Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 58
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112

    مقتطفات من كتاب سأخون وطني (هذيان في الرعب والحرية) - محمد الماغوط

    العرّاف


    ما هذا ؟<O</O

    أمة بكاملها تحل الكلمات المتقاطعة وتتابع المباريات الرياضية، أو تمثيلية السهرة ، والبنادق الاسرائيلية مصوبة إلى جبينها وارضها وكرامتها وبترولها.<O</O

    كيف اوقظها من سباتها، وأقنعها بأن أحلام اسرائيل اطول من حدودها بكثير، وان ظهورها أمام الرأي العام العالمي بهذا المظهر الفاتيكاني المسالم لا يعني أن جنوب لبنان هو نهاية المطاف؟<O</O

    فهي لو أعطيت اليوم جنوب لبنان طوعا واختيارا لطالبت غدا بشمال لبنان لحماية أمنها في جنوب لبنان.<O</O

    ولو اعطيت كل لبنان لطالبت بتركيا لحماية أمنها في لبنان.<O</O

    ولو اعطيت تركيا لطالبت ببلغاريا لحماية أمنها في تركيا.<O</O

    ولو أعطيت اوروبا الشرقية لطالبت بأوروبا الغربية لحماية أمنها في أوروبا الشرقية.<O</O

    ولو أعطيت القطب الشمالي لطالبت بالقطب الجنوبي لحماية أمنها في القطب الشمالي.<O</O

    <O</O

    <O</O

    وملآت حقائبي بالخرائط والمستندات والرسوم التوضيحية ويممت شطر الوطن العربي أجوب ارجاءه مدينة مدينة وبيتا بيتا.<O</O

    وحدثتهم كمؤرخ عن نوايا اسرائيل العدوانية وأطماعها التاريخية في أرضنا وأنهارنا ومياه شربنا. وعرضت عليهم كطوبوغرافي الوثائق والمستندات السرية والعلنية وباللغات العربية والانكليزية والتركية ... ولكن، لا أحد يبالي.<O</O

    ثم تحدثت إليهم كفنان. وعرضت أمامهم أشهر اللوحات التشكيلية والرسوم الكاريكاتورية التي تصور اسرائيل كمخلب قط للاستعمار، كرأس جسر للإمبريالية، كأفعى تلتف، كعقرب يلسع، كحوت، كتنين، كدراكولا، كريا وسكينة ... تقتل وتفتك وتتآمر ... ولا أحد يبالي.<O</O

    <O</O

    <O</O

    ثم تحدثت إليهم كخبير طاقة. وحذرتهم من أن منابع النفط هي الهدف التالي لاسرائيل. وأننا، كعرب، قد نعود إلى عصر الحطب في المضارب، ونفخ النار بالشفتين وطرف الجلباب ... ولا أحد يبالي.<O</O

    ثم تحدثت إليهم كطبيب، عن تسميم الطلاب والطالبات في الضفة الغربية، والجثث المفخخة في مجازر صبرا وشاتيلا. وعن التنكيل المستمر بأهلنا في الأراضي المحتلة، ومصادرة البيوت، وطرد السكان، وتحديد الاقامة، ومنع السفر، ومنع العودة، واغلاق المدارس، وتغيير المجالس البلدية، وقمع المظاهرات، واطلاق غاز الاعصاب، والقنابل المسيلة للدموع، والمسيلة للتخلف ... ولا أحد يبالي.<O</O

    <O</O

    ثم تحدثت إليهم كأب. ونبهتهم إلى أن كل مدرسة في الوطن العربي قد تصبح مدرسة بحر البقر، وكل كاتب أو شاعر قد يصبح كمال ناصر أو غسان كنفاني. وكل رئيس بلدية أو دائرة حكومية قد يعود إلى بيته على عكازين كبسام الشكعة وكريم خلف ... ولا أحد يبالي.<O</O

    <O></O>

    ثم تحدثت إلى الفلاحين كفلاح. وإلى العمال كعامل. وإلى التجار كتاجر. وإلى اليمينيين كيميني. وإلى اليساريين كيساري. وإلى المزايدين كمزايد. وإلى المعتدلين كمعتدل. وإلى العجائز كعجوز. وإلى الأطفال كطفل ... وقلت لهم أن اتفاق شولتز مثله مثل اتفاقيات كامب ديفيد واتفاق سيناء وكل الاتفاقات التي تمت من وراء ظهوركم. فهو مصوغ بدقة متناهية كابتسامة الجوكندا بحث لا أحد يعرف إذا كان يبتسم لنا أم يسخر منا. ولذلك فان دولا عربية متخاصمة لم يكن يتصور أحد أنها يمكن أن تتصالح ... قد تصالحت بسببه. وأن دولا اخرى صديقة لم يكن يتصور أحد أنها قد تختلف، قد اختلفت بسببه ... ولكن للتحركات السياسية حدودا. وللجهود الدولية معايير لا يمكن الاخلال بها. وأن مؤتمر الشعب العربي الدائم وقضيته المركزية فلسطين لا يستطيع أن يستمر في عقد جلساته الطارئة إلى ما لا نهاية ما لم يلق استجابة من هنا أو دعما من هناك.<O</O

    <O</O

    وان المقاومة الوطنية في لبنان مهما كانت باسلة، لا تستطيع وحدها القضاء عليه ما لم تعمم هذه التجربة في كل بلد عربي.<O</O

    وقصصت عليهم أحسن القصص عن البطولة والفداء. والروعة في أن يكون الإنسان ثائراً من أجل وطنه ينصب الكمائن ويطارد الأعداء في شعاب الجبال. وفي فترات الاستراحة يضم بندقيته إلى صدره ويقرأ على ضوء القمر الرسائل الواردة إليه من الوطن، إذ في كل صفحة خصلة شعر من خطيبة، أو ورقة يابسة من حبيب.<O</O

    <O</O

    وقرأت عليهم بنبرة مؤثرة وغاضبة أجمل قصائد المقاومة والنضال، لناظم حكمت ولوركا وهوشي منه ومحمود درويش وسميح القاسم... ولا أحد يبالي.<O</O

    <O

    الكل ينظر إليّ تلك النظرة الحزينة المنكسرة كغصن وينصرف متنهداً إلى عمله.<O</O

    ماذا أفعل أكثر من ذلك لأثير نخوتهم وغضبهم ومخاوفهم؟<O</O

    هل أضع على وجهي قناعاً يمثل سنّي بيغن الأماميتين المشؤومتين؟ أم أضع عصابة سوداء على عينّي مثل موشي دايان، وأقفز حول أسرّة الأطفال في ظلام الليل؟<O</O

    هل أعرض في الساحات العامة صورا شعاعية لما يعتمر في صدر شارون وبيريز وارينز وايتان وغيرهم من ضغينة وحقد على هذه الأمة وما يبيتون لها ولشعوبها من قهر وذل وجوع ودمار؟<O</O

    هل فقدت الشعوب العربية احساسها بالأرض والحرية والكرامة والانتماء إلى هذه الدرجة؟<O</O

    أم أن الارهاب العربي قد قهرها وجوّعها وروّعها وشرّدها سلفا أكثر بكثير مما فعلته وما قد تفعله اسرائيل في المستقبل؟<O</O

    <O
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    طوق الحمامة


    <?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o></o>

    هل يمكن يا حبيبتي أن يقتلني هؤلاء العرب إذا عرفوا في يوم من الأيام انني لا أحب إلا الشعر والموسيقى، ولا أتأمل إلا القمر والغيوم الهاربة في كل اتجاه.<o></o>

    أو أنني كلما استمعت إلى السيمفونية التاسعة لبتهوفن أخرج حافياً إلى الطرقات وأعانق المارة ودموع الفرح تفيض من عيني.<o></o>

    أو أنني كلما قرأت "المركب السكران" لرامبو، اندفع لألقي بكل ما على مائدتي من طعام، وما في خزانتي من ثياب، وما في جيوبي من نقود وأوراق ثبوتية من النافذة.<o></o>

    <o></o>

    <o></o>

    نعم فكل شيء ممكن ومحتمل ومتوقع من المحيط إلى الخليج، بل منذ رأيتهم يغدقون الرصاص بلا حساب بين عيني غزال متوسط أدركت أنهم لا يتورعون عن أي شيء.<o></o>

    ولكن من أين لهم أن يعرفوا عني مثل هذه الأهواء، وأنا منذ الخمسينات لا أحب الشعر أو الموسيقى أو السحب أو القمر أو الوطن أو الحرية إلا متلصصاً آخر الليل، وبعد أن اغلق الأبواب والنوافذ واتأكد من أن كل المسؤولين العرب من المحيط غلى الخليج قد أووا إلى أسرتهم وأخلدوا للنوم.<o></o>

    <o></o>

    <o></o>

    ولكن إذا صدف وعرفوا ذلك بطريقة أو بأخرى فأكدي لهم يا حبيبتي بأن كل ما سمعوه عني بهذا الخصوص هو محض افتراء واشاعات مغرضة، وانني لا أسمع إلا نشرات الأخبار، ولا اقرأ الا البلاغات الرسمية.<o></o>

    <o></o>

    ولا أركض في الشوارع إلا للحاق بمركب التطور.<o></o>

    وإنني اقتنع دائماً بما لا يقنع وأصدق ما لا يصدق، ولا أعتبر نفسي أكثر من قدمين على رصيف أو رصيف تحت قدمين.<o></o>

    وإذا ما سألوك: أين أذهب أحياناً عند المساء فقولي لهم: انني اعطي دروساً خصوصية في الوطن العربي في توعية اليائسين والمضللين.<o></o>

    وإذا ما بدوت يائساً في بعض الأحيان، فأكدي لهم أنه يأس إيجابي، وإذا ما أقدمت على الإنتحار قريباً فلكي ترتفع روحي المعنوية إلى السماء.<o></o>

    <o></o>

    وإنني لا أعتبر أن هناك خطراً على الإنسان العربي والوطن العربي سوى اسرائيل، وتلك الحفنة من المثقفين و المنظرين العرب الذين ما فتئوا منذ سنين يحاولون اقناعنا في المقاهي والبارات والندوات والمؤتمرات بأن معركتنا مع العدو هي معركة حضارية وكأنهم ينتظرون من قادته وجنرالاته أن يجلسوا صفاً واحداً على كراسيهم الهزازة على الحدود مقابل صف من الكتاب والشعراء والفنانين العرب ليبارزوهم قصيدة بقصيدة ومسرحية بمسرحية ولوحة بلوحة وسمفونية بسمفونية وأغنية بأغنية ومسلسلاً بمسلسل.<o></o>

    <o></o>

    <o></o>

    لا يا حبيبتي، اركبي أول طائرة واجتمعي بكل من يعنيهم هذا الأمر في الوطن العربي، وحذريهم من الوقوع في مثل هذا الشرك، أو مثل هذه الدوامة، فصراعنا مع العدو واضح كل الوضوح في مقولة عبد الناصر الشهيرة: " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" . والصراع المحتدم الآن بين أكبر دولتين في العالم وأكثرهما غنى بالشعراء والكتاب والفنانين، ألا وهما روسيا وأمريكا حول سباق التسلح إلا الدليل القاطع على صحة هذه المقولة.<o></o>

    <o></o>

    <o></o>

    ولذلك فأنا ككل عربي، مستضعف ومستهدف من جميع الجهات، أتابع هذا السباق باهتمام بالغ، وأتابع بنفس الاهتمام كل ما يطرأ على عالم الأسلحة من تطور في الشكل والمضمون والفعالية. وان كان ما يزال للدبابة بالنسبة لي ولجيل الخمسينات برمته مكانة خاصة في نفوسنا ولا نستطيع بمجرد أن ظهرت أسلحة جديدة أكثر رشاقة وفعالية منها أن ننساها بكل هذه البساطة، فبيننا وبينها عشرة عمر.<o></o>

    وإذا كانت الدول الأقل غنى منا قد وفرت لكل مواطن دبابة واحدة على الأقل. فحريّ بنا نحن العرب، وقد وهبنا الله تلك الثروات والموارد التي لا تنضب، أن يصبح لكل مواطن عربي في المستقبل لا دبابة واحدة بل خمس دبابات على الأقل:<o></o>

    واحدة إلى يمينه.<o></o>

    وواحدة إلى يساره.<o></o>

    وواحدة أمامه.<o></o>

    وواحدة وراءه.<o></o>

    وواحدة فوقه.<o></o>

    وبذلك يرتاح ويريح.<o></o>
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    المبتدأ والخبر



    بعد أن أتى الجراد السياسي في الوطن العربي على الحاضر والمستقبل، يبدو أنه الآن قد التفت إلى الماضي، وذلك حتى لا يجد الإنسان العربي ما يسند ظهره إليه في مواجهة الأخطار المحيطة به سوى مسند الكرسي الذي يجلس عليه، بدليل هذا الحنو المفاجيء على لغتنا العربية، وهذه المناحة اليومية في معظم صحف واذاعات المنطقة، على ما أصاب قواعدها من تخريب وما يتعرض له صرفها ونحوها من عبث واستهتار، حتى لم يعد احجنا يعرف كيف يقرأ رسالة أو يدوّن رقم هاتف.

    ومع احترامنا لكل حرف في لغتنا، ومع تقديرنا لجميع ظروف الزمان والمكان في كل جملة ومرحلة في الوطن العربي لا بد أن نسأل:
    ما الفائدة من الاسم إذا كان صحيحا... والوطن نفسه معتلاً؟
    أو اذا كانت هذه الجملة أو تلك مبنية على الضم أو الفتح ... والمستوطنات الاسرائيلية مبنية أمام أعيننا على جثث التلاميذ والمدرسين الفلسطينيين.
    ثم، لم وجدت اللغة أصلاً في تاريخ أي أمة؟ أليس من أجل الحوار والتفاهم بين أفرادها وجماعاتها؟
    فأين مثل هذا الحوار الآن فيما بيننا؟
    هل هناك حوار مثلا بين التاجر والزبون؟
    بين العامل ورب العمل؟
    بين المالك والمستأجر؟
    بين الراكب والسائق؟
    بين المحقق والمتهم؟
    بين الابن والأب؟
    أو بين الزوج والزوجة؟
    أيضاً لم تعد هناك حاجة لأن تسأل عن أي شيء، أو تجيب على أي شيء. فالأسعار، مثلا في السينما، مكتوبة في كل بطاقة، وفي المستشفى، فوق كل سرير. وفي المطعم، في كل فاتورة، وكل ما حول المواطن العربي أصبح سعره واضحاً ومعروفاً ومكتوباً على جميع جوانبه، من الألبسة والأحذية والفاكهة والخضروات والبيوت والبارات والمزارع والعقارات إلى الرياضيين والمطربين والكتاب والصحفيين. ولم يبق إلا أن يكتب على الشعوب سعرها ومنشؤها ومدى صلاحيتها للاستعمال.
    والأهم من كل هذا وذاك: هل هناك حوار بين السلطة والشعب في أي زمان ومكان في هذا الشرق؟
    فأي مسؤول انكليزي، مثلاُ، عندما يختلف في الرأي مع أي كان في محاضرة أو مناقشة في بلده يأتي بحجة من شكسبير لاقناع مستمعيه.
    والايطالي يأتي بحجة من دانتي.
    والفرنسي يأتي بحجة من فولتير.
    والألماني يأتي بحجة من نيتشة.
    أما أي مسؤول عربي فلو اختلف معه حول عنوان قصيدة لأتاك بدبابة فتفضل وناقشها.
    ولذا صار فم الإنسان العربي مجرد قنّ لايواء اللسان والأسنان لا أكثر. وفي مثل هذه الأحوال:
    ماذا يفعل حرف الجر المسكين أمام حاملة طائرات مثلاً؟
    أو الفتحة والضمة أمام مدفع مرتد يتسع لمجمع لغوي؟
    وما دام الحوار الوحيد المسموح به في معظم أرجاء الوطن العربي هو حوار العين والمخرز فلن ترتفع إلا الأسعار.
    ولن تنصب إلا المشانق.
    ولن تضم إلا الأراضي المحتلة.
    ولن تجر إلا الشعوب.
    لذلك كلما قرأت أو سمعت هذا أو ذاك من الشعراء والصحافيين أو المذيعين العرب "يجعجع" عن الديموقراطية والعدالة والحرية، وينتصر على الصهيونية ويقضي على التخلف، ويتوعد هذا ويهدد ذاك، وهو جالس في مقهاه، أو وراء مذياعه، لا أتمنى سوى تأميم اللغة العربية من المحيط إلى الخليج وتكويمها في بيدر أو ساحة عامة في قلب الوطن العربي، وتكليف موظف مختص وراء أذنه قلم وأمامه سجل بجميع الكتاب والشعراء والأدباء العرب وينادي عليهم بأسمائهم ويسألهم فرداً فرداً:
    - أنت أيها الشاعر التقليدي كم كلمة من أمثال: رماح، رمال، جراح، بطاح، تريد؟ تفضل مع السلامة.
    - وأنت أيها الشاعر الحديث، كم كلمة من أمثال: تجاوز، تخطي ابداع، تأنس، تريد؟ تفضل مع السلامة.
    - وانت أيها المذيع العصبي، كم كلمة من أمثال: " في الواقع "، " في الحقيقة "، و"جدلية" ، و"شمولية"، و" نظرة موضوعية " و" قفزة نوعية " ، تريد؟ تفضل مع ألف سلامة.
    - وأنت أيها المناضل والمتطرف والمتفرغ لكل محاضرة وندوة ومناسبة، كم كلمة من أمثال: دم، دماء، استعمار، امبريالية، شعوب، "وحدة الشعوب "، " وحدة المصير "، كوبا، نيكاراغوا، وكم مناقصة فوقها تريد؟ تفضل ومع ألف سلامة.
    فقبل احترام اللغة يجب احترام الانسان الذي ينطق بها.
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    الأجنحة



    الأغنياء والفقراء، القضاة والمتهمون، الحراس واللصوص والمخمورون، كلهم يقولون لي: ماذا تفعل في هذا الوطن بعد أن ابيضّ شعرك تحت سمائه وانحنى ظهرك فوق أرصفته، ماذا تنتظر منه بعد أن تحدد فيه مستقبلك ومستقبل غيرك في السياسة، كما تحدد مستقبل محمد أمين في الفن؟ سافر إلى بلاد الله الواسعة، فقد لا تجد وقتاً في المستقبل لشراء حقيبة. وقد لا تجد يداً أو اصبعاً في يدك لحمل تلك الحقيبة. وكلما عدت إلى بيتي في آخر الليل أجد على عتبته جواز السفر وتأشيرة الخروج ودفتر الصحة وبطاقة الطائرة وحبوب الدوخة.

    وأحزم حقائبي وأسافر. في الذهاب أتمنى أن يكون مقعدي في غرفة القيادة على ركبة الطيار أو المضيفة لأبتعد بأقصى سرعة عن هذا الوطن. وفي الإياب أتمنى أن يكون مقعدي في مقدمة الطائرة على غطاء المحرك لأعود بأقصى سرعة إلى هذا الوطن.

    آخر مرة كانت إلى تونس. أربعة آلاف كيلومتر فوق البحار والقارات وأنا احدق من نافذة الطائرة كما يحدق اليتيم في واجهات الحوانيت في الأعياد، كانت الغيوم هاربة من العرب، الأمواج هاربة من العرب، الأسماك هاربة من العرب، التلوث هاربا من العرب، العروبة هاربة من العرب. وبعد أسبوع كنت أهرول عائدا اليهم وحزام الأمان ما زال حول خصري.

    وسألتني زوجتي بدهشة: ما الذي عاد بك بهذه السرعة؟ ألم تعجبك تونس؟
    قلت: انها الجنة بعينيها، شمس وبحر وغابات.
    قالت: وماذا تريد أكثر من ذلك؟
    قلت: بصراحة، بلد لا يوجد فيه مشاكل لا أستطيع العيش فيه.
    قلت: مستغربة: مشاكل!
    قلت: نعم. بلد بدون أزمة سكن، أزمة مواصلات، أزمة غاز، وبدون شائعات ... لا فلان طار ولا فلان راح، لا أستطيع أن أقيم فيه أكثر من اسبوع. كما أنني بدون دخان مهرب ودعوسة رجلين في الباصات، ومسؤولين يخالفون شارات المرور، وشاحنات صاعدة هابطة وقت القيلولة تصب جهود الجماهير في أساس بناية أو شاليه لهؤلاء المسؤولين، وكل نشرة والثانية يا جماهير شعبنا، وفي هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ أمتنا، لا أشعربأنني في بلدي وبين أهلي وأحبابي كما يقولون في كلماتهم الترحيبية. كل شيء عندهم في تونس هادىء كمراكز الامتحانات، وكل شيء واضح ومحدد حسب النظام والقانون، ولذلك فقدت أعصابي وصرت كالخليجي الذي اعتاد النوم طوال حياته على صوت المكيف. فما أن يتوقف عن العمل حتى يستيقظ ولا يعرف كيف ينام حتى يعود إلى العمل والهدير من جديد.

    ثم انني أحب هذا الوطن من محيطه إلى خليجه. فأينما كنت، ما ان اقرأ اسمه في جريدة، أو اسمعه في اذاعة حتى اتجمد كنهر سيبيري، كعريف في حضرة جنرال، انني احبه، قدروا ظروفي وعواطفي.
    فيه قرأت أول قصة لياسين رفاعية، وسمعت أول أغنية لفهد بلان، وقرأت أول افتتاحية ترد على كل المخططات الاجنبية في المنطقة، تبدأ ببيت للفرزدق وتنتهي ببيتين للأصمعي. فيه سمعت لأول مرة اسم: قضية فلسطين، عائدون، حرب التحرير الشعبية، حرف الاستنزاف، الكيلومتر 101، مرسيدس 220 امبريالية، استعمار انسبستر، ديبون، فيزون، بيار كاردان، جنرال الكتريك، جنرال سيلاسفيو؟

    وصرخت زوجتي بحدة: مشكلتك أنك تسخر من كل شيء في هذه المنطقة.
    فقلت لها: بالعكس، مشكلتي أنني احترم كل شيء فيها حتى قمامتها، بدليل، وأنا عائد في آخر الليل سقط عليّ كيس قمامة، فلم أحتج. ولم أنفضها حتى عن رأسي وثيابي، لأنني من طريقة سقوطها عليّ عرفت أنها زبالة مدعومة.
    قالت: حالتك خطيرة جدا. عليك بمراجعة طبيب.
    قلت: ان الدكتور كيسنجر لن يحل مشكلتي، وتصوري أيضاً ... صرت أبكي في أفلام حسن الامام، وأفرقع بأصابعي في حفلات سميرة توفيق.
    قالت: كم يؤلمني أن ارى شاعراً مثلك لا يجد ما يتحدث به في أواخر عمره غير حسن الامام وسميرة توفيق وأكياس القمامة. هل نسيت الشعر؟
    قلت: الشعر! كأنك تذكرينني بطفل فقدته ولا أعرف قبرا له.
    قالت: هل تثق بي؟
    قلت: كثقتي بكرايسكي.
    قالت: أيا كان رأيك فانت في حالة يرثى لها أيها العجوز الصغير. وعلاجك الوحيد هو الشعر. السفر الروحي على أجنحة الحلم والخيال.
    فقلت: ولكن كيف؟ وإلى أين؟

    ولما كانت زوجتي بطبيعتها حالمة وخيالية، فسرعان ما فتحت النافذة وحدقت في الأفق البعيد وقالت: الآن وليس غداً. انزع من رأسك كل السفاسف السياسية والمنغصات اليومية وتعال معي لنطر على أجنحة الحلم والخيال إلى العوالم التي سبقنا اليها رامبو وفيرلين وهايني وشلر ولوركا، لنطر بعيدا في عالم السحر والجمال حيث السماء الزرقاء والأمواج الحالمة والغابات العذراء.
    فقلت لها: حبيبتي، اذا ما استمرت الامور في المنطقة على هذا المنوال. تبادل شتائم ومؤتمرات وخطابات. فلن نطير أنا وأنت وغيرنا في نهاية الأمر الا إلى كامب ديفيد.
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    ساعة المستقبل



    بعد ثلاثين سنة من الثقة المتبادلة بين المواطن العربي وأجهزة الاعلام العربية، نعلم أنه عندما تركز الاجهزة على قضية ما وترعاها فجأة بكل ما عندها من صحف ومجلات وخطب ومهرجانات ومطربين ومطربات، فمعنى ذلك أن نقرأ الفاتحة قريباً على هذه القضية.

    أنا مثلا: دون تردد أو مناقشة، ما أن تركز مثل هذه الأجهزة على قضية الحرية فجأة حتى أجهز "شحاطتي" وبيجاماتي وأحلق شعري على الصفر سلفا.

    وعندما تركز على موضوع الاشتراكية، أسارع على الفور وأتفقد برادي صحنا صحنا وبيضة بيضة، لأن معنى ذلك أن الناس ستأكل بعضها عما قريب.

    وعندما تركز على موضوع النصر والتحرير واستعادة الاماكن المقدسة، أضب الحقائب واستعد للمبيت قريبا أنا وعائلتي تحت أحد الجسور في الفاتيكان، لأن معنى ذلك أن قطعة أخرى من الأرض العربية ستطير.

    والآن تركز هذه الأجهزة في مشرق الوطن العربي ومغربه فجأة وبعد خراب البصرة على موضوع الوحدة العربية بحجة أنها الرد الحاسم على ما تطرحه الامبريالية الأمريكية في المنطقة من مشاريع جديدة للتجزئة والتقسيم. ومعنى ذلك أن عدد الدول العربية سيرتفع من 22 إلى 42 دولة. أي بعدد الولايات الأمريكية تقريباً.

    ماذا فعل المواطن العربي لحكامه خلال الثلاثين سنة حتى يعامل هذه المعاملة؟
    أعطاهم أولاده للحروب.
    وعجائزه للدعاء.
    ونساءه للزغاريد.
    وكساءه لليافطات.
    ولقمته للمآدب والمؤتمرات.
    وشرفاته وموطىء قدميه للمهرجانات والخطابات.
    وطلب منهم نوعاً واحداً من الحرية، وهو النوع المتعارف عليه في أبسط الدول المتحضرة. فأعطوه عشرين نوعا من الحرية لا يوجد لها مثيل لا في الدول المتحضرة ولا في الدول المتوحشة.

    وطلب منهم نوعاً واحداً من الاشتراكية، وهو النوع المعمول به في معظم الدول الاشتراكية. فأعطوه خمسين نوعا من الاشتراكية إلا النوع المعمول به في الدول الاشتراكية.

    أعطاهم سبع دول عام 1949، لتوحيدها. فأعطوه بعد ثلاثين سنة 22 دولة لا يستطيع 22 بسمارك أن يوحد أنظمة السير فيها.
    ومنذ ثلاثين سنة أيضاً أعطاهم قضية ظريفة خفيفة كالفلة، تتمنى معظم الدول والشعوب في ذلك الحين أن يكون عندها قضية مثلها. وهي قضية فلسطين. فأعطوه بالاضافة اليها:
    قضية لومومبا.
    وقضية المالكي.
    وقضية فرج الله الحلو.
    وفضية الشوّاف.
    وقضية البرازاني.
    وقضية بن بركة.
    وقضية بن بللا.
    وقضية بن عاشور.
    وقضية عبد الحكيم عامر.
    وقضية برلنتي عبد الحميد.
    وقضية علي صبري.
    وقضية خزنة عبد الناصر.
    وقضية موسى الصدر.
    وقضية جنبلاط.
    وقضية سعد حداد.
    وقضية أحمد الخطيب.
    وقضية الخميني.
    وأخيراً قضية السادات.
    فماذا يتحملّل هذا الإنسان ليتحمّل؟
    بمعنى أن ينام المواطن العربي على هم قديم. هذا لا يجوز. وأمر لاترضاه لا أنظمة الحكم العربية، ولا دول عدم الانحياز، ولا منظمة الوحدة الآسيوية الافريقية، ولا منظمة الصحة العالمية.
    المفروض كل يوم جديد، هم جديد.

    وأن يعود المواطن إلى بيته في المساء وهو لا يحمل لعائلته وأطفاله أكلة جديدة أو ثياباً جديدة، بل قضية جديدة.
    وتقول اعلانات الدعاية أن ساعة أوريس التي تتحمل الصدمات هي ساعة المستقبل. قسماً بالله ألف ساعة أوريس لا تتحمل في ثلاث سنوات الصدمات التي يتحمّلها المواطن العربي في ثلاث دقائق - ولذلك كل ما يلزمه هو قشاط جلد من عند الرأس والقدمين ليلفّه الطيارون ورجال الأعمال حول معاصمهم، باعتباره هو لا أحد سواه ساعة المستقبل.
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,531
    قرأت هذا الكتاب كاملاً
    وهو فعلاً رائع
    لدى الماغوط أسلوب ساخر يدفعك للضحك والبكاء بنفس الوقت

    أشكرك جزيلاً على اختيارك الرائع هذا
    ويعطيك العافية

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    العزيزة ophelia ... شكراً على مشاعرك الطيبة
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    سيداتي سادتي


    مواطن عربي ينقل إبرة الراديو من محطة إلى محطة ويقلّق على ما يسمعه من أغان وبرامج وأخبار وتعليقات، من الصباح الباكر حتى نهاية الإرسال في الوطن العربي.
    إذاعة رقم 1 : عزيزي المستمع، في نزهتنا الصباحية كل يوم تعال معنا إلى ربوع الوطن الحبيب حيث لا شيء سوى الحب والجمال.
    المستمع: والتخلف.

    إذاعة رقم 2: أغنية لفيروز "جايي، أنا جايي .... جايي لعندك جايي".
    المتسمع: يا فتّاح يا رزّاق، انها حتماً فاتورة الماء أو الكهرباء أو الهاتف.

    إذاعة رقم 3: عزيزي المستمع مع الورود والرياحين والنرجس والنسرين والفل والياسمين.
    المستمع: أي فل وأي ياسمين. والله لو مات أحد أصدقائي في هذا الغلاء الفاحش فلن أستطيع أن أقدم له إلا إكليلاً من الخطابات.

    إذاعة رقم 4: قصيدة اليوم: وللحرية الحمراء باب.
    المستمع: بكل يد قابضة يدق.

    إذاعة رقم 5: واننا نعلن من هنا أن لا شروط لنا أبداً على تحقيق الوحدة العربية.
    المستمع: باستثناء شرط واحد هو أننا لا نريدها.

    إذاعة رقم 6: حكمة اليوم، قل كلمتك وامش.
    المستمع: إلى البنك.

    إذاعة رقم 7: ان المجلس الأعلى لشركات الطيران العربية يحذر في مؤتمره المارقين والعابثين بقضايانا المصيرية ويضع كافة امكاناته وطاقاته في خدمة المعركة.
    المستمع: بما أن الأمور قد وصلت إلى شركات الطيران فمعنى ذلك أن القضية "طايرة قريباً".

    إذاعة رقم 8: أغنية "حلم لاح لعين الساهر".
    المستمع: عودة الحياة الطبيعية إلى لبنان.

    إذاعة رقم 9: من أنبائنا الرياضية خرج الجواد العربي "نور الصباح" من الداربي الانكليزي بعد الشوط الأول بسبب إهمال الجوكي وسقوطه عنه.
    المستمع: طبعاً لأن العرب لا يعرفون أن يخيّلوا إلا على بعضهم.

    إذاعة رقم 10: وان الاتحاد النسائي العام في الوطن العربي يدعو كافة أعضائه المنتسبات ...
    المستمع: .... إلى ترك أطفالهن دون رضاعة، وأزواجهن دون طعام، وبيوتهن دون ترتيب ومطابخهن دون جلي والتفرّغ لحلّ مسؤولياتهن وفضح المؤامرات التي تحاك ضد قضيتنا وأمتنا، وكل فرع لا يتقيد بهذه التعليمات يغلق وتختم جميع مكاتبه "بالشكلس الأحمر" .

    إذاعة رقم 11: وكما قلنا وأكدنا مراراً نعلن أمام العالم أجمع أنه:
    لا صلح
    لا اعتراف
    لا مفاوضات
    المستمع: لا تكذبي. إني رأيتكما معا.

    إذاعة رقم 12: واننا نؤكد أيضاً من هنا ولجميع شعوبنا العربية والإسلامية أننا لن نذهب إلى مؤتمر ولن ننسحب من جلسة ولن نتهاون في قضية ولن نساوم على حق ولن نتردد في مساعدة ولن نتراجع عن موقف ولن نفاوض ولن نصالح ولن نقرر إلا ما تمليه ارادة الشعوب.
    المستمع: والشعوب في السجون.

    إذاعة رقم 13: أغنية " دايماً وراك دايماً أتبع خطاك دايماً ".
    المستمع: معروفة المواطن والمخابرات.

    إذاعة رقم 14: وبعد أن شرح سعادته لسفراء الدول الغربية الظروف الخطيرة التي تمر بها المنقطة، أعطاهم مهلة شهرين للعودة بأجوبة واضحة من حكوماتهم، وذلك قبل بدء حملة الانتخابات الأمريكية وانشغال العالم بها، لأن العرب مصممين أكثر من أي وقت مضى على صوم رمضان القادم في القدس والصلاة في عكا والوضوء في مياه نهر الأردن.
    ثم استقل سعادته الطائرة في رحلة استجمام إلى أوروبا تستمر...
    المستمع: إلى ما بعد الإنتخابات الأمريكية.

    إذاعة رقم 15: واننا في هذه الظروف المصيرية نحث جميع القادة والمسؤولين العرب على الالتزام بقرارات جميع القمم العربية دون استثناء: قمة الخرطوم وقمة الرباط وقمة بغداد وقمة فاس الأولى والثانية.
    المستمع: عجيب، كل هذه القمم وما زلنا في الحضيض.

    إذاعة رقم 16: والآن سيداتي سادتي، ومع اقترابنا من ركن المنزل تنضم جميع موجاتنا العاملة...
    المستمع: إلى جبهة الصمود والكفاح العربي ... ونقدم لكم طبخة اليوم.

    إذاعة رقم 17: ان طريقنا إلى فلسطين لا بد أن تمر من بيروت.
    المستمع: .... ومن جونيه.

    إذاعة رقم 18: ومن موسكو.
    إذاعة رقم 19: ومن واشنطن.
    المستمع: من كثرة الطرق التي أصبحت تؤدي إلى فلسطين صارت القضية في حاجة إلى ادارة مرور.
    المذيع : إخرس.

    إذاعة رقم 20: فيروز تغني أنا وشادي ... تربينا سوا ... راح شادي ... ضاع شادي ...
    المستمع: بس شادي؟
    المذيعون العرب: إخرس.
    المستمع: لن أخرس.
    المذيعون العرب: ستخرس رغماً عن أنفك . ( وتمتد مئات الأيدي من الراديو وتنهال عليك ضرباً وصفعاً ): كلب، جاسوس، حقير، طابور خامس ... الخ...

    إذاعة رقم 21: نأسف لهذا الخلل الفني، وسنعود إليكم فور إصلاحه.
    إذاعة اسرائيل: لا ... لا ... خذوا راحتكم.
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    اللوحة المسمارية


    صوت: ألو ... مقهى النخبة، هنا نيويورك. أريد أيوب العربي.

    أيوب: هو الذي يتكلم.

    الصوت: أنا الدكتور جافييه بيريز دي كويلار. الم تعرفني؟

    أيوب: مع الأسف.

    الصوت: ولو، أنا الأمين العام الجديد للأمم المتحدة. ما هذا؟ تكاد تنتهي مدة ولايتي ولم تعرفني أو تحفظ اسمي؟

    أيوب: بسيطة يا سيدي، فنصف الوزراء الذين يتحدثون باسمي وبيدهم لقمتي ومصيري لا أعرف أسماءهم، وبعضهم لا أسمع به إلا عند تشكيل الوزارة. على كل حال، أهلاً وسهلا، أية خدمة؟

    الصوت: تعرف أن الاستعدادت بذكرى الإعلان عن حقوق الإنسان قد بدأت.

    أيوب: أي انسان! الإنسان الآلي؟

    الصوت: لا. لا. الإنسان العادي الذي من لحم ودم ومشاعر. الإنسان الذي يزرع لنأكل، ويغزل لنلبس ويموت لنحيا.

    أيوب: وما علاقتي أنا بهذا الموضوع؟

    الصوت: إن الأمم المتحدة معنية هذا العام بإقامة احتفالها السنوي بهذه المناسبة في إحدى دول العالم الثالث.

    أيوب: ألم تجدوا سوى دول العالم الثالث مكانا للاحتفال بحقوق الإنسان؟

    الصوت: لا. لأن هذه الحقوق في تلك البلاد وخلافاً للتقارير ما زالت موضع شك. ولهذا وجّهت الدعوة إلى كبار الكتاب والفنانين والتكنوقراطيين للمساهمة في هذا الاحتفال ليأتي فيلماً وثائقياً وشهادة حية أقف من خلالها على واقع هذا الإنسان وطموحاته، وعلى العوامل التي تجعل وتيرة نموه أقل بكثير من طاقاته وإمكاناته. وأريدك أن تشرف عليه شخصياً من حيث استقبال المدعوين وملاطفتهم، وترتيب أماكن جلوسهم، ومراجعة كلماتهم. انني أعتمد كثيراً على خبرتك وحكمتك في نجاح هذا الاحتفال.

    أيوب: ولكنني تركت الأدب والسياسة منذ زمن بعيد.

    الصوت: هذا ليس موضوعاً سياسياً أو أدبياً، إنه موضوع إنساني . هل تخليت عن إنسانيتك أيضاً؟

    أيوب: لا. ولكنك فاجأتني بمهمة خطيرة ليس عندي أي استعداد نفسي أو معنوي للاضطلاع بها. ليس عندي حتى الثياب اللائقة لأظهر بها في هذه المناسبة.

    الصوت: سترتدي ثياب الأمم المتحدة.

    أيوب: حسناً . وزمان ومكان الاحتفال؟

    الصوت: كل هذه المعلومات ستصلك برقياً في حينه.

    أيوب: والتعويضات!

    الصوت: ستكون مغرية وبعملة البلد المضيف.

    أيوب: لا أنا يساري ولا أقبض إلا بالدولار.

    الصوت: وكيف صرت يسارياً بين ليلة وضحاها؟

    أيوب: كما صار الأستاذ محمد حسنين هيكل. هل هو أحسن من غيره؟

    الصوت: جهّز نفسك للسفر فوراً.
    * * * *

    أيوب: وما أن وصلت إلى مكان الاحتفال حتى هرع كبير الموظفين المكلّف بمرافقتي للاطلاع على كافة الاجراءات المتخذة، يشرح لي الآمال المعلّقة على هذا الاحتفال وسط بحر من الوفود والصحفيين والمصورين والمراسلين الذين تقاطروا من جميع أرجاء آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية: هذا يعبيء غليونه، وذلك يشعل سيجاره، والذي يراجع كلمته، والذي يختصر منها، أو يضيف عليها، وضحكات من هنا وتعليقات من هناك. وما أن بلغت القاعة المخصصة للاحتفال حتى صرخت بمرافقي: ما هذه الفوضى؟ من سمح لهم بالجلوس بهذا الترتيب العشوائي؟

    المرافق: لقد اختار كل وفد مكاناً وجلس فيه وليس عندي أية سلطة تحول دون ذلك.

    أيوب: أما أنا فعندي مثل هذه السلطة. ثم من هؤلاء الذين يجلسون في الصف الأول ويلفون ساقاً على ساق بكل هذه العظمة؟

    المرافق: وفود من الدول العربية.

    أيوب: وماذا جاؤوا يفعلون بهذه المناسبة؟ من وجّه اليهم الدعوة؟ ما من مؤتمر أو مهرجان في مناسبة حقوق الانسان، أو حقوق الملاحة، أو حتى حقوق الفقمة.. إلا وتراهم جاهزين بكلماتهم وتوصياتهم وبرقيات تأييدهم واستنكاراتهم. يا إلهي. هل ينامون بثيابهم في المطارات؟ أخرجهم حالا من القاعة كلها، بل حتى لو وجدت في هذا المبنى ولو "تواليت عربي" سأقدم استقالتي وأنسحب.

    المرافق: ألا يمكن أن نسمح لهم بالبقاء ولو كمراقبين؟

    أيوب: مراقبين على ماذا؟ على حقوق الإنسان؟ هل أنت أجدب؟ هل يؤتمن الثعلب على الدجاج؟ هيّا ... ليغادروا المكان، ولتقف جميع الوفود في الزاوية ريثما أعيد ترتيب الجلوس حسب هذه اللائحة التي أعددتها بنفسي. فهناك أصول ومقامات يجب أن تراعى في مثل هذه الأحوال.

    المرافق: وهذه لائحة يا سيدي بأهم البحوث والموضوعات التي ستلقى في الاحتفال. هل أتلوها عليك؟
    أيوب: طبعاً، وبسرعة.

    المرافق: كلمة الافتتاحة سيلقيها الدكتور خوريا موريا من الأرجنتين عن الجذور التاريخية لحقوق الإنسان عند جان جاك روسو. ثم يعقب عليه الدكتور غوهو موهو من أفريقيا الوسطى بمقولة ديمومة الإنسان لهيغل.

    أيوب: عظيم ولكن أسرع.

    المرافق: ثم هناك التكنولوجيا ومستقبل الإنسان.
    الاسطورة وخيال الانسان.
    الميثولوجيا وطقوس الانسان.
    فولتير وروح الانسان.
    بيكاسو وضمير الانسان.
    بريجينسكي وجسد الانسان.
    شوبان وشفافية الانسان.
    ثم بيتهوفن وعظمة الانسان. والحركة الرابعة من السمفونية الثالثة وقدر الإنسان.
    ثم آسيا تنهض.
    أمريكا اللاتينية تتمخض.
    افريقيا تتحفز.

    أيوب: عظيم . عظيم . والآن، يجب أن يكون ترتيب الجلوس على الشكل التالي:
    في الصف الأول: يجلس الحدادون والنجارون والسباكون واالمقاولون والمهربون وأصحاب الملاهي والكباريهات.

    المرافق: سيدي. ما هذا؟

    أيوب: لا أريد مناقشة أو اعتراضا من أحد فهذا الترتيب نهائي. وجاء نتيجة دراسة ميدانية في معظم أرجاء العالم الثالث. ثم، لو لم أكن موضع ثقة سيادة الأمين العام للأمم المتحدة لما كلفني بهذه المهمة، وأرجو عدم مقاطعتي بعد الآن.
    يليهم في الصف الثاني: أصحاب البنوك وتجار العقارات والموبيليا والمفروشات.
    يليهم: السفراء والقناصل ورؤساء البعثات الأجنبية.
    يليهم: القضاة والأطباء والمحامون والمهندسون.
    يليهم: الطلاب والمدرسون والمقررون والمفتشون.
    يليهم: العمال والفلاحون والحراس والليليون.
    يليهم: الحمالون وماسحو الأحذية والباعة المتجولون.
    يليهم: النشالون والجانحون وأرباب السوابق.
    وأخيراً، يليهم: الكتاب والصحفيون وأرباب القلم.
    ثم: ليوضع في مقدمة الجميع بوط عسكري.
    واحتفلوا وناقشوا بعد ذلك حتى يورق الصوان.
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    الحديقة قرب الغابة


    اجمل شعارات هذه الأمة واعرقها. بل ثوب زفافها الأبيض. ماذا حل بها؟ ماذا بقي منها غير الازرار الصدئة والاكمام المتهدلة والجيوب الفارغة؟

    شعارات نقية يطلقها اناس انقياء وبلمح البصر تصبح كثياب عمال الدباغة مع أن الكل يدعي النظافة وتعقيم اليدين.

    معاهد جامعات مخابر تكنولوجيا، ومع ذلك حكمة قيلت قبل أربعين قرناً على ظهر بعير تحكمنا وتسيطر على افعالنا ونحن على متن الجامبو أو الكارافيل وعلى ارتفاع اربعين ألف قدم عن سطح الأرض.

    ما أذرب السنتنا في اطلاق الشعارات. وما ارشق ايدينا في التصفيق لها، وما أعظم جلدنا في انتظار ثمارها، ومع ذلك فان منظر ثائر عربي يتحدث عن آلام شعبه للصحفيين وهو يداعب كلبه الخارج لتوه من الحمام، أو منظر طفل مقنزع في صدر سيارة بمفرده أمام مدرسة خاصة أو حضانة أطفال، وعلى مسافة أمتار من ظل سياراته يقف المئات تحت الشمس المحرقة بانتظار باص، يلغي مفعول عشرين دراسة ومائة محاضرة والف أغنية واهزوجة عن العدالة والاشتراكية. كأن هناك من اختص في تجويف الشعارات العربية وتفريغها كالخلد من أي محتوى... ولا يقر له قرار ما لم يتركها لمن سيجيء من بعده وهي كالبطيخة المنهوشة بالأسنان حتى القشرة البيضاء.

    كأني بهؤلاء وأمثالهم منذ أول مظاهرة عام 1948 اصطفوا على طريق النضال العربي وكل منهم وضع شعاراً من الشعارات في "حلة" ووقف وراءها وبيده مغرفة وراح يفرغ ما بها كبائع السحلب.

    وعندما تصبح هذه الشعارات ضجة بلا محتوى... يعودون إلى الصف مرة ثانية ويقفون رتلاً احاديا وراء بعضهم كما في النظام المنضم وكل منهم يحمل فرشاة في يمينه وسطل دهان في يساره، ويبدأ بلصق التهمة تلو التهمة على ظهر الذي أمامه بينما تكون فرشاة الذي وراءه تعمل في ظهره وتلصق عليه ألف تهمة مماثلة. حتى أصبح ظهر المواطن العربي مع مرور الأيام والعهود والمراحل كواجهة السينما أو لوحة الاعلانات.

    وفي المقابل هناك فريق ثالث يتألم ويخبط كفاً بكف لهذه الحالة.. ويدعو إلى الشفقة والرحمة بهذه الأمة ... ثم يتلفت يمنة ويسرة وينهش منها ثمن سيارته ويمضي.
    ويأتي آخر ينهش منها ثمن طقم كنبايات.
    وآخر ثمن مزرعة دواجن.
    وآخر ثمن كباريه.
    وآخر ثمن شاليه.
    وآخر محضر بناء.
    وآخر تعهد قمامات.
    وهذه خاتم سونيتر.
    وتلك فسطان سواريه للصيف.
    وتلك معطف فرو للشتاء.

    وهذه الأمة ترتجع كالنعجة في موسم القصاص بعد أن جردت من كل ما يسترها ولم يبق منها إلا الأنسجة والاعصاب.

    ولكن حذار:
    يحكى أن نمراً في سيرك هندي بعد أن تقدم به العمر وأحيل على التقاعد كأي دركي عجوز، دفن رأسه بين قائمتيه وانزوى بعيداً عن الأعين، لكن الحيوانات الاخرى لم تتركه وشأنه فراح كل ما في السيرك من قطط صغيرة وقردة وثعالب وسحالي وببغاوات وسعادين يتحرش به ذهاباً وإياباً. وهو صامت لا يروم، تعففاً وسأماً، ولكن في يوم من الأيام عندما زادوا من تحرشهم لم يطق صبراً على ذلك. فانتظرهم حتى مروا قافلة واحدة ورفع يده وهوى بها عليهم. فقضى على الجميع بضربة واحدة.
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بجوار علامة استفهام
    الردود
    4,275
    ممتع للغاية ..
    هــ..كــذا !
    al-sakher@hotmail.com




  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد القهر
    الردود
    58
    اخي.. اّه يا وطن :
    راااااااااااائع هذا الكاتب المفكر أينما حل وارتحل .
    والأروع صبرك وجهدك... كل الشكر والامتنان لك.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    شكراً على مشاعركم الطيبة ... إن شاء الله المزيد قادم لكن تعذروني فأنا أعاني من الزكام هذه الأيام و لا جلد عندي للطباعة والقراءة ... لكن قريباً أكمل ..
    دمتم بكل الحب
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2003
    المكان
    بؤرة الفقر
    الردود
    525

    آه..ياوطن..


    آه..يااوطن..
    أتدري..قبل..يومين..إتصلت..بصديقي.."علي"..
    من..الأردن..الشقيق..!!
    طاالباً..منه..أن..يُهرّب..لي..كميّة..من..الوعي..
    وكاانَ..في..مقدّمة..هذا..الوعي..جميع..ما..يخُص..
    "محمد..المااغوط"..من.."يعيش"..على..وزن.."حشيش" ..!!
    هل..تعتقد..بأنّ..الكلاب..البوليسيّة..
    تستطيع..أن..تجدّ..ما..في..جعبته..من..وعي..؟!!!
    آه..يااوطن..
    ماذنبي..إذا..كاانَ..الإمدااد..
    لا..يصل..لمكتبتي..إلا..بهذه..الطريقة..؟!!
    آه..يااوطن..
    ماأكثر..الجرااح..!!
    آه..يااوطن..
    بالرغم..من..ذلك..
    ورغماً..عن..ذلك..
    نهرُ..شكرٍ..لك..


    ka200444@hotmail.com

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    ولم أر لي بأرض مستقرا .. !
    الردود
    942
    مررت سريعا .. فلمحت شيئا رائعا ...

    سأعود إليه ..

    تحياتي

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    الأخ خالد الحربي ... ذكرتني بأيام الجامعة عندما كانت كتب أحمد مطر ممنوعة حتى في الأردن ... وكنا نحصل على نسخة ونقوم بتصويرها وتخبئتها ككنز تعبنا في الحصول عليه ...
    شكراً على كلماتك الطيبة ... قريباً أضيف المزيد

    أختك
    آه يا وطن (أردنية في بريطانيا)
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    بوح القلم ...
    بانتظار عودتك ...
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    الجاحظ


    العربي الأول: صباح الخير.
    العربي الثاني: صباح لبنان، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وروافد نهر الأردن، وحريق المسجد الأقصى، وضرب المفاعل النووي العراقي، واتفاقية سيناء، وكامب ديفيد، وعقد الاذعان، ومؤتمرات القمة، وخلافات المقاومة، وحرب الخليج، ومجازر صبرا وشاتيلا، ومجازر طرابلس، وقوانين الطواريء والأحكام العرفية، يا قليل الذوق والتهذيب.
    الأول: ماذا فعلت حتى تثور كل هذه الثورة وترفع عليّ حذائك؟
    الثاني: عربي ويقال له صباح الخير!
    الأول: ماذا يقال له إذن؟
    الثاني: يقال له: صباح الجلطة، صباح الديسك، صباح الشلل النصفي ...
    الأول: آسف.
    الثاني: قلها مرة ثانية وسأشكوك إلى الشرطة، إلى محكمة القيم.
    الأول: لم أكن أقصد استفزازك أبداً.
    الثاني: ثم ما هذه الخدوش التي في وجهك؟
    الأول: مناقشة عائلية بسيطة، وأنت، ما هذه الهضبة التي في رأسك؟
    الثاني: ضربتني زوجتي بالطنجرة.
    الأول: طنجرة عادية؟
    الثاني: ألومنيوم
    الأول: لا. نحن أرقى منكم. أنا ضربتني زوجتي بطنجرة بخار.
    الثاني: ولذلك قد يصفر رأسك في أية لحظة عندما تنضج آلامك.
    الأول: هل هذه نكتة؟
    الثاني: نعم.
    الأول: عجيب.
    الثاني: ولكنها نكتة ملتزمة، لا يضحك لها المواطن فوراً كالنكتة البرجوازية العفنة. ولكن في ما بعد، بعد شهر أو شهرين، لأن القيمة الجدلية للنكتة ...
    الأول: وهل عندكم الكثير من هذه النكات الملتزمة.
    الثاني: مجموعة لا بأس بها. وبمجرد أن تقرها اللجنة المركزية، والمكتب السياسي واللجان الشعبية في الأقاليم، ويجربها المسؤولون شخصياً في بيوتهم، سوف تطرح على الجماهير في أحد أعيادها القومية.
    الأول: كان الله في عون هذه الجماهير.
    الثاني: تحيا الجماهير.
    الأول: تحيا.
    الثاني: يعيش الشعب العربي يا...
    الأول: يعيش. يعيش. يعيش.
    الثاني: تسقط الأحلاف الاستعمارية تا...
    الأول: أرجوك دعنا من هذا الحديث، فربما سمعتنا المخابرات.
    الثاني: اطمئن. أنا نفسي من المخابرات. كيف أبدو؟
    الأول: سبحان الخالق. ولكن في هذه الساعة المتأخرة من الليل، والشوارع مقفرة، والناس كلهم نيام، من تراقب؟ بزوغ الشمس من الناحية الأمنية!
    الثاني: بزوغ أي شيء. وإذا لم أجد ما أراقبه، أراقب نفسي.
    الأول: هذه حال لم أسمع بها من قبل.
    الثاني: بل هناك حالات كثيرة متشابهة. أنا مثلاً أعرف صحفياً إذا لم يجد جهة يقبض منها يقبض من نفسه.
    ومطربة تغني أمام المرآة لنفسها وتصرخ بحماس: ما صار. ما صار. وبرلمانياً سابقاً يخرج من دورة المياه ويقول: انتهت الجلسة.
    الأول: يبدو لي أن أعصابك في غاية الأرهاق.
    الثاني: ثلاث ليال لم أعرف طعم النوم.
    الأول: من تراقب.
    الثاني: لا أعرف.
    الأول: لم لم تذهب اذن إلى بيتك وتنام مع زوجتك وأطفالك؟
    الثاني: لا أستطيع لأنني أنا أيضاً مراقب.
    الأول: يا له من عالم عجيب.
    الثاني: نعم يا صديقي، فعندنا لا بد من مخابرات تراقب المخابرات.
    ومن طالب لمراقبة الطلاب.
    ومن كاتب لمراقبة الكتاب.
    ومن سائق لمراقبة الركاب.
    ومن سكير لمراقبة السكارى.
    ومن قاض لمراقبة القضاة.
    ومن محام لمراقبة المحامين.
    ومن مهندس لمراقبة المهندسين.
    ومن حرفي لمراقبة الحرفيين.
    ومن فنان لمراقبة الفنانين.
    ومن صحفي لمراقبة الصحفيين.
    ومن رياضي لمراقبة الرياضيين.
    ومن مسافر لمراقبة المسافرين.
    ومن سجين لمراقبة المساجين.
    ومن يميني لمراقبة اليمينيين.
    ومن يساري لمراقبة اليساريين.
    ومن ناصري لمراقبة الناصريين.
    ومن وحدوي لمراقبة الوحدويين.
    ومن وافد لمراقبة الوافدين.
    ومن فدائي لمراقبة الفدائيين.
    ومن متفائل لمراقبة المتفائلين.
    ومن يائس لمراقبة اليائسين.
    ومن بائس لمراقبة البائسين.
    ومن متحضر لمراقبة المتحضرين.
    بمعنى أن السلطة تراقب الشعب، والشعب يراقب السلطة.
    الأول: واسرائيل تراقب الجميع!

    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2000
    المكان
    الرصيــف
    الردود
    4,410
    -
    أما أنا فقد حصلت و "هرّبت" هذا الأسبوع جميع ماوجدته من مؤلفات الذكور أعلاه (والذين لم يذكرون أعلاه) في زيارتي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب يوم الأحد الماضي ،، وبعد أن أكمل قراءتها سأعرضها للبيع لأعلى سعر مع بقية الممنوعات !!
    يمديك ياخالد الحربي تسوم
    وهذه صورة لمؤلفات التي احضرتها للذي سيخون وطنه:

    <img src="http://www.arab3.com/gold/images/Feb05/arab_mag2.jpg" border=1>


    عموما ليس لدي خلفية عن فكر الأديب الماغوط وسبب منع كتبه وهل المنع لأسباب سياسية او دينية عقائدية ، وهذا ما أثار فضولي في الحصول على مؤلفاته والاطلاع عليها ..

    شكراً لك (آه ياوطن) على جهدك وانتقاءك الجميل ..

    alsakher@hotmail.com

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بلاد لا تعرف الدفء
    الردود
    112
    أعتقد أن منع كتبه يا أخ حاطب سببه عقائدي ... فأحياناً كاتبنا الكريم يشطح قليلاً ... وكما قلت قبل أن أبدأ بنشر هذه المقتطفات ... أنني قد أتفق مع بعض أفكاره وأختلف مع أخرى ... لكن هذا لا ينفي أنه كاتب مميز .... وساخر من الدرجة الأولى ... يكفي أنه يجعلك تبتسم من الألم ...
    أؤكد لك أنك ستستمتع بقراءة هذه الكتب ...
    هناك في الطرف الآخر من العالم ... تركت ذاكرتي وعمري
    ورحلت ... إلى بلاد بعيدة
    وفي الوطن خلّفت قلبي ... وحيداً
    يأكله الرماد ...

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 2 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 2 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •