمر الله تعالى الذي لو شاء اسقاطهم لأسقطهم ، ولكنه يبقيهم لحكمة ـ وجميع أفعاله تعالى ذات حكمةـ فهو سبحانه يقول عن الكفار في كل زمان ومكان {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (2) .
    فحكم بقائهم كثيرة إليك شيئاً منها :
    1- أن يبلو المؤمنين بهم ـ كما سبق ـ فيعلم الصابرين والمجاهدين ، ويثيبهم على جهاد الكفار والانتصار لدينه ، كما في الآية السابقة .
    2- أن الدنيا ليست دار جزاء ، وإنما هي دار ابتلاء ، ولو كانت دار جزاء لأهلك الله جميع الكافرين في طرفة عين . قال سبحانه {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} (2) . وقال : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} (1).
    فالدنيا يموج فيها المؤمن والكافر ، ويسعى كل منهم سعيه الذي سيلاقيه يوم الحساب .
    3- أن لايبقى لهم نصيب ولا حظ في الآخرة ، حيث وافاهم الموت وقد أخذوا نصيبهم من الاستمتاع في الدنيا ، فلم يعد لهم عنده تعالى إلا النار مثوىً لهم خالدين فيها .
    يقول سبحانه : {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(2) .
    ويقول : {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} )3)
    ويقول : {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (4) .
    قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ (إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم ، وقهرهم ، وكسرهم لهم أحياناً فيه حكمة عظيمة ، لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل .
    فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله . وانكسارهم له ، وافتقارهم إليه ، وسؤاله نصرهم على أعدائهم ، ولو كانوا دائماً منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا . ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين منصوراً عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ، ولا كانت للحق دولة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صَرَّفهم بين غَلَبهم تارة ، وكونهم مغلوبين تارة ، فإذا غُلبوا تضرعوا إلى ربهم ، وأنابوا إليه ، وخضعوا له ، وانكسروا له ، وتابوا إليه ، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، وجاهدوا عدوه ، ونصروا أولياءَه .
    ومنها : أنهم لو كانوا دائماً منصورين ، غالبين ، قاهرين ، لدخل معهم من ليس قصده الدين ، ومتابعة الرسول . فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد . فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة ، وعليهم تارة . فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه .
    ومنها : أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء ، وفي حال العافية والبلاء ، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم . فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال . لا تحصل إلا بها ، ولا يستقيم القلب بدونها كمالا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد ، والجوع والعطش ، والتعب والنصب ، وأضدادها ، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه ، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع .
    ومنها : أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحّصهم ، ويخلصهم ، ويهذبهم . كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140)وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}.
    فذكر سبحانه أنواعاً من الحكم التي لأجلها أديل عليهم الكفار ، بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوا من الإيمان ، وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح في طاعته وطاعة رسوله ، فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله .
    ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولاً بين الناس فيصيب كلاً منهم نصيبه منها . كالأرزاق والآجال .
    ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم ، وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه ، ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين ، فيلعم واقعاً .
    ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء ، فإن الشهادة درجة عالية عنده ، ومـنـزلة رفيعة لاتنال إلا بالقتل في سبيله ، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه ، وأنفعها للعبد .
    ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين ، أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو ، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم ، وعدوانهم إذا انتصروا .
    ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر . وأن حكمته تأبى ذلك . فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر ، ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم .
    فهذا بعض حكمه في نصره عدوهم عليهم ، وإدالته في بعض الأحيان) .
    هذا عن مسألة انتفاش الكفار ـ والغرب منهم ـ في هذه المرحلة من الزمان، أما المستقبل فإن كل مؤمن يجزم ويؤمن بأن دين الإسلام سيهيمن على كل الأديان ، لقوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
    وسيكون هذا ـ والله أعلم ـ في زمن عيسى ـ عليه السلام ـ عندما يأذن الله بنـزوله من السماء فينـزل ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام .
    قال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده ، ليوشكن أن ينـزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ، ويضع الحرب ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها )) .
    قلت : أما (تلميح) تركي الحمد بأن الخلل قد يكون في ثقافتنا ، فهو لم يوضح كعادته ما يعني بهذه الثقافة التي هي سبب تخلفنا ؟
    إن كان يعني بالثقافة (الإسلام) فقد سبق توضيح أن الإسلام يحث أبناءه ويحرضهم على الأخذ بأسباب التقدم الدنيوي ، وهذا لا يخفى إلا على جاهل يريد أن لايفهم ! وإن كان يعني بالثقافة شيئاً آخر في سلوكياتنا ومفاهيمنا فنرجو من هذا المفكر الألمعي ! أن يوضحه لنا .
    بعد هذا عقد تركي الحمد فصلاً بعنوان (الثقافة العربية والثقافة العالمية) ملخصه أن العالم بعدها تحول إلى قرية صغيرة بفضل الاتصالات نشأ عن ذلك ثقافة (عالمية) يتفق عليها كل البشر ، ومثّل لهذا بـ (العقلانية ، والعلم التجريبي ، وضرورة التحول الدائم (الحداثة إن شئت) ، والتقنية وما يقف وراءها من عقل وذهن، ونحو ذلك) وهذه الثقافة قد (علت وسادت حتى أصبحت ثقافة عالمية بغض النظر عن المصدر والجذور ، وبغض النظر عن مشاعر الحب أو الكره ، القبول أو الرفض لمثل هذه الثقافة).
    ثم بين أن اليابان قد استفادت من أسس هذه الثقافة العالمية دون أن تفقد شخصيتها الخاصة .
    ثم قال : ( أما إذا جئنا إلى المنطقة العربية والثقافة العربية السائدة فإننا نجد أن العلاقة مع هذه الثقافة العالمية أو الثقافة الغربية إن شئت فالمسألة سيَّان ، أقول : إذا جئت إلى المنطقة العربية والثقافية فإنك ستجد مثل هذه العلاقة تشكل إشكالية معينة بل ومعضلة عويصة منذ أول احتكاك للعرب مع الغرب الحديث وحتى هذه اللحظة . ما الخطب هنا وما الذي جعل هذه " الفرادة" للثقافة العربية في تعاملها مع ثقافة هذا العالم المعاصر ( الثقافة الغربية ) بشكل لا يوجد تقريباً في الثقافة الأخرى عند تعاملها مع مثل هذه الثقافة ؟ في اعتقادي فإنه وبالنظر إلى خصائص الثقافة العربية والعقل العربي المتحدث عنها سابقاً فإنه يمكن الوصول إلى جواب معين اعتقد أنه مرضٍ وكافٍ. من خلال هذه الخصائص السابقة يتبين لنا أن الثقافة العربية تعتقد " العلوية " في ذاتها كانت تدرك حسياً أنها ليست كذلك في هذه المرحلة من التاريخ على الأقل . الإحساس بالعلوية هذا يجعل الثقافة العربية تتقوقع على ذاتها وعلى أصولها المُدَّعاة "الثابتة" خشية الاحتراف ومن ثم الذوبان في الثقافة العالمية الجديدة مما يفقدها "أصالتها" وبالتالي أحقيتها في العلوية وقدرتها على السيادة والصدارة . إنه هاجس العلوية والصدارة والسيادة العالمية للثقافة العربية هو ما يعيقها عن الاندماج في العصر والاستفادة من منجزات الثقافة الحديثة ) .
    ( وقد يقول قائل : ( وما العيب في أن تطلب الثقافة العربية الصدارة ؟ أليست اليابان المعاصرة في طريقها إلى السيادة العالمية في ظل النظام الدولي الجديد الآخذ في التكوين ؟) وهذا سؤال مبرر ومشروع ، ولكننا نقول إن النهضة اليابانية والتي ابتدأت في عصر الميجي انطلقت دون أن تكون أسيرة مفاهيم ثقافية كالتي رأيناها عند الحديث عن خصائص الثقافة العربية .وهي ذات المفاهيم التي عرقلت حركة النهضة العربية الحديثة .هذا لا يعني القول بالانفصال المطلق في التجربة اليابانية بين القيم الثقافية الوطنية ومحاولات النهضة ، ولكن المعني منصرف هنا إلى القول إن النهضة اليابانية لم تكن أسيرة هذه المفاهيم بمعنى النظر إليها نظرة ثبوت وسكون وقدسية وإلا فإن إعادة تشكيل هذه المفاهيم كان أحد الحوافز التي أدت إلى النهضة اليابانية الحديثة . هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فإن الثقافة اليابانية لم تكن أسيرة مفهوم الصدارة والعلوية والسيادة الواجبة كمضمون للنهضة ( الموقف الايديولوجي ) بل إنها اتجهت اتجاهاً براغماتياً شبه صرف أدى في النهاية إلى سيادة يابانية من نوع معين وبشكل معين ) .
    قلت : عجيب أمرك يا تركي ! تطالب المسلمين بأن لا يعتزوا بإسلامهم ، وأن لا يروه خاتمة الأديان الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه وتطالبهم بأن يساووا أنفسهم مع الكافرين ، إن لم يكونوا أقل منهم ـ عندك ـ
    ثم تقترح عليهم أن يتخلوا عن دينهم وينساقوا مع الثقافة العالمية ( المزعومة ) لكي يتقدموا ويتحضروا ! هذا هو ملخص فلسفتك السابقة .
    والذي يَعْجب المرء منه أنك لا زلت تخلط بين مسألة التقدم ( الدنيوي ) وبين مسألة الأديان ، فمن كان عندك متقدماً في أمور الدنيا فهو خير من غيره . ولو كان يدين بدين ( الإسلام ) ! .
    ومن كان مسلماً متأخراً في أمور الدنيا فهو شر من الكافرين ـ والعياذ بالله ـ .
    وأجهل من هذا أنك ربطت التقدم ( الدنيوي ) بالتخلي عن الإسلام ، والأخذ بهذه الثقافة العالمية التي اخترعتها .والعقلاء جميعاً يعلمون أن التقدم ( الدنيوي ) لا دخل له بالثقافات ، وإنما هو مبذول للجميع ، فمن أخذ بأسبابه حصل عليه ومن آثر الدعة والكسل حُرمه ـ كما سبق ـ .
    ودليل هذا أننا نجد بلاداً ( غير غربية ) قد نالت من هذا التقدم ( الدنيوي ) حظاً لا بأس به ، بالرغم من تباين ثقافتها كاليابان ، والهند ، وكوريا وغيرها .
    بل نجد بلاداً إسلامية ـ ولله الحمد ـ بدأت تفيق من غفوتها وتسعى حثيثاً إلى حجز مكانها في هذا التقدم . كالباكستان مثلاً .
    ودليل هذا ـ أيضاً ـ أننا نجد كثيراً من الخبراء الذين ساهموا في تطور أرقى بلاد الغرب ( مادياً ) وهي أمريكا ، هم ممن يدينون بثقافات غير ثقافتها ، وإنما وهبهم الله مواهب عقلية استطاعوا بها استثمار طاقات الأرض وكنوزها ، ولما لم يجدوا من يعينهم في ديارهم لجؤا إلى بلاد الكفر فكانوا عوناً لها على تقدمها .
    الحاصل : أن التقدم ( الدنيوي ) لا علاقة له ألبته بالأديان والثقافات، وإنما هو حاصل لمن استثمر مابثه الله في هذا الكون من طاقات ومخزونات .
    والإسلام ـ كما سبق ـ يدعو إلى هذا الاستثمار ويحث أبناءه عليه ، فما على بلاد المسلمين وقد حباها الله الكنوز المدفونه في الأرض إلا أن تستثمر هذا كله ، وتتوكل على الله وحده ، وتشجع النابغين من أبنائها ، وتفتح لهم مجال الانطلاق في هذا التقدم ، دون أن تَحْذَر منهم ! أو تثبطهم ، أو تضع في دربهم العراقيل . فإنها بهذا كله واصلة ـ بلا شك ـ إلى ماوصل إليه الآخرون ، وجامعة بين سعادة الدنيا والآخرة ، وغيرها من الكفار وإن وصلوا إلى هذا التقدم فمثواهم النار وبئس المصير ولو رغمت أُنوف ( المنبهرين ) !
    فليت الدكتور الحمد يفهم هذا ولا يربط التقدم الدنيوي لنا بالتخلي عن (الإسلام ) والأخذ بالثقافة العالمية التي اخترعها من عند نفسه . والله المستعان .
    بعد هذا عقد الحمد فصلاً بعنوان (الثقافة العربية والسلوك السياسي العربي ) ملخصة أن السلوك السياسي هو عبارة عن ترجمة للثقافة التي يحملها المجتمع .
    ولتوضيح ذلك ضرب الحمد مثالين لهذا .
    أولهما : قضية حرب الخليج الأخيرة ، وحيث استخدم صدام في شعاراته أثناء الحرب ، لغة ( ماضوية ) تتحدث عن الدين وعن الصراع بين الإسلام والصليبية … الخ .
    في لغة لا تعبر عن الواقع .
    المثال الثاني : هو تعامل العرب مع قضية فلسطين حيث الرفض والتعالي على الواقع حتى خسرنا كل شيء .
    ثم قال الحمد ( الماضوية والرمزية ـ الأسطورية ـ خلقت بالنسبة لقضية فلسطين انطباعاً ، بل اعتقاداً ميتافيزيقياً هلامياً معينأ من أن فلسطين لابد وأن تتحرر في يوم ما ، وينتهي الوجود الإسرائيلي برمته كيف ، اين ، ومتى ؟ هذه أسئلة عقلانية لا تجد إجابة لها لدى النخب فما بالك بالجماهير . هنالك مجرد حلم " رغبوي " بذلك يسقط على واقع الحال فتنبثق عنه ثلة من الرموز والأساطير . عندما يُقبل ذلك "المنقذ" من الغيب تتحرر فلسطين كما أقبل صلاح الدين وطرد الصليبيين من فلسطين ، وكما جاء قطز والظاهر بيبرس وهزموا أبناء التتار . هنالك بعد ميتافيزيقي غيبي بالنسبة لهذا المنقذ المفترض تعبر عنه الثقافة العربية عموماً والشعبية خصوصاً أفضل تعبير حين تربط الأشياء بالزعامة الفردية وقدرتها على الانقاذ الخارق ) .
    قلت : أما أن صدام حسين استخدم شعارات ( ماضوية ) فيعني بها تركي أن صداماً قد استغل الشعارات الإسلامية عند مواجهته للغرب ، وهذا أمر واقع ، والذي دعاه لهذا هو محاولته كسب تعاطف الجماهير الإسلامية المتعطشة لجهاد أعداء الله ، لاسيما مع تنامي المد الإسلامي في كل البلاد ـ ولله الحمد ـ
    فلهذا لجأ صدام إلى دغدغة الشعوب باستخدام اللغة التي يؤمنون بها ، ويتمنون دعوتها ، ولكنه لم يُفلح كثيراً في هذا لأن الشعوب الإسلامية قد انتشر بينها الوعي الإسلامي فلم تعد تخدعها الشعارات دون الأفعال ، والكثير يعلم أن صداماً وحزبه ( البعث ) هم أكفر وأضر على الأمة من اليهود والنصارى لأنه حزب علماني النشأة وخصم لدود للإسلام ، ولولا مصلحة صدام ومن معه من أعضاء حزب البعث في استخدام الشعارات الإسلامية لكانوا قد داسوا تلكم الشعارات ـ والعياذ بالله ـ تحت أقدامهم ، ولكنهم أناس يدورون مع مصلحتهم ، فهم قد أيقنوا أن الشعوب الإسلامية لم تعد كما كانت بالأمس تحركها الشعارات القومية ، وإنما آمنت وأيقنت بعد أن جربت تلكم الحلول ( القومية ) المنابذة للإسلام بأن الحل الوحيد لمشاكلنا جميعاً هو الالتزام بالإسلام وعودة الحكم الإسلامي إلى ديار المسلمين بعد أن عُطَّل وأُبعد عن الواجهة ـ إلا مارحم الله ـ
    وأما من تعاطف مع صدام وأيده وانساق مع شعارته ، ففي ظني أنه إنما فعل ذلك ليس حباً في صدام وحزبه ، وإنما بغضاً لأهل الصليب .
    أما سخريتك باعتقاد المسلمين بأن فلسطين سوف تتحرر يومأ ما ، ووصمك هذا الاعتقاد بأنه غير واقعي ، وإنما أسطوري غيبي أو ميتافيزيقي كما تقول ، فهذا دليل جهلك بدينك وبأحاديث نبيك ، أو إعراضك عنها وعدم تصديقها .
    فقد قال  مبشراً بهذا : " لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر . فيقول الحجر أو الشجر : يامسلم ! يا عبد الله ! هذا يهوديٌ خلفي فتعالَ فاقتله . إلا الغرقد ، فإنه من شجر اليهود " .
    هذا هو الذي جعل الشعوب الإسلامية تؤمن بأن يوم تحرير فلسطين آت لا ريب فيه ، لأنها تصدق بقول نبيها  الذي قال الله فيهوَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) .
    وليس معنى هذا أن تركن الأمة إلى أن يأتي هذا اليوم الموعود ، وإنما الواجب عليها أن تحرص على الالتزام بدين نبيها  كما أنزل دون بدع أو تحريف ثم تجاهد أحفاد القردة إلى أن يأتي وعد الله .
    قلت : وما سبق من سخريتك بهذا الحديث وما جاء فيه هو دليل على عدم إيمانك بالغيب الذي أخبر به الله وأخبر به رسول الله  ، والله الهادي .

    ثم عقد الدكتور فصلاً بعنوان ( الحالة الثقافية العربية : خلاصات ونتائج ) قال فيه :
    ( نحن أمة لا تعرف ماذا تريد ، وإن عرفت فعن طريق الأسطورة والحلم البحت المجرد ) .
    ( نحن أمة لا تعرف ماذا تريد ، لأنها أمة محكومة بمفاهيم ثقافية ذات خصائص تُقيد من حرية الفعل والحركة لديها بمفاهيم وتصورات لا تعبر عن الحركة في التاريخ بقدر ماتعبر عن السكون واللاتاريخية ) .
    ( العالم يتحدث عن المستقبل ويغير من الحاضر ، ونحن لا نتحدث إلا عن الماضي ، وننقسم حول هذا الماضي المتصور شيعاً وأحزاباً متناحرة في قضية لا وجود لها أصلاً ، وإن وجدت فلا أثر لها في تحولات المستقبل في هذا العالم ، وإذا أردنا أن ندرك حقائق الأمور في هذا العصر حاولنا ذلك من خلال تصورات ومسميات لا علاقة لها بالعصر وثقافته ، أي أننا نسبل الماضي على الحاضر فنخسر المستقبل ) .
    قلت : لا زال الدكترو يتحدث بلغة رمزية عائمة ، فلم يبين الدكتور ماهي الاسطورة التي لا زلنا نعيش فيها ؟ وما هو الماضي الذي يعيب علينا اتباعه ؟ وما هي المفاهيم الثقافية التي تقيدنا ؟
    إن كان يعني بذلك : الإسلام ( الصحيح ) الذي أنزل على محمد  ، فبئس ما سولت له نفسه ، حيث زعم أن اتباع الإسلام يورث الأمة التخلف ويعيقها عن الحركة .
    وإن كان يعني بذلك شيئاً آخر فليبينه ( بوضوح ) لا رمز فيه ، لأنه في مقام النُصح للأمة ، فلماذا الخوف ؟ والماذا التعتعة ؟ والماذا التخفي خلف العبارات (المطاطة) ؟
    أما تلميحه إلى أننا نختلف حول الماضي ، فهو يعني بذلك اختلاف أهل السنة مع أهل البدع وعلى رأسهم الرافضة ، حول قضية الصحابة والخلافة ، وهي قضية قد مضت ، وهدى الله فيها أهل السنة إلى القول الوسط ، والذي يحفظ للصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مكانتهم مع ترديد قوله الله تعالي {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
    أما وقد خاض أهل البدع في هذه القضية وتجرؤا على أعراض خير الخلق بعد الرسل ، فكان من واجب أهل السنة توضيح الحق في هذه المسألة ، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح ليهلك من هلك عن بينه ويحيا من حيَّ عن بينه ، وتبيين الحق في هذه القضية (الماضية ) ليس مما يعيب أهل السنة الذين هم أهل الإسلام ، فاللوم ليس عليهم وإنما على أهل البدع الذين آثروا تفريق الأمة وتحزبها بالخوض في أحداث قد مضت وانتهت ولم يقولوا : ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ماكسبتم ولاتسئلون عما كانوا يعملون ) .
    فاللوم منصب على المبتدعة ـ وعلى رأسهم الرافضة ـ فهم الأحق بتقريع الدكتور حتى يرعووا عن بدعتهم ويعودوا إلى الإسلام ، ليكونوا عوناً لإخوانهم أهل السنة في نشر دعوة الحق ، والترقي في مراقي التطور والتقدم .
    ثم عقد الدكتور خاتمة لكتابة أسماها ( نحو ثقافة عربية جديدة ) ومن يطلع على هذه الخاتمة يتوقع أن يسعفنا الدكتور فيها بخلاصة ما يريد قوله للأمة بعد أن أنهكته اللغة ( الرمزية ) طوال بحثه ! ولكن القارئ لخاتمته يفاجأ بأن الدكتور لا زال يتخبط ويتعثر في سبيل التوضيح عن مراده ويستخدم نفس اللغة السابقة التي سار بها طوال بحثه .
    يقول الدكتور ما ملخصه بأن ( لكل النهضات الإنسانية المعروفة تاريخياً ابتدأت بنوع من الثورة الابستمولوجية ! التي غيرت من نظرة الإنسان إلى نفسه ، وإلى مجتمعه ، وإلى العالم من حوله ) ( فكانت النهضة ، وكان الابداع ، وكان الفعل الحضاري ) .
    ( وعندما نقول مثل هذا الكلام ، فإن ذلك لا يعني الانفصال التام أو القطيعة المطلقة بين الثقافة السائدة والثقافة اللاحقة ) .
    ثم يقول تركي ( كل الطروحات النهضوية العربية تقريباً ( الإسلامية منها والقومي ) تدور في فلك التراث ولكنها لاتنطلق منه بمعنى أنها تدور في النسق التراثي ولا تبني أنساقاً جديدة ) .
    ( لأجل ذلك ، فإن المفاهيم والتصورات والقيم الماضوية ( التراث ) تبقى حاملة لمضمونها السابق في الأنساق السابقة وذلك لانعدام النسق الجديد ومن ثم تفقد فاعليتها لأنها تنتمي إلى زمان غير الزمان ومكان يختلف عن المكان . ومهما حاولنا تحديث هذه المفاهيم والتصورات والقيم باعطائها مضامين جديدة عن طريق التوفيق وإعادة التفسير والتأويل فإن ذلك لا يجد إذا كان النسق العام للأشياء ( ومنه النسق الابستمولوجي والثقافي عامة ) وبنية العقل ذاتها ثابتة لا تتغير وهذا النسق لا يكون إلا بالإنطلاق من حيث انتهى الآخرون ( وفق ما تقضي به التجارب النهوضية الناجحة ) سواء كان هؤلاء الآخرون هم " الآخر " الغربي أو التراث ذاته وليس الفرق في كل ذلك. بمعنى آخر ، إن المطلوب هو سيطرة الحاضر على الماضي وليس سيطرة الماضي على الحاضر ) .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    ثم ختم تركي دراسته بقوله : ( من أجل الاندماج في العصر الحديث ، ومن أجل أن يكون للعرب دورٌ في هذا العالم وإيجابية معينة لابد أن تكون البداية على مستوى الثقافة ، مستوى العقل ، مستوى الخطاب ، قبل أي شيء آخر وذلك من خلال نسق جديد للمعرفة يستوعب الحديث ولا يرفض القديم ولكنه لايغرق فيه أو يسجن نفسه فيه في ذات الوقت . كيف يكون هذا النسق وكيف تكون محدداته وبُناه مسألة لا أجيب عنها وحدي ولا أستطيع الإجابة وليس لي حق الإجابة وحدي إنها مسألة مطروحة ومتروكة لكل قطاعات الانتلجنسيا العربية كي تقدم رؤاها ورؤياها وفق إحساس بالمسؤولية معين ووفق نظرة منفتحة متفتحة ليست أسيرة أي نوع من أنواع الدوغما والثقافة المدرسية وذات منهج متوازن يوائم ما بين الأمل والألم ، الحلم الواقع ، وهذه هي خصائص الانتلجنسيا الجديدة التي على عاتقها يقع الجزء الأكبر من مسؤولية بناء ثقافة عربية جديدة فهل توجد مثل هذه الانتلجنسيا ؟ وهل ستوجد مثل هذه الثقافة الجديدة وتكون نهضة عربية حقيقية أم أن الانقراض هو المصير ، هذه هي المسألة ) .
    قلت : كما هي عادة الدكتور فإنه يستخدم لغةً هي أشبه بالألغاز أو لغة (المجذوبين ) من غلاة الصوفية ، وإلا فما معنى قوله ( كل الطروحات النهوضية العربية تقريباً . . . تدور في فلك التراث ) ثم يوضح هذا بقوله ( بمعنى أنها تدور في النسق التراثي ولا تبني أنساقاً جديدة ) !!! فما هذا اللغو الكلامي الذي لا طائل تحته ؟ فليس الفهم وادعاء ( العقلانية ) يكون باستخدام هذه المعميات ، وأن يخبط المرء خبط عشواء ، لا يدري ما يقول فهذا لا يعجز المرءَ صنعُه ، فالجميع يجيد مثل هذا التلاعب بالألفاظ وتعمية المعاني تحت دعاوى التحليل والتفكير العقلاني !
    وإنما الفهم والذكاء يكونان باستخدام لغة واضحة يتم من خلالها تشريح المشكلة القائمة ثم طرح الحلول التي يرى الكاتب أنها مناسبة لها ، لكي يستفيد من كلامه الناس الذين يخاطبهم هذا المفكر ، بدلاً من تصديع رؤسهم بمثل هذا اللغو غير المثمر .
    ثم أقول : ما يقصد الدكتور بأن كل الطروحات العربية والإسلامية تدور في فلك التراث ؟ هل يعني أنه يطالب بأن يُنبذ التراث !؟ والتراث كما نعلم يدخل في مسماه عند الإطلاق : الكتاب والسنة . فهل يقصد الدكتور هذا ؟ وما هي الأنساق الجديدة التي يريد الدكتور أن نبنيها لنتقدم ونتحضر بزعمه ؟
    هلاَّ وضح ذلك .
    الذي يعلمه العقلاء أننا نحتاج ـ لنتطور ونتقدم دنيوياً ـ إلى أن نتمسك بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة في أحكامنا وسلوكنا ، وعبادتنا ، ثم نفتح آفاق المعرفة ( الدنيوية ) لأفراد الأمة لكي يساهموا فيها بما يستطيعون ، مع دعمهم ، وتسهيل مهمتهم ، ورفع العوائق عن دربهم ، فبهذا نحصل على سعادة الدارين :
    الدنيا: بترقينا فيها مع التزامنا بديننا وعدم التفريط فيه .
    والآخرة : بديننا الذي استقمنا عليه ، فأوصلنا ـ بعد رحمة الله ـ إلى جنة رب العالمين .
    نعم ! بهذه البساطة يمكن علاج مشاكلنا التي لبَّسها علينا الدكتور ، ودعانا إلى نبذ ديننا تحت دعاوى ( نقد العقل ) أو ( الثورة الابستمولوجية ) !! إلى آخر هذا الهراء .
    وكما قلت ـ سابقاً ـ يخلط الدكتور كثيراً بين التقدم ( الدنيوي ) وبين الدين والتزامه ، فيرى أننا لنتقدم ( دنيوياً ) لابد أن نتخفف من ديننا ـ والعياذ بالله ـ ونسي مدعي العقل أن لا علاقة بين الاثنين ـ كما سبق ـ
    أما خاتمة دراسة الدكتور فهي أيضاً لغز معمىً يضاف إلى قائمة ألغازه السابقة ، فهو يطالبنا بأن تكون ( البداية على مستوى الثقافة ، مستوى العقل ، ومستوى الخطاب ، قبل أي شيء آخر ، وذلك من خلال نسق جديد للمعرفة ، يستوعب الحديث ، ولايرفض القديم ، ولكنه لايغرق فيه أو يسجن نفسه فيه ، في ذات الوقت) .
    كيف يكون هذا ؟ وما هو هذا النسق الجديد ؟
    يقول الدكتور : ( لا أستطيع الإجابة ، وليس لي حق الإجابة وحدي ) !!!
    كيف لا تستطيع الإجابة ، وأنت الذي نظرَّت ، وحلَّلت ، ودرست حالتنا الثقافية الراهنة ، ثم لما جدَّ الجد ، وجاء وقت تقديم الحل لمشاكلها تسللت لواذاً هرباً من الجواب ! كيف تدعي أنك مفكر ، وأنت لا تستطيع تقديم حلٍ لمشكلة أنت أنشاتها ، وهوًّلتها ، وبنيت عليها كتابك ؟
    حقيقةً ، هذا من العجائب أن يختم الدكتور كتابه بهذه الخاتمة ، وهذا دليل على أن فكر الدكتور من النوع ( الهدمي ) لا ( البنائي ) .
    فهو كالأستاذ الذي يخطَّئ طالبه في أجوبته ، فإذا طالبه الطالب بالحل الصحيح عيَّ وسكت !
    فهل يعقل مثل هذا !؟
    أم أن المسألة مجرد هدم لبناء هذه الأمة ، ولو لم يُقَدم لها البديل ، كما يفعل أبالسة الحداثة عندما يهدمون ولا يبنون ، ويُقيَّضون ولا يشيدون ، والهدم ـ كما يعلم الجميع ـ من أسهل الأشياء ، أما بناء الأمم فهو أمر لا يستطيعه إلا أفذاذ الرجال ، ولا أظن الدكتور ( الهدمي ) منهم ! .


















    نقد كتاب
    دراسات ايدلوجية في الحالة العربية


    هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة من الدراسات والمقالات التي كتبها الحمد في أوقات متفاوتة ، وفي أماكن متفرقة ، ومناسبات مختلفة .
    وعند تأملي لها وجدت أنها لا تخرج في محتواها عن الكتاب السابق للدكتور الحمد ( الثقافة العربية أمام تحديات التغيير ) .
    لهذا فقد اخترت التعليق على أبرز ما فيها مما يحتاج إلى مراجعة وتعقيب .

    المسلمون ليسوا أفضل البشر عند الحمد

    يقول الحمد عن لحظة ( التقاء ) المسلمين بحملة نابليون على مصر : ( إن تلك اللحظة التاريخية تشكل في محيطها العام نوعاً من الحَجَر ألقي في بركة ساكنة من الماء محدثاً بذلك دوائر ودوائر ما زالت تتفاعل وتتداخل حتى هذه اللحظة دون أن تهدأ ودون أن يعود إلى البركة هدؤها واستقرارها . لقد بينت هذه اللحظة الفريدة البسيطة في عرف الزمان لسكان هذه المنطقة من العالم ، أن العالم غير العالم الذي عهدوه وخبروه وأن الكون يحتوي غيرهم من الشعوب وغيرهم من الأمم ليسوا بتلك الدونية التي كانت " مفاهيمهم " المتوارثة تصورها لهم . بمعنى من المعاني ، نستطيع القول أن هذه اللحظة التاريخية قد بينت لهم أنهم ليسوا وحدهم في الكون وأن هذا الكون (العالم ) أوسع مما يتصورون أو تصوره لهم المفاهيم السائدة حوله . بل لقد بينت هذه اللحظة أنهم ليسوا أسياد الكون كما كانوا يعتقدون بل ليسوا أفضل من فيه )
    قلت : لازال الحمد مصراً على تفضيل ( الكفار ) على ( المسلمين ) ، وتفضيل (ثقافاتهم ومن ضمنها أديانهم المحرفة ) على ( ثقافتنا وهي الإسلام ) ولا زال لم يفهم ـ وأظنه لا يريد أن يفهم ـ أن التطور ( المادي ) الذي حظي به الغرب لا يعود إلى أديانهم أو ثقافاتهم ، وإنما يعود إلى استغلالهم خزائن الأرض والكون ( المبذولة لكل أحد ) واندفاعهم في سبيل استثمارها دون معوقات أو مثبطات ، بل بتشجيع العقول ( النابغة ) عندهم ، وتسهيل مهمتها لتنتج وتثمر . . . إلى أن أدركوا هذا التطور (المادي ) المشاهد الذي هو ليس حكراً عليهم .
    بل ـ كما سبق ـ كل من بذل أسبابه سينال منه ما قدره الله {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ } .
    فلا أدري لماذ يتجاهل تركي هذا ولماذا يضخم الموضوع تضخيماً مبالغاً فيه ، ويصور أن تحقيقه لن يكون إلا بأن تتخلى الأمة عن دينها ( وهو يسميها مفاهيمها المتوارثة ) .
    وقوله بأن المسلمين ليسوا أفضل من في العالم ، هو قول ( كفري ) والعياذ بالله ، لا يخفى على من عرف مبادئ الإسلام . حيث فضَّل ( الكافرين ) على ( المسلمين ) . نعوذ بالله من الخزي والمهانة ودناءة النفس التي تجعل المرء يستصغر نفسه وأمته أمام أعداء الله ، فينظر إليهم نظر المتسول المستشرف لما عندهم من ( مفاهيم ) و (ثقافات).
    وليعلم الحمد أن الغرب وإن تطور ( مادياً ) فهو باقٍ على ( نصرانيته ) القديمة ، معتز بها . وهكذا اليهود ، وهكذا غيرهم من ( الوثنيين ) كأهل الشرق ـ مثلاً ـ
    فلم يتغير شيء على وجه الأرض منذ ظهر الإسلام ، كما يزعم الحمد ، لأن الكل باقٍ على ( ديانته ) ومعتز بها ، بل ومنافح عنها .
    وإنما الذي تغير أن هذه الأمة تأخذ بأسباب التطور ( المادي ) فتتطور ، وتلك تقصر عنها فتبقى في مكانها .
    فلماذا التهويل يا تركي ؟ وكأن العالم قد نقلب رأساً على عقب كما تريد أن تصوره لنا .

    الحضارة ( المادية ) مرتبطة بأديان وثقافات الكفار عند الحمد :

    لا يرتضي الحمد لنا أن نأخذ بحضارة الغرب ( المادية ) لأنها مرتبطة (بثقافتهم) ، فإما أن نأخذهما جميعاً ، أو نذرهما جميعاً .
    يقول الحمد : ( إن التاريخ العربي الحديث والمعاصر يبين أن عملية " التوفيق " هذه هي عملية كمية وليست كيفية. بذلك نعني محاولة دمج ما لا يدمج ومزج ما لا يمزج وذلك وفق مقولة " نأخذ منهم ما يتفق وقيمنا ونترك الباقي " وقد ترجمت هذه العبارة في كثير من الأحيان على أساس " استيراد" المنتجات المادية لحضارة الغرب المعاصر دون التعرض لمسألة القيم والايديولوجيا ( وفق الفهم الشمولي ) . بمعني آخر فإن هذا الموقف يفصل ما بين منتجات الحضارة المادية وما بين منتجاتها أو إفرازاتها الثقافية والأيديولوجية ، ويدعو إلى أخذ الأولى ورفض الثانية .
    وهذا الموقف ، في رأينا يشكل استحالة منطقية واجتماعية في آن واحد . فالحضارة أية حضارة ، هي عبارة عن كل واحد ليست افرازاتها المادية إلا نتاج لإفرازاتها الثقافية والايديولوجية وهذه بدورها ليست إلا إفرازاً للنتاج المادي وذلك في وحدة جدلية فاعلة ومنفعلة في آن معاً . والاستحالة تنبع ، من الناحية السوسيولوجية ، من استحالة الجمع " الكمي " بين الشق المادي لحضارة ما والشق الثقافي الايديولوجي لحضارة أخرى ) .
    قلت : يحاول الحمد من خلال هذا القول ( الكاذب ) أن يسد جميع المنافذ على الأمة ، ويحاول أن يقودها إلى ما يريد .
    فإن هي التزمت بدينها وصمها بالتخلف والانغلاق ، وفضل غيرها عليها .
    وإن هي حاولت أن تستفيد من حضارتهم ( المادية ) صاح بها بأنها لن تستطيع هذا لأن حضارتهم ( المادية ) مرتبطة بثقافتهم ، فإما أن تأخذها جميعاً ، أو تتركها جميعاً
    فماذا تفعل الأمة بعد أن سدَّ الحمد عليها المنافذ ؟ سيأتي ما يريده منها .
    أما هنا فلنناقش قوله بأننا لا نستطيع أخذ التطور ( المادي ) دون أخذ الايدلوجيا أو الثقافة .
    فأقول : ما المانع من أن نفعل هذا ؟
    ثم ما هو هذا التطور ( المادي ) الذي سيرتبط بالثقافة ؟
    الذي يعلمه الجميع أن قمة الحضارة المادية اليوم هي في :
    ـ بلوغ الذروة في مجال الفضاء : صناعة طائرات مدنية أو حربية ، صناعة صواريخ متنوعة ، اطلاق أقمار صناعية ومركبات فضائية .
    ـ بلوغ الذروة في انتاج أنواع الأسلة الحربية المتنوعة .
    ـ انشاء المصانع المختلفة المتطورة : صناعات حربية ، صناعات استهلاكية ، صناعات ثقيلة . . . الخ
    ـ التفوق في عالم الاتصالات والحاسب : إنشاء شبكاته ، صناعة أجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية ، أنظمة وأجهزة الحاسب الآلي ، الإنترنت .
    ـ التفوق في الزراعة : أجهزة زراعية متطورة ، تخطيط نافع لما يُزرع وكميته ونوعيته ..
    هذه ـ في ظني ـ أبرز ملامح التطور (المادي) المعاصر الذي من حصَّله فقد فاق غيره في القوة ، وأصبحت له سيادة ومهابة.
    فما دخل كل هذه بالايدلوجيا والثقافة !؟
    وهل كل ما سبق سوى عقول بشرية استفادت مما بثه الله على سطح وفي أعماق الأرض وفي الكون من طاقات كامنة تنتظر من يتوصل إليها فيستغلها ، فاستطاعت أن تسخرها لخدمة أوطانها وبلادها .
    فما الذي يمنعنا من :
    1 ـ استقدام خبراء وفنيين يكونون نواةً لمن بعدهم في استغلال طاقات وكنوز بلادنا.
    2 ـ تشجيع النابغين من أبنائنا ، وجلب ما يحتاجونه من مواد ومعدات لكي ينتجوا ويحققوا أهدافهم كما فعل غيرنا .
    3 ـ ومن ثمّ نحصّل ما حصله غيرنا بعد أن أسسنا البنية التحتية السليمة .
    أعود فأقول : ما دخل كل هذا بالايدلوجيا والثقافة التي يوهمنا بأنها مرتبطة بهذا التطور (المادي) !؟
    هل يخشى الحمد أن تسير الأمة على هذا الدرب فتصل إلى ما وصل إليه غيرها دون أن تفقد هويتها أو تفرط في دينها !؟ فأراد أن يسد عليها هذا المنفذ ، لكي تضطر إلى الاستجابة إلى (فكرته) التي تدعو إلى (الشك) في كل شيء و(هدم) كل شيء لنبدأ مشوارنا من جديد ـ كما زعم الحمد ! ـ
    الحمد يدعو إلى نقد الكتاب والسنة الصحيحة !!
    يقول الحمد موضحاً فكرته :
    ( إن المطلوب في هذه المرحلة التاريخية الحرجة ( وكل فترة تاريخية هي فترة حرجة في حقيقة الأمر ) هو سيادة العقل النقدي لدى المثقف العربي خاصة ومثقف العالم الثالث عموماً ، وذاك يعني أول ما يعني التخلص بوعي كامل من محددات العقل ( الدوغماتي) بكافة تفرعاته الايديولوجية والخطابية سواء ما كان منها يتجه شرقاً أو غرباً وما يتجه منها إلى أعماق التاريخ يستفتيه أو ما يسيح منها في عالم الجغرافيا يستنطقه . وعندما نقول سيادة العقل النقدي والتخلص من العقل الدوغماتي فإن ذلك يفرض علينا بادىء ذي بدء التخلص من فرضية نجدها سائدة في حنايا العقل العربي قديمة وحديثة ألا وهي فرضية الحقيقة المطلوبة في مقابل النسبية وحركية الحياة والتاريخ ، فمن الملحوظ أن المثقف العربي على اختلاف مواقعه الايدلوجية والمعرفية والاجتماعية ، يشكل البحث عن الحق والمطلق ثابت الثوابت في تنظيره وخطابه سواء كان ذلك بشكل واع أو غير واع . ولأجل ذلك ، كما أرى ، فإن حياتنا الثقافية والعقلية وإن كان ظاهرياً تتصف بالتعددية إلا أنها هيكلياً ليست ألا انبثاق لعقلية واحدة ونظرة أحادية واحدة للكون والمجتمع ، ولأجل ذلك عجزت النهضة العربية المعاصرة عن تحقيق النهضة وعجزة الثورة عن تحقيق الثورة وعجزة الأصالة عن تحقيق الأصالة وكذلك الحداثة عجزة عن تحقيق الحداثة .
    إن المطلوب إذن هو عقل نقدي وهذا لا يكون إلا بإلغاء محددات العقل الدوغماتي من حياتنا ، ولا يكون ذلك إلا باعتناق النسبية وديمومة الحركة ، وكل ذلك لا يكون إلا بنوع من الثورة المفاهيمية في الحياة العقلية العربية . ثورة مفاهيمية شبيهة بتلك الثورة التي استهلها عصر النهضة الأوروبية حيث كان الانقلاب الجذري في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى مجتمعه والى الكون من حوله . بمعنى آخر ، فنحن بحاجة إلى نوع من النظرة النقدية التي تعيد موضعة الإنسان بالنسبة إلى نفسه ( مفهومه عن نفسه ) وبالنسبة إلى مجتمعه ، وبالنسبة إلى الكون الذي يعيش فيه . وعندما نقول نظرة نقدية أو عقل نقدي فإن البعض قد يعتقد أن ما نقوله هنا ليس إلا جزءاً من موقف القبول المطلق بالغرب ومفاهيم الغرب والذي انتقدناه بدءاً وإن ذلك سوف يؤدي إلى انقطاع كامل وجذري مع التراث والتاريخ الخاص بنا كأمة وجماعة . نرد هنا فنقول إن المسألة ليست كذلك ، فالنظرة النقدية أو العقل النقدي يقف دائما موقف ((المرتاب)) أو الشاك تجاه ما يأتيه من هنا أو هناك ، من أعماق التاريخ أو من مجاهل الجغرافيا فيصيغ كل ما يأتيه وفق ما تقتضيه حركة التاريخ والمجتمع غير ناسف في ذلك عمومية المفهوم أو خصوصية المجتمع الذي يعمل فيه . إن القبول المطلق أو الرفض المطلق أو التلفيق الكمي هي مواقف دوغماتية في جوهرها حيث أنها تأخذ كلاً أو ترفض كلاً دون مراعاة عامل الحركة في التاريخ والمجتمع ) !!
    إذن فقد صرّح الحمد بمراده بعد طول تردد !
    فهو باختصار يريد من الأمة !
    1 ـ أن يسود فيها (العقل) .
    2 ـ أن تتخلص من ( العقل الدوغاني بكافة تفرعاته الايدلوجية والخطابية.. ) أي أن تتخلص من كل ما يقيد هذا العقل ، ولو كان قول الله ـ عز وجل ـ ، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم !! فإن هذين ـ كغيرهما عند الحمد ـ سيخضعان للعقل النقدي الذي يبشّر به ويدعونا إليه !!
    3 ـ أنه ليس لدينا (حقيقة مطلقة) ، لأن كل شيء قابل للنسبية والتطور ! فكما أن كل شيء يتطور فكذلك الحقيقة تتطور ! فليس شيء ثابتاً عند الحمد ولو كانت أقوال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يُصرّح بهذا !
    4 ـ يطالبنا الحمد لتحقيق (العقل النقدي) أن نكون من (الشاكين) (المرتابين) فلا نقبل أي شيء دون عرضه على هذا العقل النقدي ، فإن قبله قبلناه ، وإن رفضه رفضناه ، ولو كان قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلابد من الشك والارتياب فيهما لكي نتطور ! وصدق الله إذ قال عن الكافرين والمنافقين : { وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب } فهذا نهاية ما يدعونا إليه الحمد من (الشك) ، و( الارتياب ) أن يحال بيننا وبين ما نشتهي ـ والعياذ بالله ـ
    ثم إن الحمد في دعوته إلى ( العقل النقدي ) لم يأت بجديد ، وإنما مردد لما قام به طه حسين تقليدأ لديكارت من الشك في كل شيء ولو نصاً من القرآن أو من السنة الصحيحة !
    فجاء الحمد مردداً هذه الفكرة ( البائدة ) في بلادنا ، التي لم ترض بغير الإسلام بديلاً ، ولو كره الشاكون المرتابون

    الحمد يزعم أن حياة الرسول  متناقضة !!

    يقول الحمد تحت عنوان ( ايدلوجيا المثقف التقليدي ) : ( إن الايديولوجيا التقليدية ، والتي يحملها الشيخ كما في كتابات العروي ، أو السلفي كما في كتابات الجابري ، هي ايديولوجيات تقرأ الحاضر في الماضي ، وتنفي البعد الزماني في قراءتها . بمعنى آخر ، ووفق تعبير الجابري فإنه : " عندما يقرر السلفي أن العرب والمسلمين عامة لن ينهضوا إلا بمثل ما نهضوا به بالأمس ، مستعيداً قوله الإمام مالك " لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " ، فهو يفكر في النهضة داخل مجال خاص ، داخل منظومة مغلقة هي تلك يقدمها له النموذج الحضاري العربي الإسلامي في القرون الوسطي والتي تشكل إطاره المرجعي الوحيد . . . " بمعنى آخر ، فإن أيديولوجيا التقليدي تتضمن استلاباً زمنياً معيناً ، يتلخص في أن المثقف التقليدي ( الشيخ ، السلفي ) إنما يعيش في " حلم زاه " مفصول الجذور عن الواقع المعاش واللحظة التاريخية الراهنة . أي أن الايديولوجيا التي يحملها التقليدي هي بمعنى من المعاني وفق المفهوم الماركسي الكلاسيكي : وعي زائف وغيوم تحجب الحقيقة التاريخية الفاعلة . وكل شيء وفق ايديولوجيا هذا المثقف خاضع لإطاره المرجعي ، أو نموذجه المثالي وفق مفهوم ماكس فيبر ، الذي هو في غالب الأحيان لا يتجاوز فترة حياة الرسول والمرحلة الراشدة ، رغم تناقضاتها العديدة إذا درست وفق منهج تاريخي موضوعي ) !!
    قلت : مقولة الإمام مالك ـ رحمه الله ـ لم يفهمها هؤلاء الجهلة ( العروي ـ الجابري ـ الحمد ) فالإمام مالك يبين في كلمته تلك بأن المسلمين لن تصلح أحوالهم ، وعلى رأسها الأحوال الدينية ، إلا بأن يتمسكوا بالإسلام الذي جاء به القرآن والسنة الصحيحة ، وهو الذي كان زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ـ رضي الله عنهم ـ دون أن يزيدوا عليه ببدع وخرافات ومقولات كلامية ما أنزل الله بها من سلطان ، ودون أن يفرطوا فيه وينقصوا منه .
    لأنه تعالى يقول {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} .
    ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " قالوا : يارسول الله ومن هم ؟ قال : " من كان على ما أنا عليه وأصحابي " وهذا في أمر ( الدين ) كما هو معلوم لكل عاقل يريد أن يفهم ، وهذا هو الذي يقصده الإمام مالك .
    أما أمر ( الدنيا ) فهي خاضعة للتطور ، وعلى الأمة أن تسعى لتحصيلها والاستفادة من تطورها .
    أما إن كان العروي والجابري والحمد يقصدون أن الحق قد يكون في غير (الإسلام ) أي في غير ( الكتاب ) و ( السنة الصحيحة ) ، وأنه ليس مقصوراً عليها ، وأن من حصر الحق في ماجاء به الإسلام فهو ( مثقف تقليدي ) فهذا ـ والعياذ بالله ـ ردة عن دين الله ، حيث اعتقدوا أن غيره من الأديان أو الثقافات ألاخرى قد تكون أفضل منه ، أو أنها مصيبة وهو مخطئ ، نعوذ بالله من ذلك .
    فهي طعن بدين الإسلام ، وعدم رضىً بما جاء فيه ، بل والشك والارتياب في مبادئه الثابتة بالكتاب والسنة ، بل شك وارتياب بالكتاب والسنة نفسهما ! كما لا يخفى على عاقل يفهم ما يلمحون إليه .
    ومما يؤكد هذا : اتهام الحمد في آخر كلامه ( حياة الرسول المرحلة الراشدة) بأن فيها تناقضات عديدة !! ( إذا دُرست وفق منهج تاريخي موضوعي ) !! فهل بعد هذا ( الفكر ) من كفر !؟ حيث يدعي هذا ( الضال ) بأن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة خلفائه الراشدين متناقضة !
    ولا ندري ماهو المنهج التاريخي ( الموضوعي ) الذي سيطبقه الحمد على حياة أشرف أنبياء الله حتى يبين تناقضها !؟ أهو منهج الشك ، أم منهج ( بقايا) الشيوعيين !؟
    لقد خبت وخسرت في قولك هذا عندما اتهمت حياة نبيك صلى الله عليه وسلم بأنها متناقضة ، ولا ندري متناقضة مع ماذا ؟
    وصدق الله إذ يقول لنبيه : ( إن شانئك هو الأبتر ) .

    الحمد يتهم آل سعود بالاستغلالية والنفاق !!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    الحمد يتهم آل سعود بالاستغلالية والنفاق !!

    يقول الحمد : ( إن تعاليم الشيخ لعبت ـ وتلعب ـ دوراً محورياً في التاريخ السياسي للجزيرة العربية بشكل عام ، فقد أعطت الوهابية الأسرة السعودية المالكة أساساً ايدلوجياً لاضفاء الشرعية على مطالبها وطموحاتها السياسية في السيطرة والسلطان ) !! إذن فآل سعود ـ عند الحمد ـ منذ محمد بن سعود ـ رحمه الله ـ وإلى اليوم ( خادم الحرمين ) وفقه الله لطاعته ، مروراً بالملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ قد استغلوا تعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ أي الدعوة السلفية ، لتحقيق طموحاتهم في الحكم .
    فهم لم يناصروها حباً في الإسلام أو في الدعوة السلفية وإنما طعماً في مُلك زائل يتسلطون به على رقاب المسلمين !
    فهو يُشَبّه آل سعود بالمنافقين الذين يبطنون مالا يُظهرون ـ والعياذ بالله ـ .
    ونسي هذا الجهول جهاد محمد بن سعود وأبنائه وأحفاده ( عبد العزيز ـ سعود ـ عبدالله ) في سبيل هذه الدعوة السلفية ونشر مبادئها ، بل وتعلمها وتعليمها ، وعدم التنازل عنها في أحلك الظروف ، مع أن بإمكانهم مهادنة أعداء الدعوة مع الاحتفاظ بملكهم .
    ونسي ـ أيضاً ـ جهود تركي بن عبد الله وابنه فيصل في سبيل إعادة مبادىء الدعوة ونشرها بين الناس ، والذود عنها ، وعدم الرضا بغيرها ، مع أنهم ـ كأسلافهم ـ يستطيعون مهادنة الأعداء ، الذين سيقبلون ذلك ، مع الاحتفاظ بملكهم دون أن تمسه يد مغتصب .
    ونسي أيضاً جهاد الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في سبيل انشاء دولة (سلفيه ) معاصرة ، تحرص على نشر الدعوة السلفية ، ولا ترضى عنها بديلاً من أفكار وثقافات كان يعج بها العالم العربي والإسلامي .
    نسي الحمد كل هذا واتهم آل سعود بالنفاق ، لأته لم يرتضِ مشربهم ولا مبادئهم ، وإنما نفسه تنـزع إلى غيرهم من ( شياطين ) حزب البعث والماركسية – كما سيأتي ـ .















    ثلاثية
    تركي الحمد


    ثلاثية تر كي الحمد تسمى ( أطياف الأزقة المهجورة ) وهي من ثلاث حلقات أو روايات متسلسلة تحكي قصة بطل واحد هو ( هشام العابر ) .
    الحلقة الأولى : بعنوان ( العدامة )
    الحلقة الثانية : بعنوان ( الشميسي )
    الحلقة الثالثة : بعنوان ( الكراديب )

    1 ـ العدامة :
    بطل هذه الثلاثية هو ( هشام بن إبراهيم العابر ) شاب صغير السن يعيش مع والديه في مدينة الدمام في فترة الثمانينات الهجرية . وأما اصلهم فيعود إلى القصيم ! .
    وكان هذا الفتى الصغير مولع بالقراءة ومتابعة مايدور من حوله من أحداث وأفكار في تلكم الفترة الصاخبة بالشعارات ، فاعتنق لأجل هذا الفكر القومي الماركسي الذي كان متوهجاً ساحراً لكل متفتح على الحياة ، لا سيما بعد نجاح هذا الفكر ( على اختلاف درجاته ) في الاستيلاء على البلاد العربية مما زاد من رصيد معتنقيه الذين رأوا فيه خير موحد للأمة العربية التي مزقها الاستعمار .
    لهذا : اعتنق هشام هذا الفكر وآمن به ، ثم استطاع تنظيم ( حزب البعث بالسعودية !! ) أن يضمه إليهم كعضو جديد في الحزب بعدما أعجبوا به وبأفكاره .
    استمر هشام يحضر اجتماعات الحزب ( السرية ) ، ويشارك في نقاشاتهم وفي إعداد التقارير لهم عن الأحوال السياسية الجارية .
    كما أنه استطاع أن يضم صديقه ( عدنان العلي ) إلى هذا الحزب ، إلا أنه برغم كل هذا يود التخلص من الارتباط بعضوية الحزب ، مع البقاء على أفكاره دون أن يشعر بأي تقييد .
    سافر هشام إلى الرياض لتقديم أوراقه إلى كلية التجارة مؤملاً أن يدرس شيئاً عن الأفكار والأنظمة السياسية المختلفة . فاضطر للسكن في بيت خاله ( المتدين ) .
    كان أولاد خاله يختلفون عنه كثيراً في أسلوب حياتهم وطريقة عيشهم ، وحيث كانوا مقبلين على اللهو والتمتع بالحياة ولم تكن الأفكار الفلسفية والأحداث السياسية تستهويهم لا سيما ( عبدالرحمن ) الذي تميز عنهم بحبه للمغامرات (النسائية) مع شربه للخمر ( أو العَرَق ) .
    تغيرت أحوال هشام بسبب ابن خاله عبدالرحمن الذي أغراه بالتمتع بشبابه ومعاقرة الخمر والنساء فانساق هشام معه تدريجياً إلى أن سقطت جميع المثل التي كان يراها في السابق من عينيه بفضل رعاية والديه له في الدمام . فأقبل على حياته الجديدة بنهم شديد وبعلاقات نسائية متتالية .
    كان هشام قد سافر من قبل مع أهله إلى بلدهم الأصلي ( القصيم ) لزيارة جده وجدته .
    وهناك تعرف هشام على (عبد المحسن التغيري ) الذي عرَّف هشاماً على بقية زملائه من خلال ( كشتات ) البر . وهم ( محمد الغبيرة ) و( دعيس الدعيس ) و(سليم السنور ) و ( صالح الطرثوث ) و( مهنا الطعيري ) وكانوا جميعاً من المهووسين بجمال عبد الناصر وبقوميته لا سيما ( مهنا الطعيري ) .
    عاد هشام إلى الدمام مواصلاً ترقب أخبار الاعتقالات التي حدثت لأفراد الحزب والأحزاب والتنظيمات الأخرى المعارضة ( للحكومة السعودية ) ومواصلاً أيضاً غزله المتبادل مع بنت الجيران ( نورة ) .
    وبهذا انتهت الرواية ألأولى من ثلاثية تركي الحمد .
    لتبدأ بعدها أحداث الرواية الثانية ( الشميسي ) .

    2 ـ الشميسي :
    تكاد تكون أحداث رواية الشميسي مخصصة لحال هشام في مدينة الرياض ، وهذا مايوحي به اسمها ( الشميسي ) الذي هو أسم شارع شهير في مدينة الرياض .
    سجل هشام في كلية التجارة وانتقل إلى السكن عند خاله في الرياض ، وكثرت ملابسته للمحرمات من شراب ونساء بواسطة ( عبد الرحمن ) ابن خاله .
    ثم ارتبط بعلاقة غير شرعية مع جارة خاله ( سارة ) أو ( سوير ) وأصبح يتردد عليها .
    تفاجأ هشام بالتزام صديقه عدنان ، الذي اختار سبيل الخير مسلكاً له وارتبط مع شباب صالحين أثناء قدومه للدراسة الجامعية في الريا ض ـ أيضاً ـ .
    انتقل هشام للسكن في عزبة مع ( عبد المحسن التغيري ) الذي قدم الرياض من القصيم لكي يأخذ ـ أي هشام ـ حريته الكافية التي كانت مقيدة نوعاً ما في منزل خاله .
    انتهت امتحانات نصف العام فذهب هشام إلى الدمام لزيارة أهله مواصلاً علاقته العاطفية مع ( نورة ) بنت الجيران بعد أن علم بزواجها .
    رجع هشام إلى الرياض مواصلاً ـ أيضاً ـ مغامراته النسائية لا سيما مع (سوير ) التي حملت منه
    جاء والده فجأة لزيارة الرياض لاخباره بأنه مطلوب من قبل رجال الأمن (المباحث ) .
    وبعد أخذ ورد قرر الوالد اخفاءه عن أعين الأمن عند أحد زملائه إلى حين استصدار جواز مزور له لكي يتمكن من الهرب إلى بيروت عن طريق البحرين ، ولكن رجال الأمن كانوا له بالمرصاد حيث قبضوا عليه وحققوا معه ثم قرروا ترحيله إلى جدة لمواصلة التحقيق ( الجاد ! ) معه .
    بهذا الحدث انتهت رواية الشميسي وهي الحلقة الثانية من ثلاثية تركي الحمد ، لتبدأ بعدها أحداث الحلقة الأخيرة من الثلاثية وهي رواية ( الكراديب ).

    3ـ الكراديب :
    هذه الرواية مخصصة أحداثها لبيان أحوال هشام في السجن في جدة بعد أن حُقق معه ولكنه أبى الاعتراف بانتسابه إلى تنظيم ( حزب البعث ) ، فقرروا أن يلبث في السجن إلى حين ، حيث تعرف من خلال السجن على ( عارف ) وهو أحد الشيوعيين فبدأت بينهما نقاشات حول أفكار بعضهما مع شد وجذب ، لأن كل واحد منهما يؤيد فكرته لتصحيح الأوضاع .
    اعترف هشام بما يريده السجانون فنقلوه من مكانه إلى مكان آخر أفضل منه. حيث تعرف ـ أيضاً ـ على ( وليد ) الذي يؤمن بالقومية كحل لأفراد الأمة ، و (عبد الله ) الذي ينتمي إلى ( الجبهة الديمقراطية ) وهي جبهة منفصلة عن حزب البعث ، ( ولقمان ) الذي ينتسب إلى الإخوان المسلمين ! .
    استمرت النقاشات بين هؤلاء الأربعة ، وكلٌ منهم يحاول أن يبين صحة نظرة واختياره هذا المسلك الذي سلكه ، وارتضاه دون غيره .
    بعد مدة من الزمن تم الافراج عن هشام الذي عاد فوراً إلى الدمام ، ولكنه وجد كل شيء حوله قد تغير ولم يعد يحمل ذكرى الماضي لا سيما وأبوه قد انتقل إلى في بيتٍ جديد بدل بيتهم القديم الذي عاش فيه سنيه الأولى .
    بعد أخذ ورد قرر أهله أن يعود إلى مواصلة دراسته في الرياض ، فعاد إليها مندهشاً لمدى تغيرها عن عهده القديم بها ، في مبانيها وفي أفرادها ( وهو ينظر بعينين فقدتا بريقهما ، إلى أزقة كانت مأهولة ، فلم تعد إلا أزقة مهجورة تجوبها أطياف لاحياة فيها ، ولكنها لا تريد أن تموت ) ، وبهذا انتهت .
    أحداث الحلقة الأخيرة من ثلاثية تركي الحمد .

    ملامح بطل الثلاثية : هشام العابر :
    لنتبين ملامح ( هشام العابر ـ أو تركي الحمد ) في هذه الرواية سأقتطف بعض العبارات من الثلاثية تُكون لنا صورة متكاملة لشخصية ( صفاته وطموحاته ) لتأتي بعدها مناقشته في أفكاره :
    1ـ هو شاب يحب القراءة : لاسيما قراءة الكتب ( المحرَّمة ) الفلسفية والماركسية .
    ( لقد خرج إلى الدنيا وهو لا يعرف إلا هواية واحدة ، ولذة واحدة هي القراءة ، ويقرأ أي شيء ، وكل شيء تقع عليه يده )
    ( أخذت القراءات الفلسفية والسياسية تجذبه كثيراً منذ أن أهداه أحد أصدقاء والده كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد " لعبد الرحمن الكواكبي ، حتى أنه كان يقضي ليالي بطولها في قراءة النصوص الماركسية والقومية والوجودية وغيرها من التيارات الفلسفية والسياسية مما تقع عليه يده في المكتبات المحلية ، أو يحصل عليه مما هو غير متاح في المكتبات )
    ( في المرحلة الثانوية أهمل الدراسة إهمالاً تاماً ، ولولا خشيته من جرح كبرياء والده وقلب أمه لما درس إطلاقاً ، وتفرغ لعالمه الجديد من القراءة واكتشاف النصوص المحرمة )
    ( لم تعد الكتب المتوفرة في المكتبات المحلية ترضي شغفه بالعالم الجديد الذي اكتشف ، فكان في كل رحلة مع والديه إلى الدول المجاورة ، الأردن أو سوريا ولبنان يجلب معه بعضاً من تلك الكتب الممنوعة والمحرمة ، والتي تكون زاده المعرفي طوال الفترة اللاحقة ) .
    ( كان ينفق كل مصروفه على الكتب الماركسية غير المتاحة في بلده ، وخاصة مؤلفات آرنستوتشي غيفارا ، وريجس دوبريه ، وفرانز فانون ، بالإضافة إلى مؤلفات ماركس وانجلز وبليخانوف ولينين وترو تسكي وستالين ، التي تشكل الزاد الفكري الرئيسي .أما ما كان يهزه من الداخل فعلاً ، فقد كانت مؤلفات غيفارا التي كانت تدغدغ شيئاً ما داخل ذاته . كانت هذه الكتب ، بالإضافة إلى الأعمال الأدبية والروائية العالمية الخالدة ، تباع بأرخص الأسعار على أرصفة الشوراع في عمان ودمشق وبيروت ، وعلى عربات أشبه بعربات الخضار . التهم خلال رحلاته ، وبعد العودة ، كل روايات مكسيم غوركي خاصة ، وأهم الروايات الخالدة في الأدب الروسي عامة . قرأ " آنا كرنينا " و " البعث " لليو تولستوي ، " والجريمة والعقاب " "والأخوة كارامازوف " لفيدور دوستويفسكي ، " الدون الهاديء " لميخائيل تشولوكوف . وقد أثارت فيه رواية " الأم " لغوركي أحاسيس وانفعالات عنيفة متداخلة ، من الغضب إلى الحماس إلى البكاء إلى العطف إلى القسوة إلى الرقة ، مما جعله يعيد قراءتها مرات ومرات . بكى عدة مرات مع العم توم في كوخه ، وعاش مع لانغ وزوجته في أرضهما الطيبة ، وتعاطف كثيراً مع مدام بوفاري بنفس القدر الذي حنق فيه على سكارليت أوهايرا . وكان يختلس لحظات طويلة يقرأ فيها ألبرتو مورافيا وبلزاك واميل زولا ، لا حباً في ذات هذه الأعمال دائماً ، ولكن بحثاً عن مشهد جنسي هنا ، أو وصف لعلاقة حميمة هناك ويتصور في لحظة حلم يقظة أنه البطل في كل هذه العلاقات. أما ذلك الوصف الأخاذ للحياة الاجتماعية في هذه الأعمال ، فلم يكن يهمه كثيراً ، إذ كان يعتقد أن الأدب الروسي لا يعلى عليه في هذا المجال كما قرأ بعض روايات تشارلز ديكنز ، وأعجبته خاصة " قصة مدينتين " ، التي اعتبراها ، مع " الأم" أفضل أعمال يمكن كتابتها . كان ينفق مصروفه على هذه الكتب ) .
    2ـ هو يريد أن يكون مفكراً طليقاً ، لا يتقيد بأي دين أو مذهب سوى ( العلم ! ) .
    ( يذكر ذات مرة أنه دخل في مجادلة مع مدرس الدين حول نظرية النشوء والإرتقاء لدارون ، حين شتم هذا المدرس النظرية واصفاً إياها بالفكر والإلحاد ، وشتم صاحبها واصفاً إياه باليهودية والمؤامرة اليهودية على الإسلام والمسلمين . يذكر يومها أنه قال للمدرس إن هذه النظرية إنتاج علمي ، والعلوم هو سيد العصر شئنا أم أبينا . قد يخطىء دارون وقد يصيب بشأن أصل الإنسان وأصل الأنواع ولكن التطور حقيقة تفرض نفسها ، كما أن دارون ليس يهودياً لا أباً ولا أماً . يومها اتخذ منه مدرس الدين موقفاً عدائياً ، واصبح لا يناديه إلا بالفاسق . ولكن ذلك لم يكن يهمه كثيراً بل لم يكن يهمه على الإطلاق، مع ذلك الحماس وذلك الإنطلاق الذي وجده في عالمه الجديد ) .
    ( أريد أن أكون مفكراً طليقاً ، لا مناضلاً سياسياً في تنظيم ) .
    3ـ هو ماركسي المذهب ، ليس كالماركسيين ، بل يحب المزج بين الماركسية والقومية العربية :
    ( أعجبته كتابات ياسين الحافظ وكذلك المنطلقات ، إذ وجد فيها مزيجاً أخاذاً ومثيراً من الماركسية والقومية . وجد فيها شيئاً

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    كان أنه ينقص الكتابات الماركسية التي قرأ ، وكذلك الكتابات القومية على اختلافها . فقد سبق له أن قرأ " في سبيل البعث" لميشيل عفلق ، وبعض كتابات منيف الرزاز وصلاح البيطار ، والكتابات الناصرية القليلة مثل فلسفة الثورة ، لجمال عبد الناصر ، وكتابات أنور السادات حول ثورة يوليو وعبد الناصر ، وكذلك " بصراحة " محمد حسنين هيكل التي ينشرها في جريدة الأهرام كل يوم جمعة ، ويستمع إليها من خلال إذاعة "صوت العرب " من القاهرة ، فقد كانت الأهرام ممنوعة من الدخول في بلده . كانت الكتابات الماركسية تركز على المسألة الاجتماعية والأممية ، وبقدر ما كان متحمساً للمسألة الاجتماعية ومؤمناً بها ، بقدر ما كان متردداً بشأن المسألة الأممية .إنه يشعر أنه قومي حتى النخاع ، والقومية تسري في عروقه . وتهزه خطابات جمال عبد الناصر ، وتثمله الشعارات القومية التي يطلقها البعثيون والناصريون والقوميون العرب . لكن رغم ذلك ، كان يحس أن هنالك شيئأ ناقصاً ، كان يشعر أن هؤلاء لم يعطوا المسألة الاجتماعية حقها من الإهتمام ، وخاصة قضايا مثل الصراع الطبقي والإشتراكية العلمية والحتمية التاريخية . ولذلك اعتقد أن الفكر الماركسي ، رغم بعض التحفظات ، هو الذي من الممكن أن ينير الطريق ويعطي فلسفة متكاملة للحياة . أعجبته كتابات الحافظ والمنطلقات لأنها تمزج المسألة القومية بالإجتماعية . جامعة ما يشعر بميل إليه في فلسفة واحدة )
    ( لا تعجبني أفكار عفلق والبيطار والرزاز . أعتقد أنها عاطفية أكثر من اللزوم ، رغم إيماني بإطارها العام . نحن بحاجة إلى فلسفة متكاملة . وأعتقد أن الماركسية هي الحل رغم النواقص التي من الممكن إكمالها )
    ( إذا كان ما في المنطلقات هو فكر البعث ، فإني أجد نفسي فيه ، فهو يمزج القومية بالماركسية . . . وهذه هي قناعاتي )
    ( أحس بالهلع والنفور من كل ما يمت إلى التنظيم وفكره بصلة . وبقيت علاقته الحميمية بالماركسية )
    هو يتبنى فكراً ماركسياً لا يتعقد بدور البطل في التاريخ ، بل هي التناقضات المادية والاجتماعية التحتية ، وانعكاساتها الفوقية السياسية والثقافية )
    ( الماركسية . . . هي الفكر العلمي الشامل القادر على منحنا مفاتيح التاريخ والمجتمع والسياسة ، ومن لديه هذه المفاتيح لا خوف عليه ولا هو يحزن )
    ( الحقيقة أني ميال إلى الفكر الماركسي )
    ( سوف يتعلم الماركسية على أصولها )
    ( من قال لك أني شيوعي ؟ . . . أنا اشتراكي ) .
    ( أنا أميل إلى الماركسية ، ولكني لست شيوعياً ) .
    ولكن هشاماً برغم هذا الحسم (الماركسي) لتوجهه إلا أنه بقي متردداً متحيراً في أمره تصارعه أفكار شتى حول هذا الكون ، وخالقه ، وأحداثه ، مما لم يستطع أن يستوعبه فأصبح ينادي بتفاهة هذه الحياة وأهلها ، وعبثية أحداثها وأقدارها ، مع ترقب وتوجس لهجوم الموت (الغادر!) عليه :
    (ليست الحياة إلا حفلة ماجنة يُدخن فيها الحشيش ويؤكل الخبز مغموساً بالنبيذ والعرق الراشح من أجساد أدمنت الجنس ، وأدماها الهوى ، ومزقت نفسها بوحشة أخلاقية .نحاول أن نضفي المثال والجمال على هذه الحفلة العابثة ، ولكن كل شىء ينكشف ولو بعد حين ، وتقف الحقيقة عارية من جديد ، كما ولدت عارية من قديم … العدم يقف بالمرصاد ، والمجهول يتربص من بعيد ، والعجز يقيد المجتمع )
    (الموت قادم لا محالة .. إنه مصير ملموس ، وليس كمصير الأمة أو الطبقة مشكوك فيه بقدر ما هو مشكوك في الأمة والطبقة ذاتهما . فلماذا الإحتياط ، ولماذا الخوف ؟ … ولماذا هذه اللعبة السمجة ، لعبة القط والفأر … ما نحن إلا ممثلون في مسرحية ، وسواء طال دور أحدنا في هذه المسرحية أم قصر ، فإنه لايلبث أن ينتهي ، وتنتهي كل المسرحية في النهاية …
    ثم بعد تردد طفيف .
    ـ ولو كان لي من الأمر شيئاً في البداية ، لما اخترت الاشتراك في المسرحية من الأساس ) .
    ( هل ما يجري هو حكمة خافية لاندريها ، أو أنه مجرد عبث اعتدنا عليه فأصبح نظاماً ، أم هو مزيج منهما ، أم لا هذا ولا ذاك ؟ أين المعنى في كل ذلك وما هو النظام ؟ لا أحد يدري ، ولن يدري أحد ) .
    ( يالهذا الموت الجبان الغادر … إنه يأخذ أجمل ما في الحياة ويضحك ويهجرنا حين نريده ، ويحل ضيفاً ثقيلاً حين لانريده … ليت موسى لم يفقأ عين عزرائيل حين أتى لقبض روحه ، ولكنه قصم ظهره أو دق عنقه … ولكن حتى لو مات عزرائيل ، هل يموت الموت ؟ ويقلع عن أفكاره هذه ويقتنع بأهمية الموت لا ستمرار الحياة ، ولكنه يكرهه ، ولا زال يعتقد بجبنه وغدره ) .
    (عليك الرحمة ياابن آدم . ظنت نفسك أكرم الكائنات ، الذي طرد من أجله عابد الأزل من الرحمة والملكوت ، فاكتشفت أنك أتفه من ذبابة وأحقر من بعوضة يا لك من معتوه يا ابن آدم ، أردت أن تكون إنساناً كما أراد لك من أنسنك ، ولكنك وجدت نفسك في عالم تداس فيه كصرصار تائه ، وتسحق فيه كذبابة وقحة ) .
    قلت : هذه أبرز ملامح (هشام العابر) : فهو يحب القراءة منذ صغره في الكتب (المحرّمة) الفلسفية والماركسية ، التي كانت ممنوعة ـ لضررها ـ في بلاده (السعودية) ولهذا كان يحرص على تحصيلها من عدة منافذ .
    ولأجل قراءته هذه فقد تعلق قلبه بالفكر الماركسي والفكر القومي الذي كان عالياً صوته شديداً هيجانه في تلك الفترة ، فحاول أن يمزج بين (القومية والماركسية) متأثراً ببعض قيادات ومنظري (حزب البعث) .
    ولأجل هذا انضم (هشام) ـ على كرهٍ وتمنع ـ إلى هذا الحزب ، لأنه يود أن يكون مفكراً طليقاً ، بدلاً من حصره في صرامة التنظيمات .
    وكانت نظرته إلى الحياة سوداوية تشاؤمية ، لأنه لم يعرف لها هدفاً ، ولم يفقه حكمة الله من خلقها ، وجعل الخلق يتوارثونها ، لم يعد يرى منها سوى أنها حياة لا قيمة لها ، تجري أحداثها وأقدارها بعبثٍ لا حكمة فيه .
    قلت : ويتضح بعد هذا الموجز عن هشام العابر (أو تركي الحمد !) وأفكاره أن الحديث ـ دون تطويل ـ سيكون حول :
    1 ـ نقض الماركسية التي نادى بها الحمد .
    2 ـ نقض القومية العربية التي نادى بها الحمد .
    3 ـ نقض مبادىء حزب البعث ، الذي انظم إليه الحمد .
    4 ـ نقض مبدأ الإنسانية التي نادى بها الحمد .
    5 ـ بيان عقيدة أهل السنة في (القدر) مع توضيح حكمة الله من خلق الخلق .
    6 ـ بيان تنقص الحمد في ثلاثيته :
    أ ـ الله .
    ب ـ وملائكته .
    جـ ـ وكتبه .
    د ـ ورسله .
    هـ ـ ودينه .
    و ـ وعبادة الصالحين .
    7 ـ مباحث أخرى .






    الماركسية

    تنسب هذه النحلة إلى مؤسسها ( اليهودي ) كارل ماركس الذي ولد في ألمانيا عام 1818م وهلك عام 1883 م . وهو ينحدر من أبوين يهوديين ينتميان إلى الحاخامات العالمين بشريعة اليهود .
    ( وبعد أن انتهى من التعليم الثانوي بمسقط رأسه التحق عام 1835م بجامعة بون ثم انتقل إلى برلين حيث درس التاريخ والفلسفة والاقتصاد .
    وفي أثناء دراسته ببرلين اتصل بجامعة الشباب الأحرار الذي كانوا يعتنقون الفلسفة الهيجلية ، وبعد ذلك انتقل كارل إلى الصحافة والتحق بتحرير جريدة رانيش نسياتنج الراديكالية إلى أن عطلت الجريدة بسبب دعوتها الثورية .
    وفي عام 1844 تزوج كارل من جيني فون فستنالين التي عاشت أحداث أسرته المتقلبة إلى أن ماتت عام 1881 وما لبث أن لحق بها بعد عدة شهور من وفاتها وذلك عام 1882 .
    وكان كارل ماركس قد هاجر وزوجته جيني إلى باريس عام 1844 حيث التقى بصديقه ورفيق حياته الشخصية والمذهبية فريدريك انجلز الذي شاطره الرأي والتفكير وشاركه في عدد من مؤلفاته منها : العائلة المقدسة ، والمثالية الالمانية ، كما التحق كلاهما بالحلف الشيوعي وهو منظمة للاجئين الألمان في فرنسا حتى طردا كلاهما من باريس فارتحلا إلى بروكسل الألمانية .وفي عام 1847 أصدر كلاهما ـ كاركس وانجلز ـ كتابهما المشهور " البيان الشيوعي " وهو في جملته يتضمن تحريضاً للعمال على الثورة ضد الطبقة الرأسمالية .
    وبعد عودة قصيرة إلى ألمانيا هاجر ماركس وأسرته وزميله فريدريك انجلز إلى انجلترا . وفي لندن تابع ماركس إصدار مؤلفاته وأفكاره .
    ثم عكف بعد ذلك على أشهر مؤلفاته وأكبرها وهو كتاب " رأس المال " وقد ضمنه خلاصة أفكاره وتصوراته في الاقتصاد بما يشرح فيه تحليلاً مفصلاً عن المال وسيطرة الأثرياء والمستغلين وعن العمل المضيع المستغل لحساب البورجوازيين والرأسماليين فيما يسمى بفائض القيمة . وقد صدر الجزء الأول من " رأس المال " عام 1867م . أما الجزءان الآخران فقد اضطلع انجلز بمهمة تجميع المسودات لهما إلى أن تم نشرهما بعد وفاة ماركس ( .

    مصادر فلسفته :
    استفاد ماركس من عدة مصادر لدعم فلسفته ونظريته ومن أبرزها :
    1ـ الفيلسوف الألماني ( هيجل ) أخذ منه مبدأ التناقض في الحياة ، أو (الدياليكتيك).
    ) وقد أخذ ماركس الإطار الجدلي الهيجلي ، بيد أنه لم يقبل القول بأن الفكر أو العقل أو الروح أو المطلق المثالي هو الذي يؤثر على الحياة والواقع المادي ؛ فقد ذهب على نقيض ذلك إلى أن مجموعة الظروف المادية هي التي تؤثر في الفكر والعقل ، ثم انتقل من ذلك إلى اعتبار أن ( عوامل الإنتاج الاقتصادي ) خاصة هي التي تؤثر في كافة العلاقات والتطورات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تتكون منها حركة التاريخ ؛ فهذه العلاقات والتطورات كلها أثر من آثار ظروف الإنتاج الاقتصادي (.

    أهداف الماركسية ومبادؤها :
    ) تقوم النظرية الماركسية على مجموعة من الأسس والمبادئ يمكن تلخيصها في النقاط الآتية :
    1ـ إلغاء الملكية الفردية إلغاء باتا وإحلال الملكية الجماعية بدلاً منها .
    2 ـ إلغاء الطبقات بإقامة دكتاتورية البرليتاريا وإبادة الطبقات الأخرى .
    3ـ كفالة الدولة لجميع " المواطنين " في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالاً ونساء .
    4ـ المساواة في الأجور .
    5ـ إلغاء الدين ! .
    6ـ تطبيق مبدأ " من كل بحسب طاقته ، ولكل بحسب حاجته " .
    7ـ إلغاء الصراع من المجتمع البشري بإلغاء الباعث عليه وهو الملكية الفردية .
    8 ـ إلغاء الحكومة في المستقبل ، وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة ( .

    نقض الماركسية :
    نحاول فيما يلي نقض كل واحد من هذه المبادئ في إيجاز دون تفصيل :
    1ـ ) فأما من حيث إلغاء الملكية الفردية فقد تم ذلك وبصورة حادة في المرحلة الأولى من التطبيق على عهد لينين وجزء من عهد ستالين . أما إحلال الملكية الجماعية محلها فقد تكشف عن أسطورة ضخمة ليس لها وجود حقيقي ! فلا أحد من طبقة البروليتاريا يملك شيئاً في الحقيقة أو يحس بملكية شيء .إنما الدولة ـ كما نصت النظرية ـ هي المالك الحقيقي لكل شيء والدولة ـ عند التطبيق ـ شيء والشعب شيء آخر . ومهما قيل من " نيابة " الدولة عن البروليتاريا في الملكية والإشراف عليها فهو مجرد كلام للاستهلاك النظري . أما الواقع فهو أن الدولة أصبحت كابوساً ثقيلاً بدكتاتوريتها البشعة التي لا تدع للناس فرصة للإحساس بوجودهم فضلاً عن أن يحسوا بأنهم يملكون شيئاً على الإطلاق !
    فجو الإرهاب الدائم الذي تمارسه الدولة على الشعب بحجة المحافظة على النظام من أعدائه وجو الجاسوسية الذي يعيش فيه إلى حد أن الوالد لا يأمن ولده ولا الزوج يأمن زوجته ولا الأخ يأمن أخاه ـ ضمانا ألا يجتمع اثنان على سر خشية أن يكون السر مؤامرة على " النظام " ! ـ هذا الجو الذي يمكن أن يؤخذ فيه الإنسان بالظنة فيحاكم ويحكم عليه بالإعدام أو الاعتقال في ثلوج سيبيريا أو بأي عقوبة أخرى "رادعة " .. وهو جو لا يسمح بوجود " التعاطف " بين الشعب والدولة ، ذلك التعاطف الذي يحس فيه أن الدولة نائبة عنه في الملكية والإشراف عليها . . فالنيابة لا تكون بالحديد والنار والتجسس . . إنما يخضع الشعب للدولة بعامل الإرهاب المسلط عليه ، ويفقد في النهاية أي شعور بملكية شيء على الإطلاق ! ولا يبقى له إلا شعوره بالحرمان ! ( .
    ) لقد زعمت النظرية الشيوعية أن الأصل في الإنسان هو الملكية الجماعية، وأن الملكية الفردية هي إنحراف شرير وقعت فيه البشرية بعد اكتشاف الزراعة ، وأن الشيوعية الثانية سترد الإنسان إلى أصله " فيستمتع " بالملكية الجماعية ويشفى من هذا الانحراف الخطير الذي أفسد إنسانيته وأشاع الظلم في المجتمع البشري لقرون عديدة من الزمان !
    ثم فرضت " الدولة " الأمر فرضاً بالحديد والنار . .
    فهل شفيت النفوس من الداء وسلمت من الانحراف ، وارتدت إلى أصلها الملائكي المزعوم ؟!
    إن الذي حدث بالفعل ـ أشرنا إليه من قبل ـ أن " النظام " تراجع في عهد ستالين ثم في عهد خر وشوف عدة تراجعات .
    ففي المرحلة الثانية من عهد ستالين كان " النظام " في حاجة إلى زيادة الإنتاج ، ومن ثم أعلن ستالين أنه من أراد من العمال ـ بعد وحدة العمل الإجبارية الأولى ـ أن يقوم بوحدة ثانية إضافية فسيكون له عليها أجر إضافي يستطيع به أن يحسن أحواله المعيشية فيشتري أنواعاً من الطعام أفخر ، أو كميات أكبر ، وأنواعاً من الملابس أرقى مما توفره وحدة العمل الإجبارية .
    وموضع الدلالة : أن الدولة حين احتاجت إلى زيادة الإنتاج لم تجد وسيلة إليه إلا إثارة الحافز الفردي والالتجاء إليه .ولو كانت ترى ـ أو تعتقد في دخيلة نفسها ـ أنه يمكن زيادة الإنتاج دون الالتجاء للحافز الفردي لفعلت ، خاصة وهي تملك الحديد والنار وتستخدمهما ـ بإسراف ـ في جميع المجالات ، ذلك أن الالتجاء للحافز الفردي ـ أيا تكن مبرراته التي تلقى أمام الناس ـ هو تراجع عن أصل من أصول النظرية ، وهو الأصل القائل بأن الملكية الفردية ليست شيئاً فطرياً وأن الأصل في الناس هو الملكية الجماعية !
    موضع الدلالة إذن أن كل بطش الدولة لم يستطع أن " يشفي" الناس من الحافز الفردي ويضع الحافز الجماعي مكانه . ومعنى ذلك أن الحافز الفردي ـ الوثيق الصلة بالملكية الفردية ـ عميق في الفطرة إلى حد لا يمكن انتزاعه ، ولو استخدمت في انتزاعه كل وسائل البطش والإرهاب ( .
    2ـ ) أما إنشاء مجتمع غير طبقي ، وإلغاء جميع الطبقات ما عدا طبقة البروليتاريا وإقامة دكتاتورية البروليتاريا ، فقد اختلف التطبيق فيها اختلافا واسعاً عن النظرية !
    ولسنا نتحدث هنا عن " محاسن " إنشاء مجتمع غير طبقي ، ولا كون هذا الأمر واجباً أو غير واجب ، ممكنا أو غير ممكن ، إنما نتحدث عن الواقع التطبيقي لنرى مقدار قربه أو بعده عن الشيء الذي قالوا إنه واجب أن يكون .
    لقد زالت طبقة الاقطاعيين نعم ، وحال تطبيق الشيوعية في الدولتين الشيوعيتين الكبيرتين دون ظهور الطبقة الرأسمالية ، وما كان منها موجوداً في الدول الأخرى التي اعتنقت الشيوعية فقد أزيل إما بنزع الملكية الفردية وإما بالإبادة الثورية.
    ولكن ما الذي حدث بعد ذلك ؟!
    الذي حدث بالفعل أن " طبقة " جديدة بكل تعريف الطبقة ومواصفاتها قد برزت في المجتمع الشيوعي تحت أسم جديد بالمرة هو " الحزب " !
    والفارق بين أفراد الحزب ـ بدرجاته المختلفة ـ وبين أفراد الشعب هو ذات الفارق بين أية طبقة كانت مالكة وحاكمة من قبل وبين الشعب ! فأدنى درجات الحزب ـ وهي العضوية العادية ـ تنشئ لتوها ضخما في كل شؤون الحياة . وليست العبرة بوجود الملكية الفردية أو عدم وجودها فلم يكن منشأ الطبقية في المجتمعات الطبقية هو مجرد وجود الملكية الفردية كما زعم التفسير الجاهلي للتاريخ ، إنما كان ما يترتب على الملكية من سلطان ونفوذ ، انطلاقاً من مبدأ أن الذي يملك هو الذي يحكم. أي أن الطبقية في الواقع ـ وإن نبعث في المجتمعات الجاهلية من الملكية الفردية كما يقول التفسير المادي ـ إنما هي طبقية السلطان والنفوذ ، التي تنبع من قدرة هذه الطبقية على التشريع لحساب نفسها وإلزام الآخرين بالخضوع لهذا التشريع .
    وقد ألغيت الملكية الفردية من المجتمع الشيوعي ، ولكن السلطان والنفوذ الذي تركز في " الحزب " قد جعل منه طبقة متميزة ، لها كل سمات الطبقة ومميزاتها سواء في نوع المعيشة ـ أي المتاع ـ أو في النفوذ والسلطان ( .
    ) إن تركيز النفوذ في " الحزب " و " الدولة " و " الزعيم " هو الذي ينشئ ذلك الفارق الضخم بين " اللاشيئية " و " الشيئية " في المجتمع الشيوعي . . ولذلك يصبح أكبر مطمح للفرد لعادي في المجتمع الشيوعي أن يضع قدمه ـ مجرد وضع ـ ولو على أدنى درجة من درجات ذلك البناء الشاهق الذي يمثل السلطان ، فيتغير وجوده كله ، بل يصبح في الحقيقة موجوداً بعد أن لم يكن له وجود ( .
    3ـ ) أما كفالة الدولة لكل فرد من أفراد المجتمع فهي الشيء الوحيد الذي برزت به الشيوعية في عالم الواقع على كل جاهليات التاريخ .
    لا يوجد فرد لا يأكل ولا يلبس ولا يسكن من كل أفراد الشعب . وهذا هو الواجب الذي نكلت عنه الدولة الاقطاعية والدولة الرأسمالية على السواء . وإذا كانت الدولة الرأسمالية الحديثة قد اقتربت من أداء هذا الواجب شيئاً من الاقتراب بالضمانات الاجتماعية والإعانات التي تصرف للمتعطلين من نقاباتهم أو من الدولة ، وبالرعاية الصحية المجانية ، وبالخدمات المجانية العامة .. الخ ، فإنها لم تبلغ بعد الحد الذي التزمت به الدولة الشيوعية ، فضلاً عن كونها قد فعلت ما فعلت لا بدافع إنساني ولكن خوفاً من الشيوعية ، من جهة ، وخوفاً من الضرر الذي يلحقها إذا لم تستجب لطلبات العمال المطالبين بهذه الحقوق .
    ولكن لنا على هذه الكفالة مجموعة من الملاحظات . إذا قسناها على الكفالة التي قررها الإسلام لكل فرد من أفراد الأمة قبل ذلك بثلاثة عشر قرنا من الزمان !
    تكفل الدولة الشيوعية أفرادها على الحد الأدنى الذي وصفناه من قبل ، ومع ذلك لا تكفلهم وهم كرماء على أنفسهم ولا على دولتهم ! ولا نتحدث الآن عن تكليفهم بالعمل ـ رجالاً ونساء ـ مقابل كفالتهم ، أي أن الدولة لا تتفضل عليهم بالكفالة إنما هي تجندهم لحسابها وتستصفي جهدهم كله قبل أن تعطيهم ضرورات حياتهم ، وتهددهم تهديداً صريحاً بقولها : من لا يعمل لا يأكل . . .
    لا نتحدث الآن عن هذا ، فالعمل على أي حال هو الأصل في حياة الإنسان وليست البطالة هي الأصل . . ولكنا نقول إن الدولة الشيوعية بإلغائها الملكية الفردية والعمل الحر ، وتحويل كل الناس أجراء للدولة ، إنما تستذلهم في الواقع بلقمة الخبز ، فلا يملكون أن يتوجهوا بكلمة نقد واحدة للقائمين بالأمر خوفاً على لقمة الخبز أن تضيع . . وذلك بخلاف الإرهاب بالحديد والنار والتجسس ، الذي يزيد من مذلة الناس وانكماشهم وخضوعهم للظلم الواقع عليهم دون التفوه بكلمة أو إشارة تدل على عدم الارتياح فضلاً عن الاحتجاج الصريح .
    ولقد زعمت الشيوعية أن الذل الوحيد في الأرض هو عمل الإنسان أجيراً لإنسان آخر ، وزعمت أنها هي التي ستخلص الناس من الظلم وتمنع الاستغلال حين تمنع تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر .
    نعم . . . ولكن ما الفرق بين تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر ، وتأجيره "للدولة " التي هي شخص معنوي في الكلام فقط ، ولكنها في الواقع مجموعة من البشر يحملون من السلطان ما يجبرون به الناس على أداء العمل الذي يطلبونه منهم ، وما يعاقبونهم به إذا قصروا في أدائه ؟ وأيهما أذل ـ في عالم الواقع ـ الأجير الذي يملك ولو ذرة واحدة من الحرية في اختيار شخص ((السيد)) الذي يبيع له جهده ، والمساومة على زيادة هذا الأجر ، والاحتجاج على انخفاضه إذا رآه كذلك ، أم الأجير الذي لا يملك ذرة من الحرية في تلك الأمور كلها ، لا اختيار نوع العمل ولا مكانه ، ولا اختيار ((السيد)) الذي يخدمه ـ فهو مفروض عليه بالحديد والنار ـ ولا حق الاحتجاج على الأجر المنخفض ولا طلب زيادته .. وإن فتح فمه بكلمة يموت جوعاً ، إن لم يمت بوسيلة أخرى غير الجوع ؟!
    وأية سفسطة تلك التي تقول إن الذل لا يكون قائماً حين تكون ((الدولة)) هي التي تسخر الناس للعمل وهي التي تمنح الأجور؟! ما تعريف الذل ؟! وما اسم ذلك الإحساس الذي يحسه الإنسان حين يجد أنه لا يملك حريته في أي أمر من الأمور، وأن عليه أوامر ينبغي أن يطيعها ، وواجبات ينبغي أن يؤديها ، دون أن يكون له حق الاعتراض على شيء من الأشياء ؟!
    أم يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ؟!
    يحلونه إذا كان صادراً منهم ومحققاً لمصلحتهم ، ويحرمونه إذا صدر من غيرهم أو لم يكن في صالحهم ؟(
    4 ـ ) أما قضية المساواة في الأجور فلا تزيد على أن تكون واحدة من الأساطير الكثيرة التي بددها التطبيق .
    في عهد لينين والجزء الأول من عهد ستالين طبقت روسيا مبدأ المساواة في الأجور لجميع العمال في الاتحاد السوفيتي . ولكن هل كانت هناك مساواة عامة في الأجور بالنسبة لكل العاملين ؟
    هل كان أجر المهندس كأجر العامل ؟ وأجر الطبيب كأجر الممرض ؟ وأجر الجندي كأجر الضابط ؟
    إن هذا بداهة مستحيل !
    ومع استحالته فقد ظلت النظرية الشيوعية تنافح عن قضية المساواة وتندد بقضية التفاوت في الأرزاق !
    ثم جاء اليوم الذي انهارت فيه المساواة حتى في صفوف العمال أنفسهم ، بعد أن كانت منهارة ما بين العمال وغيرهم من العاملين . فقد لجأ ستالين ـ كما أسلفناـ إلى إباحة العمل بعد الوحدة الإجبارية الأولى لقاء أجر إضافي ينفق في ((الكماليات)).. وهكذا ضاعت المساواة تماماً ولم يعد لها وجود! ( .
    5 ـ أما إلغاء الدّين فهو الأمر الذي نجح فيه الماركسيون في بلادهم !! فقالوا بأنه ( أفيون الشعب ) وخدرها .
    ) وفي التطبيق اشتد الماركسيون في محاربة الدين . فلم يكتفوا بتحريم الحديث فيه ، ومعاقبة من يضبط ((متلبساً)) بالحديث في الدين مع شاب أو فتاة دون الثامنة عشر ، بل بالغوا في الاحتياط فوضعوا في مناهجهم الدراسية درساً للإلحاد في مكان درس الدين ! فحيث يضع البشر كلهم درساً للدين في مدارسهم ـ مؤمنين وغير مؤمنين ـ يتحدثون فيه عن الله ، يضع الشيوعيون في مدارسهم درساً يقال للتلاميذ فيه إنه لا إله ، والكون مادة (أي بلا خالق) .
    ولا مكان للمتدينين في الدولة الشيوعية . وقد قتل ستالين وحده ثلاثة ملايين ونصف مليون من المسلمين في عهده ، لأن الشيوعية كانت قد طلبت معونة المسلمين في الثورة ضد قيصر . ووعدتهم بأن تجعل لهم مكانة خاصة إذا نجحت الشيوعية ، وتترك لهم حرية ممارسة حياتهم الإسلامية ، فلما طالبوا بتحقيق الوعد ، حققه ستالين لهم على هذا النحو بالقتل والتعذيب والتشريد الجماعي ( .
    6 ـ أما تطبيق مبدأ ( من كلٍ بحسب طاقته ، ولكلٍ بحسب حاجته ) .
    7 ـ وإلغاء الصراع في المجتمع بإلغاء الملكية الفردية .
    8 ـ وإلغاء الحكومة .
    فكل هذه الأمور لم تستطع الدول الماركسية (جميعها) تحقيقها إلى الآن ، ولن تستطيع في المستقبل لأمرين :
    أولهما : أن هذه الأمور (خيالية) .
    وثانيهما : أن الدول الماركسية بدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى ، وعلى رأسها (الأم) روسيا ، ولله الحمد والمنة .

    * * *










    القومية العربية


    هي حركة سياسية فكرية متعصبة ، تدعو إلى تمجيد العرب ، وإقامة دولة موحدة لهم ، على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ ، وإحلالها محل رابطة الدين ، وهي صدىً للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوربا .
    ظهرت بدايات الفكر القومي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متمثلة في حركة سرية تألفت من أجلها الجمعيات والخلايا في عاصمة الخلافة العثمانية ، ثم في حركة علنية في جمعيات أدبية تتخذ من دمشق وبيروت مقراً لها ، ثم في حركة سياسية واضحة المعالم في المؤتمر العربي الأول الذي عُقد في باريس ! سنة 1912م .
    ظلت الدعوة إلى القومية العربية محصورة في نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة ، وفي عدد محدود من أبناء المسلمين الذين تأثروا ـ كتركي الحمد ! ـ ، ولم تصبح تياراً شعبياً عاماً إلا حين تبني الدعوة إليها الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، حين سخر لها أجهزة إعلامه ، وإمكانات دولته .
    يعد (ساطع الحصر ي ت 1968م) داعية القومية العربية وأهم مفكريها وأشهر دعاتها ، وله مؤلفات كثيرة تعد الأساس الذي تقوم عليه فكرة القومية العربية ، ويأتي بعده في الأهمية النصراني ( ميشيل عفلق ) مؤسس ( حزب البعث ) .
    يرى دعاة القومية العربية أن أهم المقومات التي تقوم عليها القومية العربية هي:
    1ـ اللغة العربية .
    2ـ الدم .
    3ـ التاريخ .
    4ـ الأرض .
    5ـ الآلام والآمال المشتركة .
    أما الدين فإنه مستبعد من مقومات القومية العربية ! بل يحارب ! لأنه بزعمهم يُفرق العرب ولا يوحدهم !
    وفي هذا يقول شاعرهم ( القروي ) :
    هبوني عيداً يجعل العرب أمة
    وسيروا بجثماني على دين بَرهم !
    سلامٌ على كفر يوحد بيننا
    وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم !
    يقول الشيخ ابن باز ـ حفظه الله ـ :
    ) من خبر أحوال القوميين وتدبر مقالاتهم وأخلاقهم وأعمالهم ، عرف أن غرض الكثيرين منهم من الدعوة إلى القومية أمور أخرى يعرفها من له أدنى بصيرة بالواقع وأحوال المجتمع ، ومن تلك الأمور: فصل الدين عن الدولة ، وإقصاء أحكام الإسلام عن المجتمع ، والاعتياض عنها بقوانين وضعية ملفقة من قوانين شتى ، وإطلاق الحرية للنزعات الجنسية والمذاهب الهدامة ـ لا بلغهم الله مناهم ـ ولا ريب أن دعوة تفضي إلى هذه الغايات يرقص لها الاستعمار طرباً ، ويساعد وجودها ورفع مستواها وإن تظاهر بخلاف ذلك ـ تغريراً للعرب عن دينهم ، وتشجيعاً لهم على الاشتغال بقوميتهم ، والدعوة إليها والاعراض عن دينهم ( .
    وقال ـ حفظه الله ـ ناقضاً هذه الفكرة الجاهلية :
    ) من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات ، دعوة باطلة وخطأ عظيم ومنكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله ، وذلك لوجوه :
    الأول : أن الدعوة إلى القومية العربية تفرَّق بين المسلمين ، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي ، وتفرّق بين العرب أنفسهم لأنهم كلهم ليسوا يرضونها ، وإنما يرضاها منهم قوم دون قوم ، وكل فكرة تقسم المسلمين وتجعلهم أحزاباً ، فكرة باطلة تخالف مقاصد الإسلام وما يرمي إليه ، وذلك لأنه يدعو إلى الاجتماع والوئام والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى كما يدل على ذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آيته لعلكم تهتدون ) وقال {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ(62)وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وقال تعالى : {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(31)مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    فانظر أيها المؤمن الراغب في الحق كيف يحارب الإسلام التفرق والاختلاف ويدعو إلى الاجتماع والوئام والتمسك بحبل الحق والوفاة عليه ، تعلم بذلك أن هدف القومية غير هدف الإسلام ، وأن مقاصدها تخالف مقاصد الإسلام .
    ويدل على ذلك أيضاً أن هذه الفكرة أعني الدعوة إلى القومية العربية ، وردت إلينا من أعدائنا الغربيين ، وكادوا بها المسلمين ،ويقصدون من ورائها فصل بعضهم عن بعض ، وتحطيم كيانهم ، وتفريق شملهم ،على قاعدتهم المشؤمة "فرّق تسد " وكم نالوا من الإسلام وأهله بهذه القاعدة النحيسة مما يحزن القلوب ويدمي العيون ( .
    ) الوجه الثاني : أن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة ، بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية وأعمالهم إلا ما أقره الإسلام من ذلك ولا ريب أن الدعوة إلى القومية العربية من أمر الجاهلية لأنها دعوة إلى غير الإسلام ومناصرة لغير الحق وكم جرّت دعوى الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة وقودها النفوس والأموال والأعراض ، وعاقبتها تمزيق الشمل وغرس العداوة والشحناء في القلوب والتفريق بين القبائل والشعوب .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية ، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري : يا للمهاجرين ، وقال الأنصاري : يا للأنصار قال النبي e : " أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم " وغضب لذلك غضباً شديداً " انتهى .
    ومما ورد في ذلك من النصوص قوله تعالى : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ، وقال تعالى : {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} ، وفي سنن أبي داود عن النبي e أنه قال : " ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية " ، وفي " صحيح مسلم " أيضاً عن النبيe أنه قال :" إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد" ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ، ويغضبون لعصبية ويقاتلون على عصبية ، ولا ريب أيضاً أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر لأن القومية ليست ديناً سماوياً يمنع أهله من البغي والفخر ، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها على من نالها بشيء ، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم ) .
    (الوجه الثالث : من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية : هو أنها سلّم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم . ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير والمخالفة لنصوص القرآن والسنة الدالة على وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة .
    والنصوص في هذا المعنى كثيرة ، منها قوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } الآية . سبحان الله ما أصدق قوله وأوضح بيانه ، هؤلاء القوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية مسلمها وكافرها ، يقولون : نخشى أن تصيبنا دائرة ، نخشى أن يعود الاستعمار إلى بلادنا ، نخشى أن تسلب ثرواتنا بأيدي أعدائنا ، فيوالون لأجل ذلك كل عربي من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم تحت لواء القومية العربية ، ويقولون : إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي وإن تفرقت أديانهم ، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله ومخالفة لشرع الله وتعد لحدود الله وموالاة ومعاداة وحب وبغض على غير دين الله ؟
    فما أعظم ذلك من باطل وما أسوأه من منهج !
    القرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أينما كانوا وكيفما كانوا ، وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه {قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ويقول الله سبحانه : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ـ إلى قوله تعالى {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } ونظام القومية يقول : كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم !!
    والله يقول : {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} الآية . ويقول سبحانه : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .وقال تعالى : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } . وشرع القومية ، أو بعبارة أخرى شرع دعاتها يقول : أقصوا الدين عن القومية ، وافصلوا الدين عن الدولة ، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم حتى تدركوا مصالحكم وتستردوا أمجادكم ، وكأن الإسلام وقف في طريقهم وحال بينهم وبين أمجادهم ، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية ، سبحانك هذا بهتان عظم ! والآيات الدالة على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين والتحذير من توليهم كثيرة لا تخفى على أهل القرآن ، فلا ينبغي أن نطيل بذكرها وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل وأبو لهب ، وعقبة ابن أبي معيط ، والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد الكفار في عهد النبي e وبعده إلى يومنا هذا إخواناً وأولياء لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم من العرب إلى يومنا هذا . . هذا والله من أبطل الباطل وأعظم الجهل . وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه وإن أنكره بعض دعاتها جهلاً أو تجاهلاً وتلبيساً فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) .
    ( الوجه الرابع : من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال : إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن ، لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاماً وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    وقد صرح الكثير منهم بذلك . وهذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة ، كما قال تعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وقال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ) قال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وقال تعالى : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وقال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله فهي دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات . يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله ، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده وتحكم شريعته كم قال عز وجل : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .
    فالواجب على زعماء القومية ودعاتها أن يحاسبوا أنفسهم ويتهموا رأيهم وأن يفكروا في نتائج دعوتهم المشؤومة وغاياتها الوخيمة ، وأن يكرسوا جهودهم للدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه والتمسك بتعاليمه والدعوة إلى تحكيمه بدلاً من الدعوة إلى قومية أو وطنية )








    حزب البعث العربي الاشتراكي

    حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب قومي علماني ، يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي ، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) وهي رسالة الحزب ، أما أهدافه فتتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية .

    التأسيس وأبرز الشخصيات :
    ـ في سنة 1932م عاد من باريس قادماً إلى دمشق كل من ميشيل عفلق (نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية ) وصلاح البيطار ( سني ) وذلك بعد دراستهم العالية محملين بأفكار قومية وثقافية أجنبية .
    ـ عمل كل من عفلق والبيطار في التدريس ، ومن خلاله أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب .
    ـ أصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة مع الماركسيين سنة 1934 وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم ( جماعة الإحياء العربي ) .
    ـ في نيسان 1947 تم تأسيس الحزب تحت اسم ( حزب البعث العربي ) ، وقد كان من المؤسسين : ميشيل عفلق ، صلاح البيطار ، جلال السيد ، زكي الأرسوزي ، كما قرروا إصدار مجلة باسم البعث .
    ـ كان لهم بعد ذلك دور فاعل في الحكومات التي طرأت على سوريا بعد الاستقلال سنة 1946 وهذه الحكومات هي :
    1ـ حكومة شكري القوتلي : من 1946 وحتى 29/3/1949م .
    2ـ حكومة حسني الزعيم : استلم السلطة عدة شهور من سنة 1949م .
    3ـ حكومة اللواء سامي الحناوي : بدأ حكمه وانتهى في نفس عام 1494م .
    4ـ حكومة أديب الشيشكلي : استمر حكمه حتى سنة 1954م .
    5ـ حكومة شكري القوتلي : عاد إلى الحكم مرة ثانية واستمر إلى توقيع الوحدة مع مصر سنة 1958م .
    6ـ حكومة الوحدة برئاسة جمال عبد الناصر : 1958ـ 1961م .
    7ـ حكومة الانفصال برئاسة الدكتور ناظم القدسي : وقد دام الانفصال من 28/9/1961م وحتى 8/3/1963م وقد قاد حركة الانفصال عبد الكريم النحلاوي .
    منذ 8/3/1963م وإلى اليوم فقد وقعت سوريا تحت حكم حزب البعث ، مرت هذا الفترة بعدة حكومات بعثية هي :
    ـ حكومة قيادة الثورة : 1963م وفيها برز صلاح البيطار كرئيس للوزراء .
    ـ حكومة أمين الحافظ : من 1963م وحتى 1966م .
    ـ حكومة نور الدين الأتاسي : 1966م حيث لعب القيادة القطرية للحزب دوراً بارزاً في الحكم ، وقد برز في هذه الفترة كل من صلاح جديد الذي عمل أميناً عاماً للقيادة القطرية وحافظ الأسد الذي عمل وزيراً للدفاع .
    ـ حكومة حافظ الأسد : من سنة 1970م وإلى يومنا هذا .
    لقد اندمج في سنة 1953م كل من ( حزب البعث ) و ( الحزب العربي الاشتراكي ) الذي كان يقوده أكرم الحوراني في حزب واحد أسمياه ( حزب البعث العربي الاشتراكي ) .
     أما عن الجناح العراقي من حزب البعث فقد استولى على السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي :
    ـ في الرابع عشر من شهر يوليو عام 1958 دخل لواء بقيادة عبد السلام عارف إلى بغداد قادماً من الأردن واستولى على محطة الإذاعة وأعلن الثورة على النظام الملكي وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد وأعوانه وأسقط النظام الملكي وبذلك انتهى عهد فيصل ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية .
    ـ وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1958م أي بعد عشرة أيام من نشوء الثورة وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة ( سوريا ومصر ) ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيماً أوحد للعراق.
    ـ وفي اليوم الثامن من شهر فبراير لعام سنة 1963م قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرساً دار في شوارع بغداد ، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية ، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في 18 نوفمبر سنة 1963م وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين نائباً لرئيس الجمهورية .
    ـ في شهر فبراير سنة 1964م أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضواً في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي .
    ـ في شهر سبتمبر سنة 1966م قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب ناجح أسقط نظام عارف .
    ـ في اليوم الثلاثين من شهر يوليو عام 1968م طرد حزب البعث وعين أحمد حسن البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأمن الداخلي .
    ـ وفي 15 أكتوبر سنة 1970م تم اغتيال الفريق حردان التكريتي في مدينة الكويت وكان من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي وعضواً في مجلس قيادة الثورة ونائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدفاع .
    ـ وفي شهر نوفمبر من عام 1971م تم اغتيال السيد فؤاد الركابي وكان المنظر الأول للحزب وأحد أبرز قادته في العراق وقد تم اغتياله داخل السجن .
    ـ وفي 8 يوليو سنة 1973م جرى إعدام ناظم كزار رئيس الحكومة وجهاز الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصاً من أنصاره وذلك في أعقاب فشل الانقلاب الذي حاولوا القيام يه .
    ـ وفي 8 يوليو السادس من شهر مارس عام 1975م وّقعت الحكومة البعثية العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر وقد وقعها عن العراق صدام حسين وتقضي الاتفاقية المذكورة بأن يوافق العراق على المطالب الإقليمية للشاه في مقابل وقف الشاه مساندته للأكراد في ثورتهم على النظام العراقي .
    ـ في شهر أكتوبر لعام 1978م طردت الحكومة البعثية الخميني من العراق وقامت في شهر فبراير عام 1979م الثورة الخمينية في إيران .
    ـ في شهر يونيو عام 1979م أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية العراقية بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله .

    تقييم لأفكار حزب البعث :
    ـ حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي علماني انقلابي له طروحات فكرية متعددة يتعذر الجميع بينها أحياناً فضلاً عن الاقتناع بها ، لقد كُتِب عنه كثيراً وتحدث زعماؤه طويلاً ، ولكن هناك بون واسع بين ممارسات وأقوال فترة ما قبل السلطة ، وممارسات وأقوال فترة ما بعدها .
    ـ الرابطة القومية عنده هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة وتكبح جماح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية حتى قال شاعرهم :
    آمنت بالبعث رباً لا شريك له
    وبالعروبة دينا ماله ثاني
    ـ تعلن سياسة الحزب التربوية أنها ترمي إلى خلق جيل عربي جديد مؤمن بوحدة أمته وخلود رسالتها آخذاً بالتفكير العلمي ، طليقاً من قيود الخرافات والتقاليد والرجعية ، مشبعاً بروح التفاؤل والنضال والتضامن مع مواطنيه في سبيل تحقيق الانقلاب العربي الشامل وتقدم الإنسانية ، " والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هو خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن بأن الله والأديان والإقطاع ورأس المال وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ "!! كما يقول إبراهيم خلاص ـ فيلسوف الحزب في العراق ـ .

    من التوصيات العامة لمقررات المؤتمر القومي الرابع للحزب نقتطف الآتي لبيان نظرتهم :
    ـ تقول التوصية الرابعة : " يعتبر المؤتمر القومي الرابع الرجعية الدينية إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في المرحلة الحاضرة ولذلك يوصي القيادة القومية بالتركيز في النشاط الثقافي والعمل على علمانية الحزب ، خاصة في الأقطار التي تشوه فيها الطائفية العمل السياسي ".
    ـ التوصية التاسعة تقول : " إن أفضل سبيل لتوضيح فكرتنا القومية هو شرح وإبراز مفهومها التقدمي العلماني وتجنب الأسلوب التقليدي الرومنطيقي في عرض الفكرة القومية ، وعلى ذلك سيكون نضالنا في هذه المرحلة مركزاً حول علمانية حركتنا ومضمونها الاشتراكي لاستقطاب قاعدة شعبية لا طائفية من كل فئات الشعب " .
    ـ أما عن الوحدة فهم يقولون : " ليست الوحدة العربية ، مجرد تجميع ولصق لأجزاء الوطن العربي بل هي التحام فصهر لهذه الأجزاء ، لذا فإن الوحدة ثورة بكل أبعادها ومعانيها ومستوياتها ، وهي ثورة لأنها قضاء على مصالح إقليمية عاشت وتوسعت وترسبت عبر القرون ، وهي ثورة لأنها تجابه مصالح وطبقات تعارض الوحدة وتقف في وجهها " ( المنطلقات النظرية للمؤتمر القومي السادس ) .
    ـ وأما الاشتراكية فهي تعني " تربية المواطن تربية اشتراكية علمية تعتقه من كافة الأطر والتقاليد الاجتماعية الموروثة والمتأخرة لكي يمكن خلق إنسان عربي جديد بعقل علمي متفتح ، ويتمتع بأخلاق اشتراكية جديدة ويؤمن بقيم جماعية " .
    ـ الرسالة الخالدة : يفسرونها بأن الأمة العربية ذات رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ ترمي إلى تجديد القيم الإنسانية وحفز التقدم البشري وتنمية الانسجام والتعاون بين الأمم .

    هذا ويمكن ملاحظة ما يلي :
    ـ إن كلمة الدين لم ترد مطلقاً في صلب الدستور السوري أو العراقي .
    ـ كلمة الإيمان بالله على عموميتها لم ترد في صلب الدستور ، لا في تفصيلاته ولا في عمومياته ، مما يؤكد على الاتجاه العماني لديه .
    ـ في بناء الأسرة لا يشيرون إلى تحريم الزنى ولا يشيرون إلى آثاره السلبية .
    ـ في السياسة الخارجية لا يشيرون إلى أية صلة مع العالم الإسلامي .
    ـ لا يشيرون إلى التاريخ الإسلامي الذي أكسب الأمة العربية مكانة وقدراً بين الشعوب .
    ـ رغم مطالبة الحزب بإتاحة أكبر قدر من الحرية للمواطنين ، فإن ممارساته القمعية فاقت كل تصور وانتهكت كل الحرمات ووأدت كل الحركات ، وألجأت الكثيرين إلى الهجرة والفرار بعقيدتهم من الظلم والاضطهاد .
    ـ القوانين في البلاد التي يحكمها البعث علمانية وحانات بيع الخمور مفتوحة ليل نهار ، والنظام المالي ربوي ، ودعاة الإسلام مضطهدون بشكل سافر .

    الجذور الفكرية والعقائدية :
    1ـ يعتمد الحزب على الفكر القومي الذي ظهر وبرز بعد سقوط الدولة العثمانية في العالم العربي والذي نادت به أوروبا ، والذي نادى به منظر القومية العربية في العالم العربي آنذاك ساطع الحصري .
    2ـ يعتمد الحزب على الفكر العلماني إذ ينحي مسألة العقيد الدينية جانباً ولا يقيم لها أي وزن سواء على صعيد الفكر الحزبي أو على صعيد الانتساب إلى الحزب أو على صعيد التطبيق العلمي .
    3ـ يستلهم الحزب تصوراته من الفكر الاشتراكي ويترسم طريق الماركسية رغم انهيارها ، والخلاف الوحيد بينهما أن اتجاهات الماركسية أممية ، أما البعث فقومي ، وفيما عدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الفقري في فكر الحزب ومعتقده ، وهي لا تزال كذلك رغم انهيار البنيان الماركسي فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي .
    4ـ لقد كان الحزب واجهة انضوت تحته كل الاتجاهات الطائفية ( درزية ـ نصيرية ـإسماعيلية ـ مسيحية ) وأخذ هؤلاء يتحركون من خلاله بدوافع باطنية يطرحونها ويطبقونها تحت شعار الثورة والوحدة والحرية والاشتراكية والتقدمية ، وقد كانت الطائفة النصيرية أقدر هذا الطوائف على استغلال الحزب لتحقيق أهدافها وترسيخ وجودها ، إلى أن وصلت إلى الحكم في سوريا .

    الانتشار ومواقع النفوذ :
    1ـ للحزب أعضاء ينتشرون في معظم الأقطار العربية ، بعضهم يعمل بشكل علني ، وبعضهم الآخر سري ! ويتفاوت وجودهم وتأثيرهم من بلد إلى آخر على حسب طبيعة البلد ونوعية حكمه!
    2ـ يحكم حزب البعث بلدين عربيين مهمين هما سوريا والعراق ، وقد عجز الحزب عن تحقيق الوحدة بين فصائله ، بل إن الصراع بين شطري البعث مستمر وعلى أشده ، واتهامات الخيانة بين الطرفين لا تنقضي ، وإذا كان هذا هو شأن الحزب في بلدين يخضعان له ، فهو من باب أولى عاجز عن تحقيق وحدة الأمة العربية بكاملها .
    والبعثيون يتطلعون إلى استلام السلطة في جميع أرجاء الوطن العربي باعتبار ذلك جزءاً لا يتجزأ من طموحاتهم البعيدة ، وقد أدت بهم هذه الرغبة العارمة إلى السقوط في حمأة الإنذار المقنع والتهديد السافر والعدوان الصريح ، وربما يكون حزب البعث في العراق من أسوأ ما شهده التاريخ .


    ويتضح مما سبق :
    أن حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي سلطوي يحاد الله ورسوله ويسعى إلى قلب الأوضاع في العالم العربي ويتخذ العلمانية وتحقيق الاشتراكية مطلباً يبرر سياسته القمعية ، ورسالته التي يصفها ، على خلاف الحقيقة ، بالتقدمية ، ويجعل من الوحدة العربية هدفاً ينفذه بالضم والإرغام رغم إدارة الشعوب .
    والعلاقة معه يجب أن يحكمها قول الله سبحانه : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوآدون من حآد الله ورسوله ) .

    الإنسانية

    عندما أعيت الحمد الأفكار والمذاهب ، فاحتار في أيها الصحيح : هل هو الإسلام : أم الماركسية : أم القومية ، أم .. أم . .
    تفتق ذهنه عن فكرة أخرى رآها تحل له مشاكله وتريحه من عناء التفرق والانقسام والخلافات بين الفرق والأديان والمذاهب تلكم الفكرة هي فكرة (الإنسانية)! وهي فكرة ( خيالية ) يتوهم بها الحمد أن يعيش الناس ـ من خلالها ـ إخوة متحابين ، لا تفرق بينهم الأديان ، وإنما هم بشر متساوون فيما بينهم كتساوي أسنان المشط .
    ـ يقول الحمد على لسان هشام :
    ) لماذا لا نتعامل مع الإنسان بصفته إنساناً أولاً ، أي صفته الأولى التي خرج بها إلى الحياة ، ثم تأتي اللواحق كأن يكون بروليتاريا أو برجوازياً عربياً أو أعجمياً؟… نحن نتعامل مع الناس بصفاتها اللاحقة وننسى الصفة الأولى التي أتي بها إلى الحياة ، ويخرج منها بها . . لو بحثت في أعماق الناس المستورة لوجدتهم مثل بعضهم ولكن قاتل الله اللواحق . . .
    وضحك عبد الله وهو يقول :
    ـ هل تريد أن تعرج بنا على فرويد وصحبه ؟
    فضحك هشام أيضاً وهو يقول :
    ـ ولا فرويد ولا عبد المتجلي . . أتدري من يطوف بخيالي الآن ؟
    ـ من يا صاحب الحكمة ؟
    ـ غاندي . . . المهاتما غاندي .
    وبانت نظرات الاستغراب وجه عبد الله وهو يقول :
    ـ غاندي ؟! . . قديس الهند . . . ما علاقته بكل هذيانك ؟
    ـ كل العلاقة . . .
    قال هشام وهو ينفخ الدخان إلى الأعلى :
    ـ عندما كان يتعامل مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا ، ومع الاستعمار البريطاني في الهند ، لم يكن يقسم الناس إلى مستعمرين ومستعَمرين ، طبقات وفئات وجماعات متصارعة ، بل كان يتعامل مع الحس الإنساني المطمور في داخل الجميع . . . لم يكن يقاوم العنف بالعنف ، لأن العنف يأتي بالعنف بشكل تصاعدي ، ولكنه كان يتحمل عنف وقسوة الآخرين حتى الدرجة التي يستثير فيها حسهم الداخلي بالتعاطف معه ، ومن ثم يدركون أنهم مخطئون وظالمون . . . وقد نجح (
    ويقول : ) الإنسان لا يكون نفسه عندما يكون مقيداً بأي نوع من القيود ، قيود اجتماعية أو سياسية أو تنظيمية ، أو أي نوع من القيود التي تستر جوهر الإنسان فيه ( .
    قلت : لقد كذب الحمد على نفسه ثم صدقها ، حيث تخيل أن يعيش الناس متحابين في ما بينهم ، متعاونين متآزرين . . . ثم ادعى أن هذا هو حال الإنسان قبل الأديان والمذاهب . ولو صدق الحمد مع نفسه لعلم أن الإنسان الأول وهو آدم كان على دين التوحيد الخالص ، وهو الإسلام ، وهكذا أبناؤه وأحفاده إلى أن حدث الشرك في الأرض ، وعندها بدأ الانحراف ، وبدأت المذاهب الباطلة تنتشر بين البشر . وقد قال تعالى مبيناً هذا {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} .
    قال ابن عباس : ) كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق ( .
    فلو صدق الحمد مع نفسه لكان مسلماً موحداً ، لأن هذا هو ما كانت (الإنسانية ) عليه فيما مضى إلى أن حدث الانحراف ، وهذا هو الموافق للفطرة التي يحملها الإنسان عند ولادته كما أخبرe : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأ بواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "
    أما الدعوة ( الإنسانية ) التي يدعو إليها الحمد فهي دعوة باطلة لأنها تساوي بين الحق والضلال ، وبين دين الإسلام وغيره من الأديان الباطلة ، وبين التوحيد والشرك ، وبين المسلمين والمشركين والكافرين ، وقد قال تعالى : {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} .
    وقال سبحانه {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}
    يقول الشيح محمد قطب ـ حفظه الله ـ : ( ولكن أناساً قد يخدعون بدعوى الإنسانية لما فيها من بريق فيؤمنون بها أو يدعون إليها غافلين عند الحقيقة التي تنطوي عليها وقد لا يصدقون أصلاً أنها دعوة إلى التحلل من الدين يبثها الشياطين في الأرض لأمر يراد ) .
    قال الشيخ بكر أبو زيد ـ حفظه الله ـ عن الإنسانية : ( اتسع انتشار هذه اللفظة البراقة بين المسلمين عامتهم وخاصتهم ، ويستملح الواحد نفسه حين يقول : هذا عمل "إنساني " وهكذا حتى في صفوف المتعلمين والمثقفين ، وما يدري المسكين أنها على معنى " ماسونية " وأنها كلمة يلوكها بلسانه ، وهي حرب عليه ، لأنها ضد الدين ، فهي دعوة إلى أن نواجه المعاني السامية في الحياة بالانسانية لا بالدين ) .
    قلت : وانظر لبطلان هذه الدعوة : كتاب ( مذاهب فكرية معاصرة ) للشيخ محمد قطب ، وكتاب ( الإسلام والدعوات الهدامة ) للأستاذ أنور الجندي .
    أما عن مدح الحمد للهندوسي المتعصب غاندي بأنه إنساني النزعة ، فانظر حقيقة هذا في كتاب ( مشاهداتي في الهند ) للشيخ محمد المجذوب حيث بين حقيقة هذا الهندوسي الذي خدع كثيراً من المسلمين ( بانسانيته !) وذكر شيئاً من قبائحه .
    ومن ذلك أن المسلمين في الهند نشطوا في دعوة طائفة ( المنبوذين ) في الهند إلى الإسلام ، وكادوا يستجيبون لهم لولا تدخل الهندوسي ( غاندي ) ! يقول المجذوب : ( كان لغاندي أثره الكبير في تجميد تلك الحركة أيامئذٍ ، إذ فتح للمنبوذين أبواب المعابد التي كانت مغلقة في وجوههم ، وتعهد لهم برد الكثير من الاعتبار الإنساني إليهم بعد الاستقلال إذا هم حافظوا على انتمائهم للنحلة الهندوسية ، وإنما فعل ذلك خشية أن تزداد بهم قوة المسلمين ) .







    عقيدة أهل السنة في القدر

    من القضايا التي ألح عليها الحمد في ثلاثيته كثيراً قضية ( القدر ) حيث حاول الحمد أن ينقل جهله وعدم فهمه لهذه القضية إلى القراء فيوحي لهم في مواضع كثيرة من ثلاثيته بأن هذا القدر المزعوم هو مجرد عبث ! وأنه لا فرق في ذلك بين أفعال الله ـ عز وجل ـ وأفعال الشيطان !!! ـ تعالى الله عما يقوله الحمد علواً كبيراً ـ .
    وهذا الأمر قد جعله يتناثر بشكل مفتعل في كلمات ( هشام العابر) وأحاديثه مع نفسه خلال الأجزاء الثلاثية .
    فمن ذلك :
    1ـ قوله عن هشام : ( عصر ذلك اليوم ذهب مبكراً إلى منزل عبد الكريم ، ولم تكن الشلة قد وصلت بعد . كان عبد الكريم مسترخياً وقد مد رجليه أمامه ، ولا يرتدي إلا سروالاً نصفياً وفانيلة بيضاء نصف كم ، ويحتسي الشاي الذي لا يفارقه أبداً ، وقد أمسك برواية " الغريب " لألبير كامو وهو مستغرق في قراءتها . كان باب "الحوش " مفتوحاً كالعادة في مثل هذا الوقت ، ولذلك لم يشعر عبد الكريم إلا وهشام يقف أمامه وهو يقول : " يا عيني على الأفخاذ الندية . . . " ألقى عبد الكريم الرواية من يده وابتسم محيياً هشام ، ثم دعاه للجلوس فيما هو ينهض وقد حمل صينية الشاي قائلاً : " دقيقه واحدة ويكون الشاي جاهزاً " ، ثم انطلق إلى داخل المنزل . وما هي إلا دقائق وعاد عبد الكريم وقد ارتدى ثوباً أبيض ، أو كان أبيض فقد كان مليئاً بالبقع الصفراء والبنية ، وجلس مقابل هشام وقال دون مقدمات " أنا يا أخي لا أفهم . . . هل هناك فعلاً أشخاص مثل الغريب الذي يتحدث عنه كامو ، أم أن المسألة مجرد أبداع مؤلف أو تعبير عن حالته النفسية في لحظة ما ؟ . . . شخص عبثي لهذه الدرجة ! لا يأبه بوفاة أمه ولا بمحاكمته وموته هو شخصياً ! . . . أعتقد أن هذه مبالغة . . . أليس كذلك ؟ " ومد هشام إحدى رجليه ، وشبك ذراعيه خلف رأسه ، واستند إلى الحائط وهو يقول : " ربما يكون مثل هذا العبث مبالغة بالنسبة لنا ، ولكن لو عرفت الظروف التي عاشها كامو ، وحالة المجتمع الأوروبي بعد الحرب ، لربما أدركنا أن العبث قد يكون جزءاً من الحياة . . . " ، ثم اعتدل هشام في جلسته وهو يقول : " ما الفرق بين العبث والقدر ؟ ، " لم أفهم . . . " قال عبد الكريم ، " ما نسميه قدراً قد يكون عبثاً ، وما يسمونه عبثاً قد نسميه قدراً . المسألة يا عزيزي هي في كيف ننظر إلى الأمور وليس في الأمور ذاتها ليس هناك حقيقة في ذاتها ) .
    2ـ قوله على لسان هشام : ( طوال الطريق إلى المنزل ، كان هشام يفكر بالقدر واللعبة الغريبة التي يمارسها معه ) .
    3ـ قوله عن رحلتهم إلى القصيم عندما تاهوا في الصحراء : ( ولكن الصحراء مثل القدر يسحقك ويكتم أنفاسك ) .
    4ـ قوله على لسان هشام عندما علم بأن ( سوير ) حامل منه : ( كتب علينا أن نخطئ وطلب منا ألا نفعل . فماذا نفعل ؟ … ماذا نفعل … ماذا نفعل…) .
    5ـ قوله على لسان هشام محاوراً زميله في السجن عارف : ( إني كنت منتمياً إلى حزب البعث … ولم أقل أني بعثي بل لم أكن بعثياً في يوم من الأيام .
    ـ عجيب ! .. وما الفرق ؟ أهذا لغز ؟
    وسرح هشام بعيداً وهو يقول لنفسه هامساً : مثل لغز الحتم والإرادة ، والجبر والاختيار ) .
    6ـ قوله على لسان هشام مخاطباً الشيوعي عارف : ( وكما ترى يا أبا وحيد ،فنحن لسنا أحرار تماماً في اختيار مصائرنا .. أليس هذا هو جوهر المادية التاريخية ؟
    وضحك عارف في وجه هشام بشدة جعلته يشيح بوجهه قليلاً بعفوية ودون إرداة ، ثم قال وهو يهز سبابته في الهواء :
    ـ ليس تماماً يا صاحبي .ليس تماماً . المادية التاريخية والجدلية تتحدث عن مصير الشعوب والمجتمعات والأفكار … إنها تتحدث عن الحتمية أما ما تقوله ، فهو جوهر الفكر الديني .أنت تتحدث عن القضاء والقدر ربما ، لا عن المادية التاريخية قطعاً .
    ـ وما الفرق ؟ .. أليس كله حتم في حتم ؟ ) .
    7ـ قوله على لسان عارف الشيوعي متحدثاً عن الموت الذي يتربص بهم في السجن:
    ( نهرب من قضاء الإله لنقع في قضاء المخلوق … وكلها أقضية في أقضية . هل هناك عبث أكثر من ذلك ؟ ) .
    8ـ قوله على لسان هشام متحدثاً عن السجن : ( هذا المبنى القبيح .كيف كان الوزراء يحتملون الاجتماع فيه عندما كان مقراً لمجلس الوزراء في الأيام الخالية ؟ ولكنها إرادة مثل القدر والحتم … مقر الوزراء يتحول إلى مقر للسجناء
    )! .
    9ـ قوله على لسان هشام متحدثاً مع نفسه :
    ( لماذا الاستمرار في مسرحية لا معنى لها ولا هدف ؟ ) .
    ( أكل هذا جزء من قدر إلهي ، أم هو عبث شيطاني ، أم هي حكمة لا ندريها، مختبئة في عباءة قدر عابث ، أو عبث قادر ؟ لا أحد يدري ، فالله والشيطان واحدٌ هنا ، وكلاهما وجهان لعملة واحدة … الصورة وعكسها ، ولكن الكائن واحد . الحياة كلها سؤال بلا جواب ) .
    ( بأي منطق يموت طفل صغير لم يكد يتنسم ريح الحياة وأريج الزهور ؟ إن كان هناك منطق ومعنى في وجوده ، فكيف يختفي قبل أن يمنح فرصة الوجود ؟ وإن يكن هناك منطق في موته ، فلماذا يوجد أصلاً ؟ وإن لم يكن هناك منطق في وجوده أو في موته ، فلماذا يوجد ويموت ؟ بل بأي منطق تموت ذبابة حقيرة نسحقها لأنها مؤذية ولا تستحق الحياة ؟ إذا كانت مؤذية ولا تستحق الحياة ، فلماذا وجدت ؟ وإذا كان لها حق في الحياة ، فلماذا تقتل ؟ من الذي يحدد من يؤذي من ؟ هل ما يجري هو حكمة خافية لا ندريها ، أو أنه مجرد عبث اعتدناه فأصبح نظاماً ، أم مزيج منهما ، أم ولا هذا ولا ذاك ؟ أين المعنى في كل ذلك وما هو النظام ؟ لا أحد يدري ، ولن يدري أحد ، فربما كتب علينا أن نعيش ونموت ونحن ملفوفون في خرق بالية من الجهل والضياع . قد لا يكون ذلك الجهل جزءاً من الحكمة الخفية ، أو من العبث المعربد ، ولكنه يبقى جهلاً ) .
    قلت : بهذا النقول السابقة من ثلاثية الحمد ، يتضح لنا أنه متحير في مسألة القضاء والقدر وهي أحد أركان الإيمان ـ كما هو معلوم ـ
    وبتأمل عباراته نجده يميل إلى :
    1ـ مذهب الجبرية الذين يقولون بأنه لا إرادة للعباد .
    2ـ أن أفعال الله ـ تعالى ـ ليست لحكمة ، بل ربما تكون مجرد عبث !! تعالى الله عن ذلك .
    لهذا فإنه لابد من توضيح هذه المسألة العظيمة التي خاض فيها الحمد دون علم ـ بل جهل وحيرة وتقليد لغيره ـ وسيكون هذا التوضيح متضمناً لذكر عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر ثم أقوال الفرق التي انحرفت فيها ـ ومن ضمنهم الجبرية الذين مال الحمد إلى قولهم ـ ثم الرد عليها .
    فأقول مستعيناً بالله ـ :
    ـ القدَر هو تقدير الله ـ تعالى ، الأشياء في القِدَم وعلمه ـ سبحانه ـ أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة ، وكتابته ـ سبحانه ـ لذلك ومشيئته له ، ووقوعها على حسب ما قدرها ، وخلقه لها .
    ـ لا فرق بين ( القضاء ) و ( القدر ) في المعنى فكلٌ منهما يدل على معنى الآخر ـ على القول الصحيح ـ .
    ـ الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي وردت في قولهe عندما سأله جبريل ـ عليه السلام ـ عن الإيمان : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره " وقد ورد ذكر القدر في القرآن في قوله تعالى : ( إنا كل شئ خلقه بقدر ) .
    ـ مراتب القدر عند أهل السنة أربع :
    أ ـ مرتبة العلم : أي أن الله علم ما الخلق عاملون ، بعلمه القديم وأدلة هذا كثيرة منه قوله تعالى : {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } .
    ب ـ مرتبة الكتابة : أي أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ . ودليل هذا قوله تعالى : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
    وقوله e " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنه "
    ج ـ مرتبة الإرادة والمشيئة : أي أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله ـ سبحانه وتعالى ـ فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يخرج عن إرادته شيء .
    دليل هذا قوله تعالى : {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . ، وقوله : {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
    د ـ مرتبة الخلق : أي أن الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء ، ومن ذلك أفعال العباد ، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه ، لقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} . وقوله : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} . وقوله e : " إن الله يصنع كل صانع وصنعته " .
    قد يقول قائل هنا : إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله ، وهي فعل لهم حقيقة ، كيف نجمع بين هذين الأمرين ؟
    والجواب كما قال شيخ الإسلام :
    ( قول القائل : هذا فعل هذا ، وفعل هذا : لفظ فيه إجمال ، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل ، وتارة يراد به مسمى المصدر ، فيقول : فعلت هذا أفعله فعلاً ، وعملت هذا أعمله عملاً ، فإذا أريد بالعمل نفس العمل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك ، فالعمل هنا هو المعمول ، وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجه الثوب ، وبناء الدار ونحو ذلك فالعمل هنا غير المعمول ، قال -تعالى – {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن ، ومن هذا الباب قوله ـ تعالى ـ : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} . أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها … والمقصود أن لفظ " الفعل " و " العمل " و" الصنع " أنواع ، وذلك كلفظ البناء والخياطة والتجارة تقع على نفس مسمى المصدر ، وعلى المفعول ، وكذلك لفظ " التلاوة " و " القراءة " و " الكلام " و " القول " يقع على نفس مسمى المصدر ، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام ، فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقروء والمتلو ، كما يراد بها مسمى المصدر .
    والمقصود أن القائل إذا قال : هذه التصرفات فعل الله ، أو فعل العبد ، فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر ، فهذا باطل باتفاق المسلمين ، وبصريح العقل ، ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق " ، ثم وضح المسألة فقال " وأما من قال ( وهم جمهور أهل السنة ) : خلق الرب ـ تعالى ـ لمخلوقات ليس هو نفس مخلوقاته ، قال: إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ، ومفعولة للرب كسائر المفعولات ، ولم يقل :إنها نفس فعل الرب وخلقه ، بل قال : إنها نفس فعل العبد ، وعلى هذا تزول الشبهة ، فإنه يقال : الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلاً له ، كما يفعلها العبد ، وتقوم به ، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره ، كم أنه ـ سبحانه ـ لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال ، والمقادير والحركات وغير ذلك ، فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة ، أو طعماً مراً ، أو صورة قبيحة ، ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح ، لم يكن هو متصفاً بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة ، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها ، وسبباً لذمه وعقابه ، وجالبة لألمه وعذابه ، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلاً لغيره ) .
    قال الشيح ابن سعدي ـ رحمه الله ـ : ( إن الله كما أنه الذي خلقهم ـ أي الناس ـ ، فإنه خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم ؛ ثم هم فعلوا الأفعال المتنوعة : من طاعة ومعصية ، بقدرتهم وإرادهم اللتين خلقها الله ) .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يفعل مايفعل لحكمة يعلمها هو ، وهو يُعْلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه ، وقد لا يعلمون ذلك ، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمدe كما قال ـ تعالى ـ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ " إنه سبحانه حكيم ، لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة ، وهي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل ، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل ، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا " ، وأدلة أهل السنة مستفيضة في الكتاب والسنة لا تخفى على من له أدنى إلمام بالكتاب والسنة ، وقد أطال ابن القيم النفس جداً للاستدلال لها ، فذكر أكثر من اثنين وعشرين نوعاً من الأدلة ، كل نوع يحوي مجموعة من النصوص ، وقد نقض في أثناء عرض الأدلة المذاهب المخالفة ، ورد عليها ، كما رد ابن تيمية على المذاهب المخالفة وذكر الأدلة على صحة مذهب أهل السنة والجماعة ، وهذا هو المذهب الحق في هذه المسالة ) .
    ـ إرادة الله ـ عز وجل ـ على قسمين :
    أ ـ إرادة كونية قدرية : وهي مرادفة للمشيئة ، وهذه الإرادة لا يخرج عن مرادها شيء ؛ فالكافر والمسلم تحت هذه الإرادة الكونية سواء ؛ فالطاعات ، والمعاصي ، كلها بمشيئة الرب ، وإرادته .
    ومن أمثلتها قوله ـ تعالى ـ : {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ } ، وقوله : {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } .
    ب ـ إرادة شريعة دينية : وتتضمن محبة الرب ، ورضاه .
    ومن أمثلتها قوله ـ تعالى ـ : {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقوله : {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ، وقوله {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } .
    الفرق بين الإرادتين : بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فروق تميز كل واحدة منهما عن الأخرى ، ومن تلك الفروق ما يلي :
    1ـ الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها ، وقد لا يحبها ولا يرضاها أما الشرعية فيحبها الله ويرضاها ؛ فالكونية مرادفة للمشيئة ، والشرعية مرادفة للمحبة .
    2ـ الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لغيرها كخلق ابليس مثلاً ، وسائر الشرور ؛ لتحصل بسببها محاب كثيرة كالتوبة ، والمجاهدة ، والاستغفار .
    أما الشرعية فمقصودة لذاتها ؛ فالله أراد الطاعة وأحبها ، وشرعها ورضيها لذاتها .
    3ـ الإرادة الكونية لابد من وقوعها ؛ فالله إذا شاء شيئاً وقع ولا بد ، كإحياء أحد أو إماتته ، أو غير ذلك .
    أما الشرعية كالإسلام ـ مثلاً ـ فلا يلزم وقوعها ، فقد تقع وقد لا تقع ، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين .
    4ـ الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه ، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه.
    5ـ الإرادتان تجتمعان في حق المطيع ، فالذي أدى الصلاة ـ مثلاً ـ جمع بينهما ؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله ، وقد أمر بها ورضيها وأحبها ، فهي شريعة من هذا الوجه ، وكونها وقعت دل على أن الله أرادها كوناً فهي كونية من هذا الوجه ؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع .
    وتنفرد الكونية في مثل كفر الكافر ، ومعصية العاصي ، فكونها وقعت فهذا يدل على أن الله شاءها ؛ لأنه لا يقع شيء الإ بمشيئته ، وكونها غير محبوبة ولا مرضية لله دليل على انها كونية لا شرعية .
    وتنفرد الشرعية في مثل إيمان الكافر ، وطاعة العاصي ، فكونها محبوبة الله فهي شرعية ، وكونها لم تقع ـ مع أمر الله بها ومحبته لها ـ هذا دليل على أنها شرعية فحسب ؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع .
    6ـ الإرادة الكونية أعم من جهة تعلقها بما لا يحبه الله ولا يرضاه ، من الكفر والمعاصي ، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر ، وطاعة الفاسق .
    والإرادة الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور به ، واقعاً كان أم غير واقع ، واخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية قد يكون غير مأمور به .
    هذه فوارق بين الإرادتين ، فمن عرف الفرق بينهما سلم من شبهات كثيرة ، زلت بها أقدام ، وضلت بها أفهام ، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور ) .
    ـ ( الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح ، وهو الاختبار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه ـ تعالى ـ ، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله ، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال ، وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها ، وقد كثر الاختلاف حول القدر ، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره ، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر ، ودس الشبهات حوله ، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع الإ من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، مسلماً الأمر الله ، مطمئن النفس ، واثقاً بربه ـ تعالى ـ ، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً ، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به بين بقية الأركان ) .
    ـ خالف أهل في مسألة القدر فرقتان رئيسيتان :
    أولا هما : القدرية .
    ثانيهما : الجبرية .
    أما القدرية فقالوا :
    ( إن العبد مستقل بعلمه في الإرادة والقدرة ، ليس لمشيئة الله ـ تعالى ـ وقدرته في ذلك أثر .
    ويقولون : إن أفعال العباد ليست مخلوقة الله ، وإنما العباد هم الخالقون لها ، ويقولون : إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله .
    وغلاتهم ينكرون أن يكون الله قد علمها ، فيجحدون مشيئته الشاملة ، وقدرته النافذة ، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة ؛ لأنهم شابهوا المجوس الذين قالوا : إن للكون إلهين : إله النور : وهو خالق الخير ، وإله الظلمة : وهو خالق الشر .
    وأما الجبرية ـ وهم الذين يؤيد الحمد مذهبهم ـ
    فإنهم ( غلو في إثبات القدر ، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل ـ حقيقة ـ بل هو في زعمهم لا حرية له ولا فعل ، كالريشة في مهب الريح ، وإنما تسند إليه الأفعال مجازاً ، فيقال : صلى وصام ، وقتل ، وسرق ، كما يقال : طلعت الشمس ، وجرت الريح ، ونزل المطر ، فاتهموا ربهم بالظلم ، وتكليف العباد بما لا قدرة عليه ، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم ، واتهموه بالعبث في تكليف العباد ، وأبطلوا الحكمة من الأمر والنهي ، ألا ساء ما يحكمون .
    وهؤلاء في الحقيقة يزعمون أن الله هو الفاعل الحقيقي لأفعالهم ، بخلاف ما عليه أهل السنة ، الذين يقولون : إن الله هوالخالق ، والعبد هو الفاعل ، ولذا ترتب على فعله الثواب والعقاب .
    هؤلاء ـ الجبرية ـ يسمون بالقدرية المشركية ، لأنهم شابهوا المشركين في قولهم : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} .
    وحيث أن تركي ا لحمد قد أيد مذهبهم ، واحتج على المعاصي والآثام التي يرتكبها ( هشام العابر ) بالقدر كقوله :
    ( كتب علينا أن نخطئ ) .
    فإن الرد سيكون منصباً على مسألة : هل يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي ؟
    فأقول :
    الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات :

    (الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات ، أو فَعَلَ من المعاصي .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : " وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين ، وسائر أهل الملل ، وسائر العقلاء ؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال ، وسائر أنواع الفساد في الأرض ، ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه ، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه ، بل يتناقص، وتناقض القول يدل على فساده ، فالا حتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول " .
    وبما أن هذا الأمر مما يعم به البلاء فهذا إيراد لبعض الأدلة الشرعية والعقلية ، والواقعية التي يتضح من خلالها بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الطاعات .
    1ـ قال الله- تعالى - : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم ، ولو كان احتجاجهم مقبولاً صحيحاً ما أذاقهم الله بأسه.
    2ـ قال تعالى : {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}
    فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لما كان هناك داع لأرسال الرسل .
    3ـ أن الله أمر العبد ونهاه ، ولم يكلفه إلا ما يستطيع ، قال ـ تعالى ـ : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، وقال : {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .
    ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلفاً بما لا يستطيع الخلاص منه ، وهذا باطل ، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل ، أو إكراه ، فلا إثم عليه لأنه معذور .
    4ـ أن القدر سر مكتوم ، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه ، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله ، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم بقدر الله ، فادعاؤه أن الله قدر عليه كذا وكذا ادعاء باطل ؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيب ، والغيب لا يعلمه إلا الله ، فحجته إذاً داحضة ؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه .
    5ـ أننا لو سلمنا للمحتج بالقدر على الذنوب لعطلنا الشرائع .
    6ـ لو كان الاحتجاج بالقدر ـ على هذا النحو ـ حجة لقبل من إبليس الذي قال : {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} .
    7ـ ولو كان حجة هؤلاء مقبولة ـ أيضاً ـ لتساوى فرعون عدو الله ، مع موسى كليم الله ـ عليه السلام ـ .
    8ـ الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعائب تصحيح لمذهب الكفار ، وهذا لازم لهذا المحتج ، لا ينفك عنه .
    9ـ ولو كان حجة لا حتج به أهل النار ، إذا عاينوها ، وظنوا أنهم مواقعوها ، كذلك إذا دخلوها ، وبدأ توبيخهم وتقريعهم ، هل يحتجون بالقدر على معاصيهم وكفرهم ؟
    الجواب : لا ؛ بل إنهم يقولون كما قال ـ عز وجل ـ عنهم : {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ } ، ويقولون : ( ربنا غلبت علينا شقوتنا ) ، وقالوا : { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ، وقالوا : {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} ، إلى غير ذلك مما يقولون .
    ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لا حتجوا به ؛ فهم بأمس الحاجة إلى ما ينقذهم من نار جهنم .
    10 ـ ومما يرد هذا القول ـ أيضاً ـ أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه ، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر .
    فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر ؟!
    وإليك مثالاً يوضح ذلك : لو أراد إنسان السفر إلى بلد ، وهذا البلد له طريقان ، أحدهما آمن مطمئن ، والآخر كله فوضى واضطراب ، وقتل ، وسلب ، فأيهما سيسلك ؟
    لاشك أنه سيسلك الطريق الأول ، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار ؟
    11 ـ ومما يمكن أن يُرد به على هذا المحتج ـ بناء على مذهبه ـ أن يقال له : لا تتزوج ، فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك ، وإلا فلن يأتيك ، ولاتأكل ولا تشرب ، فإن قدر الله لك شبعاً ورياً فسيكون ، وإلا فلن يكون ، وإذا هاجمك سبع ضار فلا تفر منه ، فإن قدر الله لك النجاة فستنجو ، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار ، وإذا مرضت فلا تتداو ، فإن قدر الله لك شفاءً شفيت ، وإلا فلن ينفعك الدواء .
    فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا ؟ إن وافقنا علمنا فساد عقله ، وإن خالفنا علمنا فساد قوله ، وبطلان حجته .
    12 ـ المحتج بالقدر على المعاصي شبه نفسه بالمجانين ، والصبيان ، فهم غير مكلفين ، ولا مؤاخذين ، ولو عومل معاملتهم في أمور الدنيا لما رضي .
    13 ـ لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل لما كان هناك حاجة للإستغفار ، والتوبة ، والدعاء ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    14 ـ لو كان القدر حجة على المعائب والذنوب لتعطلت مصالح الناس ،ولعمت الفوضى ، ولما كان هناك داع للحدود ، والتعزيرات ، والجزاءات ، لأن المسيىء سيحتج مع القدر ، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظلمة ، وقطاع الطريق ، ولا إلى فتح المحاكم ، ونصب القضاء ، بحجة أن كل ماوقع إنما وقع بقدر الله ، وهذا لا يقول به عاقل .
    15 ـ أن هذا المحتج بالقدر الذي يقول : لا نؤاخذ ، لأن الله كتب ذلك علينا ، فكيف نؤاخذ بما كتب علينا ؟
    يقال له : إننا لا نؤاخذ على الكتابة السابقة ، إنما نؤاخذ بما فعلناه ، وكسبناه ، فلسنا مأمورين بما قدره الله لنا ، أو كتبه علينا ، وإنما نحن مأمورين بالقيام بما يأمرنا به ، فهناك فرق بين ما أريد بنا ، وما أريد منا ، فما أراده طواه عنا ، وما أراده منا أمرنا بالقيام به .
    ومما تجدر الإشارة إليه أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجاً عن قناعة وأيمان ، وانما هو ناتج عن نوع هوى ومعاندة ، ولهذا قال بعض العلماء فيمن هذا شأنه : " أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به" .
    يعني أنه إذا فعل الطاعة نسب ذلك نفسه ، وأنكر أن يكون الله قدر ذلك له ، وإذا فعل المعصية احتج بالقدر .
    وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي ، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع ، والعقل ، والواقع .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن المحتجين بالقدر : " هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى " .

    متى يسوغ الاحتجاج بالقدر ؟
    يسوغ الاحتجاج بالقدر عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر ، والمرض ، وفقد القريب ، وتلف الزرع ، وخسارة المال ، وقتل الخطأ ، ونحو ذلك ؛ فهذا من تمام الرضا بالله رباً ، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب ، لا المعائب ، " فالسعيد يستغفر من المعائب ، ويصبر على المصائب ، كما قال ـ تعالى ـ {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} . والشقي يجزع عند المصائب ، ويحتج بالقدر على المعائب " .
    ويوضح ذلك المثال الآتي : لو أن رجلاً قتل آخر عن طريق الخطأ ، ثم لامه من لامه ، واحتج القاتل بالقدر ، لكان احتجاجه مقبولاً ، ولا يمنع ذلك من أن يؤاخذ .
    ولو قتل رجلٌ رجلاً عن طريق العمد ثم قُرَّع القاتل ووُبَّخ على ذلك ، ثم احتج بالقدر ، لم يكن الاحتجاج منه مقبولاً ؛ ولهذا حج آدم موسى ـ عليهما السلام ـ كما في قولهe في محاجتهما : " احتج آدم وموسى فقال له موسى : أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، ثم تلومني على أمر قد قدّر علي قبل أن أخلق ؟ فحج آدم موسى" .
    فآدم ـ عليه السلام ـ لم يحتج بالقدر على الذنب كما يظن ذلك بعض الطوائف ، وموسى ـ عليه السلام ـ لم يلم آدم على الذنب ؛ لأنه يعلم أن آدم استغفر ربه وتاب ، فاجتباه ربه ، وتاب عليه ، وهداه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
    ولو أن موسى لام آدم على الذنب لأجابه : إنني أذنبت فتبت ، فتاب الله علي ، ولقال له : أنت يا موسى ـ أيضاً قتلت نفساً ، وألقيت الألواح إلى غير ذلك ، إنما احتج موسى بالمصيبة فحجه آدم بالقدر . .
    " فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له ؛ فإنه من تمام الرضا بالله رباً ، أما الذنوب فليس لأحد أن يذنب ، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب ، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب " .
    وممن يسوغ له الإحتجاج بالقدر التائبُ من الذنب ، فلو لامه أحد على ذنب تاب منه لساغ له أن يحتج بالقدر .
    فلو قيل لأحد التائبين : لم فعلت كذا وكذا ؟ ثم قال : هذا بقضاء الله وقدره ، وأنا تبت واستغفر ، لقُبل منه ذلك الاحتجاج .
    ثم إنه لايسوغ لأحد أن يلوم التائب من الذنب ، فالعبرة بكمال النهاية ، لابنقص البداية) .

    الماركسيون جبريون :
    وليعلم ـ بعد هذا ـ أن الماركسيون الذين يدين (هشام العابر! ) بدينهم هم من الجبريين في مسألة القدر ، ولهذا رأينا( هشام العابر) الماركسي ينصر هذا المذهب .
    يقول الاستاذ أنور الجندي : ( كل الدعوات الفلسفية الحديثة المادية الاتجاه : من الدارونية إلى الماركسية تُسقط الإرادة الحرة ، وتُعلن الجبرية ) .






    تركي الحمد يتنقص في ثلاثيته :
    الله وملائكته وكتبه ورسله ودينه وعباده الصالحين


    تنقص الحمد الله ـ عز وجل ـ :
    لم يقدر تركي الحمد الله ـ عز وجل ـ حق قدره ولم يعظمه كما يعظمه عباده المؤمنون ، بل تحدث عنه في روايته وكأنه يتحدث عن بشرٍ مثله حديث الند للند بعبارة مملوءة بالتحدي والسخرية ـ والعياذ بالله ـ ، وإن كان قد أخفى أشدها بالأسلوب الرمزي الذي عهدناه من هذا الصنف من البشر عندما يخوضون في مثل هذه الأمور .
    فالحمد جاء في روايته بلهجة غريبة شاذة عن أهل هذا المجتمع في حديثهم عن ربهم ـ سبحانه وتعالى ـ حيث تجرأ في ذلك بصورة وقحة فاجرة .
    وهو مشابه في هذه الجرأة لتيار الحداثة في ديار المسلمين الذين كانوا أول من ترددت هذه الظاهرة ( الكفرية ) في أشعارهم وأحاديثهم ، حيث لم يتورعوا عن الحديث عن الله ـ عز وجل ـ بألفاظ سوقية بشرية ، فمن ذلك على سبيل المثال :
    قول صلاح عبد الصبور في قصيدته ( الناس في بلادي )
    ( يا أيها الإله ،
    كم أنت قاسٍ موحش
    يا أيها الإله ) .
    وقول الشاعر (الماركسي) البياتي :
    ( الله في مدينتي يبيعه اليهود
    الله في مدينتي مشرّد طريد ) !!
    وقول معين بسيسو :
    ( وطرقت جميع الأبوا ب
    أخفتني عاهرة
    ووشى بي قديس
    كان الله معي
    لكن الله هناك
    يدلي بشهادته .. في مركز بوليس ) !!
    وقل توفيق زياد :
    ( ومداخن الأفراد
    قائمة .. كآلهة المنايا ) !!
    وقول محمود دريش :
    ( نرسم القدس
    إلهً يتعرى فوق خطٍ داكن الخضرة
    أشباه عصافير تهاجر ) !!
    وهكذا .. في عبارات (كفرية) كثيرة تتناثر في أشعارهم القذرة
    وفي ظني أن هذه الظاهرة السيئة قد وفدت إلى ديار المسلمين عبر شعراء اليهود والنصارى وكتابهم ، الذين تُرجمت أشعارهم وعباراتهم وكانت مصدراً رئيسياً لشعراء المسلمين .
    وأولئك اليهود والنصارى ـ كما هو معلوم ـ لا يعظمون الله حق تعظيمه ، ولا ينزهون اسمه عن لغوهم وباطلهم .
    وسبب ذلك ـ والعلم عند الله ـ هو تأثرهم بما جاء في كتبهم الدينية المحرّفة (لا سيما التوراة) عند الحديث عن الله ـ عز وجل ـ وصفاته حيث تتحدث تلكم الكتب ( المقدسة !) عن الله وصفاته كحديثها عن الخلق وصفاتهم ، فجعلوا ( المولى سبحانه وتعالى في صورة بشر حقود ، سريع الغضب ، كثير الندم ) .
    فمن ذلك قولهم في ( سفر التكوين ، الإصحاح الثاني ) عن الله ـ عز وجل ـ : ( وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل ، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمله … ) !
    ومن ذلك إخبارهم عن الله ـ عز وجل ـ بأن اليهود عندما تاهوا نزل الله ـ عز وجل ـ فهداهم إلى طريق الخروج ! (جاء في سفر الخروج (( وارتحلوا من سكوت ، ونزلوا في إيثام في طرف البرية . وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق ، وليلاً في عمود نار ليضيء لهم …) .
    ومن ذلك زعمهم أن الله يبكي ويلطم وجهه ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ وأنه ـ تعالى ـ يصارع يعقوب عليه السلام ـ !! وأنه ـ تعالى ـ اعترف بخطئه أما كبير الأحبار !! وأنه ـ تعالى ـ يندم ويحزن وينسى !!
    إلى آخر تلك الصفات السيئة التي ألصقها اليهود ـ لعنهم الله برب العالمين ـ سبحانه وتعالى ـ
    يقول الدكتور محمد البار بعد أن ذكر هذه الافتراءات :
    (ومما تقدم نخلص إلى أن صفات الله سبحانه وتعالى في التوراة والتلمود ، لا يمكن أن تكون صفات الله خالق الأكوان ومدبرها .. بل لا يمكن أن تكون إلا من صفات أراذل البشر .
    هذا قليل من كثير من هذه الافتراءات والغثاء والكذب ، والتجديف في وصف المولى سبحانه وتعالى .. والتوارة والعهد القديم والتلمود كلها مليئة بهذه الأوصاف المنكرة والسجايا الخبيثة التي لا يمكن أن يوصف بها إلا أحط البشر وأراذلهم ، فكيف يمكن أن يوصف بها المولى سبحانه وتعالى) .
    وقال الدكتور سعود الخلف ـ حفظه الله ـ بعد أن أورد شيئاً من تلكم الأكاذيب :
    (فهذه الأمثلة من أوضح الأدلة على التحريف ، فإن الله عز وجل موصوف بصفات الكمال المطلق وكل ما يشعر بالنقص فالله عز وجل منزه عنه ، فتضمين اليهود كتابهم صفات تشعر بوصف الله بصفات لا تليق بمقام الألوهية والربوبية والكمال المطلق ، دليل واضح على التحريف والتبديل إذ لا يمكن أن يتضمن الكتاب الذي نزل من عند الله ما يطعن فيه جل وعلا .
    وبأمثال هذه الافتراءات من قبل متقدميهم تجرأ متأخروهم على الافتراء على الله ، واعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأن الله لا يعذبهم وفي هذا قول الله عز وجل: { قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} ) .
    قلت : فهذه العقيدة الفاسدة قد أخذها كتاب وشعراء أهل الكتاب من كتبهم ( المحرفة ) فأضحوا يرددونها في نثرهم وأشعارهم دون أي خوف أو خجل من رب العالمين ، لأن كتبهم ( المقدسة !) قد جرأتهم على نقل وترديد هذا الاستخفاف والطعن بربهم ـ عز وجل ـ وأسقطت هيبته من نفوسهم .
    ثم جاء من بعدهم ( نصارى ) العرب فنقلوا تلك العقيدة في كتاباتهم ونظمهم .
    وعن هؤلاء الكفرة أخذها كتابنا وشعراؤنا الذين ( يدعون ) الإسلام ، فخاضوا فيها تقليدا لأولئك دون أن يعصمهم عن هذا الخوض المنكر رهبة من الله ـ عز وجل ـ
    فأصبحنا نسمع ونقرأ عبارات لبعض الشعراء ( المسلمين ! ) تضاهي في كفرها عبارات اليهود والنصارى ، ويندى لها جبين المسلم الموحد ، ويأسى على حال إخوانه الذين تابعوا الكافرين في طعنهم برب العالمين ، مصداقاً لقولe في هذا الصنف " لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو القذة بالقذة . حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قيل : اليهود والنصارى ؟ قال e " فمن ؟ " أي ليس إلا هم .
    وقد دخل شرذمة من كتابنا وشعرائنا هذا الجحر الذي أخبر عنه الرسولe بل زادوا عليه بأن طعنوا في خالقهم ـ عز وجل ـ متابعة لمن هم شر البرية ـ كما سبق
    يقول الدكتور أنس داود في كتابه ( الاسطورة في الشعر العربي الحديث ) :
    (لجأ شعراؤها إلى الكتب المقدسة وبخاصة التوراة والإنجيل وقلما استفادوا من القرآن في هذا السبيل ، ربما لأنهم يعيشون في أمة إسلامية لا تستسيغ مثل هذه النظرة الفنية إلى أقدس مقدساتها الدينية ، ولأن الكتاب المقدس كان مصدر استلهام فني في الشعر الأوربي بمثل ما استلهم هؤلاء الشعراء أساطير لأقدمين . ولأن ثمة نسباً ـ كما نرى ـ بين كتاب كالتوراة ومجموعات الأساطير المتوارثة في قوة تصويرها لنوازع الإنسان ، وتجسيدها للأهواء البشرية حتى حين تتحدث عن الأنبياء لا تتحدث عنهم هذا الحديث المتطهر الذي تجده في القرآن ، بل نجد لديهم فيضاً من الغرائز ، وغلبة للشهوات أحياناً ولجوءً إلى الحيل والخديعة ، وغير ذلك مما نجده في الحديث عن داود وعن سليمان وغيرهما من الأنبياء مما يقربهم من الشخصيات الأسطورية في نوازعها الجارفة وسلوكها كل مسلك)
    قلت : ثم جاء ( الحمد ) منضماً إلى هذا الركب ومتحدثاً في ثلاثيته عن ربه عز وجل بعبارات بشعه لا تصدر عن مؤمن فمن ذلك :
    قوله عن هشام : (أراد أن يتحدث مع عارف ، لكنه فقد الرغبة في الحديث . الله ، الحتمية ، الجبرية ، العلم .. كلها أشياء يتعلق بقشة منها . يريد الخروج ، فمن يوفر له ذلك ، فهو الله) .
    وقوله عنه : (يحس أنه هنا منذ أن حشر الإله الروح في جسد آدم) .
    وقوله : (دائماً المستقبل الذي لا يجئ ، والتاريخ الذي لا نعيه ، والله الذي لا نراه ، يقفون وراء كل شيء ، ويبررون كل شيء) .
    وقوله : (واستسلم لحلم يقظة جميل … تصور نفسه من بني إسرائيل أو سام ، وود لو كان أسيره إلى الأبد . تصور أنه يوشع نفسه ، أو سوبرمان ذاته . قادر على إيقاف الزمن ذاته . لا شيخوخة ولا موت ولا ألم ولا … تحقيق . تصور أنه الله ذاته … ولم لا … ما فرقه عن الحلاج والسهروردي وابن العربي ؟ نحن الله والله نحن … كانت تلك رسالة موسى والمسيح ومحمد ، ولكن أكثر الناس لا يدركون ، فجعلوه ابن الله إنه ذات الله الآن ، فماذا يفعل ؟ هل يجعل الكون أكثر راحه ، وينشر السعادة بين البشر ؟ ولكن … ما هي السعادة ؟ ! سعادة سقراط أم أفلاطون أم أرسطوا أم ديوجين أم أبقور أم زينون أم كونفيشيوس أم بوذا أم وأم ، وأم … جملة أمَّات لا نهاية لها . كالحياة ذاتها . ثم لو نشر السعادة وقضى على الألم ، فهل يكون للسعادة نقيض الشقاء أو نقيض الألم ، فكيف يمكن إدراك السعادة إذا ختفى الألم ؟ حتى الجنة بدت له عديمة اللذة في تلك اللحظة كما بدت جهنم عديمة الألم . الخمرة لا تسكر ذاتها ، والجمرة لا تحرق نفسها … البراز لا يتأذى من رائحة نفسه ، والفل لا يستمتع بريح ذاته . لابد من البراز لاكتشاف لذة الفلة ، ولا بد من الفلة لاكتشاف قذارة البراز . ولذلك كان هناك جنة ونار معاً ، الله وشيطان ، نبي وفرعون ، وكل في قدر يسبحون… تحقيق السعادة وحدها ، يعني توحيد الألوان . وعندما تتوحد الألوان ، تختفي … المعنى في الاختلاف ، والعماء في التجانس . مشكلة … وجود الحياة بشكلها الحالي مشكلة … وجعلها أجمل وأحلى وأعدل مشكلة لم لا تكون ذات الحياة هي المشكلة ؟ لو كان ذات الله ، لألغى الحياة ذاتها . لألغى هذه المسرحية المملة ، وصرف ممثليها وألغى تلك الأدوار المقررة المعروفة . لا حرية مع الوجود ، فكل الحرية في العدم …) .
    وقوله : (الله أعلم ! مسكينٌ أنت يالله … دائماً نُحَملك مانقوم به من أخطاء) .
    وقوله على لسان ( الشيوعي ) عارف : (إن الانتحار هو تحد للإله نفسه .
    ثم وهو يضحك بسرعة :
    ـ هذا إن كان هناك إله … الانتحار يا صديقي يعني أني قد اخترت الجحيم ورفضت النعيم بمل إرادتي … فالنعيم الحق هو ما أختاره أنا ، لا ما يختاره لي ما ليس أنا … الجحيم هو النعيم حين أختاره أنا ، والنعيم هو الجحيم حينما بختاره غيري لي أنا .
    ويضحك عارف مرة أخرى ، ثم يعتدل في جلسته ، وقد اتسعت عيناه ، وبرقت عينه السليمة ، وقال هو ينظر إلى هشام وقد اكتسى وجهه بعلامات نصر ما :
    ـ الانتحار نصر على الله . ففي الانتحار تفوت الفرصة على الله أن يختار لك مصيرك . فأنت تدخل النار بإرادتك حين تنتحر وتعلم أن مصيرك هو النار . ليس الله هو من أدخلك النار ، بل أنت من فعل …
    وابتسم هشام وهو يقول :
    ـ ولكن افرض أن الله أدخلك الجنة بالرغم من انتحارك ، ألا يكون قد فوت عليك الفرصة واختار لك بالرغم منك ؟
    وضحك عارف بحبور وهو يقول :
    ـ كلا … فإذا دخلت النار فبإرادتي ، وإذا أدخلني الله الجنة فأكون قد فرضت إرادتي عليه … لقد توعدني بالنار فيما لو انتحرت ، ولكنه أدخلني الجنة برغم الوعيد . لقد فرضت إرادتي عليه ، وجعلته يغير وعيده ، لقد أصبحت نداً له . أبعد هذا الانتصار انتصارا؟ …
    ـ ولماذا لا يكون هو قَدَّر عليك الاختيار منذ البدء ؟
    ـ أكون قد فضحت اللعبة كلها حينذاك .
    وعاد عارف إلى الاسترخاء وهو يردد :
    ـ الانتحار هو النصر النهائي على كافة أشكال السلطة وأنواعها)

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    الحمد يرى أن عبودية الله كالأغلال !!
    من تنقص الحمد لله عز وجل ، أنه لم يرض بعبوديته ، وإنما آثر عليها (الحرية) كما يدعي ! وهي في حقيقتها ليست ( حرية ) وإنما ( عبودية ) من نوع آخر ، إما للهوى أو الشيطان كما سبق .
    يقول الحمد متحدثاً عن هشام : ( وطافت في ذهنه تجربته الدينية العميقة حين ذهب إلى المسجد مع ا لفجر ، وصلى بعمق غريب ولذيذ لأول مرة في حياته ، بعد تجربته الجسدية مع رقية فقد كانت صلواته السابقة مجرد حركات جسدية لا روح فيها ، ومجاملات اجتماعية بعض الأحيان . ورغم أنه يشعر بالضآلة حين يجامل في مثل هذه الأمور ، إلا أنه لا يستطيع إلا أن يجامل ، فالله غفور رحيم ، ولكن عباده لا يعرفون الرحمة والغفران ، لقد أحس بعد تلك التجربة العنيفة بتمزق لم يستطع إحتماله ، فكان بحاجة إلى أب رؤوف رؤوف يلقي بحمله عليه … أب ليس ككل الآباء . أب يسامح على الخطأ والخطيئة ، ويأخذ بيده إلى الراحة بعد العذاب ، والصفاء بعد القلق وذاك الوخز المؤلم في الداخل … ولكن شتان بين حاله مع رقية ، وهذا الإنقلاب العجيب في حال عدنان … كل إنسان يبحث عن أب رحيم قادر ، وأم حنون في الأزمات والملمات، والكل يبحث عن كتف عطوف عطوف قوي يبكي عليه ويلقي عليه بأحماله ، ولكن القليل هو من يريد أن يبقى باكياً على ذلك الكتف ، فهو لذيذ حقاً ، ولكن الألذ منه أن تخطئ وتصيب فاللذة في وجود نقيضها وليس في مجرد وجودها .شيء لذيذ وجميل أن تجد من يكون مسؤولاً عنك طوال الوقت ، ولكن السعر باهظ جداً … إنه الحرية ذاتها . الطفل وحده من يدفع هذا السعر بالرغم منه ، ولكن من يريد أن يبقى طفلاً طوال الوقت ؟! الكل يجد الدفء في حضن الأم ، والقوة في الأب ، ولكن قلةً من يريدون البقاء في ذلك الحضن وعلى الكتف … ويبدو أن عدنان واحد من هؤلاء ) .
    قلت : ومقصوده واضح لا يحتاج إلى إعمال ذهن ، وهو دليل تكبره عن عبادة ربه ـ كما سبق ـ وقد قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) .

    تنقصه للملائكة الكرام :
    أما تنقص الحمد واستخفافه بالملائكة المكرَّمين فمن ذلك قوله متحدثاً عن هشام في السجن :
    ( ثم نظر إلى النافذة ، وتلك النجوم التي تتبدى من ورائها على استحياء ، وهو يتصور أن يأتي ملاك رحمة من هنا أو هناك فينقله على جناحيه إلى حيث نسمة هواء طليقة . ولكن حتى الملائكة اختفت في هذه اللحظة ، ويبدو أنها نفسها تخاف الدخول إلى هذا المكان ، وليس إلا الرعب والسكون والانتظار ) !!
    قلت : كيف تخاف الملائكة الدخول في هذا المكان أو غيره ، وهي معك أينما سرت . قال تعالى عن الإنسان : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .
    وقال سبحانه : (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) .
    وقال تعالى : (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) .
    فالملائكة المكرمون قد خُصََّ بعضهم بأنه لا يفارق الإنسان في جميع أحواله ـ كما سبق ـ ولكن الحمد لا يفقه هذا بعد أن اعتاد لسانه على الجرأة عند حديثه عن كل شيء مقَّدس متأثراً بالكفرة الفجرة ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ .

    تنقص الحمد القرآن :
    أما سخريته بالقرآن ، وبآيات الله ، فهو أنه يضعها في غير موضعها ، بأسلوب هازل .
    فمن ذلك قوله :
    ( حانت التفاتة من عبد الرحمن نحو الكيس الذي يحمله هشام ويشد عليه بقوة ، فقال وهو يضحك : " ما تلك بيمينك يا هشام ؟ " وابتسم هشام …) فهو يشير إلى قوله تعالى لموسى ـ عليه السلام (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى)
    وقوله : ( وهز هشام رأسه وهو يبتسم محيياً ، فيما أخذ الآخرون يتضاحكون ويتغامزون فيما بينهم ويقولون : "شرَّفت الكراديب " "وما منكم إلا واردها " ) .
    وهو يشير إلى قوله تعالى عن النار : ( وإن منكم إلا واردها ) .
    قلت : لا يجوز أن يُنزل القرآن في غير منزله الذي أراده الله له ، وأن يُسْتدل به بهذه السخرية .
    وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء عن ( استعمال بعض آيات القرآن في المزاح ما بين الأصدقاء ؟ ) فأجابت بأنه ( لا يجوز استعمال آيات القرآن في المزاح ) .




    بغضه للقرآن :
    يقول الحمد متحدثاً عن ذكريات هشام ، وصديقه عدنان : ( كانا في الصف الرابع الابتدائي ، وكانت مادتي القرآن الكريم والتجويد أصعب وأبغض المواد عند التلاميذ ) !!
    قلت : أما ( أصعب ) فقد قال تعالى : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) .
    وأما ( أبغض ) فهذه التي يريد الحمد ! والسؤال : لماذا كان كلام الله الذي فيه الهدى والنور أبغض المواد !؟ وكان الحب كله للكتب الفلسفية والماركسية و(المحرَّمة ) !
    وصدق الله إذ يقول : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) .

    تنقصه للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ :
    لقد أسرف الحمد على نفسه كثيراً واقتحم لجة من الكفر والضلال عندما تعرض لأنبياء الله تعالى ـ عليهم الصلاة والسلام ـ واصفاً إياهم بكل منقصة جرياً وراء أكاذيب اليهود والنصارى التي استولت على ذهنه عند حديثه عنهم ـ عليهم السلام ـ فقد نسخت قراءاته لكتب اليهود والنصارى كل تعظيم غرسه القرآن في صدره حول الأنبياء والرسل .
    ولنستمع إلى ( هرائه ) مع التعليق عليه بما تيسر .
    قال الحمد على لسان هشام :
    ( قتل قابيل هابيل من أجل المرأة ، وخرج آدم من الجنة من أجل المرأة ، وأذنب من أجل المرأة ، وسخر سليمان الجن من أجل المرأة ، وقال رسولنا الكريم :" حُبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء وجُعلت الصلاة قرة عيني " ومزامير داود كلها عن المرأة ، وسكر لوط في التوراة من أجل المرأة ، وأبطل المسيح حد اليهود من أجل مريم المجدلية ، وخاف إبراهيم من فرعون مصر من أجل المرأة ، وكانت المرأة وراء مباركة يعقوب بدلاً من عيسو … ) .
    قلت : لقد تضمن هذا النص من الحمد عدة فتراءات على أنبياء الله ـ عليهم السلام ـ حيث لم يتورع ـ هداه الله ـ عن متابعة اليهود والنصارى في تلفيق التهم والنقائص لخير البشر ـ عليهم السلام ـ ولتفنيد ذلك أقول :
    ـ أما قابيل وهابيل فإنهما لم يكونا من الأنبياء هم بشر كغيرهم ، فلا شأن لنا بهما . ومع هذا تركي الحمد لم يذكر إلا قولاً واحداً في قصتهما ولم يذكر القول الثاني .
    فهو ألمع إلى القول الأول الذي يفيد بأن قابيل قتل أخاه هابيل بسبب المرأة فقررا أن يتقربا إلى الله بقربان فمن تقبل منه كانت المرأة من نصيبه فتقبل من هابيل ولم يُتقبل من قابيل ، فقام قابيل بقتل هابيل .
    والقول الثاني الذي لم يذكره الحمد هو أنهما قررا أن يقوما بتقديم قربان إلى الله ـ عز وجل ـ فعمد قابيل إلى أسوأ ماله فقدمه قرباناً ، وعمد هابيل إلى أحسن ماله فقدمه ، فتقبل منه ولم يتقبل من أخاه قابيل ، فحسده قابيل وقام بقتله .
    وفي هذا يقول ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ : ( عن ابن عباس قال : كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل ، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا : لو قربنا قرباناً ! وكان الرجل إذا قرب قرباناً فرضيه الله عز وجل أرسل إليه ناراً فأكلته ، وإن لم يكن رضيه خبت النار ، فقربا قرباناً . وكان أحدهما رعياً وكان الآخر حراثاً ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها . وقرب الآخر أبغض زرعه ، فجاءت النار فنزلت بينهما ، فأكلت الشاة وتركت الزرع . وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك ورد عليّ ؟ فلا والله لاتنظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني فقال : لأقتلنك ! فقال أخوه : ماذنبي ؟ إنما يتقبل الله من المتقين ) .
    قلت : فهذا القول الثاني لم يشر إليه الحمد هو الذي يشهد له القرآن العظيم عندما تحدث عن قصة ابني آدم حيث قال تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28)إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ(30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ(31) ) .
    ولذا فقد قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ بعد سياقه الأثر السابق عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : ([ فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لاعن سبب ولا عن تدارئ في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم ، وهو ظاهر القرآن ) .
    قلت : فالحمد لم يسق إلا القول الذي يتماشى مع هواه ، علماً بأن هذه الروايات جميعها لم تصح مرفوعه إلى النبي e ، وإنما هي تنقل عن أهل الكتاب الذين أمرنا بعدم تصديقهم أو تكذيبهم إلا ما عارض شرعنا فإننا نكذبهم فيه ـ ولا كرامةـ.
    بل إن القرآن والسنة الصحيحة لم تذكر ( قابيل وهابيل ) وأنما ذكرت بأن القصة حدثت لابني آدم فقط دون تفصيلات . كما في سورة المائدة ، وكما في قوله e في الصحيحين : " لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها ، لأنه أول من سنَّ القتل " .
    ـ أما قول الحمد بأن آدم ـ عليه السلام ـ قد خرج من الجنة من أجل المرأة فالذي في القرآن أن ( الشيطان ) قد وسوس لآدم وحواء جميعاً بالأكل من الشجرة ، وفي آيات أخرى يخبر الله بأن الشيطان قد وسوس لآدم بذلك دون ذكر لحواء .
    قال تعالى : وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(35)فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) .
    وقال سبحانه : (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ(18)وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ) .
    وقال عز وجل : (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(115)وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى) .
    فهذه الآيات فيها أن الشيطان وسوس لهما جميعاً (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) وفي سورة طه أنه وسوس لآدم أولاً (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ) .فهي تشهد لمن قال بأن الوسوسة كانت لهما جميعاً حيث أغراهما الشيطان بنيل الخلد في الجنة وأن يكونا كسائر الملائكة . ولم يذكر فيها أن حواء هي التي أغرت آدم على الأكل من الشجرة كما تقول ذلك الروايات الإسرائيلية . ولهذا قال الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ : ( دأب الكتاب والأدباء في عصرنا هذا على فرية أن آدم عليه السلام خدعته حواء حتى أكل من الشجرة ، يصطنعون قول الكاذبين المفترين من أهل الكتاب ، بما حرفوا وكذبوا ) .
    قلت : ولكن من يقول بأن حواء أكلت من الشجرة قبل آدم ، أو أنها سهلت له الأكل منها يستشهد بحديث رواه البخاري في صحيحه ويحمله على هذه القصة ، وهو أنه e قال : " لولا حواء لم تخن انثى زوجها " . قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث : ( وقوله " لم تخن انثى زوجها " فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك ، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها ابليس حتى زينته لآدم ، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة ونزع العرق فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له ، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها ، وقريب من هذا الحديث " جحد آدم فجحدت ذريته " وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى ، وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور ، وينبغي لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن ، والله المستعان ) .
    وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : ( وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها ، والله أعلم ، وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري …) ثم ذكر الحديث السابق .
    قلت : ومع هذا فلا يحسن أن يقال بأن آدم خرج من الجنة بسبب المرأة ، وأنما يقال بأنه ـ عليه السلام ـ خرج من الجنة بسبب مخالفته لنهي الله ـ عز وجل ـ بوسوسة من الشيطان مما ترتب عليه ابتلاؤه وذريته من بعده . وكان هذا قبل أن يتوب الله عليه ، ويصطفيه كأول نبي على وجه الأرض .
    ـ أما قول الحمد بأن داود ـ عليه السلام ـ أذنب من أجل المرأة فهذا من افترائه متابعة لأشياخه اليهود الذين افتروا على داود ـ عليه السلام ـ في توراتهم المحرفة بأنه عليه السلام قتل أحد قواده بواسطة الخدعة حيث جعله في مقدمة الجيش ، لكي يتزوج بامرأته التي أُعجب بها داود ـ عليه السلام ـ بعد أن رآها عريانه !!! كما جاء في ( سفر صموئيل الثاني ، الاصحاح 11) .
    قلت : وقد تسللت هذه الكذبة الشنيعة من اليهود إلى تفاسير المسلمين عبر الاسرائيليات التي أخذوها منهم دون تمحيص لها .
    حيث تذكر هذه القصة المكذوبة في تفسير قوله تعالى : (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) .
    وقد أجاد ابن كثير ـ رحمه الله ـ عندما قال عند هذه الآية : ( قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ) ثم ضعف القصة السابقة بأن في سندها ( يزيد الرقاشي ) أحد الضعفاء في الحديث عند الأئمة .
    وقبله قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ :
    ( قد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم ، كما قالوا في سليمان ما قلوا ، وفي داود ما قالوا ) .
    وقال القاضي عياض ( لا تلتفت إلى ما سطره الإخباريون من أهل الكتاب ، الذين بدلوا وغيروا ، ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه ، ولا ورد في حديث صحيح ) قال: ( وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت ) .
    وقال الشيخ محمد أبو شهبه في كتابه ( الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ) : ( والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي . قال الداودي : ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت ، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم ) .
    وقال الدكتور البار بعد أن ذكر هذه القصة المكذوبة : ( يالها من جريمة بشعة حقيرة تزعم التوراة ( المحرفة ) أن داود عليه السلام ارتكبها ، وهو لاريب منها برئ) .
    قلت : شتان بين هذه القصة التي تصف نبي الله داود ـ عليه السلام ـ بالقتل والمخادعة في سبيل امرأة ، وبين قول الله تعالى عنه (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ(17)إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ(18)وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ(19)وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) .
    فقد وصفه تعالى بالقوة في العلم والعمل وأبان ذلك e بقوله عنه بأنه " كان يصوم يوماً ويفطر يومأ ، ولا يفر إذا لاقى " . وقال عنه " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه ، وينام سدسه "
    فأين هذا الوصف العالي من و صف التوراة المحرفة التي استساغ الحمد أن يتأثر بها وينقلها تشويهاً لصورة نبي الله ـ عليه السلام ـ !؟
    ـ أما قول الحمد بأن سليمان ـ عليه السلام ـ قد سخَّر الجن من أجل المرأة ، فهذا من كذبه الذي يعرفه صغار المسلمين الذي يقرأون القرآن .
    فسليمان ـ عليه السلام ـ لم يسخر الجن لنفسه ، وإنما الذي سخرها الله ـ عز وجل ـ .
    قال تعالى عن سليمان : (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35)فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ(36)وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(37)وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(38)هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(39)وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) .
    وأما قصته ـ عليه السلام ـ مع ( بلقيس ) ملكة اليمن التي يلمح إليها الحمد فهي إن سليمان غضب منها ومن قومها عندما أرسلوا له المال والهدايا لعله يكف عنهم . فأمر من حوله من الجن والإنس بأن يحضروا له عرش بلقيس الذي لا يكاد يوجد مثله في عظمته ، فقال : (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) ولكن سليمان لم يقنع بهذا ، فقال (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) وهو كاتبه آصف بن برخيا كما يُروى عن ابن عباس : (أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) أي : أن تنظر مد بصرك فلا تكل إلا والعرش عندك : (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ) أي سليمان : (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) .
    أما سبب احضار العرش فليس لأجل المرأة كما يزعم الحمد ـ كذباً وافتراءً ـ وإنما لأجل أن يظهر سليمان عظمة ملكه لها ، وأنه نبي من عند الله ، قد سخر له الإنس والجن فتستجيب لدعوته لها إلى دين التوحيد بعد أن كانت تسجد هي وقومها للشمس .
    قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : ( إن سليمان أراد باحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله ولا يكون لأحد من بعده وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها لأن هذا فارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه ) .
    ـ أما قول الحمد بأن نبينا  قد حُبب إليه النساء ، فهذا صحيح ، وقد ورد في هذا قوله  : (( حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني الصلاة )) .
    وليس معنى هذا ما قد يظنه الحمد أو غيره من الجهلة وهو أن هذه المحبة هي لأي امرأة ولو لم تحل له ـ والعياذ بالله ـ وإنما هذا خاص بزوجاته وما ملكت يمينه  ، وليس في هذا أي نقص لمرتبته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بل هو بيان لكمال رجولته .
    قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : ( أما محبة الزوجات فلا لوم فيها ، بل هي من كماله ، وقد امتن سبحانه على عباده فقال : ((وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) .فجعل المرأة سكناً للرجل يسكن قلبه إليها ، وجعل بينهما خالص الحب ، وهو المودة المقرونه بالرحمة ) قال : ( ولا ريب أن النبي  قد حُبب إليه النساء ، كما في الصحيح عن أنس عن النبي  : (( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ) قال : ( فمحبة النساء من كمال الإنسان ، قال ابن عباس : خير هذه الأمة أكثرها نساء ) قال : ( فعشق النساء ثلاثة أقسام : قسم هو قُربة وطاعة ، وهو عشق امرأته وجاريته ، وهذا العشق عشق نافع ، فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح ، وأكف للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله ، ولهذا يُحمد هذا العاشق عند الله ، وعند الناس ) .
    ـ أما قول الحمد بأن مزامير داود ـ عليه السلام ـ كلها عن المرأة ، فهذا كذب منه ، يريد به التهويل قال الدكتور محمد البار ـ حفظه الله ـ وهو ممن اعتنى بدراسة المزامير :
    ( تنسب المزامير إلى مجموعة من أنبياء بني اسرائيل وأدبائهم وشعرائهم ، وتشتمل على 150 مزموراً ، منها 73 منسوبة إلى داود عليه السلام ، والأخرى منسوبة إلى موسى وسليمان ـ عليهما السلام ـ وإلى آساف وبني قورع وراجح وهيمان وأتيان ويدوتون ) قال : ( رغم أنه لم تثبت نسبة أيٍ من هذه المزامير الموجودة لداود أو غيره ، إلا أنها أصبحت جزء من الفولكلور الشعبي اليهودي ) .
    قال : ( رغم أنه لم تثبت نسبة أي من هذه المزامير الموجودة لداود أو غيره ، إلا أنها أصبحت جزءً من الفولكلور الشعبي اليهودي ) .
    قال : ( تُقسم المزامير إلى ثلاث مجموعات أساسية تندرج تحتها مجموعات أصغر . وهذه المجموعات الثلاث هي :
    1 ـ مجموعة التسابيح .
    2 ـ مجموعة صلوات الاستغاثة .
    3 ـ مجموعة التعليم ) .
    قلت : يتضح من هذا أن المزامير كلها عن دين اليهود وتسابيحهم وصلواتهم، وليست كما يزعم الحمد بأنها ( كلها عن المرأة ) !!!
    والذي نعتقده ـ كمسلمين ـ هو ماجاء في القرآن الكريم أن الله قد آتى داود ـ عليه السلام ـ كتاباً مقدساً هو ( الزبور ) قال تعالى : ((وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا )) .
    ونعتقد أن داود ـ عليه السلام ـ قد وهبه الله صوتاً جميلاً يترنم به عند تسبيحه الله فتردد الجبال والطير معه .
    قال تعالى : ((إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ)) ، وقال : ((يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) ، وأما قوله  لأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ : (( يا أبا موسى ، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )) .
    فقد قال الخطابي : ( قوله (آل داود ) يريد داود نفسه ، لأنه لم ينقل أن أحداً من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي ) وقال الحافظ ابن حجر : ( المراد بالمزمار الصوت الحسن ، وأصله الآله ، أطلق اسمه على الصوت للمشابهة ) .
    ـ أما قول الحمد ( وسكر لوط في التوراة من أجل المرأة ) !!
    فهذا من أقبح تشنيعاته على أنبياء الله ، والتعريض بهم بخُبثٍ وسوء طوية ، حيث لم يُعقب على هذا الكذب بما يبينه ، وإنما ساقه به متابعةً لأحفاد القردة .
    ثم أعاده في موضع آخر من روايته مبيناً قصده ، حيث قال على لسان هشام ـ كما سيأتي ـ ( وزنت بنات لوط مع أبيهم )!!
    وهذا الكذب الفاحش قد أخذه الحمد من التوراة ( المحرّفة ) حيث جاء فيها ـ كما في سفر التكوين ، الاصحاح 19: 30ـ 38 ـ أن ابنتي لوط ـ عليه السلام ـ قامتا بإسقائه خمراً حتى سكر ، ثم اضطجعتا معه ، فجبلتا منه !!!
    وهذه الكذبة لا يُستغرب صدورها من قوم قد قال الله ـ تعالى ـ عنهم : ((أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ )) فمن كذب بعض الرسل وقتل بعضهم الآخر لا يستغرب عليه أن يفتري الكذب عليهم .
    قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر هذه القصة المفتراة ( هذه فضائح الأبد ، وتوليد الزنادقة والمبالغين في الاستخفاف بالله تعالى وبرسله عليهم السلام )
    وقال ابن القيم رحمه الله ـ:
    ( ومن قدحهم في الأنبياء : ما نسبوه إلى نص التوراة ، أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها ، ونجى لوطاً بابنتيه فقط ، ظن ابنتاه أن الأرض قد خلت ممن يستبقين منه تسلاً . فقالت الصغرى للكبرى : إن أبانا شيخ ، ولم يبق في الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر ، فهلمي نسقي أبانا خمراً ونضاجعه ، لنستبقي من أبينا نسلاً ، ففعلتا ـ بزعمهم ـ فنسبوا لوطاً النبي عليه السلام إلى أنه سكر حتى لم يعرف ابنتيه ثم وطئهما وأحبلهما وهو لا يعرفهما … ) .
    ـ أما قول الحمد بأن المسيح ـ عليه السلام ـ أبطل حد اليهود من أجل مريم المجدلية ، فلعله يشير إلى اتهام اليهود لمريم ـ رضي الله عنها ـ بالزنا من أجل حملها بعيسى ـ عليه السلام ـ دون زوج ، ومن ثمّ تكلم عيسى في المهد مبرئاً أمه من هذه التهمة الشنيعة التي وبخ الله اليهود لأجلها بقوله ـ تعالى ـ (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) فما دخل هذه الحادثة بما يتحدث عنه الحمد !؟
    ـ أما قول الحمد ( وخاف إبراهيم من فرعون مصر من أجل المرأة ) فيشير إلى ما ما أخرجه البخاري في صحيحه عن النبي e متحدثاً عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ : (( بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى إلى جبار من الجبابرة ، فقيل له : إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه فسأله عنها فقال : من هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة قال : ياسارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ، وإن هذا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    ومما يثير العجب تركيزه على إظهار مدينة ( الرياض) وكانها من مدن الفجور والفاحشة كبانكوك أو .. أو .. من المدن التي يعرفها أهل الفساد ! وكأنه يقول لنا بأن هذه المدينة التي هي قاعدة بلادنا وعاصمتها ومنبع الخير فيها بما تضمه بين جنباتها من رجال ونساء صالحين إن هي إلا مدينة كغيرها من المدن ( الفاسدة ) التي يعرفها الناس ويزدرونها .
    فكما أسقط الحمد الرموز البشرية من أفراد ومجتمعات من مخيلتنا فهو سيتبع ذلك باسقاط مثاليات المكان … ليخبرنا بأن لا مكان مقدَّس أو مطهَّر . ويضرب لذلك مثلاً بمدينة الرياض التي نحسن الظن فيها وفي أهلها .
    قد يقول قائل بأن سياق الثلاثية هو الذي اضطر الحمد إلى ذلك ، لأن هشاماً لم يتعرف على حياة المعصية إلا في الرياض ، فهو في الدمام صغير ، وفي جدة في السجن ، فلم يبق إلا الرياض .
    قلت : قد قال هذا فنعذر الحمد لو كان موقفاً واحداً أو عبارة واحدة ذم فيها الرياض .أما وهو قد كرر هذا الذم وألح عليه بشكل غريب ومفتعل فإن وراء الأكمه ما وراءها ، وحق لمدينة الرياض أن تقول له :
    ولو كان سهماً واحـداً لا تقيته
    ولكنـه سهمــان ثـانٍ وثالث
    الحاصل : أن الحمد قد هوَّن جانب الانحراف ، والسقوط في الرذيلة ، وجعله يهيمن على أبرز شخصيات ثلاثيته ، شأنه في ذلك شأن نجيب محفوظ في ثلاثيته ـ كما سبق ـ لأنهما جميعاً يصدران من مصدر واحد هو مصدر ( الماركسية !) الذي لا يقيم معتنقوها أي وزن للأخلاق ، بل يسعون إلى هدمها في نفوس الناس ، حتى يتساوى ـ في نظرهم الزنا بالنكاح ـ ، والفضيلة بالرذيلة . يقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد : ( الخُلُق الوحيد الذي آمن به الشيوعيون هو وجوب مخالفة سائر الأنظمة الأخلاقية ، ومحاربة عموم أنواع الآداب المرعية في المجتمعات الإنسانية ، وبخاصة ما كان منها نتيجة للأوامر الإلهية ، وقد قادهم هذا الشذوذ الخلقي إلى هتك الأسرة ، ومحاربة ناموس الزواج ، ورأوا أن هدم ذلك من أقوى دعائم الشيوعية فتساوي الزواج والزنا في نظامهم ) .
    نسأل الله العفو والعافية ، أن لا يجعلنا ممن قال فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )




    العبارات الوقحة :
    استخدم الحمد في ثلاثيته عبارات ( وقحة ) لم تتعود آذاننا على سماعها ممن تأدب بآدبنا .
    فمن ذلك أنه يتحدث عن مخلوقات الله ـ وهي الشمس ـ واصفاً إياها بالوقاحة ! وهو كان الأولى بهذا الوصف ، لأن الشمس خلق مسخَّر في جو السماء يسير بانتظام ويدل على عظمة الخالق ـ سبحانه ـ فكان الأحرى بالحمد أن يتفكر في خلقها ، ويستدل به على عظمة ربه ، لا أن يتفاحش بهذا الكلام البذيء .
    يقول الحمد :
    ( عندما كانوا يهبطون طلعة ديراب على خط الحجاز ، كانت الشمس قد بدأت تبزغ على استحياء ، وعندما وصلوا إلى مرات كانت قد بدأت في ممارسة وقاحتها وإرسال تلك الأشعة النارية الرهيبة ) !
    ويقول :
    ( وأخذت الشمس في ممارسة وقاحتها ، وتتحول إلى جحيم لا يُطاق ) !
    قلت : ومن وقاحة هذا المخلوق ( أعني الحمد ! ) أنه تحدث عن أمه ( أي أم هشام !) في روايته بحديث لا يصدر عن عاقل .. فتأمله وتعجب من سخافته حين يقول : ( وصب هشام ربع البيالة عَرَقاً ، ثم أضاف إليه الكولا ، وأخذ رشفة سريعة استطعمها في فمه ، ثم تجرع ربع البيالة تقريباً ، ولم يحس إلا وقد اشتعل حلقه بالنار انتقلت إلى جوفه ، وأخذ اللعاب ينساب بشدة في فمه ، والرغبة في التقيؤ ، ولكنه تمالك نفسه ، وازداد إفراز اللعاب في فمه ، ثم أحس ببعض الراحة في جوفه ، ودوار في غاية اللذة يغزو رأسه من الداخل . وشرب ربعاً آخر فأحس أن نهراً يجري في فمه ، لم يكن الحريق بالشدة الأولى . دفع البيالة إلى عبد الرحمن ، ولكنه رفض قائلاً : " السجائر أقصى ما يمكن أن أصل إليه " فتجرع هشام بقية البيالة ، دون أن يحس بأي حريق هذه المرة ، وأخذ ينظر إلى رقية . لقد كانت في غاية الجمال والفتنة ، بل كان كل شيء في غاية الجمال . ذهب الذنب وأحاسيسه المؤلمة ، وانتفى الخجل ، وكان وجه أمه يبدو له واضحاً ، ولكنه كان ينظر إليها ببلادة ولا مبالاة ، وكان يود لو كان قادراً علىصفعها ، لكنه يشعر بمغص في الداخل ، فيزيح صورتها ويغرق في رقية) !!
    قلت : فهل يقول عاقل عن أمه ـ ولو كان على سبيل القصص ـ مثل هذا الكلام البذيء الذي يدل على تمردٍ دفين في نفس الكاتب على كل من يستحق (الطاعة ) ولو كان أمه !؟
    نسأل الله العافية .






















    أوجه التشابه بين تلاثية تركي الحمد
    و
    ثلاثية نجيب محفوظ








    عندما تطلق ( الثلاثية ) في الرواية العربية فإنها تنصرف حتماً إلى ثلاثية نجيب محفوظ المشهور ( بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ) فقد أصبحت علماً عليها ، وهي ـ تقريباً ـ التي شهرته على مستوى العالم ، وعرفتهم به ، نظراً لتفردها وتميزها عن رواياته الأولى .
    وعندما أصدر تركي الحمد ثلاثيته انصرفت الأنظار والأذهان إلى المقارنة بين الثلاثيتين لمعرفة أوجه التشابه والتمايز بينهما . وكنت أحد هؤلاء الذين اهتموا بهذا الأمر عند دراستي لفكر تركي الحمد ، فعدت إلى أوراقي القديمة التي دونت فيها الخطوط الرئيسية لثلاثية نجيب محفوظ لمقارنتها بثلاثية الحمد ، لمعرفة هل جاء بجديد عليها ، أم أنه يقول مكرراً من القول ؟
    فاتضح لي بالمقارنة أن الحمد قد سار في ثلاثيته مقتفياً أثر نجيب محفوظ في أمور رئيسية وجزئية من الثلاثية ، نظراً لتشابه فكريهما ـ كما سيأتي ـ ومما أكد لي هذا أن الحمد قد أكثر من ذكر قصص نجيب محفوظ في ثلاثيته ، وجعلها جزءً من ثقافة هشام العابر .. فمن ذلك :
    1ـ أنه ذكر ثلاثية نجيب محفوظ نفسها في قوله عن أحلام هشام : ( يأتيه صوت سي السيد أحمد عبد الجواد زاجراً وزبيدة تقهقه أمامه ، وكمال يرقص بينهما ، فيما ياسين يعض أرداف زنوبه ) .
    قلت : معلوم أن هذه الأسماء هي الشخصيات الرئيسية لثلاثية محفوظ .
    2ـ قوله عن هشام : ( هو الفتى المثقف الذي يقرأ لماركس وماوتسي تونع ودوستوفيسكي ونجيب محفوظ … ) .
    3ـ قوله عن هشام : (كان يذاكر ذات يوم هو وعدنان كعادتهما كل عام قبل الامتحانات بفترة ، ويختلس بعض اللحظات ليقرأ فيها رواية نجيب محفوظ الجديدة " أولاد حارتنا " ) .
    4ـ قوله عن هشام عند سفره إلى الدمام : ( وعندما تحرك القطار أخيراً ، كان بدأ في قراءة " الطريق " لنجيب محفوظ ) .
    5ـ قوله عن هشام في السجن : ( أخذ ينظر إلى حركة الأشباح من حوله وهو يفكر ولا يفكر . وطاف بذهنه جحيم دانتي وأبي العلاء . وباربوس ، وغريب كامو ، وذباب سارتر ، وشحاذ محفوظ )
    قلت : ولكي نعرف مدى التشابه بين الثلاثيتين وكيفية استفادة الحمد من محفوظ لابد من عرض موجز لأحداث ثلاثية نجيب محفوظ ، ثم ذكر نقاط التشابه بينهما ، لكي يتضح أن الحمد قد صاغ ثلاثية محفوظ بنفس مناسب لبلادنا ـ كما سيأتي ـ .

    أحداث ثلاثية نجيب محفوظ .
    1ـ بين القصرين :
    يعيش أحمد عبد الجواد في بيته بشخصية قوية متسلطة ـ كما سبق ـ أمام زوجته الضعيفة (أمينة) وأولاده ، ولكنه خارج البيت يمارس أنواع المحرمات من شرب خمر وزنا دون أن يعلم أولاده ، بحيث تبقى هيبته بينهم . يذهب أحمد عبدالجواد لدكانه الذي يشرف عليه وكيله (الحمزاوي) فيأتيه الشيخ الصوفي ! ( متولي عبد الصمد ) صاحب الكرامات !! يعمل الحجب والتمائم للناس ، لينصحه عن ولعه بالنساء .
    ـ كمال يدرس ويحب درس ( الديانة ) الذي يشارك فيه لأنه يراجع الدروس مع أمه ، الذي يتلقي معها في حب ( الحسين ) .
    ـ فهمي يحب بنت الجيران ( مريم ) يتفرج عليها من السطح .
    ـ ياسين يدور في الشوارع ويلتهم النساء بنظراته الشهوانية يتفرج على العالمة زبيدة وربيبتها زنوبة ويتأمل محاسنها ويتذكر خيانة أمه لأبيه مع ( الفاكهاني ) !
    ـ أحمد عبد الجواد يتأمل جسد ( زبيدة ) العالمة عندما جاءته إلى الدكان . يحاول استدراجها ،ثم لا يدعها تدفع ( الحساب ) وفي المساء ذهب لزيارتها مع رفاقه .
    ـ أحمد عبد الجواد يخبر ابنه ياسين بأن أمه ـ أي أم ياسين ـ ستتزوج من صاحب مخبز صغير السن . يغضب ياسين ، لأنه يطمع في فلوسها ، ذهب ياسين إليها ولامها وغضب عليها .
    ـ فهمي يريد الزواج من ( مريم ) لكن والده يرفض بشدة .
    ـ عائشة تغازل أحد الضباط من النافذة فتراها خديجة ، فتطلب منها عائشة أن لا تخبر أحد .
    ـ ( حسن أفندى ) ضابط الجمالية يخطب عائشة ، فيرفض الأب !
    ـ سافر أحمد عبد الجواد إلى ( بور سعيد ) في مهمة عمل ، فاستغل أهل البيت الفرصة ليتمتعوا بالحرية قليلاً ، خرجوا بأمهم لزيارة ( الحسين ) الذي تهيم به ، صدمتها سيارة ، فعادوا بها .
    ـ عندما عاد أحمد عبد الجواد اعترفت له زوجته بما حصل بعد أن ألح عليها فطردها من المنزل ، فذهبت لبيت أمها .
    ـ أم مريم تقوم بزيارة العائلة لتتشفع في إرجاع ( أمينه ) ، فيشعر أحمد عبد الجواد بأنها تهواه وتستدرجه لإقامة علاقة معها .
    ـ حرم ( شوكت ) تزور أحمد عبد الجواد وتخطب عائشة لابنها ، فيوافق .
    ـ عادت ( أمينة ) إلى البيت بعد أن عفا عنها زوجها .
    ـ ياسين يقيم علاقة ( غير شرعية ) مع ( زنوبة ) فلما دخل عندها أخبرته بأن هناك رجلاً مع ( زبيدة ) هو أحمد عبد الجواد ! فتفاجأ ياسين لهذا الخبر ، وقد كان عهده بأبيه أنه جاد وصارم .
    ـ ذهبت العائلة إلى بيت ( آل شوكت ) لزواج عائشة ( جليلة ) العالمة تحضر الحفل وتسلم على أحمد عبد الجواد مع تضايقه منها خشية انكشاف علاقته السابقة بها . ياسين يخبر فهمي بحال أبيه ، فيندهش فهمي .
    ـ ياسين يحاول اغتصاب ( أم حنفي ) الشغالة وهو سكران فغضب أبوه عليه ، ثم يقرر أن يزوجه .
    ـ زواج ياسين من ( زينب )
    ـ آل شوكت يخطبون ( خديجة ) لابنهم ( إبراهيم ) فيوافق أحمد عبد الجواد.
    ـ مات ( محمد رضوان ) والد ( مريم ) فعزاهم أحمد عبد الجواد .
    ـ أحمد عبد الجواد يتحدث مع رفاقه في الدكان عن ( سعد زغلول ) زعيم الأمة ! وجهوده ضد الاحتلال .
    ـ ياسين يعود للخمر والنساء .
    ـ أم مريم تزور أحمد عبد الجواد في الدكان لتستشيره .
    ـ فهمي يشارك في ( المظاهرات ) ضد الانجليز المحتلين لمصر .
    ـ ياسين يقيم علاقة ( غير شرعية ) مع الخادمة السوداء ( نور ) ! التي تعمل عند زوجته . فتكتشفهما الزوجة وتغضب وتهجره .
    ـ أحمد عبد الجواد ينصح فهمي بعدم الاشتراك في المظاهرات ، أو توزيع المنشورات . خوفاً عليه .
    ـ أم ياسين تتوفى .
    ـ أحمد عبد الجواد يعود من بيت ( أم مريم ) فيوقفه جندي انجليزي فيجعله يساعد المصريين المسخرين لردم الحفر التي يحفرها المتظاهرون ، فتكون إهانة قاسية له .
    ـ عائشة تنجب .
    ـ فهمي يشارك في مظاهرة ( سليمة ) ، ولكنه يقتل برصاص الانجليز .
    بهذا الحدث ، وهو موت فهمي انتهت أحداث الحلقة الأولى من حلقات ثلاثية نجيب محفوظ .
    2ـ قصر الشوق :
    ـ كمال يصاحب ( فؤاد الحمزاوي ) ابن وكيل والده ، مع شعوره بالاستعلاء عليه .
    ـ كمال يقيم علاقة غيرشرعية مع ( قمر ) ابنة ( أبو سريع ) صاحب المقلى ! مع شعوره بتأنيب الضمير .
    ـ أحمد عبد الجواد يعود إلى اللهو بعد موت ابنه ( فهمي ) ، ويقيم علاقة مع ( زنوبة) التي تستعلي عليه .
    ـ ياسين يقرر الزواج من ( مريم ) .
    ياسين يقيم علاقة غير شرعية مع أم مريم !!
    ـ الحمزاوي ينصح أحمد عبد الجواد بعدم تبذير أمواله على اللهو .
    ـ كما يحب ( عايدة ) أخت زميله ( حسين شداد ) وهي من طبقة عالية متحررة ، ويغلو في حبها إلى حد العبادة !
    ـ ياسين يتزوج مريم .
    ـ ( بهيجة ) تتزوج ( بيومي الشربتلي ) ، ثم تموت بعد أسبوع !
    ـ خديجة تسبب مشاكل لأهل زوجها ، فيصلح بينهم أحمد عبد الجواد .
    ـ عائشة تنساق مع حياة زوجها المتحررة ، فتدخن .
    ـ ( عايدة ) يخطبها أحد زملاء أخيها ( حسين ) واسمه ( حسن ) فيتفاجأ كمال بهذا الخبر !
    ـ ياسين يطلق ( مريم ) بعد أن اكتشفت علاقته بزنوبة .
    ـ زنوبة تطلب الزواج من أحمد عبد الجواد ، فيرفض أن يتزوج من عاهرة !
    ـ كمال يحضر حفل زواج عايدة .
    ـ ياسين يتزوج زنوبة ، فيطلب منه أبوه أن يطلقها .
    ـ كمال يغرق في الخمر والنساء .
    ـ أحمد عبد الجواد يحاول اقناع ياسين بطلاق زنوبة فيخبره ياسين بأنها حامل منه .
    ـ زوج عائشة وولدها يصيبهم المرض .
    ـ موت سعد زغلول .
    وبهذا الحدث انتهت الحلقة الثانية من ثلاثية نجيب محفوظ .
    3ـ السكرية :
    ـ كمال يحب القراءة في الفلسفة ، ومجتهد في دروسه .
    ـ الحمزاوي يطلب اعفاءه من العمل مع أحمد عبد الجواد لأنه تعب .
    ـ زبيدة تدمن علىالكوكايين ، وتفتقر بعد العز !
    ـ متولي عبد الصمد يصبح شيخاً رثاً وسخاً يدور على الناس .
    ـ فؤاد يرغب الزواج من نعيمة ابنة عائشة .
    ـ أحمد عبد الجواد هجر الخمر بسبب نصيحة الطبيب .
    ـ شداد أفلس ثم انتحر .
    ـ ياسين مستمر على عادته في الخمر والنساء .
    ـ احمد ابن خديجة يعتنق الماركسية وأما أخوه عبد المنعم فهو من جماعة ( الإخوان المسلمين ) ! وتحصل بينهما مناقشات ومشاهدات . برغم أنهما جميعاً لا يحبان (الطغاة!) .
    ـ عبد المنعم ( الإخواني ! ) يقع في الزنا بجارته !!
    ـ أحمد يشارك في تحرير مجلة ( الإنسان الجديد ) ، ويحب السكرتيرة في المجلة ( سوسن حماد )
    ـ أحمد يتعرف على الكاتب ( رياض قلدس ) الذي يوافقه في الميول .
    ـ كمال مستمر في الشهوات .
    ـ عبد المنعم يتزوج نعيمة ابنة عائشة .
    ـ حوارات فكرية وسياسية بين أحمد وخاله كمال ، لتوافقهما في الهوى !
    ـ أحمد عبد الجواد يبيع دكانه .
    ـ حوارات فكرية بين كمال وقلدس .
    ـ نعيمة تموت .
    ـ احمد يخطب ( علوية صبري ) فتطالبة بمصروف يومي ، فيرفض مشروع الخطبة .
    ـ رفاق أحمد عبد الجواد يموتون واحداً إثر الآخر ، وهو يتفكر في حال الدنيا .
    ـ موت أحمد عبد الجواد .
    ـ عبد المنعم يخطب كريمة ابنة ياسين مع معارضة والدته خديجة لأن كريمة تكون ابنة زنوبة .
    ـ زبيدة تتحول إلى شحاذة ، بعد العز !
    ـ أحمد يتزوج سكرتيرة المجلة ( سوسن حماد ) .
    ـ عبد المنعم يتزوج كريمة ويجعل من بيته بيتاً إسلامياً .
    ـ كمال يعلم بموت ( عايدة ) .
    ـ القبض على أحمد ( الماركسي ) ، واخوه عبد المنعم ( الإخواني ) ووضعهم في السجن بتهمة المعارضة .
    ـ أمينة تصاب بالشلل فتنتظر الوفاة .
    وبهذا الحدث انتهت الحقلة الثالثة من ثلاثية نجيب محفوظ .

    * شخصيات ثلاثية نجيب محفوظ :
    1ـ احمد عبد الجواد : أحد أفراد الطبقة المتوسطة يتميز بشخصية متسلطة داخل بيته ، ويد حديدية يحكم بها أسرته . مع تدين تقليدي يحافظ من خلاله على أداء الصلوات في ( البيت ! ) ، دون أن يؤثر هذا ( التدين !) على سلوكه الخارجي ، أو أن ينهى زوجته عن الانجراف وراء البدع والشركيات ـ كما سيأتي ـ .
    وهو في الجانب الآخر ، أي خارج بيته ، يتصف بصفة أوصفات أخرى تختلف عن تلك الأولى ، فهو يحب اللهو والشهوات ، والسهرة مع الغواني والمومسات ، في جلسات طرب وأنس .
    ولكن هذا التناقض وإخفاء الشخصية الأخرى عن أولاده سرعان ما انكشف ، ولكنه لم يؤثر على سقوط هيبته الأولى .
    أسرة ( أحمد عبد الجواد ) تتكون من :
    1ـ زوجته ( أمينه ) الخاضعة له ، والتي هي على النقيض من زوجها ، حيث تتميز بالسماحة والطيبة مع أولادها ، ولكنها غارقة حتى أذنيها في البدع والشركيات التي تعتقدها ديناً ! ، حيث أدمنت على زيارة قبر الحسين ( المزعوم ! ) في القاهرة ودعائه من دون الله ، بل والطواف بقبره !!
    قولها لابنتها عائشة : ( تعالي معي إلى الحسين ، ضعي يدك على الضريح واتلي الفاتحة ، تتحول نارك إلى برد وسلام كنار سيدنا إبراهيم ) !!
    وكانت تلقن كل هذا ابنها الصغير ( كمال ) بطل الرواية .

    وأما أبناؤه فهم :
    1ـ ياسين : وهو الابن الأكبر من زوجة سابقة ، انتقل إلى العيش مع أبيه وزوجة أبيه ( أمينة ) ، وقد ورث عن أبيه ولعه بالملذات والشهوات ، ولكنه لم يستطع أن يكون كأبيه يعب من تلك الملذات ويحظى باحترام الناس !! مثلما كان أبوه .
    2 ـ فهمي : الابن الأوسط لأحمد عبدالجواد ، وهو طالب بمدرسة الحقوق ، يجمع بين خصال أمه من رقة ومودة ورحمة لذويه ، إلى جانب وطنيته وثوريته ، التي انتهت به إلى الموت في مظاهرة وطنية .
    3 ـ عائشة : الابنة الصغرى لأحمد عبدالجواد ، تتميز بجمال ورقة ومودة ، مما حببها إلى ذويها . بعد زواجها انساقت مع حياة زوجها المتحررة ، وبعد وفاة زوجها وابنيها ساءت أحوالها وأصبحت تُكثر من الاعتراض على القدر .
    فمن ذلك : قولها عند وفاة ابنتها ( نعيمة) : ( ما هذا يا ربي ؟ ما هذا الذي تفعله ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ أريد أن أفهم ) .
    أو قولها عندما تذكرت أولادها : ( الرحـمة ! أين الرحـمة أين ؟) .
    4 ـ خديجة : الابنة الكبرى لأحمد عبدالجواد ، وكان حظها من الجمال ضئيلاً ، وقد ورثت عن أبيها سلاطة لسانه وقوة شخصيته . كثيرة المتاعب مع زوجها ، وكان لأولادها نصيبهم الأكبر من أحداث الرواية .
    5 ـ كمال : وهو ( بطل الثلاثية ) ، الابن الأصغر لأحمد عبدالجواد ، عاش في أحضان أمه ، التي لقنته البدع والخرافات والشركيات منذ صغره ، حيث لم يتعرف على الدين إلا من خلال أحاديثها وقصصها ، فانطبع الدين في ذهنه بتلكم الخرافات .
    فهو ـ مثلاً ـ يقول عن ضريح الحسن : ( كم وقف حيال الضريح حالماً مفكراً ، ويود لو ينفذ ببصره إلى الأعماق ليطلع على الوجه الجميل الذي أكدت له أمه أنه قاوم غِيَر الدهر بسره الإلهي ، فاحتفظ بنضارته ورونقه ، حيث يضيء ظلمة المثوى بنور غرته ، ولما يجد إلى تحقيق أمنيته سبيلاً قنع بمناجاته في وقفات طويلة ، مفصحاً عن حبه ، شاكياً إليه متاعبه الناشئة من تصوراته عن العفاريت وخوفه من تهديد أبيه ، مستنجداً به على الامتحانات التي تلاحقه كل ثلاثة أشهر ، ثم خاتماً مناجاته عادة بالتوسل إليه أن يكرمه بالزيارة في منامه ) !!
    نشأ كمال متحيراً كثير الاضظراب الفكري ، لم يستقر على قرار ثابت ، كان وفدياً ثم ما لبث أن مال ميلاً شديد إلى ( الماركسية ) التي تقتلع الطبقات التي أبغضها عندما أحب ( عايدة ) التي تنتمي إلى طبقة عليا .
    تكثر في أحاديثه الشكوك والطعن في الدين وعبارات الإلحاد والادعاء بأن (العلم ) سوف يحل مشاكلنا جميعاً . ولهذا كان من أقرب الناس إلى ابن أخته ( أحمد ) الذي كان ( ماركسياً ) متحمساً .
    فمن أقواله ـ على سبيل المثال ـ :
    ـ ( إن مطلبي الأول الحقيقة : ما الله ؟ ما الإنسان ؟ ما الروح ؟ ما المادة ؟ الفلسفة هي التي تجمع كل أولئك في وحدة منطقية مضيئة كما عرفت أخيراً ) .
    قوله : ( لفه شعور بأنه ضحية اعتداء منكر تآمر به عليه القدر وقانون الوراثة ونظام الطبقات ) .
    ( طالما نازعته النفس إلى النقيضين وكر الشهوات والتصوف ، ولكنه لم يكن ليطيق حياة خالصة للدعة والشهوات ، ومن ناحية أخرى كان ثمة شيء ، في أعماقه ينفر من فكرة السلبية والهروب ) .
    6ـ عبد المنعم ابن خديجة :
    من جماعة الإخوان المسلمين ، يحمل أفكارهم ويافح عنها أمام أخيه أحمد ( الماركسي ) ولكنه يتسم بالعنف في الجدال !! وهكذا أراد له نجيب محفوظ أن يكون !! فمن ذلك أنه قال لأخيه : ( صه يازنديق ) !! وقال له أيضاً ( يا عدو الله ) .
    ولكنه برغم هذا ( الإيمان ) و ( الحماس ) يقيم ـ كما سبق علاقة غير شرعية مع بنت الجيران !! وهذا من التناقض المفتعل لتشويه جماعة الإخوان المسلمين من نجيب محفوظ ـ هداه الله ـ .
    7ـ أحمد ابن خديجة :
    شاب متحمس للماركسية ، يدخل مع أخوه ( الإخواني ) عبد المنعم في مجادلات متتالية دون نتيجه .
    من أقواله التي تدل على توجهه :
    ـ أنه بعد أن تزوج سأله خاله كمال هازئاً : ( هل تزوجت على سنة الله ورسوله ؟) قال : ( طبعاً ، الزواج والدفن على سنن ديننا القديم ، أما الحياة فعلى دين ماركس) !!
    ـ قوله في التحقيق : ( إني اشتراكي ) .
    أوجه التشابه بين الثلاثيتين :
    1ـ أن الثلاثيتين كلتيهما تتكونان من ثلاث أجزاء أو حلقات بأسماء مختلفة ( بين القصرين ـ قصر الشوق ـالسكرية ) ،( العدامة ـ الشميسي ـ الكراديب ) .
    2ـ أن البطل في الثلاثية شخص واحد تدور الأحداث من حوله .ففي ثلاثية محفوظ تدور الأحداث حول ( كمال وفي ثلاثية الحمد تدور حول ( هشام ) .
    3ـ أن ( كمال عبد الجواد ) هو نفسه مؤلف الثلاثية ، أي هو نجيب محفوظ ، وهذا أمر لا ينكره نجيب محفوظ ، الذي يردد دائماً : [ أنا كمال عبد الجواد في الثلاثية] ويقول : [ الأزمة الخاصة بكمال هي أزمتي ] .
    أما تركي الحمد فقد اعترف بهذا في مقابلة له مع جريدة اليوم عندما قال عن ثلاثيته بأنها " فيها الكثير مني … فالبطل أنا من صنعه وأنا من وضع له العواطف والتجارب " .
    وقد أكد الدكتور غازي القصيبي أستاذ الحمد في الجامعة ! هذه الحقيقة . فقال في كتابه ( حياة في الإدارة ) : ( كان المفكر السعودي البارز !! الدكتور تركي الحمد أحد طلبتي . وعلى الذين يرغبون أن يعرفوا رأي الطلبة فيَّ أن يعودوا إلى رواية تركي ( الشميسي ) ( لندن : دار الساقي ، 1997م ) ، ماكتبه عن ( الدكتور محارب الخيزراني ) )
    قلت: فهذا تأكيد من غازي أن هشام العابر لم يكن إلا تركي الحمد .
    وليس معنى أن كمال عبد الجواد هو نجيب محفوظ وأن هشام العابر هو تركي الحمد أن يكون كلاً منهما قد نقل ( جميع ) تفاصيل حياته بجميع أشخاصها إلى القراء دون نقص أو زيادة ، فهذا مالا يقوله عاقل ، بل المقصود أن كلاً منهما كان يحكي عن ماضيه ، وتفكيره ، وتطلعاته ، وآماله ، وآلامه ، وبعضاً ممن عاصروه في اختلاف توجهاتهم . ولكن تبقى الفكرة الرئيسية التي تدور حولها الثلاثية هي ما كانت تقلق بال مؤلفها في فترة مضت ، أولا زالت ! ، كالحيرة والاضطراب ، أو اعلاء شأن الماركسية ، هكذا .
    4ـ أن كلاً من ( كمال عبد الجواد ) و ( هشام العابر ) ماركسي التوجه ، أو يميل إليها على أقل تقدير ـ .
    5ـ أن كلاً منهما ـ برغم هذا الميل ـ متردد ، متحير ، مذبذب يقول رياض قلدس أحد أصدقاء كمال في الثلاثية عن كمال بأنه : ( الذي دار حول نفسه كثيراً حتى أصابه الدوار ) .
    ويقول هشام العابر عن نفسه بعد أن ذكر توجهات زملاء السجن : ( أما هشام فلم يعد يدري ما هو ) .
    6 ـ تكثر الطعون في الله ـ عز وجل ـ وملائكته وكتبه ورسله وعباده الصالحين في كلا الثلاثيتين ولعل للتوجه الماركسي لصاحبيها دور في ذلك ، حيث لا ترى الماركسية في الأديان والمقدسات إلا أفيوناً للشعوب يجب أن يهدم ، وإن لم نستطع الهدم فلا أقل من اللمز والسخرية وإسقاط هيبة الدين ومحتوياته ( أي الإسلام !) من نفوس الناس . ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    أما طعون الحمد فقد قرأناها سابقاً ، وأما طعون نجيب محفوظ ، إليك شيئاً منها بالأرقام ، لكي لا أطيل ولكي لا أتهم بالتجني عليه : ( بين القصرين : ص 122، 227) ( قصر الشوق : 90، 91، 119، 153، 216، 229، 236، 260، 294، 314، 428، 434 ) ( السكرية : 88 ،253 ، 260، 275، 280) .
    7ـ تكثر في الثلاثيتين نغمة الاعتراض على القدر ، واتهام الحياة والموت والقدر بالعبث .
    أما في ثلاثية الحمد فقد علمنا ذلك سابقاً ، وأما في ثلاثية نجيب محفوظ ، فهذه بعض المواقف والعبارات تؤكذ هذا :
    ـ اعتراض خديجة على زواج عائشة قبلها ، وتقول : ( إني أحافظ على الصلاة أما هي فلم تُطق المحافظة عليها … ) أي : لماذا تتزوج قبلي ؟
    ـ اعتراض عائشة على وفاة زوجها وأبنائها . وقولها ـ مثلاً ـ : ( ما هذا يا ربي ؟ ما هذا الذي تفعله ؟ )
    ـ قوله كمال عن نفسه : ( لفه شعور بأنه ضحية اعتداء منكر تآمر به عليه القدر) .
    ـ قوله : ( هذا الموت عبث ) .
    8ـ تكثر في الثلاثيتين المواقف الجنسية بكافة أنواعها ! أما الحمد فقد علمنا شيئاً من مواقفه ( البطولية !! ).
    أما نجيب محفوظ فيكفينا من ثلاثيته شخصية أحمد عبد الجود ، والغواني ، وشخصية ياسين .
    وهاهنا ملاحظة : وهي أن تركي الحمد اقتصر في مواقفه الجنسية على ( الزنا) وتوابعه ، أما نجيب محفوظ فقد تجاوز ذلك إلى ( اللواط ))!!
    كما في علاقة ( رضوان بن ياسين ) مع عبد الرحمن باشا عيسى .
    وسبب ذلك ـ الله أعلم ـ أن محفوظاً تميز في ثلاثيته بالجرأة أكثر من الحمد ، الذي لا زال يحمل بقية من الحياة !
    9ـ أن الملتزمين بالإسلام في الثلاثيتين :
    إما مخرف ساذج ، أو من الاخوان المسلمين ،ولا ثالث لها .
    فالدين عند محفوظ : إما أن يتمثل في شخصية ( متولي عبد الصمد ) الصوفي ، المخرف ، الوسخ ! ، صاحب البدع والشركيات ، أو في شخصية ( عبد المنعم ) الاخواني .
    والدين عن الحمد :
    إما أن يتمثل في شخصية خال هشام المتدين الساذج الذي يقول عنه ابنه :
    ( خالك لا يشك بوجود الخمر أصلاً في هذا البلد ، فكيف في بيته وابنه .. حتى لو رأي حمد مترنحاً فهو لن يشك بمثل هذه الأمور ) .
    ويقول عنه هشام : ( ياله من رجل طيب تخدعه المظاهر ) .
    ولم يجعله الحمد مخرفاً كمتولي عبدالصمد لأنه يعلم أن لامكان للخرافة في بلاد التوحيد ـ ولله الحمد ـ .
    أو في شخصية ( لقمان ) الاخواني .
    فإن كان محفوظ معذوراً في تجسيد شخصية ( الإخواني ) التي كان يعج بها مجتمع مصر تلك الأيام ، فكانت آراؤهم مطروحة في الساحة المصرية ، ولم تكن خافية على أحد .
    فالحمد لا يعذر في تجسيده لهذه الشخصية الغريبة على مجتمعنا ، إلا أن تكون ـ وهو ما أراه ـ تقليداً لمحفوظ ، كما تعودنا من الحمد !
    قد تقول : ولكن الاخوان موجودون في السعودية ، وقد وفدوها بعد اضطهادهم في دولهم .
    فأقول : نعم هم موجودون ، وقد يكون قلائل من السعوديين تأثروا بهم ، ولكن هذا لا يجيز للحمد أن يصور بلادنا بهذه الصورة الحزبية التي عرفتها مصر وغيرها من الدول العربية .
    ثم يجعل (الاخوان ) هم الممثلون للتيار الإسلامي ! وكأننا في بلد علماني النزعة لايمثلنا فيه سوى الإخوان !!
    فهل نسي الحمد أننا ـ بحمد الله ـ نعيش في دولة إسلامية سلفية منذ نشأتها ، لم تعرف الأحزاب يوماً ما ؟ وهل من العقل أن يجعل أفراد قلائل مستخفون هم الممثلون للتيار الإسلامي ؟! وننسى الكثرة الغالبة من أهل البلاد الذين لا يعرفون سوى الإسلام ديناً لهم ، على تفاوت بينهم في الالتزام به .
    أقول إن كان محفوظ معذوراً ، فالحمد لايعذر في هذا ، لأنه صغر المكبر وكبر المصغر .
    وأنا لا أقول هذا بخساً لجهود جماعة الإخوان المسلمين في العالم العربي والإسلامي ، فهي جماعة قد اجتهدت في الدعوة إلى الإسلام ، ولكن شاب جهودها شيء من الأخطاء ، منها :
    1ـ أنها جماعة تعنى بالتجميع كيفما كان ، فتجد فيها البدعي والسني جنباً إلى جنب .
    2ـ وهي جماعة لا تحرص على نشر عقيدة السلف الصالح بل تجد من أفرادها الكثير ممن يعتقد عقيدة الأشاعرة ، ويزعم انها عقيدة السلف !
    3ـ وهي جماعة حرصت على الدولة أكثر من حرصها على التربية والدعوة .
    4ـ وهي جماعة يقل فيها الالتزام بالسنن النبوية الظاهرة .
    5ـ وهي جماعة لا تراجع نفسها ، بل ظلت مأسورة في شخصية ( حسن البنا ) ـ رحمه الله ـ الذي كانت شخصيته تطغى على غيره من الإخوان ، ولا زالت !
    6ـ أخيراً : هي جماعة لا مبرر لقيامها في بلادنا ( السعودية ) لأننا ـ ولله الحمد ـ مسلمون قبل قيامها ، فالذي نحتاجه هو الجد في نشر الدعوة ، والالتزام الصادق بالإسلام .
    إذن : أخطأ الحمد خطأ فاحشاً عندما لم ير في الملتزمين بالإسلام سوى :
    1ـ الرجل الساذج .
    2ـ الاخواني .
    3ـ المتشدد .
    وبقي صنف رابع لم يذكره ، أو لم يرد أن يذكره ! ، وهو الشاب المسلم الملتزم بدينه ، صاحب العقيدة السلفية ، والخلق الحسن في التعامل ، والمبرز في دراسته الشرعية أو العلمية ، قاصداً خدمة بلاده الإسلامية ورفعتها من هذا التخلف الذي تعيش فيه .
    فبالعقيدة السلفية نرفع التخلف ( الديني ) ـ بدع وشركيات ـ الذي يعج في أوطاننا ، ويفرق بيننا ويضيع كثيراً من طاقاتنا .
    وبالعلم الدنيوي النافع نرفع من شأن بلاد الإسلام ونجعلها تنافس الآخرين ، بل تفوقهم ، وما ذلك على الله بعزيز .
    كنت أود للحمد لكي يكون عادلاً أن يذكر هذا الصنف في ثلاثيته ، ولكن (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) .
    10 ـ يبرز في الثلاثيتين جانب محاولة إفحام الدين ، أو التشكيك في بعض مسائله بأسلوب ماكر ، كما في تحير هشام في مسألة : كيف يموت الموت ؟
    أما نجيب محفوظ فقد صاغ تشكيكه وتحيره على هيئة سؤال وجهه كمال إلى مدرسه ، حيث يقول عن الجن ( وسألت الشيخ : هل يدخل المسلمون منهم الجنة ؟ فقال : نعم . فسألته مرة أخرى : كيف يدخلونها بأجسام من نار !؟ فأجابني بحدة قائلاً : أن الله قادر على كل شيء ) ولا حظ قوله ( بحدة )! تفهم مقصده . مع أن جواب شيخه مقنع ، وهو أن الذي خلقهم ـ سبحانه ـ قادر على أن يجعل مسلميهم يدخلون الجنة ،إما بطبيعتهم أو بطبيعة أخرى ، كما أنه سبحانه قد أخبر عن النار بأن فيها شجرة الزقوم ، فهل يقول : كيف لا تحرقها النار ؟ فهل هذا إلا سؤال متعنت، يحاكم ربه بعقله القاصر . كما كان مشركو الجاهلية يفعلون مع محمدe .
    ولهذا جعل الله ـ سبحانه ـ الإيمان بالغيب أحد الصفات الرئيسية للمؤمنين فقال : (الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) .
    لأنه سبحانه يعلم أن مسائل الغيب قد لايستوعبها عقل الإنسان في الدنيا ، فلهذا جعل الفارق بين المؤمنين والمذبذبين المرتابين هو الإيمان بالغيب ، ولهذا فعلى المسلم إذا ثبت الدليل من القرآن أوالسنة الصحيحة بأمر من أمور الغيب أن يؤمن ويسلم دون اعتراض أوتشكيك كما فعل ( تركي ) أو ( نجيب ) !
    11ـ يكثر الحلف بغير الله في الروايتين ، أما في ثلاثية تركي فقد مضي التدليل عليه . وأما ثلاثية محفوظ فإليك المثال :
    ـ ( ورسول الله ) ( بين القصرين ص 253 ) .
    ـ ( ورأس أمي ) ( بين قصرين ص 257 ) .
    ـ ( حلفتك بالحسين ) ( بين القصرين ص257 ) .
    ـ ( وحياة أمك ) (بين قصرين ص 268 ) .
    ـ ( وحياتك ) ( بين القصرين ص 435 ) .
    ـ ( والنبي ) ( بين القصرين ص 439 ) .
    أخيراً : ما سبق هو أبرز المتشابهات في ثلاثيتي ( محفوظ والحمد ) وهي تبين أن الحمد قد بنى ثلاثيته على أعمدة سابقة كان قد أقامها نجيب محفوظ ، فلم يكن له في ثلاثيته سوى صياغتها لتناسب طبيعة وظروف الشاب السعودي بدلاً من المصري .
    وإلا فإنهما قد اجتمعا على :
    ـ الماركسية .
    ـ والاجتراء على الله ـ عز وجل ـ وملائكته وكتبه ورسله وعباده الصالحين .
    ـ والاعتراض على القدر ، وتصويره في صورة العدو المتربص أو العابث .
    ـ والنظر إلى الحياة والموت بنظرة عباثة .
    ـ والإغراق في الجنس .
    ـ والشك والحيرة والاضطراب .
    فكلاهما ـ ثلاثية محفوظ والحمد ـ مجرد رواية ( هدم ) لا ( بناء ) و (تشكيك ) لا ( يقين ) ، فمن قرأها ثم فرغ منها لم يحصل سوى الحيرة التي لا تقود إلى ثبات واطمئنان .
    ثم يكتشف أن راويها لم يقدم له أي بديل لما قد تم هدمه في هذه الثلاثية . فهي شبيهة بأدب الحداثيين الذين حملوا معاولهم لهدم الإسلام والمعاني السامية دون أن يقدموا لها بديلاً سوى الحيرة والشكوك والبؤس والشقاء ، زاعمين أنهم سوف يقدمون لبني قومهم كل جميل ، كل مبهج ،ولكن بعد أن يفرغوا من هدمهم !
    قال تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) ، وقال سبحانه : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) .
    وقد أصلح الله بلادنا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ التي ناصرها آل سعود ، فلا مستقر فيها لكل مفسد هادم مهما غلَّف هدمه ذاك بشعارات ( التطور) و( التحضر ) و( التقدم ) … الخ زخارف الشيطان :

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    وليتق الله ربه وليتب من ( هدمه ) ، وليشارك إخوانه في ( البناء ) فإن خير الخطآئين التوابون .
    (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) .
    وإنه مما يستغرب بعد هذا أن يأتي كاتب ( مسلم ) كالأستاذ فهد السلمان ـ وفقه الله للخير ـ فيثني على هذه الثلاثية على صفحات جريدة الرياض ويعدها من " أعمالنا الإبداعية المحلية " ويقول " وجدتها في صف الإبداع الحقيقي " ! ويصف صاحبها بأنه " المفكر والروائي والمبدع … " !!
    ألا يخشى السلمان ربه وهو يثني هذا الثناء على رواية قد ملئت أسطرها بعبارات ( الكفر ) و ( الردة ) و ( السخرية بالإسلام وأهله )!؟ فهل هذا إلا رضى بالكفر وأهله ، والعياذ بالله . والله يقول : (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ) .


    خاتمة موجزة

    بعد هذه الجولة العجلى في أبرز مؤلفات تركي الحمد وفي ثلاثيته يتبين لنا :
    1 ـ أن الحمد يدعو إلى " الشك " و " الريبة " في كل شيء ، ولو كان نصاً من الكتاب أو النسة الصحيحة ، وهو لم يبين لقرائه ما هو الميزان الذي سيحتكم إليه بعد أن " يشك " و " يرتاب " ليقضي لنا بصحة القضية المطروحة أو بطلانها ، هل هو " عقله " ام " عقلي " أم " عقل فلان من البشر " أم ماذا ؟ كما سبق .
    2ـ أنه عندما " شك " و " ارتاب " ودعا المسلمين إلى هذا ، لم يقدم لهم أي بديل واقعي ( واضح ) يأخذون به بعد أن يهدموا ( كل شيء حولهم ) بالشك والريب . ففكر الحمد ( هدمي ) ليس ( بنائياً ) ـ كما سبق ـ لأنه يهدم ويهدم ويهدم تحت دعوى ( الشك ) و( الارتياب ) الذي يدعو إليه ، دون أن نجد عنده ما يبنى أو يشيد لنفع أمته .
    3ـ أن الحمد يتظاهر في كتبه ( بالعقلانية ) التي تخفي وراءها نفساً طافحة بالشهوات الحقيرة ـ كما رأينا ذلك في ثلاثيته التي تعبر عن شخصه ـ
    4 ـ أن شخصية الحمد ـ كما يظهر من مؤلفاته وثلاثيته ـ شخصية قلقة مضطربة لا تريد أن تركن إلى شيء يسندها في هذه الحياة ، وهي شخصية (شاكة) (مرتابه) تحقد على كل من لم يكن مثلها في شكها وحيرتها وارتيابها ، كما قد رأينا في حقده وحمله الظغينة على رسل الله ـ عليهم السلام ـ وعباده الصالحين ، وبلاد التوحيد (السعودية) . . . الخ .
    5 ـ أن الحمد يدعو إلى عدم ثبات الحق ، فما كان بالأمس حقاً قد يصبح اليوم باطلاً، وما يحمله فلان من الحق قد ينقلب باطلاً في حق فلان . . . في دائرة لا تنتهي ، تهرباً من قيام الحجة عليه ، أو توهمه أنه بهذه الدعوى يُفهم أهل الحق .
    6 ـ أن الحمد يدعو إلى مساواة ( الإسلام ) بغير من الأديان والثقافات الأخرى ، بل هو يُفضلها عليه ـ والعياذ بالله ـ وهذا من أعظم ( الكفر ) الذي يُستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه .
    7 ـ أنه من دعاة ( تحرير ) المرأة في بلادنا ، وذلك بدعوته إلى سفرها ، واختلاطها بالرجال في الدراسة والعمل ، وقيادتها للسيارة وما يترتب عليه من مفاسد لا تخفى إلا على من أتبع هواه . . . الخ جزئيات هذه الدعوة التي تجرعت مرارتها المجتمعات الإسلامية الأخرى ، فنبتت عندنا نابتة ـ من ضمنهم الحمد ـ يرددون في بلادنا ما ردده شياطين هذه الفكرة الغربية في البلاد الأخرى في مقالات وكلمات متكررة بين الحين والآخر من دعاة وداعيات ( الشهوة ) و( نبذ حكم الإسلام ) .
    فنسأل الله أن يقضي على هذه الفتنة في مهدها ، كما قد قضى على غيرها ، وأن يسلط ولاة أمر هذه البلاد لا جتثاث عروق الفساد من وسائل إعلامنا لكي لا تتجذر هذه الدعوة المفسدة في بلاد التوحيد .
    8 ـ أنه عدو لدود للحكم السعودي الذي قام على تحكيم شرع الله ، والدفاع عنه ضد أعدائه من أصحاب التيارات ( الكافرة ) من ديمقراطيين وشيوعيين ومنحلين . وقد سبق نقل ما يُكنه صدره ضد ولاة أمرنا .
    9 ـ أنه يسرق جُلَّ أفكاره من كتابات وجهود الآخرين عرباً كانوا أم عجماً . كما في ثلاثيته بناها على ثلاثية نجيب محفوظ ، وكما في ( عقلانيته ) التي اكتسب أفكارها من الجابري والعروي .
    10ـ أنه بعد هذا البيان عن الفكر ( الهدمي ) للدين والدولة من هذا الرجل ؛ فإنه لا يجوز شرعاً لوسائل إعلامنا أن تحتفي به ، أو أن تُسهل له مهمة بث هذا الهدم بين المسلمين ، عبر مقالات أو برامج مسموعة أو مرئية ؛ لأن الشريعة قد جاءت بالحجر على السفهاء فكيف بمن يكيدون لدين الله وللفضائل ولهذه الدولة المسلمة !؟
    ختاماً : أسأل الله أن يحمي بلادنا من شرور الحاسدين والحاقدين الذين لا يرتضون لها أن ترفع راية لا إلة إلا الله محمد رسول الله في هذا الزمان ، والذين يتربصون بها الدوائر ممن ارتضوا ما في زبالات الغرب بديلاً للهدى والنور الذي جاءهم به خير الرسل محمد e وأسأله تعالى أن يُعجل بكبتهم وتشريدهم وتمزيقهم كلَّ ممزق ، وأن يوفق ولاة أمرنا للقضاء عليهم كما هو دأب حكام المسلمين على مرّ الأزمان ، فإن الله قال في هذه الشرذمة من رجال ونساء (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ) .
    وصـلى الله عـلى نبينـا محمد وآله وصحبـه وسـلم

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    تم بحمد الله وارجو المعذره لم ينقل الكتاب بشكل كامل وصحيح

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2003
    المكان
    بؤرة الفقر
    الردود
    525

    السلام..عليكم..ورحمة..الله..وبركااته..

    ،
    ،

    أخي..
    العزيز..
    وضااح..الواافي..






    أعرف..والله..إنّكَ..مااكتبت..هذا..الكلام..
    إلا..بنيّةٍ..صاادقة..وَمُخلصة../.دفااعاً..عن..الإسلاام..
    وردّاً..لكل..من..يُحااول..أن..يسيء..لمعتقدااتنا..و رموزنا..الدينيّة..
    ولكن../.صدقني..ياأخي..الكريم..
    أنّكَ..جاانبت..الصوااب..وَ..ظلمت..الرجل..!!
    أتمنّى..والله..أني..لم..أقرأ..هذا..الموضوع../.بإسمك..!!
    أرجو..تقبّل..ماقلت..بصدرٍ..رحب..
    ولك..خاالص..الشكر..
    و
    واافر..التقدير..

    ،
    ،


    ka200444@hotmail.com

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    المكان
    ف حوينا
    الردود
    1,405
    بارك الله فيك اخى خالد
    ولكن ارجو ان توضح لى النقاط التى تعتقد ان تركى الحمد انا ظلمته فيها
    وان كان الموضع طويل ولك حين تجد وقت لذلك لو نقطه واحده ولك الشكر

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2003
    المكان
    بؤرة الفقر
    الردود
    525

    السلام..عليكم..ورحمة..الله..وبركاته..


    ،
    ،

    أخي..
    العزيز..
    وضااح..الواافي..





    آسف..على..تأخري..
    ولكن../.ثق..أنَّ..لي..عودة..إلى..هنا..بمشيئة..الله..
    للإيضاااح..بشكلٍ..مفصّل..
    فقط..أنتظر..من..الوقت..فرصة..
    لأنَّ..مثل..هذا..الموضوع..
    لا..يُمكن..ان..يتم..التعقيب..عليه..بشكلٍ..سريعٍ..و عاابر..
    حتى..ذلك..الوقت..
    لكَ..جزيل..الشكر..
    وَ
    وافر..الإمتناان..

    ،
    ،


    ka200444@hotmail.com

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    المكان
    السعودية - الرياض
    الردود
    709
    شكرا لك أخانا الكريم

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •